369 الله صلى الله عليه وسلم فخرجت حتى أمرا على الصبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك فقال: «أنس ذهبت حيث أمرتك؟»، قال: قلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله، قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته لم فعلت كذا وكذا، أو لشيء تركته: هلاا فعلت كذا وكذا 1. وهذا إن دل فإنما يدل على اهتمامه صلى الله عليه وسلم ببناء أخلاق الأطفال عملياً بالقدوة الحسنة لهم فينشؤون أرسخ خلقاً، وأثبت عوداً أمام التحديات المادية التي تنتظرهم في واقع المجتمع وفي حياة الناس فلا يفرطون بأخلاقهم الإسلامية أمام عواصف التيارات المنحرفة2، ويساهمون في بناء الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية. ح ـ البناء العاطفي للطفل: إن البناء العاطفي للطفل له أهمية خاصة في بناء نفسية الطفل وتكوينه، وهذا البناء يلعبا فيه الدور الأكبر الوالدان، إذ هما المصدر الأساسي لأشعة العاطفة التي تبني نفسه وهما الركن الرشيد الذي يأوي إليه الطفل لينعم بحرارة العاطفة ونعمة الأبوة والأمومة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تبني عاطفة الطفل ونؤدي له حقه ليكون إنساناً سوياً في مستقبله ولذلك علمنا رسول الله في معاملة الأطفال. ـ القبلة والرحمة والرأفة بهم: القبلة هي النور الساطع الذي يبهر فؤاد الطفل، ويشرح نفسه ويزيد من تفاعله مع من حوله وتسكن ثورانه وغضبه ثم هي أولاً وأخيراً السنة الثابتة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم مع الأطفال، فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟، فقال: «نعم» .قالوا: لكنا والله ما نقبِّ ل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة»3. 1 رواه أحمد والبخاري ومسلم، منهج التربية النبوية للطفل، ص175. 2 منهج التربية النبوية، ص175. 3 مسند أحمد6 /70.)
عدد الصفحات ٣٦٩370 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبال النبي صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي رضي الله عنهما، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبالت منهم أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لا يَرحم لا ي رحم »1، ومن صور رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بالأطفال ما أخرجه البخاري عن أنس رضي الله عنه: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء صبي فأتجوز في صلاتي لما أعلم من وجد أمه في بكائه»2، وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها3. ـ المداعبة والممارسة مع الأطفال روى الطبراني عن جابر رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعينا إلى طعام فإذا الحسين يلعب في الطريق مع صبيان فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم ثم بسط يده فجعل يفرها هنا وهناك فيضاحكه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أخذه فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى بين رأسه وأذنيه ثم اعتنقه وقباله، ثم قال: «حسين مني وأنا منه أحب الله من أحبه الحسن والحسين سبطان من الأسباط»4. وأخذت الأمة هذه الأخلاق من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أن عمر رضي الله عنه ليعزل أحد عماله عن الرئاسة لأنه وجد منه دليلاً واضحاً على قسوة قلبه تجاه أولاده، فعن محمد بن سلام قال: استعمل عمر بن الخطاب رجلاً على عمل، فرأى الرجل عمر يقبال صبياً له، فقال الرجل: تقباله وأنت أمير المؤمنين: لو كنت أنا ما فعلته، قال عمر: فما ذنبي إن كان نزع من قلبك الرحمة، إن الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء، ونزعه عن عمله، فقال: أنت لا ترحم ولدك فكيف ترحم الناس5. ـ الهدايا والعطايا للأطفال 1 رواه البخاري، منهج التربية النبوية، ص180. 2 رواه الخمسة إلا أبو داود، منهج التربية، ص180. 3 صحيح الجامع رقم4797. 4 صحيح الجامع3146، رواه البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجه والحاكم 5 كنز العمال583 /6) رواه الدينوري
عدد الصفحات ٣٧٠371 للهدايا أثر طيب في النفس البشرية عامة، وفي نفوس الأطفال أكثر تأثيراً وأكبر وقعاً، وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدة للحب بين الناس فنصح الأمة بقوله: «تهادوا تحابوا»1 . وهذا قانون عام، والرسول صلى الله عليه وسلم بين لنا عملياً هذا الركن القوي في بناء عاطفة الطفل وتحريكها وتوجيهها وتهذيبها2. ـ مسح رأس الطفل وحسن استقباله إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يداعب عواطف الأطفال بمسح رؤوسهم فيشعرون بلذة الرحمة والحنان والحب والعطف الأمر الذي يشعر الطفل بوجوده وحب الكبار له واهتمامهم به، ففي زوائد ابن حبان عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم3. وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: مسح رسول اصلى الله عليه وسلم بيده على رأسي، قال: أظنه قال ثلاثاً فلما مسح قال: «اللهم اخلف جعفراً في ولده »4. وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقى الصبيان من أهل بيته، وأنه جاء من سفر فسبق بي إليه، فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة الحسن أو الحسين رضي الله عنهما فأردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة5. ـ الرعاية الخاصة بالبنت واليتيم من القواعد الأساسية في تربية البنت. *ـ النهي عن كراهية البنت: صحح القرآن الكريم النظرة والتصور عن البنات والتي كانت وماز الت ذائعة الصيت في المجتمعات الجاهلية فوجَّ ه العقول إلى تصحيح النظرة إليها وتعديل التصور عنها، قال تعالى: 1 المقاصد الحسنة، رقم352. 2 منهج التربية النبوية للطفل، ص184. 3 صحيح الجامع، رقم4947. 4 الحاكم في المستدرك1 /372)، منهج التربية النبوية،ص: 185. 5 صحيح الجامع رقم4765.
عدد الصفحات ٣٧١372 ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَى ظَلَّ وَج هُهُ مُس وَدًّا وَهُوَ كَظِيم * يَتَوَارَى مِنَ ال قَو مِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُم سِكُهُ عَلَى هُون أَم يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَح كُمُونَ ﴾ (النحل ، آية : 58 ـ59.) ثم هز النفس البشرية وسألها وسأل ضميرها، لتستيقظ من جهلها1. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال«إن الله كره لكم ثلاثاً عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات»2، وفي ختام هذه القاعدة نذكا ر بقول الله تعالى: ﴿للهِِ مُل كُ السَّمَاوَاتِ وَالأ َر ضِ يَخ لُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَن يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ * أَو يُزَوِّجُهُم ذُك رَانًا وَإِنَاثًا وَيَج عَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيم قَدِير ﴾ (الشورى، آية : 49 ـ50.) وقد قال الله تعالى في حق النساء ﴿فَإِن كَرِه تُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَك رَهُوا شَي ئًا وَيَج عَلَ اللهُ فِيهِ خَي رًا كَثِيرًا ﴾ (النساء، آية : 19). وهكذا البنات قد يكون للعبد فيهن خير في الدنيا والآخرة، ويكفي في قبح كراهتهن أن يكره ما رضيه الله وأعطاه عبده، فالخيرة فيما اختاره الله للعبد، لا فيما اختاره لنفسه3. ـ المساواة بين الذكر والأنثى وعدم المفاضلة بينهما في التعامل جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم المساواة في المعاملة بين الأولاد سبب في دخول الجنة وذلك في عدم إيثار الصبي على البنت وإنما هم في الحب سواء وفي العطاء سواء وفي تقديم الهدايا والمال سواء وفي التعليم سواء وفي المعاملة سواء وحتى في القبلة سواء بسواء، وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهينها ولم يؤثر ولده ـ يعني الذكر ـ عليها أدخله الله الجنة»4. 1 منهج التربية النبوية للطفل، ص189. 2 مجمع الزوائد للهيثمي8 /147)، رجاله رجال الصحيح 3 منهج التربية النبوية للطفل، ص191. 4 سنن أبي داود، منهج التربية النبوية للطفل، ص191.
عدد الصفحات ٣٧٢373 وعن أنس رضي الله عنه أن رجلاً كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبَّ له وأجلسه على فخده وجاءت بنت له فأجلسها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا سويت بينهم»1. بهذه الدقة النبوية فيالتعامل مع الصبي والبنت مما لا تعرفه جميع المجتمعات البشرية، ولا تعلمه الكتب الغربية في تربية الأطفال ولا يخطر على عقول من يسمون أنفسهم علماء النفس التربويين2. *ـ أجر التربية والإحسان والصبر على البنات لم تقف الشريعة الإسلامية في مواجهة النفس البشرية لتعاكسها وإنما لتهذيبها ففي مقابل تربية البنات كان الأجر الكبير، وفي مقابل الصبر عليهن الثواب العظيم، وذلك ليسكن من ألم الوالدين، ويرطب من خاطرهما ويشعرهما بأهمية عملهما ودورهما في هذه الرعاية والعناية لهن3. روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر الجهني يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن فأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته كان له حجاباً من النار يوم القيامة »4،فالبنت أم المستقبل ومؤسسة المجتمع في الغد القريب، وصانعة الأبطال، ومؤثرة في حركة التاريخ في القريب العاجل5. ـ تربية اليتيم واليتيمة يعراف النبي صلى الله عليه وس لم مرحلة اليتيم بأنها دون سن الاحتلام، فإذا حصل الإحتلام فعند ذلك انتفت عن الطفل صفة اليتيم، روى أبو حنيفة في مسنده عن أنس رضي الله عنه قال: 1 مجمع الزوائد8 /156.) 2 منهج التربية النبوية للطفل، ص: 191. 3 المصدر نفسه، ص192. 4 رواه ابن ماجة، صحيح الجامع، رقم6488. 5 منهج التربية النبوية للطفل، ص192.
عدد الصفحات ٣٧٣374 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«لا يتم بعد حلم»1، وعن علي بن أبي طالب رضي ا عنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد إحتلام2. وتتلخص تربية اليتيم في قواعد من أهمها *ـ أجر رعاية اليتيم وتربيته: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل 3 اليتيم في الجنة هكذا » وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما4. *ـ حفظ مال اليتيم والتجارة بماله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله :﴿وَلاَ تَق رَبُوا مَالَ ال يَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَح سَنُ حَتَّى يَب لُغَ أَشُدَّهُ ﴾ (الإسراء، آية : 34.) وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأ كُلُونَ أَم وَالَ ال يَتَامَى ظُل مًا إِنَّمَا يَأ كُلُونَ فِي بُطُونِهِم نَارًا وَسَيَص لَو نَ سَعِيرًا ﴾ (النساء، آية : 10.) قال: انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء من طعامه وشرابه فيحبس حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل: ﴿وَيَس أَلُونَكَ عَنِ ال يَتَامَى قُل إِص لاَح لَّهُم خَي ر وَإِن تُخَالِطُوهُم فَإِخ وَانُكُم ﴾ (البقرة، آية : 220.) وخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم5. وعن مالك بن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة6. 1 عقود الجواهر المنيفة2 /94) للزبيدي 2 جامع الأصول11 /642) حسن بشواهده 3 كافل: القائم بأموره 4 صحيح ورواه أحمد وأبو داود والترمذي 5 الحاكم في مستدركه2 /303.) 6 مالك في الموطأ، منهج التربية النبوية للطفل، ص195.
عدد الصفحات ٣٧٤375 وهكذا وجدنا اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل من الضعيفين البنت واليتيم فوجه الأمة إلى زيادة الاهتمام بهما والحرص عليهما والإحسان لهما، وأنها مكرمة أي مكرمة1. ـ البناء الجسمي قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: علموا أولادكم السباحة والرماية وأن يثبوا على الخيل وثباً 2. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَ صُفُّ عبد الله وعبيد الله وكثير من بني العباس رضي الله عنهم ثم يقول: «من سبق إلي فله كذا وكذا»، فيسبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم3. وقد شاهد صلى الله عليه وسلم مصارعة الغلامين قبل غزوة أحد عندمااعترض أحدهما على الآخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقبوله الاشتراك في المعركة وعدم قبول المعترض، وكان فيما قال: يا رسول الله كيف تقبله وأنا إن صارعته صرعته، فتصارعا أمامه وغلبه كما قال، فقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في دخول المعركة 4، وللعب عدد من الفوائد والقيم: ـ أن اللعب النشيط ضروري لنمو العضلات للطفل، من خلال اللعب يتعلم مهارات الاكتشاف وتجميع الأشياء. ـ أن اللعب يفسح المجال أمام الطفل كي يتعلم الشيء الكثير من خلال أدوات اللعب المختلفة كمعرفة الطفل للأشكال المختلفة والألوان والأحجام والملابس. 1 منهج التربية النبوية، ص196. 2 المصدر نفسه، ص211. 3 المصدر نفسه، ص212. 4 منهج التربية النبوية، ص214.
عدد الصفحات ٣٧٥376 ـ يصرف الطفل عن طريق اللعب التوتر الذي يتولد نتيجة القيود المختلفة التي تفرض عليه، ولذا نجد أن الأطفال الذين يأتون من بيوت تكثر فيها القيود والأوامر والنواهي، يلعبون أكثر من غيرهم من الأطفال كما أن اللعب وسيلة من أحسن الوسائل لتصريف العدوان المكبوت. ـ يكتشف الطفل عن طريق اللعب الشيء الكثير من نفسه كمعرفة قدرته ومهارته من خلال تعامله مع زملائه ومقارنة نفسه بهم، كما أنه يتعلم من مشاكله كيف يمكنه مواجهتها. ـ يستطيع الطفل عن طريق اللعب أن يعبر عن طاقاته الإبداعية. ـ يتعلم الطفل من خلال اللعب بدايات مفاهيم الخطأ والصواب، كما يتعلم بشكل مبدئي بعض المعايير الخلقية، كالعدل والصدق والأمانة وضبط النفس والروح الرياضية. ـ يتعلم الطفل من خلال اللعب كيف يبني علاقات اجتماعية مع الآخرين ويتعلم كيفية التعامل معهم بنجاح، كما أنه يتعلم من خلال اللعب التعاوني واللعب مع الكبار الأخذ والعطاء1. ط ـ البناء العلمي والفكري: وضع النبي صلى الله عليه وسلم، قاعدة أصلية لكسب مرحلة الطفولة في التعليم وطلب العلم، فجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، سواء كان صغيراً أم كبيراً رجلاً أو امرأة، صبياً أم بنتاً وهو أفضل العبادات التي يتقرب فيها العبد من ربه، لهذا كانت فترة الطفولة ـ والشباب ـ أخصب فترة في البناء العلمي والفكري وكل العلوم النافعة مطلوبة، وتبقى تعلم القرآن والسنة والعقائد واللغة والفقه ...الخ من الأمور ذات الأهمية بمكان، وبعد أن يتقن الطفل اللغة العربية بشكل جيد ويحفظ شيئاً من القرآن والحديث، فلا مشكلة بأن يتقن لغة أجنبية سائدة، وذلك لتكوين جيل مسلم يستطيع كشف خطط الأعداء ويأمن م كرهم، وينقل العلوم المادية البحت ة إلى المسلمين، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول ما وصل المدينة المنورة مهاجراً من مكة، فقد روى أبو يعلي وابن عساكر عن زيد بن ثابت رضي الله 1 منهج التربية النبوية للطفل، ص216.
عدد الصفحات ٣٧٦377 عنه قال أُتي بي النبي صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة فقالوا: يا رسول الله: هذا غلام من بني النجار وقد قرأ مما أنزل عليك سبع عشرة سورة، فقرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فأعجبه ذلك قال: «يا زيد تعلّ م لي كتاب يهود والله ما آمن يهود على كتابي»، فتعلمته فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا كتب وأقرأ كتابهم إذا كتبوا إليه1. وفي رواية أخرى عن زيد قال لي رسول الله صلى عليه وسلم: «أتحسن السريانية فإنها تأتيني كتب؟» قلت، قال: «فتعلمها»، فتعلمتها في سبعة عشر يوماً 2. ي ـ البناء الصحي للطفل: من أسس البناء الصحي للطفل، رياضة السباحة والرماية، وركوب الخيل والمصارعة وغير ذلك من أنواع الرياضة النافعة، وتعويد الطفل سنة السواك، واستخدام معجون الأسنان واهتمامه بالنظافة وتقليم الأظافر، و اتباع السنة النبوية في الأكل والشرب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه»3. والنوم على الشق الأيمن و هو ركن صحي نبوي في حياة المسلم وله فوائ د صحية كثيرة، فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوصي صحابته بذلك: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ث م اضجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت، واجعلهن آخر ما تقول»4. والنوم بعد العشاء والاستيقاظ المبكر لصلاة الفجر و إبعاد الأطفال عن الأمراض المعدية، وتعويذ الأطفال من العين الحاسدة والجن، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعوِّذ الحسن 1 سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم187. 2 سنن أبي داوود منهج التربية النبوية للطفل، ص232. 3 جامع الأصول7 /410) المستدرك للحاكم وصححه الذهبي 4 البخاري ومسلم، منهج التربية النبوية، ص246.
عدد الصفحات ٣٧٧378 والحسين«أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامَّة »، فيقول «إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق»1. وسرعة معالجة الطفل المريض، وعيادته وعلاجه بالدعاء والرِّقي 2، هذا كله من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في البناء الصحي للطفل. ك ـ تهذيب الجانب الجنسي للطفل: الدافع الجنسي خلقه الله تعالى في النفس البشرية ليكون سبباً في استمرار الكائنات الحية جميعها ومن بينها الإنسان، وقد خصَّ الله تعالى زمناً معيناً لتفجير هذه الطاقة في الإنسان ليصبح قادراً على الإنجاب، وسمى الشرع الحنيف هذه السن بسن التكليف، أي بدخول الطفل هذا السن يصبح مسؤولاً عن تصرفاته، محاسباً على أعماله. ولكي يسير الدافع الجنسي في نفس الطفل بشكل هاد ىء، بلا تهي جات خارجية تغذيه نحو الانحراف عن السلوك القويم ، رعى الإسلام هذا الطفل وطالبه بأوامر ونواهي وذلك لكي يتهذب الدافع الجنسي، ويبقى متوازناً ظاهراً بلا انحراف نقياً بلا تلوث. ومن القواعد الضابطة التي خصَّ ها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تهذيب الطفل جنسياً وتُ بقي فطرته نظيفة طاهرة عفيفة لم تخدشها الجاهلية بمستنقعها الآسن3. ــ استئذان الطفل في الدخول قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَس تَأ ذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَت أَي مَانُكُم وَالَّذِينَ لَم يَب لُغُوا ال حُلُمَ مِنكُم ثَلاَثَ مَرَّات مِن قَب لِ صَلاَةِ ال فَج رِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَع دِ صَلاَةِ ال عِشَاء ثَلاَثُ عَو رَات لَّكُم لَي سَ عَلَي كُم وَلاَ عَلَي هِم جُنَاح بَع دَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَي كُم بَع ضُكُم عَلَى بَع ض كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآ يَاتِ وَاللهُ عَلِيم حَكِيم * وَإِذَا بَلَغَ الأ َط فَالُ 1 الحاكم في المستدرك3 /671) صحيح على شرط الشيخين 2 منهج التربية النبوية للطفل، ص248 إلى256. 3 منهج التربية للطفل، ص259.
عدد الصفحات ٣٧٨379 مِنكُمُ ال حُلُمَ فَل يَس تَأ ذِنُوا كَمَا اس تَأ ذَنَ الَّذِينَ مِن قَب لِهِم كَذَ لِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيم حَكِيم ﴾ (النور ، آية : 58 ـ59.) في هذه الأوقات الثلاثة لا بد أن يستأذن الخدم وأن يستأذن الصغار المميزون الذين لم يبلغوا الحلم، كي لا تقع أنظارهم على عورات أهليهم وهو أدب يغفله الكثيرون في حياتهم المنزلية، مستهينين بآثاره النفسية والعصبية والخلقية، ظانين أن الخدم لا تمتد أعينهم إلى عورات السادة، وأن الصغار قبل البلوغ لا ينتبهون لهذه المناظر، بينما يقرر النفسيون اليوم ـ بعد تقدم العلوم النفسية ـ أن بعض المشاهد التي تقع عليها أنظار الأطفال في صغرهم هي التي تؤثر في حياتهم كلها، وقد تصيبهم بأمراض نفسية وعصبية يصعب شفاؤهم منها1. تعويد الطفل غض البصر وحفظ العورة يعا ود الطفل على غض البصر عن العورات كافة المنزلية والخارجية، ويربى على مراقبة الله له، كما فعل الطفل الصالح عبد الله التستري الذي كان ورده القلبي قبل أن ينام: «الله شاهدي، الله ناظري، الله معي» فإن ذلك يورث حلاوة الإيمان يجدها الطفل في نفسه، وفي رواية ابن جرير في تهذيب الآثار أن العباس قال للنبي صلى الله عليه وسلم: رأيتك تصرف وجه ابن عمك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت جارية حدثة وغلاماً حدثاً فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان»2. وقد ذكر الشيخ عبد الحميد كشك في إحدى خطبه قول أحد علماء الألمان حول أهمية غض البصر وأنه هو العلاج الوحيد للجنس قوله: لقد درست علم الجنس وأدوية الجنس فلم أجد دواء أنجح وأنجع من القول في الكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قُل لِّل مُؤ مِنِينَ يَغُ ضُّوا مِن أَب صَارِهِم وَيَح فَظُوا فُرُوجَهُم ذَلِكَ أَز كَى لَهُم إِنَّ اللهَ خَبِير بِمَا يَص نَعُونَ ﴾ (النور ، آية : 30.) 1 في ظلال القرآن ج18 /123.) 2 صحيح ابن خزيمة4 /461.)
عدد الصفحات ٣٧٩380 أما ستر العورة، فإن الطفل يتعودها مع بداية أمره بالصلاة حيث لا بد أن يكون لباسه ساتراً لعورته وذلك لتكون صلاته صحيحة سليمة من صغره، وبالتالي ينشأ على حب ستر العورة صبياً كان أم بنتاً، فالصبي يلبس ما يستر عورته والبنت كذلك، وتزيد عليه أن تتعود الحجاب فتبدأ بحجاب الصلاة، وهكذا ينشأ الطفل مستقيماً صالحاً مهذبة نفسه، قويمة أخلاقه، قوياً في إيمانه1. ــ التفريق في المضاجع بين الأطفال روى أبي داود بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرِّ قوا بينهم في المضاجع»2. إذن هذا التفريق يبدأ في سن العاشرة حيث تكون الغريزة في طريقها للنمو، ولذلك وجب عدم نوم الطفلين في لحاف واحد، لأن النوم في فراش واحد تحت لحاف واحد يؤدي بالأطفال أن تنمو فيهم الغريزة الجنسية بسرعة متزا يدة، وأن تتأجج فلا تجد طريقاً لإ نقاذها إلا ببعض مظاهر الانحراف والشذوذ الجنسي، وكم تحدث شذوذات تحت اللحاف لا يشعر بها الأبوان، فتكون سبباً في دمار هؤلاء الأ طفال الأبرياء الذين تساهل آباءهم عن أحوالهم فوضعوهم في مخالفة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم3. ــ نوم الطفل على شقه الأيمن وابتعاده عن النوم على بطنه: اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنوم على الشق الأيمن يبعد الطفل عن كثير من المهيجات الجنسية أثناء النوم، وقد وصف صلى الله عليه وسلم النوم على الوجه بنومة الشيطان، فإذا نام الطفل على بطنه فيؤدي ذلك إلى كثرة حك أعضاءه التناسلية التي تثير شهوته في هذا الحالة، فإذا وجد الوالدان الطفل في هذه الحالة نائماً غيَّ را من حالته، وحببوا إليه النوم على الشق الأيمن والابتعاد عن النوم على الصدر، فضلاً عن النوم عن الصدور يورث 1 منهج التربية النبوية للطفل، ص263. 2 سنن أبي داوود، مستدرك الحاكم1 /201)، صحيح علىشرط مسلم وأقره الذهبي. 3 منهج التربية النبوية للطفل، ص264.
عدد الصفحات ٣٨٠381 كثيراً من الأمراض الجسمية والأطباء جميعاً بدون استثناء ينصحون بالابتعاد عن النوم على البطن1. ولابد من الوالدين ومن عقلاء المجتمع إبعاد الأطفال من الاختلاط والمهيجات الجنسية ولابد من تعليم الأطفال فروض الغسل وسننه، وشرح سورة النور وتحفيظها للطفل المميز، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تدخلن امرأة مسلمة الحمام إلا من سقم، وعلموا نساءكم سورة النور2، ولابد من المصارحة الجنسية والتحذير من الفاحشة، فالطفل يعلم ويحفظ سورة النور التي تتضمن البناء الخلقي والتهذيب الجنسي للطفل، وتحذره من الوقوع في الفاحشة، وبعد تعلمه فرائض الغسل وإسقاط الجنابة، يحذر تحذيراً شديداً من الوقوع في الفاحشة ويروى له الحديث التالي: "عن أبي أمامة أن فتىً من قريش أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، فقالوا: مه ... مه .. فقال: «أدنه» فدنى منه قريباً، فقال «أتحبه لأمك؟» قال: لا والله جلعني الله فداك، قال«ولا الناس يحبونه لأمهاتهم»، قال«أفتحبه لابنتك ؟» قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك، قال«و الناس يحبونه لبناتهم»، قال«أتحبه لأختك؟» قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك، قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم»، قال«أتحبه لعمتك؟» قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك، قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم»، قال«أتحبه لخالتك؟» قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك، قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم»، قال: فوضع يده عليه، وقال«اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه »، قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء 3. ويعرا ف بعقوبة الزنا وإقامة الحد، ولا بد من تشجيع الزواج المبكر وتسهيله على الشباب فمهما قيل في الزواج المبكر من مساوىء العصر الحاضر، فإن محاسنه تفوقه خاصة إذا صحبه تأمين الحياة المادية، سواء من مساعدة الوالدين، أو كسب الفتى الناشىء، وما أمراض الأمة النفسية والاجتماعية والحوادث الجنائية إلا نتيجة طبيعية لتأخير الزواج.4 1 المصدر نفسه، ص264. 2 مصنف عبد الرزاق1 /295.) 3 رواه أحمد والطبراني، منهج النبوية، ص368. 4 منهج التربية النبوية، ص268.
عدد الصفحات ٣٨١382 الطفل فيالدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية: الدولة الحديثة تضع تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية أمامها عندما تضع خطط تعليمية وتربوية واجتماعية ونفسية وإعلامية ورياضية متعلقة بالأطفال والشباب، فتستلهم خطى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المجال، وتعتبر: ـ الشباب هم محور التغيير، ووقود الحضارة وعماد النهضة. ـ تشجيع الشباب على الانخراط في مؤسسات المجتمع المدني وتعمل على إطلاق الحريات لهم في مجالات حرية الرأي والتعبير وتكوين الأندية أو الروابط أو مخاطبة السلطات العامة أو التظاهر أو التجمع أو عقد المؤتمرات، أو الندوات أو مخاطبة وسائل الإعلام. ـ القضاء المبرم على كافة أنواع عمالة الأطفال وكافة أنواع العنف والمعاملة المهينة ضدهم. ـ للطفل الحق في الحياة الكريمة والرعاية الصحية والأسرية والاجتماعية اللائقة. ـ سن التشريعات التي تكفل الاهتمام بالأطفال الأيتام بوجه خاص أو أبناء الشهداء ومصابي الثورة، وذلك من خلال بناء دور الأيتام، وإفراد موازنة مستقلة لها تلحق بالموازنة العامة للدولة. ـ المساهمة في تنفيذ خطة إستراتيجية تدعم صحة الطفل والمجتمع بالتعاون والتنسيق مع كافة الوزارات والأجهزة والجهات ومنظمات المجتمع المدني ذات الصلة. ـ وضع مناهج للأطفال والشباب لفهم دينهم على أسس من الوسطية والاعتدال والاستقامة. 6ـ كبار السن ـ قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَع ف ثُمَّ جَعَلَ مِن بَع دِ ضَع ف قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَع دِ قُوَّة ضَع فًا وَشَي بَةً يَخ لُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ ال عَلِيمُ ال قَدِير ﴾(الروم، آية : 54.) ـ وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَاب ثُمَّ مِن نُّط فَة ثُمَّ مِن عَلَقَة ثُمَّ يُخ رِجُكُم طِف لاً ثُمَّ لِتَب لُغُوا أَشُدَّكُم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَب لُ وَلِتَب لُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُم تَع قِلُونَ ﴾ (غافر، آية : 67.)
عدد الصفحات ٣٨٢383 وأما الشيخوخة نفسها فإن القرآن الكريم يورد طرفاً من صفاتها في هذه الآيات الكريمة ـ قال تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام الذي يذكر وهن عظمه، وشيب شعره في شيخوخته : ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ال عَظ مُ مِنِّي وَاش تَعَلَ الرَّأ سُ شَي بًا ﴾ (مريم، آية : 4.) ـ وقال تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام الذي يخشى أن يوصف في شيخوخته بالتفنيد وهو الخرف: ﴿إِنِّي لأََجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَو لاَ أَن تُفَنِّدُونِ ﴾ (يوسف، آية : 94). والتفنيد نفسه مشار إليه في القرآن الكريم باعتباره مما ا يطرأ في الكبر، قال تعالى: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَر ذَلِ ال عُمُرِ لِكَي لاَ يَع لَمَ بَع دَ عِل م شَي ئًا ﴾ (الحج، آية : 5.) ـ والضعف العام في البدن مذكور في قوله تعالى ﴿وَمَن نُعَمِّر هُ نُنَكِّس هُ فِي ال خَل قِ ﴾ (يس، آية : 68.) ـ وعدم القدرة على العمل اضطرت شعيباً عليه السلام أن ينيب عنه ابنتيه للسُّقيا، فحكى القرآن الكريم قولهما: ﴿قَالَتَا لاَ نَس قِي حَتَّى يُص دِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَي خ كَبِير ﴾(القصص، آية: 23.) ـ والعجز عن الإيلاء حكاه القرآنالكريم على لسان زوج إبراهيم عليه السلام: ﴿قَالَت يَا وَي لَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوز وَهَـذَا بَع لِي شَي خًا إِنَّ هَـذَا لَشَي ء عَجِيب ﴾ (هود، آية : 72.) وبالإضافة إلى إيجاد هذا الوعي فإن التوجيه النبوي يتضمن الحض على العمل بما يناسب تطورات الحياة وذلك بالمبادرة إلى الأعمال النافعة استفادة من الفترة التي يبلغ فيها الإنسان "أشده" لمصلحة فترة "التنكيس، والضعف، والشيبة". قال صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنظرون إلا فقراً منسياً، أو غ نىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً م جهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمرّ »1، والعمارة 1 سنن الترمذي، حديث حسن
عدد الصفحات ٣٨٣384 وطول العمر ليس مذمومين، إذا أكرم الله المُعمار بالصحة والقدرة على العمل الصالح، قال صلى الله عليه وسلم: خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشركم من طال عمره وساء عمله1، ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا». وأوصى الشيخ الكبير أن يقول«اللهم أحييني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي »2. أ ـ حقوق للمسنين على أبنائهم وذويهم ومعارفهم، وكذلك على المجتمع: متمثلاً في ول ي الأمر في الأمور التي تحِق للمسنين وليس في مقدورهم ولا في مقدور أهليهم أن يوفروها لهم، ومن هذه الحقوق: *ـ حقوق أدبية في الاحترام والبر والمودة، لقوله تعالى فيما يجب على الأبناء: ﴿وَوَصَّي نَا الإ ِنسَانَ بِوَالِدَي هِ حُس نًا ﴾ (العنكبوت، آية : 8.) وقالتعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَع بُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِال وَالِدَي نِ إِح سَانًا إِمَّا يَب لُغَنَّ عِندَكَ ال كِبَرَ أَحَدُهُمَا أَو كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَن هَر هُمَا وَقُل لَّهُمَا قَو لاً كَرِيمًا ﴾(الإسراء، آية : 23.) وقال صلى الله عليه وسلم«رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما، فلم يدخل الجنة»3. وأما الأقارب من غير الأبناء فبرهم للمسنين هو من صلة الأرحام لقوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليَ صِل رحمه»4. 1 رواه أحمد والترمذي، حديث حسن صحيح 2 رواه أصحاب السنن 3 مسلم: أي: أذل الله امرءاً أدركهما فلم يحسن إليهما فلم يدخل الجنة 44 البخاري ومسلم، والرحم: القرابة، وصلتها: كل صنوف البر بالأقارب
عدد الصفحات ٣٨٤