353 ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَال بَنِينَ وَال قَنَاطِيرِ ال مُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَال فِضَّةِ وَال خَي لِ ال مُسَوَّمَةِ وَالأَن عَامِ وَال حَر ثِ ذَلِكَ مَتَاعُ ال حَيَاةِ الدُّن يَا وَاللهُ عِندَهُ حُس نُ ال مَآبِ ﴾ (آل عمران، آية : 14.) وهي شهوات مستحبة مستلذة لكنها يجب أن توضع في مكانها لا تتعداها ولا تطغي على ما هو أكرم من الحياة وأعلى1. والقرآن الكريم لا يضع أي قيد على الاستمتاع بين المرء وزوجه ﴿نِسَآؤُكُم حَر ث لَّكُم فَأ تُوا حَر ثَكُم أَنَّى شِئ تُم ﴾ (البقرة، آية : 223.) مادام الاستمتاع في موضع الحرث وفي غير موضع الأذى وزمانه، قال تعالى ﴿وَيَس أَلُونَكَ عَنِ ال مَحِيضِ قُل هُوَ أَذًى فَاع تَزِلُوا النِّسَاء فِي ال مَحِيضِ وَلاَ تَق رَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَط هُر نَ فَإِذَا تَطَهَّر نَ فَأ تُوهُنَّ مِن حَي ثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ال مُتَطَهِّرِينَ ﴾ (البقرة، آية : 222.) ـ حفظ التدين والأسرة 1 ميثاق الأسرة في الإسلام، ص: 137.
عدد الصفحات ٣٥٣354 الأسرة محضن الأفراد ولا برعاية أجسادهم فقط، بل الأهم غرس القيم الدينية والخلقية في نفوسهم، وتبدأ مسؤولية الأسرة في هذا المجال قبل تكوان الجنين بحسن اختيار كل من الزوجين إلى الآخر، وأولوية المعيار الديني والخلقي في هذا الاختيار1. قال تعالى ﴿وَلاَ تَنكِحُوا ال مُش رِكَاتِ حَتَّى يُؤ مِنَّ وَلأَمَة مُّؤ مِنَة خَي ر مِّن مُّش رِكَة وَلَو أَع جَبَت كُم وَلاَ تُنكِحُوا ال مُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤ مِنُوا وَلَعَب د مُّؤ مِن خَي ر مِّن مُّش رِك وَلَو أَع جَبَكُم أُو لَـئِكَ يَد عُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَد عُوَ إِلَى ال جَنَّةِ وَال مَغ فِرَةِ بِإِذ نِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ (البقرة، آية : 221.) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«إذا خطب إليكم من ترضونه دينه2وخلقه زوجوه إ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». وتستمر مسؤولية الأسرة بتعليم العقيدة والعبادة والأخلاق لأفراد الأسرة، وتدريبهم على ممارستها ومتابعة ذلك حتى بلوغ الأطفال رشدهم واستقلالهم بالمسؤولية الدينية عن تصرفاتهم3. قال تعالى ﴿وَأ مُر أَه لَكَ بِالصَّلاَةِ وَاص طَبِر عَلَي هَا لاَ نَس أَلُكَ رِز قًا نَّح نُ نَر زُقُكَ وَال عَاقِبَةُ لِلتَّق وَى ﴾ (طه، آية : 132.) وقال جل شأنه عن النبي اسماعيل عليه السلام ﴿وَكَانَ يَأ مُرُ أَه لَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَر ضِيًّا ﴾ (مريم، آية : 55.) 1 المصدر نفسه، ص138. 2 سنن الترمذي وابن ماجه، ميثاق الأسرة، ص154. 3 ميثاق الأسرة في الإسلام، ص138.
عدد الصفحات ٣٥٤355 وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُم وَأَه لِيكُم نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَال حِجَارَةُ عَلَي هَا مَلاَئِكَة غِلاَظ شِدَاد لاَ يَع صُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَف عَلُونَ مَا يُؤ مَرُونَ ﴾ (التحريم، آية : 6.) وهذه التعاليم القرآنية والإرشادات النبوية تأخذها الدولة الحديثة بعين الاعتبار، في تشريعاتها وقوانينها المتعلقة بحقوق المرأة والأسرة، فالنساء شقائق الرجال، ولهن كافة الحقوق وعليهن تحمل كافة الواجبات على قدم المساواة مع الرجل، وبمراعاة أحكام الشريعة الإ سلامية، والتقاليد الأسرية، والأ سرة هي الخلية الإنسانية في المجتمع، قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، وتكفل الدولة حمايتها ورعايتها واستقرارها، كما تكفل الدولة حماية ورعاية الأمومة والطفولة والنشىء. ـ المرأة في الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية: المرأة شريك في بناء الدولة ونموها، ومن ثمَّ يجب العمل على تمكينها وتعزيز مكانتها وإعدادها علمياً ومهنياً وتحريك وتوظيف طاقتها في بناء ونهضة المجتمع، وذلك عن طريق إعطائها الفرص المتكافئة في كل مناحي الحياة، لتأخذ دورها مع الرجل كشريك مؤهل وجدير ببناء الأسرة والمجتمع والدولة بأثرها. ـ وضع منظومة من التشريعات تكفل محاربة كل أنواع التمييز أو التفرقة أو العنف ضد المرأة. ـ العمل على وضع إستراتيجية وطنية للنهوض بواقع المرأة وتأهيلها وتشغيلها وتدريبها، وذلك من خلال التعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة. ـ العمل على تقوية روابط الأسرة والتركيز على القيم والمفاهيم الإنسانية. ـ تقديم الدعم النفسي والمعنوي للنساء المعنفات والمطلقات والأرامل، والمهجرات والمعتقلات. ـ تحقيق التواصل مع المرأة لدراسة قضاياها وتقييم أوضاعها.
عدد الصفحات ٣٥٥356 ـ الأخذ بالتجارب الرائدة إقليمياً وعالمياً بما يتناسب مع المجتمع واقتراح السياسات والحلول الداعمة لنهضة المرأة. ـ إشراك منظمات المجتمع المدني في النهوض بمسيرة للنهوض بالمرأة. ـ تنفيذ السياسات والخطط والبرامج ذات الصلة بالارتقاء بأوضاع المرأة. ـ تنظيم الحلقات التدريبية وعقد الورش والمؤتمرات لمعالجة قضايا المرأة والأسرة. ـ بناء قاعدة لتجميع ورصد وتحليل المعلومات والبحوث والدراسات الخاصة بالأنشطة والبرامج المتعلقة بالمرأة والأسرة. 5 ـ الطفولة والشباب الأطفال ثمرة من ثمرات الزواج ومن أهم مقاصده وأهدافه والأطفال أحد أركان الأسرة وعن طريقهم يتم بقاء النوع الإنساني، والجنس البشري، وهم أعظم نعم الحياة وزينتها، قال تعالى: ﴿ال مَالُ وَال بَنُونَ زِينَةُ ال حَيَاةِ الدُّن يَا وَال بَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَي ر عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَي ر أَمَلاً ﴾ (الكهف، آية : 46.) ويولد الطفل ضعيفاً وعاجزاً عجزاً مطلقاً، فلا حول ولا قوة، وشاءت الحكمة الإلهية أن يكون الإنسان أكثر المخلوقات حاجة لغيره بعد الولادة ويحتاج إلى أطول فترة ـ بين المخلوقات ـ معتمداً على غيره، ومفتقراً للرعاية والعناية والحضانة وغيرها، لذلك أناط الشرع الحكيم هذه المسؤولية العظيمة بالأبوين أولاً ثم المجتمع والدولة ثانياً، ووضع الشرع أحكام متعددة للأطفال، وأثبت لهم حقوقاً كثيرة، وحقوق الأولاد هي واجبات الآباء والأمهات، وقد وضع الشرع لها منهجاً في تربية الأ ولاد من عدة عناصر1 أهمها أ ـ حسن اختيار الزوجة: 1 حقوق الإنسان في الإسلام، ص241، محمد الزحيلي
عدد الصفحات ٣٥٦357 يقول علماء التربية: يجب على الوالد أن يبدأ بتربية ولده قبل الولادة وهذا ما أرشد إليه الإسلام عن طريق اختيار الزوجة، لأن خطيبة اليوم التي يقصدها الشاب هي زوجة الغد، وأم المستقبل، ومربية الأطفال والأجيال والأم هي المدرسة الأولى التي تحتضن الطفل، لترضعه لبان الأدب والتربية مع لبن الثدي والغذاء، ثم ترعاه في أول مراحل العمر، لتغرس في عقله وقلبه البذور الأولى التي ستنمو عند الكبر، وتصون فطرته عما يفسدها مع ما تهب لوليدها من صفات موروثة، وطباع مفطورة ومواهب متأصلة، فكان حُسن اختيار الزوجة من أجل الأولاد أكثر أهمية من بقية العوامل التي تطلب المرأة وهو ما أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «تخيروا لنطفكم »1، وقوله صلى الله عليه وسلم «فاظفر بذات الدين تربت يداك»2. ويقول الشاعر حافظ إبراهيم الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طياب الأعراق فالأم هي المربية للأطفال، والحاضنة للأولاد، والأمينة على الذرية والمكلفة بالإشراف عليهم، لأنها سترضع الطفل اللبن، كما سترضعه العقيدة والأخلاق والقيم، وهي سترباي العباقرة والمصلحين الذين يتولون دفة الحكم وسفينة الإصلاح، وقيادة الجيوش، ورجال الدعوة والفكر، وبمقدار التوفيق في حسن اختيار الزوجة يكون الوالد قد أرسى حجر الأساس من الأحكام الخاصة بالحامل والمرضع لرعاية الجنين والطفل الرضيع، فأباح الشرع للحامل والمرضع مثلاً الإ فطار في رمضان، وجعل الرضاعة حقاً للطفل، لم ا يمتاز به لبن الأم من فوائد جسمية ونفسية للطفل، وأن الرضاع واجب على الأم قضاءً وديانة وتجبر الأم عليه عند الحاجة، كما شرع الله الحضانة حقاً للأم والطفل معاً وإن أول جهد في التربية، وأول دعامة لها، هو التوجه 1 رواه ابن ماجه والحاكم، أنظر: صحيح الجامع، رقم2928. 2 صحيح البخاري5 /8195.)
عدد الصفحات ٣٥٧358 إلى البيت، وخاصة إلى الزوجة الصالحة، والأم المربية المؤمنة الواعية، وقد كان دوماً وراء كل عظيم امرأة عظيمة أو أب عظيم أو أبوان عظيمان1. ب ـ رعاية الوليد تبدأ رعاية الوليد من جماع الأب لأم الوليد، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن أحدهم إذا أتى أهله، قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان إن شاء الله»2، ومتى تمت الولادة بدأت التربية منذ اللحظة الأولى من حياة الوليد، وهذا ما أرشد إليه الدين الحنيف وتفرد به على سائر المناهج التربوية في العالم، وكلف الوالدين بإرساء الدعائم الترب وية، التي سيتم عليها بناء المستقبل، وهي آداب إسلامية، وسنن نبوية، ومنهج رباني، وأهم هذه الآداب: الأدب الأول: الأذان والإقامة في أذني الوليد ليكون أول شيء يسمعه في هذا الوجود وهو توحيد الله تعالى، الذي خلقه، وأوجده من نطفة فعلقة فمضغة في ظلمات ثلاث، ليحقق الخلافة في الأرض ويبدأ بتنفيذ العهد الذي أخذه الله تعالى من بني آدم من ذريتهم وأش هدهم على أنفسهم : ﴿أَلَس تَ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى شَهِد نَا ﴾ (الأعراف، آية : 172.) الأدب الثاني حسن اختيار الاسم وهذا مسؤولية الوالدين لما ورد في الأحاديث الشريفة الكثيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق الولد على الوالد أن ي حسن اسمه ويعلّ مه الكتابة ويزوجه إذا بلغ»3. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير الأسماء القبيحة التي كانت في الجاهلية إلى أسماء حسنة، وإن اختيار الاسم الحسن علامة بارزة في التربية غير المباشرة، لأن كل شخص له من اسمه نصيب، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، بالإضافة إلى الأمور النفسية التي بينها علماء التربية عند المناداة باسم حسن أو قبيح وأثر ذلك على نفسية الطفل، وعلاقته مع زملائه وأفراد مجتمعه. 1 حقوق الإنسان في الإسلام للزجيلي، ص242. 2 أخرجه الشيخان، منهج التربية النبوية للطفل، محمد نور سويد، ص46. 3 رواه أبو نعيم في الحلية والديلمي في مسند الفردوس
عدد الصفحات ٣٥٨359 الأدب الثالث تكريم الطفل بالعقيقة لإعلان السعادة والفرح والبشر بمقدم الطفل، وتكون العقيقة بذبح شاة أو أكثر عن المولود يوم أسبوعه، لإطعام الأهل والأقارب والجيران بهذه المناسبة السعيدة، وتقديم الشكر لله تعالى على فضله ونعمه، وقال جمهور العلماء: العقيقة سنة. ج ـ رعاية الطفل من الصغر: وذلك في مأكله ومشربه وجسده وثيابه، ليكون صحيح العقل، سوي الجسم، سليم الحواس، فإن حياة الإنسان كل لا يتجزأ، وإن حياته الجسمية في الصغر مؤشر إلى حالته في الكبر، وإن العقل السليم في الجسم السليم، والإسلام يريد منا أن نربي أولادنا على القوة والنشاط، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير»1. وهذه القوة تتجلى بالمعنى المادي، كما تتجلى بالمعنى الروحي أيضاً بأن يكون الطعام طاهراً ومبرءًا من كل حرام، فلا يطعم الأولاد إلا من حلال ولا تتغذى الحامل والمرضع والأم الحاضنة إلا من حلال، لأن اللبن أو الغذاء الحاصل من حرام لا بركة فيه، وكيف يقدام الوالد إلى أولاده الغذاء الحرام، ثم يسعى إلى أن يكونوا على منهج الله، وصراط رب العالمين؟ فإن الفاسد لا يؤدي إلا إلى فساد، والحرام لا ينتج إلا سوءاً وضرراً، كما أن الحرام لا يكون وسيلة إلى المقاصد النبيلة والغاية لا تبرر الواسطة، وكل لحم نبت من السُحت فالنار أولى به، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيبّ، لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاع مَلُوا صَالِحًا ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَق نَاكُم ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغ ذّي بالحرام، فأنى يستجاب له ؟»2. 1 صحيح مسلم16 /215.) 2 صحيح مسلم11 /85.)
عدد الصفحات ٣٥٩360 ويظن كثير من الآباء أن واجبهم تجاه الأولاد ـ مقصور على تقديم القوت، والغذاء والكساء ـ وأن يؤمنوا لهم العيش الرغيد، والحياة المادية المرهقة، فيقضي الأب الأيام والسنين منهمكاً في الكسب، ويضرب في الأرض للتجارة والعمل، وسعي ذات اليمين وذات الشمال، ويغيب عن بيته زمناً طويلاً ويترك أولاده، ويغفل عن تربيتهم، ويظن أنهم صغار يكفيهم الطعام والشراب واللباس، فتكون النتيجة الضياع والحسرة. وربط القرآن الكريم بين الكسب والرزق، ووجوب التربية، وإن انصراف الوالدين بعض الوقت إلى تربية الأولاد لا يؤثر على موارد رزقهم ولا يبطل، قال تعالى: ﴿وَأ مُر أَه لَكَ بِالصَّلاَةِ وَاص طَبِر عَلَي هَا لاَ نَس أَلُكَ رِز قًا نَّح نُ نَر زُقُكَ وَال عَاقِبَةُ لِلتَّق وَى ﴾ (طه، آية : 132)1. د ـ البناء العقدي للطفل: من خلال تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأطفال نجد أمور أساسية في تثبيت الإيمان: ـ تلقين الطفل كلمة التوحيد. ـ ترسيخ حب الله تعالى. ـ ترسيخ حب النبي صلى الله عليه وسلم. ـ تعليم الطفل القرآن الكريم. ـ ثبات الطفل على العقيدة والصحبة لها. وليس الطريق في تقوية الإيمان وإثباته أن يعلم صنعة الجدل والكلام بل يشتغل بتلاوة القرآن وتفسيره وقراءة الحديث ومعانيه، ويشتغل بوظائف العبادات، فلا يزال اعتقاده يزداد رسوخاً بما يقرع سمعه من أدلة القرآن وحجبه، وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها، وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها2. 1 حقوق الإنسان في الإسلام للزحيلي، ص442 ـ245. 2 منهج التربية النبوية للطفل، ص81.
عدد الصفحات ٣٦٠361 وذلك لأن كل مولود يولد على الفطرة الإيمانية، كيف لا والله يقول ﴿وَإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِم ذُرِّيَّتَهُم وَأَش هَدَهُم عَلَى أَنفُسِهِم أَلَس تَ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى شَهِد نَا أَن تَقُولُوا يَو مَ ال قِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غَافِلِينَ ﴾ (الأعراف، آية : 172.) وإذا تأملنا صفحات القرآن نجد أن الرسل والأنبياء يعنون عناية كبيرة بسلامة عقيدة أبنائهم فمن ذلك قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِب رَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَع قُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اص طَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّس لِمُونَ " (البقرة، آية : 132.) وهذا لقمان يرعى ابنه فيوصه يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِث قَالَ حَبَّة مِّن خَر دَل فَتَكُن فِي صَخ رَة أَو فِي السَّمَ وَاتِ أَو فِي الأ َر ضِ يَأ تِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيف خَبِير ﴾ (لقمان، آية : 16.) وإن من اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال دعوتهم للإسلام دائماً، حتى شق طريقه في بناء جيل ضم علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي آمن بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتجاوز سن العاشرة، حتى أنه كان في زيارته وعيادته للأطفال المرضى يدعوهم إلى الإسلام وبحضور آبائهم1. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزرع في نفوس أطفال الأمة حب الله تعالى والاستعانة به ومراقبته والإيمان بالقضاء والقدر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، إحفظ ا تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف»2، وفي رواية أخرى «احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما أخطأك لم 1 المصدر نفسه، ص83. 2 رواه أحمد والحاكم والطبراني، صحيح الجامع، رقم7957.
عدد الصفحات ٣٦١362 يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك وأعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرًا»1. فإذا ما حفظ الطفل هذا الحديث وفهمه جيداً، لم تقف أمامه عثرة، ولم يعقه شيء في مسيرة حياته كلها فأي تربية هذه ـ قديمة وحديثة ـ تستطيع أن تبلغ من نفس الطفل كما بلغها هذا الحديث، إن لهذا الحديث قوة كبيرة على حل مشاكل ـ الأطفال والشباب والكهول والشيوخ ـ بفضل تأثيره وروحانيته، وله القدرة في دفع الطفل نحو الأمام بفضل استعانته بالله ومراقبته له وإيمانه بالقضاء والقدر2. ـ ولابد من العمل على ترسيخ محبة رسول الله في نفوس الأطفال والشباب ورسم صورته وشخصيته في أذهانهم وعقولهم وتمكين محبة رسول الله في قلوبهم، وتكون شخصية رسول الله هي التي يقتدي بها الأطفال والشباب والمسلمون عموماً. ـ وينبغي لولي الصغير والصغيرة أن يبدأ بتعليمهما القرآن منذ الصغر وذلك ليتوجها إلى اعتقاد أن الله تعالى هو ربهم وأن هذا كلامه تعالى، وتسري روح القرآن في قلوبهم ونوره في أفكارهم ومداركهم و حواسهم وليتلقيا عقائد القرآن منذ الصغر وأن ينشأ ويشبا على محبة القرآن والتعلق به والائتمار بأوامره والانتهاء عن مناهيه والتخلق بأخلاقه والسير على منهاجه3. قال ابن خلدون: تعليم الوالدان للقرآن شعار من شعائر الدين أخذ به أهالي الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم لما يسبق إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده بسبب آيات القرآن ومتون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي يبني عليه ما يحصل من الملكات4. وللقرآن الكريم تأثير كبير على النفس البشرية عامة، يهزها ويجذبها ويضرب على أوتارها، وكلما اشتدت النفس صفاء كلما ازدادت تأثيراً والطفل أقوى الناس صفاء، وفطرته مازالت نقية، والشيطان مازال في كبوتها تجاهها1. 1 صحيح الجامع، رقم87. 2 منهج التربية النبوية للطفل، ص87. 3 المصدر نفسه، ص104. 4 المصدر نفسه، ص105.
عدد الصفحات ٣٦٢363 ـ ولابد من تربية الأطفال والشباب على الثبات على العقيدة والتضحية من أجلها، فالعقيدة تغلو بالتضحية لها، وكلما اتسعت دائرة التضحية كلما قويت النفس على الثبات، ودل ذلك عل ى الصدق، وهي عين الاستقامة، وأطفال الصحابة وشبابهم لا يعرفون تكاسلاً ولا تثاقلاً إلى الأرض، وإنما يستخدمون شتى الأساليب لكي لا يستصغرهم النبي صلى الله عليه وسلم فيردهم عن الجهاد، فتارة يبكون، وأخرى يتوارون، وثالثة يقفون على رؤوس أصابعهم، كل ذلك ليخرجوا إلى الجهاد في سبيل الله وينالوا شهادة في سبيله لا يعدلها أي شهادة في الدنيا على الإطلاق وبنوا مستقبلاً زاهراً خالداً أبدياً في جنة عرضها السموات والأرض 2. هـ ـ البناء العبادي: الطفولة ليست مرحلة تكليف وإنما هي مرحلة إعداد وتدريب وتعويد للوصول إلى مرحلة التكليف عند البلوغ ليسهل عليه أداء الواجبات والفرائض وليكون على أتم الاستعداد لخوض غمار الحياة بكل ثقة وانطلاق والعبادة لله تعالى تفعل في نفس الطفل فعلاً عجيباً، فهي تشعره بالاتصال بالله جل وعلا وهي تهدئ من ثوراته النفسية، وهي تلجم انفعالاته الغضبية فتجعله سوياً مستقيماً، إذ كثافة الشهوات ضعيفة في تلك الفترة، مما يجعل روحه تتجاوب أكثر فأكثر بمناجاة الله، ويأخذ الخشوع المساحة الكبرى من جسده وهو يرتل آية أو يسمعها، أو هو واقف في الصلاة أو ساجد فيها أو هو يسمع آذان الإفطار ليبدأ بالطعام والشراب بعد أن صام يومه، وهناك أسرار كثيرة للعبادة لا تعد ولا تحصى تؤثر في الطفل مما يزيد قوته ونشاطه3. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«علموا الصلاة ابن سبع سنين واضربوه عليها ابن عشر»4. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر بنفسه بتعليم الأطفال ما يحتاجونه في الصلاة، عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: علا مني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: «اللهماهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت 1 المصدر نفسه، ص108. 2 المصدر نفسه، ص114 ـ119. 3 المصدر نفسه، ص123. 4 المصدر نفسه، ص124.
عدد الصفحات ٣٦٣364 وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت»1. ـ وتدريب الصبي على صلاة الجمعة تحصل له عدة فوائد منها *ـ عندما يبلغ يكون معتاداً على إقامتها. *ـ تأثره بسماع الخطبة، إذ فطر ته تكون حساسة لا لتقاط أحاديث الإيمان وسيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما تدريب له لسماع العلم. *ـ يألف تجمعات المسلمين ويشعر بدخوله للمجتمع إذ لابد أن يتعرف على من يعرفهم والده. *ـ على رأي من قال بأن الساعة المستجابة في يوم الجمعة هي لحظة الخطبة فيكون من الحاضرين لهذه الساعة المستجابة التي حداث عنها الرسول صلى الله عليه وسلم. *ـ تكون تغذية إيمانية وشحناً روحياً على إقامة ا لصلوات الخمس وطاعة الله بين الجمعة والجمعة. *ـ يتعرف بها على علماء الأمة ودعاتها مما له كبير الأثر في كبره فضلاً عن صغره. *ـ بصلاة الجمعة يحصل له بناء شخصية بكامل عناصرها العقدية والعبادية والاجتماعية والعاطفية والعلمية والجسمية والصحية2. و ـ البناء الاجتماعي: وهو أن يكون الطفل متكيفاً مع وسطه الاجتماعي سواء مع الكبار أو مع الأصدقاء ومن هم في سنه، ليكون فعلاً إيجابياً بعيداً كل البعد عن الانطواء والخجل المقيت، يأخذ ويعطي بأدب واحترام، يبيع ويشتري، ويخالط ويعاشر، ومن خلال التأمل في الأحاديث النبوية، نجد هناك أموراً خصها الرسول صلى الله عليه وسلم في تكوين الطفل اجتماعياً وهي: ـ اصطحابه إلى مجالس الكبار: كان الأطفال يحضرون مجالس النبي صلى الله عليه وسلم وكان آبائهم يأخذونهم إلى تلك المجالس الطيبة الطاهرة، ففي أخذ الطفل إلى مجالس الكبار تظهر نواقصه واحتياجه، فيستطيع 1 المصدر نفسه، ص125. 2 المصدر نفسه، ص129.
عدد الصفحات ٣٦٤365 المربي عند ذلك توجيهه نحو الكمال ويشجعه على الجواب عندما يطرح سؤال فيتكلم بعد استئذان وذلك بكل أدب ووقار، فيتكلم معهم، وينمو عقله وتتهذب نفسه ويتعرف إلى أحاديث الكبار شيئاً فشيئاً فيتهيأ لدخول المجتمع وهكذا يندرج رويداً رويداً 1. ـ إرسال الطفل لقضاء الحاجات: وهذا عامل هام في نشوء الطفل اجتماعياً، إذ أن قضاء الحاجات للمنزل أو لأحد الوالدين ذو أثر فعال إيجابي في حياة الطفل، فعال في طفولته إذ هو يتعرف على مجاهيل الحياة، فيشعر بفرح ونشوة المعرفة، وثقة في مواجهة الأمور وفعال في مستقبله إذ يكون قد اكتسب مهارة وخبرة في طفولته التي تمكنه من متابعة حياته بخطى ثابتة مركزة بدون خلل أو اضطراب2، ولابد من تدريب الأطفال قضاء حاجات الوالدين ومتطلبات المنزل تنشأ لديهم حاسة جديدة تتعرف مطالب الوالدين قبل أن يفصحا عن طلبهما. ـ تعويد الطفل سنة السلام: السلام هو التحية الإسلا مية بين المسلمين والطفل يتعرض للقاء الناس على اختلاف مستوياتهم، فهو يحتاج ليتعرف على مفتاح الكلام معهم ونلاحظ أسلوباً لطيفاً من الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته في غرس سنة السلام في نفس الطفل، عن أنس رضي الله عنه مرا على صبيان فسلم عليهم وقال: كان رسول الله يفعله3، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار فيسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم ويدعو لهم4. ـ عيادة الطفل إذا مرض مما يساعد على بناء الروابط الاجتماعية للأطفال عيادتهم إذا مرضوا، فعندما يرى الطفل - وهو مازال في مرحلة الفطرة والصفا ـ أن الناس الكب ار يأتون إليه فإنه يتعود هذه العادة الحسنة، كما أنها تخفف من آلامه وأسقامه، وإذا دعمت هذه الزيارة بدعوة الطفل للإسلام وتثبيته على الإيمان، والتوبة والمغفرة إلى الله، فإن العيادة توتي أكلها كاملة مثمرة، مضاعفة 1 منهج التربية النبوية للطفل، ص143. 2 المصدر نفسه، ص145. 3 المصدر نفسه، ص148. 4 صحيح الجامع رقم4749.
عدد الصفحات ٣٦٥366 الأجر، وهذا ما فعله صلى الله عليه وسلم، عن أنسرضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: «أسلم»، فنظر إلى أبيه وهو عنده؟. فقال : أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذهمن النار»1، وهكذا نجد منه صلى ا عليه وسلم استغلال كل فرصة ليغرس شيئاً في نفس الطفل، وفي كل لقاء يعلمه علماً نافعاً، وفي كل شاهدة يعوده على الخير2. ـاختيار الطفل أصدقاء له من الأطفال: من السنن الاجتماعية الثابتة بين الناس، الصحبة والصداقة، فمن طبيعة الن فس البشرية أن تخالط الناس وتتعرف عليهم وتتخذ من بينهم ثل ة تقترب منهم وتعيش معهم حياة الأ خوة والمحبة، فإذا أحسن الوالدان اختيار الصديق الصالح لطفلهم فقد فتحا الباب تربوياً في إصلاح هذا الطفل وتنميته واختيار الطفل الصديق الصالح يساعد الابن على طاعة الله وزيادة السلوك الاجتماعي الصحيح. ـ تعويد الطفل البيع والشراء: إن اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بتكوين الطفل اجتماعياً واقتصادياً يتجلى في توجيهه لكل ميادين الحياة، وتفاعل الطفل مع الواقع الجديد والمجتمع الجديد الذي ينشأ فيه، فعملية البيع والشراء تكسبه حركة اجتماعية قوية، إذ يتعامل مع أطفال مثله، ويتعود كيفية النشوء في هذه الحياة ويستفيد من وقته في شيء مفيد كما أنها تكسبه الثقة النفسية الاجتماعية ويتحول إلى إنسان سوي يتعلم الجد في الحياة شيئاً فشيئاً بعيداً عن الهزل، ويتعود الأخذ والعطاء ويفهم الحياة فهماً جيداً صحيحاً بعيداً عن الدلال المفرط المقيت الذي يقتل الأطفال أينما وجدوا، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدعو لهذا الطفل بأن يبارك الله له تجربته وفي صفقته، روى أبو يعلي والطبراني عن عمرو بن حريث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرا بعبد الله بن جعفر وهو يبيع بيع الغلمان أو الصبيان قال: «اللهم بارك له في بيعه »، أو قال: «في 1 رواه البخاري، منهج التربية النبوية للطفل، ص149. 2 المصدر نفسه، ص149.
عدد الصفحات ٣٦٦367 صفقته»1. هذا الطفل الشريفابن الشريف ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم يبيع ويشتري ولم يخجل من فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بل دعا له، ألا ليت قومي يعلمون2. ـ حضور الأطفال الحفلاتالمشروعة والأعراس: وهذا مكان تجمع آخر يذهب إليه الأطفال فيتعارفون فيه على هذا الحفل الكريم، الذي سيكونون يوماً أحد أعضائه الأساسيين، فيشاهدون الكبار والصغار، ويسمعون الأحاديث الودية والأفراح الجميلة، فتبتهج نفوسهم وتتحرك مشاعرهم، وتصقل اجتماعيتهم، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاهد الصبيان في حفل الزفاف فيقرهم على مجيئهم وإقبالهم على الحضور، ولا ينكر عليهم ويدعو الحاضرين جميعاً فتشمل دعوته هؤلاء الأطفال 3، وعن عبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الصبيان مقبلين ـ قال عبد العزيز حسب أنه قال من عرس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ـ ممتناً فقال: «اللهم أنتم من أحب الناس إليّ، اللهم أنتم من أحب الناس إليّ، اللهم أنتم أحب الناس إلي »، يعني الأنصار4، وبهذا تلاحظ اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم في تكوين الطفل اجتماعياً وأخذه إلى التجمعات الاجتماعية وإلى المجالس وإلى أماكن الأفراح كذلك لا بأس من اصطحابه إلى أماكن العزاء5. إن عملية البناء الاجتماعي للطفل ركن هام في بناء شخصيته وتقويمها وتهذيبها واستقامتها وأنها تحقق الثقة النفسية الاجتماعية للطفل6. ز ـ البناء الأخلاقي: إن الصبي يولد على الفطرة الخالصة والطبع البسيط، فإذا قوبلت نفسه الساذجة بخلق من الأخلاق انتقشت صورته في لَو حِ ها، ثم لم تزل تلك الصورة تمتد شيئاً فشيئاً إلى أن تأخذ بجميع أطراف النفس، وتصير كيفية راسخة فيها، حائلة لها عن الانفعال بضدها، يؤيد هذا أنا 1 رواه أبو يعلي والطبراني، منهج التربية النبوية للطفل، ص150. 2 منهج التربية النبوية للطفل، ص150. 3 منهج التربية النبوية، ص151. 4 رواه البخاري، باب النكاح، منهج التربية النبوية، ص: 151. 5 منهج التربية النبوية، ص151. 6 منهج التربية النبوية للطفل، ص154.
عدد الصفحات ٣٦٧368 إذا رأينا في الغرباء من هو لطيف الخطاب جميل اللقاء مهذب الألمعية لا ترتاب في دعوى أنه ممن أنبته الله في البيوت الفاضلة نباتاً حسناً 1. ـ وقال الشاعر صالح عبد القدوس وإن من أدبته في زمن الصبا كالعود يبقي الماء في غرسه حتى تراه مورقاً ناضراً بعد الذي أبصرت منه يبسه والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في الثرى رمسه إذا أرعوى عاد إلى جهله كذي الضنا عاد إلى نكسه2 إن غرس الأدب حق الوالد على أبيه، كواجب حق الطعام والشراب، روى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم»3. وبينت الشريعة الإسلامية أهمية الأدب مع الوالدين والعلماء وأدب احترام وتوقير الكبير وأدب الأخوة وأدب الجار، والاستئذان والطعام والشراب واللباس وأهمية خلق الصدق وحفظ الأسرار وسلامة الصدر من الأحقاد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعامل مع الأطفال، يأمرهم وينهاهم، ويمازحهم ويلحق بهم، يقف خلف الطفل ويبتسم له لا يغضب في وجههم، لا يعاتبهم، يرسخ عقيدة القضاء والقدر في نفوسهم، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين والله ما قال لي أف قط ولا قال لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا. وفي رواية مسلم : كان النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً فأرسلني يوماً لحاجة فقلت: والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي 1 السعادة العظمى، محمد الخضر حسين، ص60. 2 منهج التربية النبوية، ص159. 3 رواه ابن ماجه، منهج التربية النبوية، ص160.
عدد الصفحات ٣٦٨