المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها

علي محمد الصلابي

صفحة ٢٠ من ٢٩

305 ا»، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع ا إله غيره لقد أغنى عني بعد، قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟» قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه والله في النفس منها حتى الآن شيئاً، فقال له العباس: ويحك أسلم قبل أن تضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق فأسلم، قال العباس: قلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً، قال: «نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن»1. لقد كان لتلك الطريقة المحمدية أثرها في أبي سفيان الذي تغير إلى الولاء الكامل للدعوة الجديدة وكانت له مواقف كبيرة في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة حنين، كما كان هذا الأسلوب النبوي الكريم عاملاً في امتصاص الحقد من قلب أبي سفيان زعيم قريش، وبرهن له بأن المكانة التي كانت عند قومه لن تنتقص شيئاً في الإسلام، إن هو أخلص له وبذل في سبيله2، وجعل صلى الله عليه وسلم لدار أبي سفيان مكانة خاصة كي يكون أبو سفيان ساعده في إقناع المكيين بالسلم والهدوء، ويستخدمه كمفتاح أمان يفتتح أمامه الطريق إلى مكة دون إراقة دماء، ويشيع في نفسه عاطفة الفخر التي يحبها أبو سفيان حتى يتمكن الإيمان في قلبه3، لقد دخل أبو سفيانإلى مكة مسرعاً، ونادى بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، وتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد4. ولقد دخلت قوات المسلمين مكة دون مقاومة تذكر إلا ما كان من جهة خالد بن الوليد الذي قابل عكرمة بن أبي جهل في نفر خافوا الانتقام فهزمهم خالد فهربوا خارج مكة، ثم عاد 1 السيرة النبوية للصلابي2 /399.) 2 العدالة والمصالحة الوطنية للصلابي، ص82. 3 دراسات في السيرة، د. عماد الدين خليل، ص245. 4 البداية والنهاية لأبن كثير4 /290.)

عدد الصفحات ٣٠٥

306 عكرمة ليأخذ أماناً وعفواً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسلم ويشارك في الجهاد في فتوحات الشام ويقتل في اليرموك شهيداً. ب ـ يوم بر ووفاء مع عثمان بن طلحة: كان مفتاح الكعبة مع عثمان بن طلحة قبل أن يسلم فأراد علي رضي الله عنه أن يكون المفتاح له مع السقاية، لكن النبي صلى الله عليه وسلم دفعه إلى عثمان بعد أن خرج من الكعبة، ورده إليه قائلاً: «اليوم يوم بر ووفاء»1، وكان صلى الله عليه وسلم قد طلب من عثمان بن طلحة المفتاح قبل أن يهاجر إلى المدينة، فأغلظ له القول ونال منه، فحلم عنه، وقال: «يا عثمان، لعلك ترى المفتاح يوماً بيدي، أضعه حيث شئت »، فقال: لقد هلكت قريش يومئذ وذُ لَّت، فقال: «بل عَ مَرت وع زّت يومئذٍ »، ووقعت كلمته من عثمان بن طلحة موقعاً، وظن أن الأمر سيصير إلى ما قال 2، ولقد أعطى له رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة قائلاً له: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء3، خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم »4. وهكذا لم يشأ النبي صلى الله عليه وسلم أن يستبد بمفتاح الكعبة، بل ولم يشأ أن يضعه في أحد من بني هاشم، لما في ذلك من الإثارة أولاً ولما به من مظاهر السيطرة وبسط النفوذ، هذا هو مفهوم الفتح الأعظم في شرعة رسول الله صلى الله عليه وسلم البر والوفاء، حتى للذين غدروا ومكروا وتطاولوا. ومهما تعاظمت الاخ تلافات بين أبناء الوطن الواحد، ومهما توالت الإساءات والمظالم، فالعفو والصفح والتغافر هو الأفضل للمتخاصمين، وللوطن وللأجيال القادمة وهذا بالطبع ما سطره لنا التاريخ في فتح مكة. 1السيرة النبوية لابن هشام2 /413 2 السيرة النبوية للصلابي2 /407.) 3 السيرة النبوية لابن هشام4 /82.) 4 السيرة النبوية للصلابي2 /407.)

عدد الصفحات ٣٠٦

307 إن ا قتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم شرف لنا قبل أن يكون حلاً ناجحاً لمشاكلنا واختلافاتنا1. ج ـ إعلان العفو العام نال أهل مكة عفواً عاماً برغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته، ورغم قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، وقد جاء إعلان العفو عنهم، وهم مجتمعون قرب الكعبة ينتظرون حكم الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم، فقال: «ما تظنون أني فاعل بكم»، فقالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال «﴿لاَ تَث رَيبَ عَلَي كُمُ ال يَو مَ يَغ فِرُ اللهُ لَكُم وَهُوَ أَر حَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ (يوسف، آية : 92)2 :اذهبوا فأنتم الطلقاء». وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتال أو السبي، وأيضاً الأموال المنقولة، والأراضي بيد أصحابها، وعدم فرض الخراج عليها3. إلى جانب ذلك الصفح الجميل، كان هناك الحزم الأصيل الذي لابد أن تتصف به القيادة الحكيمة الرشيدة، ولذلك استثنى قرار العفو الشامل بضعة عشر رجلاً أمر بقتلهم ـ وإن وجدوا معلقين بأستار الكعبة ـ لأنه عظمت جرائمهم في حق الله ورسوله وحق الإسلام، ولما كان يخشاه منهم من إثارة الفتنة بين الناس4 بعد الفتح، ومن هؤلاء من قتل، ومنهم من جاء مسلماً تائباً فعفا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامه 5. وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدرة رفيعة في التعامل مع الخصوم فدخلت هند في الإسلام، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وفضالة بن عمير وغيرهم كثير. د ـ شاعر قريش عبد الله بن الزبعرى: 1 العدالة والمصالحة الوطنية للصلابي، ص87. 2 البيهقي في السنن الكبرى9 /118.) 3 السيرة النبوية للصلابي2 /408.) 4 السيرة النبوية لأبي شهبة2 /451.) 5 السيرة النبوية لأبي شهبة2 /451.)

عدد الصفحات ٣٠٧

308 لما فتحت مكة فرا عبد الله بن الزبعر ى السهمي إلى نجران، فلحقته قوافي حساان، فقد كان خصماً عنيداً للإسلام، فراح يعيره بالجبن والفرار فقال له: لا تعد من رجلاً أحلك بغضُهُ نجران في عيش أحذا لئيم 1 أي: فليبق الله لنا محمداً صلى الله عليه وسلم هذا الرجل العظيم الذي أحلك بغضه ديار نجران، وليُدم الله عليك ابن الزبعر ى عيشاً مهيناً أشأم ثم راح حسان يستنزل غضب الله ومقته على ابن الزبعري ونجله، ويسأله الله أن يخلده في سوء العذاب وأليمه2، فتطايرت تلك الأبيات ووصلت إلى ابن الزبعرى وقام ولم يقعد وقلب أموره، ثم أراد الله به الخير، فعزم على الدخول في الإسلام، ثم توجه إلى مكة، وقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر له كل عداوة له وللإسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الإسلام يجب ما قبله »3، ثم أدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه وآنسه، ثم خلع عليه حلة، وقد أجمع الرواة أن ابن الزبعرى رضي الله عنه قال بعد إسلامه شعراً كبيراً حسناً يعتذر فيه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم 4. قال ابن كثير: كان من أكبر أعداء الإسلام ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين، ثم منا الله عليه بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الإس لام والقيام بنصره والذاب عنه 5. ومن القصائد الرائعة التي قالها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وندمه على محاربة الإسلام، وتأخره في الدخول فيه: منع الرُّقاد بلابل وهموم والليل معتلج6 الراواق 7 بهيم8 1 السيرة النبوية للصلابي2 /424.) 2 المصدر نفسه2 /424.) 3 المغازي2 /848.) 4 السيرة النبوية2 /424.) 5 البداية والنهاية4 /308.) 6 معتلج: ملتطم 7 الراواق: مقدم الليل 8 بهيم: لا ضوء فيه إلى الصباح

عدد الصفحات ٣٠٨

309 مما أتاني أن أحمد لامني فيه فبت كأنني محموم يا خير من حملت على أوصالها عيرانه1 سرح اليدين غشوم2 إني لمعتذر إليك من الذي أسديت إذ أنا في الضلال أهيم أيام تأمرني بأغوى خطة سهم وتأمرني بها مخزوم وأمد أسباب الرادى ويقودني أمر الغواة وأمرهم مشؤوم فاليوم آمن بالنبي محمد قلبي مخطئُ هذه محروم مضت العداوة وانقضت أسبابها ودعت أواصر بيننا وحلوم فاغفر فدى لك والديا كلاهما زللي فإنك راحم مرحوم وعليك من عِل م المليك علامة نور أغر وخاتم مختوم أعطاك بعد محبة برهانه شرفاً وبرهان الإله عظيم ولقد شهدت بأن دينك صادق 1 عيرانه: راحلة. 2 غشوم: شجاع لا يثنيه أمر عن عزمه

عدد الصفحات ٣٠٩

310 حق وإنك في العباد جسيم والله يشهد أن أحمد مصطفى مستقبل في الصالحين كريم قَر م علا بُنيانُهُ من هاشم فر ع تمكن في الذُّرا وأُرُوم 1 وأسلم فيما بعد كعب بن زهير ونستطيع القول بأن الشعراء المعارضين للدعوة الإسلامية قد انتهى دورهم، فقد أسلم ضرار بن الخطاب، وعبد الله بن الزبعرى، وأبو سفيان بن الحارث بن هشام، والعباس بن مرداس، وتحولوا إلى الصف الإسلامي، واستظلوا بلوائه عن قناعة وإيمان، ولم يكتف بعضهم بأن تكون كلمته في الدفاع عن الإسلام بل كان سيفه إلى جانب كلمته2. هـ ـ تعامله مع هوازن ومالك بن عوف زعيمها: جاء وفد هوازن بعد هزيمتهم في حنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالجع رَانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا منا الله عليك، وقام خطيبهم زهير بن صرد أبو صُرد، فقال: يا رسول الله، إنما في الحظائر من السبايا خلاتك، وحواضنك اللااتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا لأبن أبي شمر أو النعمان بن المنذر3، ثم أصابنا منها مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت رسول ا خير المكفولين، ثم أنشأ يقول: امنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرءُ نرجوه وننتظر 4 إلى أن قال امنن على نسوة قد كنت ترضعها 1 البداية والنهاية4 /307 ـ308)، أروم: أصل 2 من معين السيرة، ص431،432،433. 3 البداية والنهاية4 /352.) 4 المصدر نفسه4 /352.)

عدد الصفحات ٣١٠

311 إذ فوك يملؤه من محضها دَرَرُ امنن على نسوة قد كنت ترضعها وإذ يزينك ما تأتي وما تذر فكان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم، فعادت فواضله عليه السلام قديماً وحديثاً وخصوصاً وعموماً 1. فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفد قال لهم«نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟» فقالوا: يا رسول الله: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، بلابناؤنا ونساؤنا أحب إلينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أما ما كان لي، ولبني عبد المطلب، فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا، فقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبنائنا ونسائنا، فإني سأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم». فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر، قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أمّا ما كان لي ول بني عبد المطلب فهو لكم». فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله، وقالت الأنصار، وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الأقرع بن حابس: أماا أنا وبنو تميم، فلا، وقال عيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس السَّلميُّ: أما أنا، وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم : بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عباس بن مرداس لبني سليم: وهنتموني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول فيء نصيبه فردّوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم »2. وفي رواية: فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المؤمنين فقال«إن إخوانكم هؤلاء جاؤونا تائبين، وإني أردت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيّب ذلك فليفعل »، فقال الناس: طيبنا يا رسول الله لهم. فقال لهم: «إنا لا ندري من أذن منكم فيه ممن لم يأذن 1 البداية والنهاية4 /363،364.) 2 البيهقي في الدلائل5 /194 ـ195.)

عدد الصفحات ٣١١

312 فأرجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمَركم ». فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم طيبوا وأذنوا1. وقد سُرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بإسلام هوازن وسألهم عن زعيمهم مالك بن عوف النصري، فأخبروه أنه في الطائف مع ثقيف، فوعدهم بردا أهله وأمواله عليه، وإكرامه بمئة من الإبل إن قدم عليه مسلماً، فجاء مالك مسلماً فأكرمه وأمار ه على قومه وبعض القبائل المجاورة، ولقد تأثر مالك بن عوف، وجادت قريحته لمدح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله في الناس كلهم بمثل محمد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ومتى تشاء يخبرك عما في غد وإذا الكتيبة عرادت 2 أنيابها بالسمهري وضرب كل مُهنَّد فكأنه ليث على أشباله وسط الهباءة3 خادر4 في مرصد5 لقد كانت سياسته صلى الله عليه وسلم مع خصومه مر نة إلى أبعد الحدود، وبهذه السياسة الحكيمة استطاع صلى الله عليه وسلم أن يكسب هوازن وحلفاءها إلى صف الإسلام، واتخذ من هذه القبيلة القوية رأس حربة يضرب بها قوى الوثنية في المنطقة ويقودها زعيمهم مالك بن عوف الذي قاتل ثقيفاً في الطائف حتى ضياق عليهم، وقد فكر زعماء ثقيف في الخلاص من المأزق بعد أن أحاط الإسلام بالطائف من كل مكان، فلا تستطيع تحركاً ولا تجارة، فمال بعض زعماء ثقيف إلى الإسلام، مثل عروة بن مسعود الثقفي، الذي سارع إلى اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى المدينة بعد أن قسم غنائم حنين، واعتمر من 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم4318، ورقم4319. 2 عرادت: اشتدت وضربت، القاموس المحيط 1 /313.) 3 الهباءة: غبار الحرب 4 الخادر: المقيم في عرينه 5 السيرة النبوية لابن هشام4 /144.)

عدد الصفحات ٣١٢

313 الجعرانة، فالتقى به قبل أن يصل إلى المدينة، وأعلن إسلامه، وعاد إلى الطائف، وكان من زعماء ثقيف محبوباً عندهم، ف دعاهم إلى الإسلام وأذَّن في أعلى منزله، فرماه بعضهم بسهام فأصابوه، فطلب من قومه أن يدفنوه مع شهداء المسلمين حصار الطائف1. إن الإنسان ليعجب من فقه النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة النفوس، وفي سعيه الحثيث في بناء الدولة والتمكين لدين الله تعالى، لقد استطاع صلى الله عليه وسلم أن يزيل معالم الوثنية وبيوتات العب ادة الكفرية من مكة وما حولها ، ورتب صلى الله عليه وسلم الأمور التنظيمية للأراضي التي أضيفت للدولة الإسلامية، فعيان عتاب بن أسيد أميراً على مكة، وجعل معاذ بن جبل مرشداً وموجهاً ومعلماً ومربياً 2، وعين على هوازن مالك بن عوف قائداً ومجاهداً، ثم اعتمر ورجع إلى المدينة صلى الله عليه وسلم. ثالثاً: وظائف الدولة والا هتمام بالمواطن 1 السيرة النبوية لابن هشام4 /414.) 2 المصدر نفسه4 /192.)

عدد الصفحات ٣١٣

314 الدولة من وظائفها حماية المواطن وتقديم الخدمات له، ومن أهمها 1ـ السكن إن حاجة الإنسان إلى مسكن أمر من الأمور الأساسية في حياته وهو من نعم الله عز وجل على الإنسان. ـ قال تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُم سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَن عَامِ بُيُوتًا تَس تَخِفُّونَهَا يَو مَ ظَع نِكُم وَيَو مَ إِقَامَتِكُم ﴾ (النحل، آية : 81.) أي أن الله سبحانه قدجعل البيوت أيًّ ا كان نوعها سكناً يفيء إليها الناس، ويشعرون فيه بالراحة ويأمنون على عوراتهم وحرماتهم، فتسكن نفوسهم وتطمئن، لذا فقد قررت الشريعة الإسلامية حق المسكن لكل أفراد الدولة، فمنحهم حرية بناء المساكن وتملكها والإيواء فيها والاحتماء بها، بل ألزم الدولة مسؤولية ضمان سكن لكل المحتاجين من أفرادها1، فعن ابن عمر رضي ا عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ فمسؤ ول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ عليهم و هو مسؤ ول عنهم »2، وعن أبي هريرة عن النبي صلى ا عليه وسلم أنه قال: «ما من أميرعشيرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً لا يفكه إلا العدل »3. ومن العدل تأمين حاجات كل ضعيف في المجتمع ومنها الحاجة إلى السكن، وإذا عجزت الدولة بمواردها المختلفة عن كفالة هذا الحق للمحتاجين من رعاياها، فإن المسؤولية تقع على عاتق الأغنياء في المجتمع فعليهم أن يقوموا بإيفاء حاجات الفقراء والمحتاجين من الطعام والشراب واللباس والمأوى الذي يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارة4، فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من 1 الحريات من القرآن الكريم للصَّلاَّبي، ص 128. 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم2554. 3 مسند أحمد2 /431.) 4 احريات من القرآن الكريم، ص180.

عدد الصفحات ٣١٤

315 لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له»1، وللمساكن حرمات منها، عدم دخول المنزل إلا بإذن صاحبه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَد خُلُوا بُيُوتًا غَي رَ بُيُوتِكُم حَتَّى تَس تَأ نِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَه لِهَا ذَلِكُم خَي ر لَّكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ * فَإِن لَّم تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلاَ تَد خُلُوهَا حَتَّى يُؤ ذَنَ لَكُم وَإِن قِيلَ لَكُمُ ار جِعُوا فَار جِعُوا هُوَ أَز كَى لَكُم وَاللهَُّ بِمَا تَع مَلُونَ عَلِيم ﴾ (النور ، آية : 27 ـ28.) وقد أوجب الله بهذه الآية طلب الإذن قبلالدخول وعبَّر عنه بأنه الاستئناس الظاهر الذي هو ضد الاستيحاش، لأن الذي يقرع باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش فإذا أذن له استأنس، ولما كان الاستئناس لازماً للإذن، أطلق اللازم وأريد ملزومه الذي هو الإذن 2. وقد أوضح سبحانه أنه عليم بأفعال عباده﴿وَاللهُ بِمَا تَع مَلُونَ عَلِيم ﴾ بمعنى أنه إذا غفل القانون لنقص في البينة أو الإثبات أو غفلت السلطة القائمة عن الموضوع، فإن عبودية الفرد لله وإحساسه بمعرفة الله لكل أفعاله صغيرة وكبيرة تجعله يتقي الله ويتذكر أن هناك قوة تراقبه أكبر من البينة القانونية و السلطة العامة، فلا يغفل بالتالي عن أوامر ربه ويتحرك تلقائياً لاحترام حرمة مساكن الناس3. وحرمت الشريعة التجسس على مساكن الناس ومن حق كل إنسان ألا يتجسس عليه أحد في عقر داره ولا ينظر إليه وهو داخل بيته خلسة، ومن هنا فقد حرم الإسلام التجسس على البيوت لما فيها من انتهاك العورات وكشف السوءات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اج تَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَع ضَ الظَّنِّ إِث م وَلاَ تَجَسَّسُوا ﴾. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تناحشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً »4. 1 سنن أبي داوود2 /129) رقم1663. 2 أضواء البيان، محمد الأمين الشنقيطي6 /113.) 3 مفاهيم الحق والحرية، د.عدي الكيلاني، ص216،217. 4 أخرجه البخاري، الحديث رقم2066.

عدد الصفحات ٣١٥

316 ولقد بلغ من حرص الإسلام على حرمة المسكن أن أعطى صاحب المسكن حق الدفاع عن حرماته شرعياً، ولو أدى ذلك إلى فقأ عين المتلصص، فعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أن أمرءًا أطلع عليك بغير إذن فخذفته بعصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح»1. وعن أنس بن مالك أن رجلاً اطلع من بعض حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه رسول الله بمشقص أو مشقاص وجعل يختله ليطعنه2. هذا والتجسس على الناس والنظر إلى عوراتهم والاستماع إلى أسرارهم يحرم سواء كان ذلك من أحد الناس تطفلاً، أو من المسؤولين، أم من جماعة من جماعات الناس خدمة لجهة من الجهات3، ولهذا فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رفع عقوبة المخالف الذي كشفه بطريق التجسس، فقد روي أن عمر بن الخطاب كان يعس بالمدينة من الليل فسمع صوت رجل يتغني، فتسور عليه، فقال: يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت في معصيته " حيث وجد عنده زق خمر" فقال: وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل علي، وإن كنت عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاث: ـ قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا ﴾ وقد تجسست. ـ وقال تعالى: ﴿وَأ تُوا ال بُيُوتَ مِن أَب وَابِهَا ﴾ وقد تسورت عليا. ـ وقال تعالى: ﴿لاَ تَد خُلُوا بُيُوتًا غَي رَ بُيُوتِكُم حَتَّى تَس تَأ نِسُوا ﴾ وقد دخلت عليا بغير إذن، فقال عمر: هل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: نعم والله لا أعود. فقال: اذهب فقد عفوت عنك4. إن الإسلام يشترط شرعية الوسيلة، كما يشترط نيل الغاية، وليقول لهم: إن الرجوع إلى الحق فضيلة لا تكاد تعادلها أي فضيلة أخرى1. 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم6902. 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم6900. 3 حقوق الإنسان وحرياته الاساسية، ص130. 4 الحريات من القرآن الكريم، ص183.

عدد الصفحات ٣١٦

317 ـ عدم ا ستيلاء على منازل الغير، أو هدمه جبراً، فإذا ملك الإنسان مسكناً، فإن ملكيته له تكون مصونة شرعياً، فلا يجوز لكائن من ك ان أن يعتدي على هذه المل كية بالا ستيلاء، أو التعريض للتلف بالهدم وغيره، إلا إذا كان ذلك من قبل الحاكم واقتضته مصلحة عامة، كتوسعة طريق، أو بناء مرفق عام كمسجد أو مستشفى أو حديقة أو غيرها. جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين أنا مظلوم ولا أستطيع أن أتكلم، فقال له: ويلك عليك الطلاق، فقال: نعم، فقال: تكلم ولا طلاق عليك، فقال: هذا وأشار إلى عامله وكان في القوم، فقال: هذا أخذ من حائطي أو داري، فقال له: اردد عليه، ثم قال: لولا أن أحدث في الإسلام عقوبة لم تكن لأمرت أن يغور أثر السجود من جبهتك وكان بين عينيه سجدة2. ـ استخدام المسكن بالشكل المناسب لكل إنسان حسب إمكاناته الحق في اختيار مكان سكنه مراعياً عناصر اقتصادية وشخصية ووظيفية يعود له وحده أن يقدرها وله الحق أيضاً في استعمال مسكنه بالشكل الذي يراه مناسباً على أن يكون ذلك محكوماً بالقواعد والضوابط الشرعية ا لتي تقتضي أنه لا ضرر ولا ضرار، فإذا كان مستأجراً عليه أن يراعي شروط العقد، وإذا كان مالكاً لطبقة في بناء فعليه أن يتقدم بالقانون الذي ينظم الملكية المشتركة، وعلى الإنسان في كل الأحوال ـ مالكاً أو مستأجراً ـ التقيد بالأنظمة المتعلقة بالصحة العامة والراحة العامة بحيث لا يقلق جيرانه، وإذا كان مرتفقاً فعليه ألا يتسبب في إيذاء أصحاب المساكن والأملاك وإلا فإنه يمنع من ممارسة حق الارتفاق إذا أدت ممارسته لهذا الحق إلى الإضرار بحقوق الآخرين في حفظ مساكنهم ودورهم3. والإسلام بطبعه وروحه يلزم المسؤولين الحكام، والأمراء وقادة الدولة بحل أزمة الإسكان المنتشرة بين الشعوب، فالدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية من خلال وزارة الإسكان تعمل على تحقيق الأهداف الآتية: ـ اعتبار التخطيط العمراني جزء من المنظومة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية العامة للدولة. 1 المصدر نفسه، ص84، الحرية الشخصية في مصر، ص390. 2 الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز1 /216.) 3 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ص129.

عدد الصفحات ٣١٧

318 ـ إعادة التخطيطالعمراني للمدن في الدولة على أسس علمية تكفل الحفاظ على التراث والهوية والشخصية الإسلامية المميزة. ـ تطوير التشريعات المتعلقة بالبناء والتشييد لتواكب النهضة العمرانية المأمولة. ـ زيادة الإنفاق على قطاع التشييد والبناء وتعويض المناطق التي لم تنل نصيبها من الاهتمام بقطاعات الإسكان فيها، وذلك من خلال بناء التجمعات السكنية والمدن الجديدة. ـ القضاء على العشوائية في البناء والتشييد والالتزام بمخطط عمراني شامل تلتزم به الدولة وتكفل التزام المواطنين به. ـ دعم وتشجيع دور القطاع الخاص في التطوير العقاري والإسكان. ـ م د رقعة البناء والتشييد والتعمير وبناء المدن إلى المناطق النائية والمحرومة على قدم المساواة وبذات الاهتمام بالمدن الرئيسية. ـ توفير وحدات سكنية لائقة، وبأسعار ملائمة تدعمها الدولة. ـ سن التشريعات القانونية المنظمة للعملية التطويرية العقارية من جميع جوانبها الإنشائية والرهن العقاري والملكية والتأمين العقاري، والتثمين والمسح وحسابات الضمان والنزاعات العقارية والتسويق والبيع على الخارطة وكل ما يتعلق بأمور التطوير العقاري. ـ تأسيس وتطوير واستحداث المؤسسات المالية العقارية وتفعيل دورها في مجال التطوير العقاري. 2ـ العمل الأصل في الإسلام أن يختار الإنسان ما يرغب فيه من العمل، كأن يكون نجاراً أو مزارعاً أو خياطاً أو معلماً أو طبيباً أو موظفاً في عمل من أعمال الدولة أو تاجراً أو غير ذلك، وهذا المبدأ ـ حرية اختيار العمل ـ أساسه من أن الناس يتفاوتون في القدرات، والمواهب، والخبرات والهوايات المختلفة في القيام بالأعمال واختيار الحرف، ولم يقيد الإسلام الإنسان إلا

عدد الصفحات ٣١٨

319 بمشروعية العمل،وهذه القاعدة لم يستطع أي نظام أن يخالفها أو ينكرها، بل أن المساواة التامة بين الأفراد في الأعمال وعدم التفاوت لا تكاد توجد في أي مجتمع مهما كان الحال، وكذلك اختيار العمل يكون عاملاً هاماً في دفع ا لإنسان إلى بذل الطاقة الحقيقية مع إتقان العمل وإن أسوأ المجتمعات هي التي توكل الأعمال إلى من لا يحسنها وإلى من ليس له ميل إليها ولا موهبة له في إتقانها ويكون كل واحد من الناس موضوعاً في موضعه اللائق به، وقد ورد في الحديث: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»، وإن أحسن المجتمعات وأقدرها على الإنتاج كثرة وإتقاناً هي تلك التي يوزع فيها الأفراد كل ما يناسب قدرته ومواهبه وميوله. إن تنوع التخصصات وكثرة التفاوت من سمات المجتمعات الراقية، وكلما كان المجتمع أرقى كان التفاوت والتخصص أكثر، وذلك يؤدي إلى ما سمَّ اه بعض علماء الاجتماع بالتضامن العضوي للمجتمع، فكل فرد يقدم من العمل والإنتاج ما يقدر عليه بحسب ما أوتي من قدرة ومواهب ويحاسب على هذا الأساس، وقد أشار القرآن الكريم إلى مثل هذا النوع من التفاوت الذي تعود ثمرته على الإنسانية جمعاء1. ــ قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَع ضَكُم فَو قَ بَع ض دَرَجَات لِّيَب لُوَكُم فِي مَا آتَاكُم ﴾ (الأنعام ، آية : 165.) ــ وقال تعالى: ﴿وَلَو شَاء اللهُ لَجَعَلَكُم أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَب لُوَكُم فِي مَآ آتَاكُم ﴾ (المائدة ، آية : 48.) لقد كان القرآن صريحاً في التعبير عن هذا القانون الاجتماعي وهو تفاوت الناس في مواهبهم وقدراتهم وبالتالي في أعمالهم ويتعرفون إليها، وهذا الاختلاف في المواهب والقدرات هو الذي يجعل كل إنسان يحتاج إلى غيره من الناس مهما كانت أعمالهم لأن حاجات الإنسان متنوعة ومتعددة ولا يستطيع إشباعها بمفرده، فمنها ما هو مادي، ومنها ما هو نفسي أو عقلي، ولذلك كل إنسان مسخر لقضاء حاجات الآخرين حتى ولو لم يشعر هو بذلك، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة2. 1 النظام السياسي والاقتصادي، يوسف العالم، ص31. 2 النظام السياسي والاقتصادي، يوسف العالم، ص: 31.

عدد الصفحات ٣١٩

320 ــ قال تعالى: ﴿وَرَفَع نَا بَع ضَهُم فَو قَ بَع ض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَع ضُهُم بَع ضًا سُخ رِيًّا وَرَح مَتُ رَبِّكَ خَي ر مِّمَّا يَج مَعُونَ ﴾ الزخرف ، آية : 32.) أي: أن الله خلق الناس متفاوتين في القدرات، يقدم كل واحد منهم من الأعمال ما يحتاج إليه الآخر، وكذلك الآخر بالمقابل وكذلك الآخر بالمقابل، بمعنى أن كل واحد بالنسبة إلى الآخر مسخَّر على وجه الت بادل والتعاون، فأهل الحرف مثلاً، كالخباز والنجار والحداد يُسخِّرون المعلم لتعليم أولادهم والم علم يُسخرهم لما يحتاج إليه من خبز أو حدادة أو تجارة، وكذلك الطبيب والمهندس والمزارع والبنَّاء، والموظف، وسائر أصحاب الأعمال يسخر بعضهم بعضاً فيما يتقنونه ويحسنونه ويقدمون من أعمال وخدمات، بالمقابل والتبادل بها وبهذا المعنى فسر الآية كبار المفسرين كالزمخشري والرازي وابن كثير وغيرهم فقال الزمخشري: ليرتفق الناس بعضهم بعضاً 1. وقال ابن كثير: قيل معناه ليسخر بعضهم بعضاً في الأعمال لا حتياج هذا المعنى: وقال الرازي: جعل تعالى ذكره بعضاً لبعض سبباً في المعاش في الدنيا 2. إن الاختلاف والتباين بين البشر سبب لتعاونهم وذلك ليكمل بعضهم بعضاً، وليتوزعوا الأعمال المختلفة المتنوعة التي يحتاج إليها المجتمع وليتبادلوها فيما بينهم فيحصل لهم النفع جميعاً 3 . من هذا المفهوم للتفاوت في القدرات والمواهب نشأت فكرة اتفق عليها علماء المسلمين وأوضحوها وتناقلوها، وهي أن الصناعات وجميع الأعمال التي يحتاج إليها المجتمع هي فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، وإذا لم يقم بها أحد أثموا جميعاً، قال الغزالي في إحياء علوم الدين : أما فرض الكفاية فكل علم لا يستغنى عن قوام أمور الدنيا كالطلب والحساب وأصول الصناعات والسياسة، وقال ابن تيمية: قال غير واحد من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم.. أن هذه الصناعات كالفلاحة والنساجة والبناية فرض على 1 الحريات من القرآن الكريم للصلابي، ص157. 2 النظام السياسي والاقتصادي، ص32. 3 المصدر نفسه، ص32.

عدد الصفحات ٣٢٠