المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها

علي محمد الصلابي

صفحة ١ من ٢٩

1 دار المعـرفة بيروت لبنان

عدد الصفحات ١

2 بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَّ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّس لِمُونَ ﴾ (آل عمران، آية : 102.) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّف س وَاحِدَة وَخَلَقَ مِن هَا زَو جَهَا وَبَثَّ مِن هُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللهَّ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَر حَامَ إِنَّ اللهَّ كَانَ عَلَي كُم رَقِيبًا ﴾ (النساء، آية : 1.) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهََّ وَقُولُوا قَو لاً سَدِيدًا * يُص لِح لَكُم أَع مَالَكُم وَيَغ فِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَمَن يُطِع اللهََّ وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَو زًا عَظِيمًا ﴾ (الأحزاب، آية : 70 ـ71.) يا رب لك الحمد حتى ترضى، ولكالحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى. أما بعد: جاء الإسلام بتنظيم شامل لأمور الدين والدنيا معاً وهو بذلك يختلف عن المسيحية التي فصلت بين الدين والدولة فجعلت الدين من اختصاص الكنيسة والدنيا من اختصاص الدولة، وليس هناك مجال للشك في أن النظام الذي أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم وتبعه المسلمون من بعده هو نظام ديني سياسي معاً وهو نظام العقيدة والشريعة 1. ولم يعرف المسلمون الأوائل التفريق بين السياسة والدين، بل جعلوا السياسة منخرطة ضمن تعاليم الدين، فلو قرأنا كتب الفقه لرأيناها تتكلم عن الأمور السياسية ـ حسب لغة تلك العصور ـ 1 الأخلاق السياسية للدولة الإسلامية، محمد زكريا الناداف، ص: 83.

عدد الصفحات ٢

3 كما تتكلم عن الوضوء والصلاة والقيام، وهذا ما أكده ابن تيمية عندما قال: فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله 1، فجعل اتخاذ الحكم والسياسة من الدين وسيلة من وسائل التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فالدولة في الإسلام من الدين، وأن الدين في الإسلام محيط بالسياسة وغيرها من النشاطات البشرية ومنظم لها جميعاً، لأن هذه العبارة منطلقة من ثقافتنا وحضارتنا2. وبيان القرآن الكريم وجوب وجود القوة في أيد حكيمة لإقامة العدل ولمنع الفساد والظلم، قال تعالى: ﴿لَقَد أَر سَل نَا رُسُلَنَا بِال بَيِّنَاتِ وَأَنزَل نَا مَعَهُمُ ال كِتَابَ وَال مِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِال قِس طِ وَأَنزَل نَا ال حَدِيدَ فِيهِ بَأ س شَدِيد وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَع لَمَ اللهَُّ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِال غَي بِ إِنَّ اللهََّ قَوِيٌّ عَزِيز ﴾ (الحديد، آية : 25.) في هذه الآية عناوين كبرى هي ـ الكتاب: وهو هنا القرآن الكريم الذي تضمن مبادئ الدين الأخير والرسالة الخاتمة. ويشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم. ـ الميزان: وهو إشارة للعدل بين الناس بالموازين العادلة وإعطائهم حقوقهم. ـ القسط: وقيام الناس بالقسط إقامة حياتهم وأنواع نشاطهم على أساس التوازن بين جوانبها المختلفة دون أن يطغى على جانب ولا فئة على فئة. ـ الحديد: وهو رمز القوة التي تؤيد مبادئ الكتاب وموازين العدل وقوانين القسط3. إن من الناس من يستجيب إلى الحق بالخطاب العقلي أو الأسلوب الوعظي، ولكن من الناس من لا يستجيب لما فيه صلاحه وصلاح مجتمعه إلا بوجود قوة رادعة، تغلب في نفسه قوى الخير على قوى الشر، ورضي الله عن عثمان بن عفان إذ قال: إن الله ليزع بالسلطان ما لا 1 الأخلاق السياسية للدولة الإسلامية، ص87. 2 المصدر نفسه، ص87. 3 الأخلاق السياسية، ص122.

عدد الصفحات ٣

4 يزع بالقرآن1، فلذلك كان وجود الدولة ضرورياً لحماية المجتم ع من الفئات المنحرفة عن سبيل الاستقامة، الذين لو أطلقت أيديهم لعاثوا في الأرض فساداً، فأهلكوا أنفسهم ومجتمعاتهم، كما بيَّ ن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث السفينة وهو ما يرويه النعمان بن بشير رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً »2. وبيان القرآن الكريم أركان الحكم، كوجوب الحكم بالعدل على ولاة الأمر ، ووجوب الطاعة على الرعية والالتزام بالمرجعية العليا في كل ما يختلف فيه الرعية مع حكامهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَّ يَأ مُرُكُم أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَه لِهَا وَإِذَا حَكَم تُم بَي نَ النَّاسِ أَن تَح كُمُوا بِال عَد لِ إِنَّ اللهَّ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَّ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَّ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُو لِي الأَم رِ مِنكُم فَإِن تَنَازَع تُم فِي شَي ء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِّ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤ مِنُونَ بِاللهِّ وَال يَو مِ الآخِرِ ذَلِكَ خَي ر وَأَح سَنُ تَأ وِيلاً ﴾ (النساء، آية : 58 ـ59.) إن الإسلام الذي شرعه الله لم يدع جانباً من جوانب الحياة إلا وتعهده بالتشريع والتوجيه فهو ـ بطبيعته ـ شامل لكل نواحي الحياة، مادية وروحية فردية واجتماعية، وقد خاطب الله تعالى رسوله: ـ بقوله: ﴿وَنَزَّل نَا عَلَي كَ ال كِتَابَ تِب يَانًا لِّكُلِّ شَي ء وَهُدًى وَرَح مَةً وَبُش رَى لِل مُس لِمِينَ ﴾ (النحل، آية : 89.) ـ والقرآن يقول﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَي كُمُ الصِّيَامُ ﴾ (البقرة، آية : 183) 1 تفسير القرآن العظيم لابن كثير3 /60.) 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم 2361.

عدد الصفحات ٤

5 ـ وهو نفسه الذي يقول في نفس السورة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَي كُمُ ال قِصَاصُ فِي ال قَت لَى ﴾ (البقرة، آية : 178.) ـ وهو الذي يقول فيها ﴿كُتِبَ عَلَي كُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ال مَو تُ إِن تَرَكَ خَي رًا ال وَصِيَّةُ لِل وَالِدَي نِ وَالأق رَبِينَ بِال مَع رُوفِ ﴾ (البقرة، آية : 180.) ـ ويقول في ذات السورة ﴿كُتِبَ عَلَي كُمُ ال قِتَالُ وَهُوَ كُر ه لَّكُم وَعَسَى أَن تَك رَهُوا شَي ئًا وَهُوَ خَي ر لَّكُم ﴾ (البقرة، آية : 216.) عبار القرآن عن فرضية هذه ا مور كلها بعبارة واحدة ﴿كُتِبَ عَلَي كُمُ ﴾، فهذه الأمور كلها مما كتب الله على المؤمنين أي فرضه عليهم: الصيام من الأمور التعبدية، والقصاص في القوانين الجنائية، والوصاية فيما يسمى "الأحوال الشخصية"، والقتال في العلاقات الدولية، وكلها تكاليف شرعية يتعبد بتنفيذها المؤمنون، ويتقربون بها إلى الله، فلا يتصور من مسلم قبول فرضية الصيام، ورفض فرضية القصاص، أو الوص ية أو القتال وجميعها تقول ﴿كُتِبَ عَلَي كُمُ ﴾. وقد ثبُ ت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك أمراً يقربنا من الله إلا وأمرنا به، ولا ترك أمراً يبعدنا عن الله إلا نهانا عنه، حتى تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك1. 1 الدين والسياسة، د. يوسف القرضاوي، ص: 69، ورواه أحمد في المسند، رقم17142.

عدد الصفحات ٥

6 ومن قرأ كتب الفقه الإسلامي وجدها تشمل على شؤون الحياة كلها من فقه الطهارة، إلى فقه الأسرة إلى فقه المجتمع إلى فقه الدولة وهذا في غاية الوضوح لكل طالب مبتدئ، ناهيك بالعالم المتمكن1. إن الفقهاء أدركوا ضرورة التمييز في أبواب الفقه، فوضعوا أبواباً للعبادات وأبواباً للمعاملات، وبذلك فرقوا بين المسائل المتعلقة بالعبادة والمعاملات ويمكننا اليوم أن نسمي أبواب الفقه الخاصة بالمعاملات "بالقانون الإسلامي" ولندخل ضمن هذا القانون إلى جانب هذا الجزء من علم الفقه، علم أصول الفقه، وهو يبيا ن لنا مصادر القانون، وكيفية استنباط الأحكام من تلك المصادر، ولندخل أيضاً في القانون الإسلامي مباحث الإمامة، فإن هذا أساس القانون العام، ويمكن تقسيم القانون الإسلامي إلى قانون خاص، وقانون عام، فالقانون الخاص يشمل القواعد التي تضبط علاقات الأفراد بعضها ببعض، فأبواب المعاملات، والأحوال الشخصية، تدخل في القانون الخاص والقانون العام يشمل القواعد التي تسري على السلطات العامة وعلاقة هذه السلطات بالأفراد. وبدون مشقة نجد في القانون الإسلامي الخاص: قانوناً مدنياً، وقانون مرافعات، وأساساً لقانون تجاري وفي القانون الإسلامي العام: قانوناً دستورياً وقانون اً إدارياً ويمكننا أن نبيا ن قانوناً دولياً عاماً وقانوناً دولياً خاصاً من أصول وقواعد ومقاصد الإسلام 2. إن تعاليم الإسلام وأحكامه في العقيدة والشريعة والأخلاق والعبادات والمعاملات، لا تؤتي أُكلها إلا إذا أُ خذت متكاملة، فإن بعضها لازم لبعض، وهي أشبه "بوصفة طبية" كاملة مكونة من غذاء متكامل، ودواء متنوع وحمية وامتناع من بعض الأشياء وممارسة لبعض التمرينات.. فلكي تحقق هذه الوصفة هدفها، لابد من تنفيذها جميعاً، فإن ترك جزء منها قد 1 الدين والسياسة، ص69. 2 الإسلام والسياسة، د. محمد عمارة، ص89.

عدد الصفحات ٦

7 يؤثر في النتيجة كلها1، فالإسلام يرفض تجزئة أحكامه وتعاليمه وأخذ بعضها دون بعض وقد اشتد القرآن الكريم في إنكار هذا المسلك على بني إسرائيل. ـ قال تعالى: ﴿أَفَتُؤ مِنُونَ بِبَع ضِ ال كِتَابِ وَتَك فُرُونَ بِبَع ض فَمَا جَزَاء مَن يَف عَلُ ذَلِكَ مِنكُم إِلاَّ خِز ي فِي ال حَيَاةِ الدُّن يَا وَيَو مَ ال قِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ ال عَذَابِ وَمَا اللهُّ بِغَافِل عَمَّا تَع مَلُونَ ﴾ (البقرة، آية : 85.) ولما أحب بعض اليهود أن يدخلوا في الإسلام بشرط أن يحتفظوا ببعض الشرائع اليهودية مثل تحريم يوم السبت، أبى الرسول عليهم ذلك إلا أن يدخلوا في شرائع الإسلام كافة2. ـ قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اد خُلُوا فِي السِّل مِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّي طَانِ إِنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُّبِين ﴾ (البقرة، آية : 208.) وخاطب اللهُ سبحانه رسولَ ه صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿وَأَنِ اح كُم بَي نَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُّ وَلاَ تَتَّبِع أَه وَاءهُم وَاح ذَر هُم أَن يَف تِنُوكَ عَن بَع ضِ مَا أَنزَلَ اللهُّ إِلَي كَ ﴾ (المائدة، آية : 49.) فهنا يحذر الله رسوله من غير المسلمين: أن يصرفوه عن بعض أحكام الإسلام، وهو خطاب لكل من يقوم بأمر الأمة من بعده3. إن الحياة وحدة تنقسم، وكل لا يتجزأ ولا يمكن أن تصلح الحياة إن تولى الإسلام جزءاً منها كالمسجد والزوايا يحكمها ويوجهها وتركت جوانب الحياة الأخرى لمذاهب وضعية، وأفكار بشرية وفلسفات أرضية توجهها وتقودها، ولا يمكن أن يكون للإسلام المسجد، ويكون للعلمانية المدرسة والجامعة والمحكمة والإذاعة والتلفاز والصحافة والمسرح والسينما والسوق والشارع وبعبارة أخرى الحياة كلها4. 1 الدين والسياسة، ص70. 2 الدين والسياسة، ص70. 3 المصدر نفسه، ص70. 4 المصدر نفسه، ص70.

عدد الصفحات ٧

8 إن الدول في عصرنا أمست تملك أزمة الحياة كلها في أيديها، من التعليم إلى القضاء، إلى الثقافة إلى الإعلام إلى المساجد، إلى الاقتصاد والاجتماع، فلا يمكن لمصلح أن يتجاوزها، ويدعها للقوى العلمانية تفعل ما تشاء وهي قادرة على أن تهدم كل ما بناه أهل الصلاح بسهولة ويسر، ولاسيما أن الهدم عادة أسهل من البناء، فكيف بمن يهدم بالألغام الناسفة التي تستطيع أن تجعل العمارة الشاهقة كومة من التراب في دقائق معدودات؟ وفي عصرنا انتقلت القوة من الأمة إلى الدولة وأضحت هي المتحكمة في معظم الأمور، من تعليم وإعلام وثقافة وصحة وقضاء وشؤون دينية وأمنية وعسكرية واقتصادية، فكيف يمكن للمصلح أن يباشر الإصلاح إذا كانت الدولة مضادة لاتجاهه فهو يُ حيي وهي تُ ميت، وهو يجمع وهي تفرغ، وهو يشرق وهي تغرب؟ سارت مغربة وسرت مشرقاً شتان بين مشرق ومغرب أو كما قال الشاعر الآخر: متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟ فكيف إذا كان الذي يهدم الدولة ذاتها، بما تملك من إمكانات فائقة وآليات كبيرة؟ وهذا ما جعل أفراد الشعوب المؤمنة بالمر جعية الإسلامية من مصلحين وعلماء وساسة ومواطنين ومواطنات يدخلون معترك السياسة ويلتمسون الإصلاح عن طريق إقامة دولة تحقق قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُم فِي الأ َر ضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِال مَع رُوفِ وَنَهَو ا عَنِ ال مُنكَرِ ﴾ (الحج ، آية : 41)1. إن البشر لا يصلح لهم إلا سياسة تضبطها قيم الدين وقواعد الأخلاق وتلتزم بمعايير الخير والشر، وموازين الحق والباطل. 1 الدين والسياسة، ص77.

عدد الصفحات ٨

9 إن السياسة حين ترتبط بالدين تعني: العدل في الرعية والقسمة بالسوية والانتصار للمظلوم على الظالم وأخذ الضعيف حقه من القوي، وإتاحة فرص متكافئة للناس ورعاية الفئات المسحوقة من المجتمع كاليتامى والمساكين وأبناء السبيل، ورعاية الحقوق الأساسية للإنسان بصفة عامة. إن دخول الدين في السياسة ليس ـ كما يصوره الماديون والعلمانيون ـ شراً على السياسة، وشراً على الدين نفسه، إن الدين الحق إذا دخل في السياسة: دخل دخول الموجه للخير، الهادي إلى الرشد، المبين للحق، العاصم من الضلال والغي. فهو لا يرضى عن ظلم، وهو لا يتغاضى عن زيف، ولا يسكت عن غي، ولا يقر تسلط الأقوياء على الضعفاء، ولا يعاقب السارق الصغير، ويكرم السارق الكبير. والدين إذا دخل في السياسة: ه داها إلى الغايات العليا للحياة وللإنسان: توحيد الله، وتزكية النفس، وسمو الروح، واستقامة الخلق، وتحقيق مقاصد الله من خلق الإنسان: عبادة الله وخلافته في الأرض، وعمارتها بالحق والعدل، بالإضافة إلى ترابط الأسرة، وتكافل المجتمع وتماسك الأمة، وعدالة الدولة وتعارف البشرية1. والدين يمنح في الوقت نفسه رجال السياسة: ا لحوافز التي تدفعهم إلى الخير، وتقضهم عند الحق، وتشجعهم على نصرة الفضيلة، وإغاثة الملهوف، وتقوية الضعيف، والأخذ بيد الضعيف، والوقوف في وجه الظالم حتى يرتدع عن ظلمه، كم ا جاء في الحديث الصحيح: «أنصر أخ اك ظالماً أو مظلوماً ». قالوا: يا رسول الله ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال: «تمنعه من الظلم، فذلك نصرٌ له »2. والدين يمنح السياسي الضمير الحي، أو (النفس اللا وامة) التي تزجره أن يأكل الحرام من المال أو يستحل الحرام من المسجد، أو يأكل المال العام بالباطل، أو يأخذ الرشوة باسم الهدية أو 1 الدين والسياسة، ص80. 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم2444.

عدد الصفحات ٩

10 العمولة وهو الذي يجعل الحاكم يحرص على نصحه وتقويمه، قال أبو بكر الصديق: إن أسأت فقوِّ موني1، وقال عمر بن الخطاب: من رأى منكم فياعوجاجاً فليقوِّ مني2. والسياسي حين يعتصم بالدين، فإنما يعتصم بالعروة الوثقى ويحميه الدين من مساوئ الأخلاق ورذائل النفاق، فإذا حدَّ ث لم يكذب، وإذا وعد لم يخلف وإذا اؤتمن لم يخن، وإذا عاهد لم يغدر، وإذا خاصم لم يفجر، إنه مقيد بالمثل العليا ومكارم الأخلاق. إن تجريد السياسة من الدين يعني تجريدها من بواعث الخير، وروادع الشر، تجريدها من عوامل البر والتقوى وتركها لدواعي الإثم والعدوان. وربـط السياسة بالديـن يعطي الدولة قـدرة على تجنيـد "الطـاقة الإيمـانية" أو "الطاقة الروحية" فـي خـدمة المجتـمع وتوجيه سياسته الداخلية إلى الرشد لا الغي وإلى الاستقامة لا الانحراف، وإلى الطهارة لا إلى التلوث بالحرام. وكذلك تجنيد هذه الطاقة في السياسة الخارجية للدفاع عن الوطن، ومواجهة أعدائه المتربصين به والاستماتة في سبيل تحريره إذا احتُ لت أرضه أو اغتُ صبت حقوقه، أو ديست كرامته. ولقد ر أينا المسلمين في عصورهم الذهبية حين ارتبطت سياستهم بالدين ، فتحوا الفتوح، وانتصروا على الإمبراطوريات الكبرى، وأقاموا دولة العدل والإحسان ثم شادوا حضارة العلم والإيمان، مستظلين براية القرآن3. ـ ضلالة فصل الدين عن السياسة وقد اختار العلامة محمد الخضر حسين ـ شيخ الأزهر في زمانه ـ أن يعبر عن فصل الدين عن السياسة الذي دعا إليه أحد الكُ تاب بعبارة (ضلالة) وهو تعبير شرعي صحيح، لأنه أمر محدث ومبتدع في الأمة، وكل بدعة ضلالة، كما في الحديث الصحيح4. ومما ا قاله العلامة محمد الخضر في هذه المقالة العلمية الرصينة: نعرف أن الذين يدعون إلى فصل الدين عن السياسة فريقان: 1 الطبقات لابن سعد3 /183.) 2 الدين والسياسة، ص80. 3 الدين والسياسة، ص81،82. 44 أخرجه مسلم، الحديث رقم867.

عدد الصفحات ١٠

11 أ ـ فريق يعترف بأن للدين أحكاماً وأصولاً تتصل بالقضاء والسياسة ولكنهم ينكرون أن تكون هذه الأحكام والأصول كافلة بالمصالح آخذة بالسياسة إلى أحسن العواقب، ولم يُ بال هؤلاء أن يجهروا بالطعن في أحكام الدين وأصوله وقبلوا أن يسميهم المسلمون ملاحدة، لأنهم مقرون بأنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا بمن نزل عليه القرآن. ب ـ ورأى فريق أن الاعتراف بأن في الدين أصول لا قضائية وأخرى سياسية، ثم الطعن في صلاحها، إيذان بالا نفصال عن الدين، وإذا دعا المنفصل عن الدين إلى فصل الدين عن السياسة، كان قصده مفضوحاً، وسعيه خائباً فاخترع هؤلاء طريقاً حسبوه أقرب إلى نجاحهم، وهو أن يدَّ عوا أن الإسلام توحيد وعبادات، ويجحدوا أن يكون في حقائقه ما له مدخل في القضاء والسياسة، وجمعوا على هذا ما استطاعوا من الشبه، لعلهم يجدون في الناس جهالة أو غباوة فيتم لهم ما بيتوا. هذان مسلكان لمن ينادي بفصل الدين عن السياسة، أو كلاهما يبغي من أصحاب السلطان: أي يضعوا للأمة الإسلامية قوانين تناقض شريعتها، ويسلكوا بها مذاهب لا توافق ما ارتضاه الله في إصلاحها، وكِ لا المسلكين وليد الافتتان بسياسة الشهوات وقصور النظر لشريعة الإسلام من حِ كم بالغات. أما أن الإسلام قد جاء بأحكام وأصول قضائية، ووضع في فم السياسة لجاماً من الحكمة، فإنما ينكره من تجاهل القرآن والسنة، ولم يحفل بسيرة الخلفاء الراشدين إذ كانوا يزِ نون الحوادث بقسطاس الشريعة ويرجعون عند الاختلاف إلى كتاب الله أو سنة رسوله. وبيان الشيخ أنا : في القرآن الكريم شواهد كثيرة على أن دعوته تدخل في المعاملات المدنية وتتولى إرشاد السلطة السياسية، قال تعالى: ﴿أَفَحُك مَ ال جَاهِلِيَّةِ يَب غُونَ وَمَن أَح سَنُ مِنَ اللهِّ حُك مًا لِّقَو م يُوقِنُونَ ﴾ (المائدة ، آية : 50.) وكل حكم يخالف شرع الله فهو من فصيلة أحكام الجاهلية، وفي قوله تعالى﴿لِّقَو م يُوقِنُونَ ﴾ إيماء بأن غير الموقنين قد ينازعون في حسن أحكام رب البرية، وتهوى أنفسهم تبدلها بمثل

عدد الصفحات ١١

12 أحكام الجاهلية، ذلك لأنهم في غطاء من تقليد قوم كبروا في أعينهم ولم يستطيعوا أن يميزوا سيئاتهم من حسناتهم، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اح كُم بَي نَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُّ وَلاَ تَتَّبِع أَه وَاءهُم وَاح ذَر هُم أَن يَف تِنُوكَ عَن بَع ضِ مَا أَنزَلَ اللهُّ إِلَي كَ ﴾ (المائدة ، آية : 49)، ففرض في هذه الآية أن يكون فصل القضايا على مقتضى كتاب الله، ونبَّ ه على أن م ن لم يدخل الإيمان في قلوبهم يبتغ ون من الحاكم أن يخلق أحكامه من طينة ما يوافق أهواءهم، وأردف هذا بتحذير الحاكم من أن يفتنه أثر الشهوات عن بعض ما أنزل الله، وفتنتهم له من أن يسمع لقولهم، ويضع مكان حكم الله حكماً يلائم بغيتهم، قال تعالى: ﴿وَمَن لَّم يَح كُم بِمَا أنزَلَ اللهُّ فَأُو لَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (المائدة ، آية : 45)، وفي آية﴿وَمَن لَّم يَح كُم بِمَا أَنزَلَ اللهُّ فَأُو لَـئِكَ هُمُ ال فَاسِقُونَ ﴾ (المائدة ، آية : 47). وفي آية ثالثة: ﴿وَمَن لَّم يَح كُم بِمَا أَنزَلَ اللهُّ فَأُو لَـئِكَ هُمُ ال كَافِرُونَ ﴾ (المائدة ، آية : 44.) وفي القرآن الكريم أحكام كثيرة ليست من التوحيد ولا من العبادات، كأحكام البيع والربا والرهن والإشهاد وأحكام للنكاح والطلاق واللعان، والولاء والظهار والحجر على الأيتام والوصايا والمواريث، وأحكام القصاص والدية وقطع يد السارق وجلد الزاني وقاذف المحصنات، وجزاء الساعي في الأرض فساداً، وذكر الشيخ آيات تتعلق بالسلم والحرب والمعاهدات والعلاقات الدولية، ثم قال: وفي السنة الصحيح ة أحكام مفصلة في أبواب من المعاملات والجنايات إلى نحو هذا، مما ا يدل على أن مَ ن يدعو إلى فصل الدين عن السياسة إنما تصور ديناً آخراً غير الإسلام. وفي سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهم أعلم الناس بمقاصد الشريعة ـ ويدل دلالة قاطعة على أن للدين سلطان في السياسة، فإنهم كانوا يأخذون على الخليفة عندما مبايعته على شرط العمل بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عدد الصفحات ١٢

13 ولولا علمهم بأن السياسة لا تنفصل عن الدين لبايعوه على أن يسوسهم بما يراه أو يراه مجلس شوراه مصلحة. وفي صحيح البخاري: كانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم من الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم 1، ومن شواهد هذا: محاورة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب في قتال مانعي الزكاة، فإنها كانت تدور على التفقه في حديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»2. فعمر بن الخطاب يستدل على عدم قتالهمبالحديث، وأبو بكر يبيِّ ن له الدليل، ووجه الشاهد بقوله في الحديث: إلا بحقها، ويقول: الزكاة من حق الأموال، ولو لم يك ونوا على يقين أن السياسة لا يسوغ لها أن تخطو خطوة إلا أن يأذن لها الدين بأن تخطوها، ما أورد عمر بن الخطاب هذا الحديث عن رسول الله، وقتال مانعي الزكاة من شؤون السياسة. ومن شواهد أن ربط السياسة بالدين أمر عرفه خاصة الصحابة وعامتهم: قصة عمر بن الخطاب إذ بدا له أن يضع لمهور النساء حداً، فتلت عليه امرأة قوله تعالى: ﴿وَآتَي تُم إِح دَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأ خُذُوا مِن هُ شَي ئًا ﴾ (النساء ، آية : 20). فما زاد على أن قالرجل أخطأ وامرأة أصابت3. ونبذ رأيه وراء ظهره، ولم يقل لها: ذلك دين وهذه سياسة، وكتب السنة والآثار مملوءة بأمثال هذه الشواهد، ولم يوجد ـ حتى في الأمراء المعروفين بالفجور ـ من حاول أن يمس اتصال السياسة بالدين من الوجهة العملية وإن جروا في كثير من تصرفاتهم على غير ما أذن الله به، جهالة منهم أو طغياناً. 1 هو من كلام البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم1400. 3 سنن البيهقي7 /233.)

عدد الصفحات ١٣

14 أراد الحجاج أن يأخذ رجلاً بجريمة بعض أقاربه فذكره الرجل بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَة وِز رَ أُخ رَى ﴾ (الأنعام ، آية : 164) فتركه1، ولم يخطر على باله ـ وهو ذلك الطاغية ـ أن يقول له ما تلوته دين، وما سأفعله سياسة2. ثم قال: فصل الدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدين ولا يُ قدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين، وليست هذه الجناية بأقل ما يعتدي به الأجنبي على الدين إذا جاس خلال الديار، وقد رأينا الذين فصلوا الدين عن السياسة علناً كيف صاروا أشد الناس عداوة لهداية القرآن، ورأينا كيف كان بعض المبتلين بالاستعمار الأجنبي أقرب إلى الحرية في الدين ممن أصيبوا بسلطانهم، ونحن على ثقة من أن الفئة التي ترتاح لمثال مقال الكاتب لو ملكت قوة لألقت محاكم يقضى فيها بأصول الإسلام، وقلبت معاهد تدرس فيها علوم شريعته الغراء إلى معاهد لهو ومجون، بل لم يجدوا في أنفسهم ما يتباطأ بهم عن التصرف في مساجد يذكر فيها اسم الله تصرف من لا يرجون لله وقاراً 3. ـ الصلاة والسياسة إن المسلم قد يكون في قلب الصلاة ومع هذا يخوض في بحر السياسة، حين يتلو من كتاب الله الكريم آيات تتعلق بأمور تدخل في صلب ما يسميه الناس سياسة، فمن يقرأ في سورة المائدة الآيات التي تأمر بالحكم بما أنزل الله، وتدمغ من لم يحكم بما أنزل الله سبحانه بالكفر والظلم والفسوق. ـ ﴿وَمَن لَّم يَح كُم بِمَا أَنزَلَ اللهُّ فَأُو لَـئِكَ هُمُ ال كَافِرُونَ ﴾ ( المائدة ، آية : 44.) ـ﴿و َمَن لَّم يَح كُم بِمَا أنزَلَ اللهُّ فَأُو لَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (المائدة ، آية : 45.) ـ ﴿وَمَن لَّم يَح كُم بِمَا أَنزَلَ اللهُّ فَأُو لَـئِكَ هُمُ ال فَاسِقُونَ ﴾ (المائدة ، آية : 47.) 1 البداية والنهاية9 /124.) 2 مقالة ضلالة الدين عن السياسة من (رسائل الإصلاح)، ص159 ـ173. 3 المصدر نفسه، ص159 ـ173.

عدد الصفحات ١٤

15 يكون قد دخل في السياسة وربمااعتبر من المعارضة المتطرفة، لأنه بتلاوة هذه الآيات وجه الاتهام إلى النظام الحاكم ويحرِّض عليه، لأنه موصوف بالكفر أو الظلم أو الفسق أو بها كلها في حالة تعطيله لأحكام الشريعة وتبديلها بما يخالفها. ومثل ذلك من يقرأ الآيات التي تحذر من موالاة غير المؤمنين، قال تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا ال كَافِرِينَ أَو لِيَاء مِن دُونِ ال مُؤ مِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَج عَلُوا للهِِّ عَلَي كُم سُل طَانًا مُّبِينًا ﴾ (النساء، آية: 144.) ومن قنت "قنوات النوازل" المقررة في الفقه، وهو الدعاء الذييُدعى به في الصلوات بعد الر فع من الركعة الأخيرة، وخصوصاً من الصلاة الجهرية، وهو مشروع عندما تنزل بالمسلمين نازلة، كغزو عدو، أو وقوع زلزال أو فيضان أو مجاعة عامة أو نحو ذلك.. كما نفعل كثيراً عندما يقع عدوان صهيوني كبير على فلسطين، أو على لبنان وكما حدث كثيراً في حرب السوفييت لأفغانستان وحرب الصرب للبوسنة والهرسك وغيرها1. وكما حدث في ثورات الربيع العربي في الدعاء للشعوب للتخلص من النظم الاستبدادية والديكتاتورية، وهكذا كنا ندخل في معترك السياسة، ونخوض غماره، ونحن في محراب الصلاة متبتلون خاشعون، فهذه طبيعة الإسلام لا ينعزل فيه دين عن دنيا، ولا تنفصل فيه دنيا عن دين، ولا يعرف قرآنه ولا سنته ولا تاريخه ديناً بلا دولة ولا دولة بلا دين 2، إن الدين منارة تهدي وليس قيداً يعوق، وأن الشريعة ـ كما قال ابن القيم ـ عدل كلها، ورحمة كلها ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسأل ة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليس من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل3. 1 الدين والسياسة، ص103. 2 المصدر نفسه، ص103. 3 إعلام الموقعين3 /3.)

عدد الصفحات ١٥

16 ـ الإسلام وتطور الحياة إن الإسلام لا يمنع تطور الحياة وانتقالها من السيىء إلى الحسن ومن الحسن إلى الأحسن، بل نرى الإسلام أبداً يُشِّوق المسلم إلى "التي أحسن" في كثير من الأمور، فهو يحاور بالتي هي أحسن، ويدفع إساءة المسيء بالتي هي أحسن، ويقرب مال اليتيم بالتي هي أحسن ويتطلع دائماً إلى "الأحسن" في كل شيء، كيف لا وقد علمه القرآن ذلك حين قال:﴿وَاتَّبِعُوا أَح سَنَ مَا أُنزِلَ إِلَي كُم مِّن رَّبِّكُم ﴾(الزمر، آية : 55.) وقال تعالى﴿فَبَشِّر عِبَادِ * الَّذِينَ يَس تَمِعُونَ ال قَو لَ فَيَتَّبِعُونَ أَح سَنَهُ ﴾ (الزمر، آية : 17 ـ18.) لقد رأينا الرسول الكريم يعني بأمر "الإحصاء" قبلأن يهتم به البشر، فطلب من أصحابه أن يحصوا له عدد من يلفظ بالإسلام فأحصوا له، فكانوا ألفاً وخمسمائة رجل 1. وفي بعض الروايات: «اكتبوا لي....2» فهوإحصاء يُراد تدوينه وكتابته. وهو عليه الصلاة السلام، يقدر التجربة في شؤون الدنيا، ويبني عليها نتائجها، فحين رأى في بعض أمور الزراعة أمراً، وأظهرت النتائج خلافه، قال لهم بكل وضوح: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»3. فأنتم المرجع المعتبر في الأمور الفنية والدنيوية التي تحسنونها دون حاجة إلى الرجوع إلى الوحي4. وهو لم يكتف بدعوتهم إلىالعمل لدنياهم :﴿فَانتَشِرُوا فِي الأ َر ضِ وَاب تَغُوا مِن فَض لِ اللهَِّ ﴾ (الجمعة، آية : 10.) ﴿فَام شُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّز قِهِ ﴾ (الملك، آية : 15.) 1أخرجه مسلم، الحديث رقم149. 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم3060. 3 أخرجه مسلم، الحديث رقم2363. 4 السنة مصدر للمعرفة والحضارة للقرضاوي

عدد الصفحات ١٦