المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها

علي محمد الصلابي

صفحة ١٨ من ٢٩

273 تأثير على الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه1، وهذا ما يقرُّه القانون الدولي؛ حيث إن المعاهدة قد تعقد بواسطة دولة أخرى ليست طرفاً في النزاع أو أحد المبعوثين الذين لا علاقة لهم، أو لدولتهم بالنِّزاع القائم بين طرفي التعاقد. ــ إن المعاهدة تعدُّ نافذة المفعول بمجرَّد الاتفاق على المعاهدة وشروطها، حتى لو لم تكتب، ولو لم يوقع عليها الطرفان، وذلك كما حدث لأبي جندل بن سهيل بن عمرو الذي ردّه الرّسول صلى الله عليه وسلم بمو جب قبوله عليه السلام بالبند الخامس من المعاهدة والذي يقول: على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه ردّه عليهم، فمنذ أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم التزامه بهذا الشرط أجراه ولم تكن المعاهدة قد كتبت بعد ولم يوقع عليها الطرفان. ــ إن المعاهدة تكتب من نسختين، ويأخذ كلُّ طرف نسخة طبق الأصل من المعاهدة، حيث إنه بعد أن تمَّت إجراءات الصُّلح النهائي في الحديبية؛ أخذ كل من الفريقين نسخة من وثيقة الصلح التاريخية وانصرف الوفد القرشي راجعاً إلى مكة2.  ـ موقف أبي جندل والوفاء بالعهد إن من أبلغ دروس صلح الحديبية درس الوفاء بالعهد والتقيُّد بما فرضه شرف الكلمة من الوفاء بالالتزامات التي يقطعها المسلم على نفسه، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه أعلى مثل في التاريخ القديم، والحديث لاحترام كلمة لم تكتب واحترام كلمة تكتب كذلك، وفي الجدِّ في عهوده، وجِّه للصراح ة، والواقعية، وبغضه التحايل والا لتواء والكيد ، وذلك حينما 1 صلح الحديبية، لباشميل، ص199 ـ200. 2 المعاهدات في الشريعة الإسلامية، ص732.

عدد الصفحات ٢٧٣

274 كان يفاوض "سهيل بن عمرو" في الحديبية، حيث جاءه ابن سهيل يرسف في الأغلال، وقد فرّ من مشركي مكة، وكان أبوه يتفاوض مع الرّسول صلى الله عليه وسلم وكان هذا الابن ممَّن آمنوا بالإسلام وجاء مستفرحاً بالمسلمين، وقد انغلق من أيدي المشركين فلما رأى سهيل ابنه قام إليه وأخذه بتلابيبه وقال: لقد لجَّت القضية بيني وبينك ـ أي ـ فرغنا من المناقشة قبل أن يأتيك هذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدقت»، فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين أُردُّ إلى المشركين يفتنون ديني؟ فلم يغن عنه ذلك شيئاً وردّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لأبي جندل: «إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً ، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهداً، وإنا لا نغدر بهم»، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم إزاء هذه المأساة التي حالت بنود معاهدة الصُّلح بينه وبين أن يجد مخرجاً منها لأبي جندل المسلم، طمأن أبا جندل وبشره بقرب الفرج له، ولمن على شاكلته من المسلمين، وقال له ـ وهو يواسيه ـ : «يا أبا جندل اصبر، واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً»1. وفي هذه الكلمة النبوية المشرقة العظيمة دلالة ليس فوقها دلالة على مقدار حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتمسكه بفضيلة الوفاء بالعهد مهما كانت نتائجه وعواقبه فيما يبدو للناس2. 1 المعاهدات في الشريعة الإسلامية، ص273. 2 محمد رسول ا، صادق عرجون (4 /275.)

عدد الصفحات ٢٧٤

275 لقد كان درس أبي جندل امتحاناً قاسياً ورهيباً لهذا الوفاء بالعهد، أثبت فيه الرسول صلى الله والمسلمون نجاحاً عظيما في كبت عواطفهم وحبس مشاعرهم وقد صبروا لمنظر أخيهم أبي جندل، وتأثروا من ذلك المشهد عندما كان أبوه يجتذبه في تلابيبه، والدماء تنزف منه مما زاد في إيلامهم، حتى إن الكثيرين منهم أخذوا يبكون بمرارة إشفاقاً منهم على أخيهم في العقيدة وهم ينظرون إلى أبيه المشرك، وهو يسحبه بفظاظة الوثني الجلف، ليعود به مرة أخرى إلى سجنه الرهيب في مكة وقد صبر أبو جندل واحتسب لمصابه في سبيل دينه وعقيدته وتحقق فيه قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق، آية: 2 ـ3.) فلم تمرَّ أقلُّ من سنة حتى تمكن مع إخوته المسلمين المستضعفين بمكة من الإفلات من سجون مكة، وأصبحوا قوّة صار كفار مكة تخشونها بعد أن انضموا إلى أبي بصير، وسيطروا على طرق قوافل المشركين الآتية من الشام1.  ـ احترام المعارضة النزيهة بعد الاتفاق على معاهدة الصّلح، وقبل تسجيل بنودها ظهرت بين المسلمين معارضة شديدة وقوية لهذه الاتفاقية وخاصة في البندين اللذين يلتزم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بموجبهما بردِّ من جاءه من المسلمين لاجئاً، ولا تلتزم قريش بردِّ من جاءها من المسلمين مرتداً، والبند الذي يقضي بأن يعود المسلمون من الحديبية إلى المدينة دون أن يدخلوا مكة ذلك العام، وقد كان أشدّ 1 صلح الحديبية، باشميل، ص322 إلى325.

عدد الصفحات ٢٧٥

276 الناس معارضة لهذه الاتفاقية وانتقاداً لها عمر بن الخطاب، وأسيد بن حضير سيد اوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج. وقد ذكر المؤرخون: أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مُعلناً معارضته لهذه الاتفاقية وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألستَ برسول الله؟ قال: «بلى!» قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال «بلى» قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال «بلى» قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال «إني رسول الله، ولست أعصيه»1، وفي رواية «أنا عبد الله، ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يُصيِّعني»2، قلت: أوليس كنت تحدِّثنا ان سنأتي البيت فنطوف به؟ قال«بلى، فأخبرتك أن نأتيه العام؟» قلت: لا. قال فإنك آتيه ومطوِّف به . قال عمر: فأتيت أبا بكر، فقلت له: يا أبا بكر أليس برسول الله؟ قال: بلى! قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، فقال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى! قلت: فعلام نُعطي الدَّنية في ديننا؟ فقال أبو بكر ـ ناصحاً الفاروق بأن يترك الاحتجاج والمعارضة ـ : الزم غرزه ـ أي: أمره فأتي أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر به، ولن يخالف أمر الله، ولن يضيعه3. وبعد حادثة أبي جندل المؤلمة المؤثرة عاد الصحابة إلى تجديد المعارضة والصلح، وذهبت مجموعة منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم عمر بن الخطاب لمراجعته، وإعلان معارضتهم، إلا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بما أعطاه الله من صبر، 1 من معين السيرة، صالح الشامي، ص: 333. 2 تاريخ الطبري2 /634.) 3السيرة النبوية لابن هشام3 /346.)

عدد الصفحات ٢٧٦

277 وحكمة، وحلم وقوة حجة استطاع أن يقنع المعارضين بوجاهة الصلح، وأنه في صالح المسلمين، وأنه نصر لهم، وأن الله سيجعل للمستضعفين من أمثال أبي جندل فرجاً ومخرجاً، وقد تحقق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم. وبهذا يتبيَّن: أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع قاعدة احترام المعارضة النزيهة، حيث قرَّر ذلك بقوله، وفعله، وهو ـ والله أعلم ـ إنما أراد بهذا الفعل إرشاد القادة من بعده إلى احترام المعارضة النزيهة التي تصدر من أتباعهم، وذلك بتشجيع الأتباع على إبداء الآراء السَّليمة التي تخدم المصلحة العامة1. وهذا الهدي النبوي الكريم بيّن: أن حرية الرأي مكفولة في المجتمع الإسلامي، وأنَّ للفرد في المجتمع المسلم الحرّية في التعبير عن رأيه، ولو كان هذا الرّأي نقداً لموقف حاكم من الحكّام، أو خليفة من الخلفاء، فمن حق الفرد المسلم أن يبين وجهة نظره في جوِّ من الأمن والأمان دون إرهاب، أو تسلط يخنق حرية الكلمة، والفكر. ونفهم من معارضة عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أن المعارضة لرئيس الدولة في رأي من الآراء، وموقف من المواقف ليست جريمة تستوجب العقاب، ويغيَّب صاحبها في غياهب السجون2.  ـ نتائج صلح الحديبية 1 السيرة النبوية2 /306) للصلاَّبي. 2 غزوة الحديبية لأبي فارس، ص134،135.

عدد الصفحات ٢٧٧

278 لقد أيقن الصحابة الكرام أن الدّعوة قد دخلت في طور جديد، وفتح جديد، وآفاق أوسع، وامتداد أرحب، وأن من طبيعة هذا الدين أن ينمو وينتعش في أجواء السِّلم والأمن، أكثر منه في وقت الحرب ولمسوا مع الأيام نتائج صلح الحديبية التي كان من أهمها: ــ اعترفت قريش في هذه المعاهدة بكيان الدولة المسلمة فالمعاهدة دائماً لا تكون إلا بين ندَّين وكان لهذا الاعتراف أثره في نفوس القبائل المتأثرة بموقف قريش الجحوديِّ حيث كانوا يرون: أنها الإمام والقدوة. ــ دخلت المهابة في قلوب المشركين، والمنافقين، وتيقَّن الكثير منهم بغلبة الإسلام وقد تجلَّت بعض مظاهر ذلك من مبادرة كثير من صناديد قريش إلى الإسلام، مثل خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، كما تجلت في مسارعة الأعراب المجاورين للمدينة إلى الاعتذار عن تخلفهم. ــ أعطت الهدنة فرصة لنشر الإسلام، وتعريف الناس به، ممَّا أدى إلى دخول كثير من القبائل فيه، يقول الإمام الزُّهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلمّا كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا، فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك1. 1 السيرة النبوية لابن هشام3 /351.)

عدد الصفحات ٢٧٨

279 وعقب عليه ابن هشام بقوله: والدليل على قول الزُّهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف1. ــأمن المسلمون جانب قريش، فجوَّلوا ثقلهم على اليهود ومن كان يناوئهم من القبائل الأخرى، فكانت غزوة خيبر بعد صلح الحديبية. ــ مفاوضات الصُّلح جعلت حلفاء قريش يفقهون موقف المسلمين، ويميلون إليه، فهذا الحليس بن علقمة عندما رأى المسلمين يلبُّون؛ رجع إلى أصحابه قال: لقد رأيت قد قلت، وأشعرت، فما أرى أن يصدُّوا عن البيت. ــ مكَّن صلح الحديبية النبي صلى الله عليه وسلم من تجهيز غزوة مؤتة، فكانت خطوة جديدة لنقل الدعوة الإسلامية بأسلوب آخر خارج الجزيرة العَربية. ــ ساعد صلح الحديبية النبيَّ صلى الله عليه وسلم على إرسال رسائل إلى ملوك الفرس، والرُّوم، والضبط يدعوهم إلى الإسلام. 1 المصدر نفسه3 /351،352.)

عدد الصفحات ٢٧٩

280 ــكان صلح الحديبية سبباً ومقدمة لفتح مكة، يقول: ابن القيم: كانت الهدنة مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعزَّ الله به رسوله، وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً ، فكانت هذه الهدنة باباً له، ومفتاحاً ومؤذناً بين يديه، وهذه سنة الله ـ سبحانه ـ في الأمور العظام التي يقضيها قدراً، وشرعا أن يوطَّى لها بين يديها مقدِّمات، وتوطئات تؤذِن بها، وتدل عليها1. 14ـ العلاقاتالخارجية: فقد انساح هذا المدُّ إلى أطراف الجزيرة العربية، بل تجاوزها إلى ما وراء حدود الجزيرة العربية، فمنذ أن عقد الرّسول صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية مع قريش، وما تلا ذلك من إخضاع يهود شمال الحجاز في خيبر، ووادي القرى، وتيماء وفدك، إلى سيادة الإسلام؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يألُ جهداً لنشر الإسلام خارج حدود الحجاز، وكذلك خارج حدود الجزيرة العربيَّة، وقد عبَّر صلى الله عليه وسلم عن هذا المنهج قولاً وعملاً من خلال إرساله عدداً من الرسل والمبعوثين إلى أمراء أطراف الجزيرة العربية، وإلى ملوك العالم المعاصر خارج الجزيرة العربية ويشير المنهج النبوي في دعوة الزعماء والملوك إلى ما يجُب أن تكون عليه وسائل الدّعوة، فإلى جانب دعوة الأمراء، والشعوب اختار الرّسول صلى الله عليه وسلم أسلوباً جديداً من أساليب الدّعوة وهو مراسلة الملوك ورؤساء القبائل، وكان لأسلو ب إرسال الرّسائل إلى الملوك والأمراء أثر بارز في دخول 1 السيرة النبوية للصَّلاَّبي 2 /348.)

عدد الصفحات ٢٨٠

281 بعضهم الإسلام، وإظهار الودّ من البعض الآخر، كما كشفت هذه الرسائل مواقف بعض الملوك والأمراء من الدّعوة الإسلامية، ودولتها في المدينة، وبذلك حققت هذه الرّسائل نتائج كثيرة، واستطاعت الدولة الإسلامّية من خلال ردود الفعل المختلفة تجاه الرّسائل أن تنتهج نهجاً سياسياً، وعسكرياً واضحاً ومتميزاً وإليك أهم هذه الرسائل: أ ـ فقد وردت رواية صحيحة، تضمنت نص كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعثه مع دحية الكلبي إلى هرقل عظيم الروم1، وذلك في مدة هدنة الحديبية وهو كما يلي بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الرّوم، سلام على من اتبع الهدى: أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريِّسَّيين ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران، آية: 64)2. ولقد تسلَّم هرقل رسالة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ودقَّق في الأمر كما في الحديث الطويل المشهور بين أبي سفيان وهرقل المروي في الصَّحيحين حين سأله عن أحوال النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقال بعد ذلك لأبي سفيان: إن كان ما تقول حقاً ، فسيملك 1 نضرة النعيم1 /344.) 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم4553.

عدد الصفحات ٢٨١

282 موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم: أنه خارج ولم أكن أظنُّه منكم، فلو أنِّي أعلم أنِّي أخلص إليه؛ لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه1. ب ـأرسل النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب إلى كسرى ملك الإمبراطورية الفارسية، مع عبد الله بن حذافة السهميِّ، "أمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين2، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلمَّا قرأه مزَّقه، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُمزَّقوا كل ممزَّق3. ونصُّ الرسالة كما أوردها الطبريُّ كالتالي: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهُدى وآمن بالله، ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيًّا أسلم تسلم، فإن أبيت، فعليك إثمُ المجوس4. ج ـ أمّا كتاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم غلى النجاشي ملك الحب شة فقد أرسله مع عمرو بن أمية الض مريِّ وقد جاء في الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى النجاشي ملك الحبشة، أسلم أنت، فإني أحمد إليك الله الذي إله إلا هو الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم4553. 2 شرح المواهب اللدنية3 /341.) 3 دلائل النبوة البيهقي4 /387.) 4 تاريخ الطبري2 /654 ـ655.)

عدد الصفحات ٢٨٢

283 الحصينة، فحملت به، فخلقه من روحه، ونفخه كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة في طاعته، وأن تتبعني، وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله، وإني أدعوك، وجنودك إلى الله ـ عز وجلَّ ـ وقد بلغت، ونصحت، فاقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى»1. د ـ أما كتاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس حاكم مصر2، وكذلك ردُّ المقوقس إليه3، فلم يثبت من طرق صحيحة و يعني ذلك نفي إرسال الكتاب إليه، كما أن ذلك لا يعني الطعن بصحة النصوص من الناحية التاريخية، فربما تكون صحيحة من حيث الشكل والمضمون، غير أنها لا يمكن أن يحتج بها في السياسة الشرعية4، فلقد أورد محمد بن سعد في طبقاته5: أن الن صلى الله عليه وسلم بعث إلى المقوقس، جُريج بن مينا ملك الإسكندرية وعظيم القبط، كتاباً مع حاطب بن أبي بلتعة اللخميِّ، وأنه قال خيراً، وقارب الأمر، غير أنه لم يسلم، وأهدى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم عدّة هدايا كان بينها مارية القبطيّة وأنه لما ورد جواب المقوقس إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «ضنَّ الخبيث بمُلكه، ولابقاء لملكه»6. 1 نصب الراية للزيلعي4 /421.) 2 نضرة النعيم1 /346.) 3 السيرة النبوية2 /350) للصَّلاَّبي 4 السيرة النبوية الصحيحة2 /459.) 5 الطبقات الكبرى1 /260 ـ261.) 6 الطبقات الكبرىلابن سعد، حديث رقم: 614.

عدد الصفحات ٢٨٣

284 هـ ـ وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب، أخا بني أسد بن خزيمة برسالة إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغسَّاني صاحب دمشق1، حين عودته والمسلمين من الحديبية، وقد تضمَّن الرسالة قوله«سلام على من اتَّبع الهدى، وآمن به، إنَّي أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يُبقي لك ملكك»2. و ـ وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سُلَيطَ بن عمرو العامريَّ بكتاب إلى هوذة بن عليِّ الحنفي3، عند مقدمه من الحديبية وقد اشترط هوذة الحنفي على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد قراءته رسالته إليه أن يجعل له بعض الأمر معه، فرفض النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقبل ذلك4. ز ـ وأرسل صلى الله عليه وسلم أبا العلاء الحضرمي 5، بكتاب ه إلى المنذر بن ساوى العبد يِّ، أمير البحرين بعد انصرافه من الحديبية، ونقلت المصادر التاريخية: أن المنذر قد استجاب لكتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم، وأسلم معه جميع العرب بالبحرين، فأما أهل البلاد من اليهود والمجوس فإنَّهم صالحوا العلاء والمنذر على الجزية من كل حالم6 دينار: أي: على كل بالغ دينار ونقل أبو عبيدة القاسم بن سلام نص كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى برواية عروة بن الزبير، وجاء فيه: 1 تاريخ الطبري2 /652.) 2 نصب الراية للزيلعي4 /424.) 3 كان صاحب اليمامة، ومات بعد فتح مكة بقليل 4 نصب الراية للزيلعي4 /425.) 5 صبح الأعشى للقلقشندي6 /368.) 6نصب الراية4 /420.)

عدد الصفحات ٢٨٤

285 «سلام أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أمَّا بعد فإن من صلَّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمَّة الله، وذمَّة الرّسول، فمن أحبَّ ذلك من المجوس، فإنه آمن، ومن أبى، فإن الجزية عليه»1. وفي ذي القعدة سنة 8 هـ) بعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص بكتابه إلى جيفر وعدد ابني الجُلُندي الأزدي بعمان2. وقد جاء فيه «من محمد النبي رسول الله لعباد الله الأزديَّين ملوك عمان، وأسد عمان، ومن كان منهم بالبحرين، إنهم إن آمنوا، وأقاموا الصَّلاة، وآتوا الزكاة، وأطاعوا الله ورسوله، وأعطوا حق النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونسكوا نسك المؤمنين، فإنهم آمنون وأن لهم ما أسلموا عليه، غير أنَّ بيت النار ثنيا لله ورسوله وأن عشور التمر صدقة، ونصف عشور الحبِّ وأن للمسلمين نصرهم، ونصحهم، وأن لهم على المسلمين مثل ذلك وأن لهم أرجاءهم يطحنون بها ما شاؤوا»3. وأوردت المصادر بعد ذلك عدداً كبيراً من المرويات عن رسائل أخرى لم تثبت من الناحيةالحديثية4. ـ مواصفات رجل الدِّبلوماسية الإسلامية 1 الأموال لأبي عبيد، ص30، رقم: 50. 2 صبح الأعشى6 /376.) 3 أبو عبيد في كتاب الأموال، ص30،31، رقم52. 4 نضرة النعيم1 /348.)

عدد الصفحات ٢٨٥

286 قام اللو اء الرُّكن محمود شيت خطَّاب بجم ع الرّسائل، وتحدَّث عن الرسل في كتابه الفريد "سفراء النبي صلى الله عليه وسلم" استنبط من خلالها شروط ومواصفات رجل الدِّبلوماسية الإسلامية ومن أهم تلك الشروط والمواصفات: ــ الإسلام والدعوة إليه: قال تعالى: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف، آية: 108). وإذا كان المسلمون كلهم دعاة إلى الله تعالى؛ فرُسُل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء في زمانه هم صفوة الدُّعاة1. ــ الفصاحة والوضوح الفصاحة وجزالة اللفظ، والدِّقَّة في توصيل المعاني إلى السامعين شرط أساسي في الرّجل الذي يتصدى للمهمة الدبلوماسية، وقد طلب موسى تدعيمه بموقف الفصاحة من هارون أخيه ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ (طه ، آية: 29 ـ31.) 1 سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم، محمود شيت2 /258.)

عدد الصفحات ٢٨٦

287 ــ وقداختار الرّسول صلى الله عليه وسلم كلَّ سفرائه ومبعوثيه من العرب الذين تربَّوا في الجزيرة العربية مع البدو أحياناً فقد كانوا أصحاب نقاوة، لم تتكدر باختلاط الأعجام بعد، فقد كانوا على قدر كبير من الفصاحة والوضوح. ــ حسن الخلق: أخلاق السفير النبوي هو أخلاق الإسلام التي بينها الله ـ سبحانه وتعالى ـ في القرآن الكريم، وفصَّلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنَّته وأهمّها في السفير: الصدق، والتواضع1. ــ العلم لا يزيد هنا أن نبين منزلة العلم، لأن الكلام على هذه المسألة طويل، ولكننا نؤكد هنا: أن العلم بالشيء هو وسيلة نقل الفكرة والمبدأ، لذا عندما ننظر إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يحاور النجاشي، ثم يقرأ عليه سورة ﴿كهيعص﴾ نتيقَّن من دقة الاختيار النبوي، ونصاعة خطاب العالم ودقة اختياره للألفاظ والعبارات2. ــ الص قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الأحقاف، آية: 35.) 1 المصدر نفسه2 /278.) 2 الفقه السياسي للوثائق النبوية، خالد الفهداوي، ص114.

عدد الصفحات ٢٨٧

288 والحقيقة: أن الصبر هو عدّة الدّاعية، وزاده المستمر، ولو تصفحت سيرة الرسول صلى ا عليه وسلم وسيرة صحابته الأجلاّء، لوجدتها حافلة بالصبر على الدعوة، وموقف الطائف شاهد على ذلك. ــ الشجاعة: وقد تحدّث التاريخ الإسلامي عن شجاعة السفراء، والذين أرسلهم الرّسول صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وأنهم كانوا لا يخافون لومة لائم. ــ الحكمة: وقد كان سفراء الرّسول صلى الله عليه وسلم يتصفون بالحكمة فهذا عمرو بن العاص كان مسدداً في أقواله، وأفعاله، قيل لعمرو: ما العاقل؟، قال: الإصابة بالظن: ومعرفة ما يكون بما قد كان، ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشَّرِّ، إنما العاقل الذي يعرف خير الشرَّين1. ــ سعة الحيلة 1 الفقه السياسيللوثائق النبوية (2 /301.)

عدد الصفحات ٢٨٨