257 ولمّا وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إعسفان لقيه بشير بن سفيان الخزاعي فقال: يا رسول الله؛ هذه قريش قد سمعت بمسيرك، ومعها العوذ المطَافِيل1، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبداً، فقال رسول الله صلى ا عليه وسلم: «يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلُّوا بي وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون2، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فماذا تظن قريش؟ والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله، أو تنفرد هذه السَّالفة»3. أ ـ السفارة بين الرّسول صلى الله عليه وسلم وقريش: بذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وسعه لإفهام قريش: أنه لا يريد حرباً معهم، وإنما يريد زيارة البيت الحرام وتعظيمه، وهو حق للمسلمين، كما هو حق لغيرهم، وعندما تأكدت قريش من ذلك أرسلت إليه من يفاوضه ويتعرَّف على قوة المسلمين، ومدى عزمهم على القتال، إذا ألجئوا إليه، وطمعاً في صدِّ المسلمين عن البيت بالطرق السلميَّة من جهة ثالثة4. ـ ركب من خزاعة بقيادة بُديل بن ورقاء 1 خرجوا ومعهم النساء والأولاد لئلا يفروا عنهم وهو على الاستعارة 2 وافرون: جمع وافر وهو الذي لم ينقص منه شيء 3 السيرة النبوية للصَّلاَّبي 2 /281.) 4 السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، مهدي رزق الله، ص: 485.
عدد الصفحات ٢٥٧258 جاء بُديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، وكانت خزاعة عيبة1 نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، وبيَّنوا: أن قريشاً تعتزم ضدَّ المسلمين عن دخول مكة فأوضح لهم الرسول صلى الله عليه وسلم سبب مجيئه وذكر لهم الضَّرر الذي وقع على قريش من استمرار الحرب، واقترح عليهم أن تكون بينهم هدنة إلى وقت معلوم حتى يتَّضح لهم الأمر، وإن أبوا؛ فلا مناص من الحرب، ولو كان في ذلك هلاكه، فنقلوا ذلك إلى قريش، وقالوا: لهم: يا معشر قريش؛ إنكم تعجَلون على محمد، وإن محمداً لم يأت القتال، وإنّما جاء زائراً هذا البيت، فاتَّهموهم وخاطبوهم بما يكرهون، وقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك، فلا والله لا يدخلها علينا عنوة أبداً ولا تتحدث بذلك العرب2. وقد ظهرت براعة النبيِّ صلى الله عليه وسلم السياسية في عرضه على مشركي مكة الهدنة، والصلح، لأن في ذلك فوائدكثيرة، منها: ــ بالهدنة يضمن حياد قريش، ويعزلها عن أيِّ صراع يحدث في الجزيرة العربية، سواء كان هذا الصراع مع القبائل العربية الأخرى، أم مع اليهود؛ ذلك العدوُّ اللئيم الغادر، الذي يتربص بالمسلمين الدّوائر. ــ حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يبقى باب الاتِّصال مفتوحاً بينه، وبين قريش، ليسمع منهم، ويسمعوا منه بواسطة الرسل، والسفراء، وفي هذا تقريب للنفوس وتبريد لجو الحرب، وإضعاف لحماسهم حوو القتال. 1 أي: خاصته وأصحاب سراه 2 السيرة النبوية لابن هشام3 /340.)
عدد الصفحات ٢٥٨259 ــحرصه صلى الله عليه وسلم على أن تدرك خزاعة بقيادة بديل، والركب الذي معه: أن حليفهم قوي، فتزداد ثقتهم به وحلفهم له ولبني هاشم قبل الإسلام فقد بقي، ولم يُلغ، وتأكد في صلح الحديبية. ــ إن العقلاء الذين يفكرون بعقولهم حين يسمعون كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه جاء معظماً للبيت، والمشركون يردُّونه وهو يصرُّ على تعظيمه سيقف هؤلاء بجانبه، ويتعاطفون معه فيقوى مركزه، ويضعف مركز قريش الإعلامي والديني في نفوس الناس. ــ إن مشركي مكة لم يطمئنوا إلى كلام بديل الذي نقله إليهم، ذلك لأنهم يعلمون: أن خزاعة كانت عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشعرون بود خزاعة للرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين1. ــويؤخذ من جوانب رسول الله صلى الله عليه وسلم لبُديل بن ورقاء حسن التلطف للوصول إلى الطاعات، وإن كانت غير واجبة ما لم يكن ذلك ممنوعاً شرعاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب المشركين لمّا طلبوا منه، ولم يظهر لهم ما في النفوس من البغض والكراهية لهم لطفاً منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ فيما يؤمِّل إلى البلوغ إلى الطاعة التي خرج من أجلها2. ب ـ سفارة عروة بن مسعود الثقفي 1 صلح الحديبية لأبي فارس، ص67. 2 المصدر السابق نفسه، ص68.
عدد الصفحات ٢٥٩260 لم تقبل قريش ما نقله بُديل بن ورقاء الخزاعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أنه جاء زائراً للبيت ولم يأت مقاتلاً ، فاقترح عليهم عروة بن مسعود الثقفي أن يقابل الرّسول صلى الله عليه وسلم ويسمع منه ثم يأتيهم بالخبر اليقين1. وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه، فقال: ...... فقام عروة بن مسعود فقال: أي القوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال أولست بالولد؟ قالوا: بلى! قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا! قال: ألستم تعلمون أنِّي استنفرت أهل عكاظ2، فلما بلَّحوا3 علي جئتكم بأهلي، وولدي، ومن أطاعني؟ قالوا: بلى! قال: فإنَّ هذا قد عرض عليكم خُطَّة رشد فاقبلوها، ودعوني آته، قال: ائته فأتاه، فجعل يكلِّم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حوواً من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً 4 من الناس خليقا أن يفرُّوا، ويَدَعُوك. فقال أبو بكر: امصُص بظر5 اللات، أحون نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يدٌ كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك. لقد حاول عروة بن مسعود أن يشنَّ على المسلمين حرباً حتى يهزمهم معنوياً، فاستخدم عنصر الإشاعة ويظهر ذلك عندما لوَّح بقوَّة قريش العسكرية معتمداً على المبالغة في تصوير الموقف بأنه سيؤول لصالح قريش لا محالة، وذلك جدير بحدوث الفتنة 1 صلح الحديبية لأبي فارس، ص68. 2 عكاظ: اسم سوق من أسواق العرب في الجاهلية. 3 بلاحوا عليَّ: أي: امتنعوا 4 أشواباً : أي: أخلاطاً من قبائل شتى. 5 البظر: ما تقطعه الخاتنة من بضع المرأة عند ختانها
عدد الصفحات ٢٦٠261 والإرباك في صفوف المسلمين، وذلك حينما حاول إضعاف الثقة بين القائد وجنوده، عندما قال للنبي صلى الله عليه وسلم فإني والله لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفرُّوا ويدعوك. حاول ذلك من أجل التأثير على نفسيَّات المسلمين ولخدمة أهداف قريش العسكرية والإعلامية وحاول ـ أيضاً ـ أن يفتعل أزمة عسكرية كبيرة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين جنوده من أجل التأثير على معنوياتهم، وتحطيم عزائمهم، وهذا من أقوى أساليب الحرب النفسية التي استخدمت ضد المسلمين أثناء تلك المفاوضات، وحاول عروة أن يثير الرعب، وذلك بتخويف المسلمين من قوّة قريش التي لا تُ قهر، وتصوير المعركة بأنها في غير صالحهم، لقد مارس عروة بن مسعود في مفاوضاته عناصر تحطمت أمام الإيمان العميق، والتكوين الدقيق، والصَّفِّ الإسلامي المرصوص1. لقد فشل عروة في مفاوضاته، ورجع محذراً قريشاً من أن تدخل في صراع مسلح مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال لهم: يا قوم! إنِّي قد وفدت على الملوك: على كسرى وهرقل، والنجاشي، وإني والله ما رأيت ملكاً قطُّ أطوع فيمن بين ظهرانيه من محمد وأصحابه والله ما يشدُّون إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلا أن يشير إلى أمر، فيُفعل، وما يتنعَّمُ، وما يضيق ألا وقعت في كفِّ رجل منهم يمسح بها جلده، وما يتوضَّأ إلا ازدحموا عليه أيُهُم يظفر منه بشيء. 1 السيرة النبوية للصَّلابي 2 /287.)
عدد الصفحات ٢٦١262 وقد حزرت القوم، واعلموا أنكم إن أردتم السيف بذلوه لكم، وقد رأيت قوماً ما يبالون ما يُصنعُ بهم إذا منعوا صاحبهم؛ والله لقد رأيت نسيات معه إن كنّ ليسلمنه أبداً على حال فروا رأيكم، وإيَّاكم وإضجاع1 الرأي، فمادُّوه يا قوم، اقبلوا ما عرض، فإني لكم ناصح مع أني أخاف ألا تُنصروا عليه؛ رجل أتى هذا البيت معظماً له، معه الهدى، ينحره وينصرف، فقالت قريش: لا تكلمَّ بهذا يا أبا يعفور2، لو غيرك تكلم بهذا للُمناه، ولكن نردُّهُ عن البيت في عامنا هذا ويرجع قابل3. لقد انتقلت الحرب النَّفسية وتأثيرها في صفوف المسلمين لتعمل داخل جبهة قريش وفي نفوسهم، فقد كان تصوير عروة لما رآه صادقاً، حيث بيَّ ن لقريش وضع المسلمين في الحديبية، من طاعتهم لنبيهم الكريم وحبَّهم له وتفانيهم بالدفاع عنه وبما يتمتعون به من معنويات عالية جداً، واستعداد عسكري، ونفسي يفوق الوصف فكان ذلك بمثابة التحذير الفعلي لقريش بعدم التعجل والدخول في حرب مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ممَّا قد تكون نتائج هذه المعركة لصالح المسلمين، الأمر الذي أسقط في أيدي زعمائها، ولم تكن قريش تتوقَّعه أبداً في تقويمها للأمور. لقد كان وقع كل كلمة قالها سيَّد ثقيف كالصَّاعقة على مسامع نفوس زعماء قريش، لقد كان صلى الله عليه وسلم موفقاً من قبل الله تعالى، ولذلك نجد أثره على عروة بن مسعود مما جعل الانشقاق يدب في معسكر قريش وأخذت جبهة قريش تتداعى أمام قوّة الحق الصَّامدة، وكذلك فقد انهارت حُجَّة قريش في جمعها للعرب ضد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. 1................................ 2 أبا يعفور: كنية عروة بن مسعود الثقفي 3 السيرة النبوية للصَّلاَّبي ( 2 /288.)
عدد الصفحات ٢٦٢263 لقد نجح النبي صلى الله عليه وسلم بحكمته وذكائه نجاحاً عظيم اً باستخدام الأساليب الإعلامية والدبلوماسية المتعددة للحصول على الغاية المنشودة، وهي تفتيت جبهة قريش الدَّاخلية، وإيقاع الهزيمة في نفوسهم وإبعاد حلفائهم عنهم، وإن هذه النتيجة لتعد بحق نصراً ساحقاً حقَّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجبهات السياسيَّة، والإعلامية، والعسكرية1. ج ـ سفارة الحُليس بن علقمة ثمَّ بعثوا الحُليس بن علقمة الكنانيِّ سيِّد الأحابيش، فلمّا رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهَّون، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه وأمر برفع الصَّوت في التَّلبية، فلمَّا رأى الحُليسُ الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده؛ رجع إلى قريش قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك إعظاماً لما رأى2، فقد كان الوادي مجدباً لا ماء فيه، ولا مرعى، وقد أكل الهدى أوباره من طول الحبس عن مَحِلَّه، ورأى المسلمين؛ وقد استقبلوه رافعين أصواتهم بالتَّلبية، وهم في زيِّ الإحرام وقد شعِثوا من طول المكوث على إحرامهم ولذلك استنكر تصرُّف قريش بشدَّة، وانصرف سيِّد بني كنانة عائداً من حيث أتى دون أن يفاتح النبيَّ صلى الله عليه بشيءٍ، أو أن يفاوضه، كما كان مقرَّراً من قبل واعتبر عمل قريش عدوانياً ضد زوَّار بيت الله الحرام، ولا يجوز لأحد أن يؤيدها، أو أن يناصرها على ذلك3. 1 السيرة النبوية للصَّلاَّبي 2 /289.) 2 السيرة النبوية للصَّلاَّبي 2 /289.) 3 السيرة النبوية للصَّلاَّبي 2 /289.)
عدد الصفحات ٢٦٣264 فرجع محتجاً على قريش التي أعلنت غضبها لصراحة الحُليْس، وحاولت أن تتلافي هذا الموقف الذي يهدّد بانقسام خطير في جبهة قريش العسكرية، ونسف الحلف المعقود بين قريش، والأحابيش، وقالوا لزعيم الأحابيش: إنّما كل ما رأيت هو مكيدة من محمد، وأصحابه، فاكفف عنَّا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به1. لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عالماً ومستوعباً لشخصية الحُليس، ونفسيَّته، ويظهر ذلك في قوله صى الله عليه وسلم «هذا من قوم يتألَّهون» فالواضح من هذه المعلومة! أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على معرفة تامة بهذا الرجل وبحكم هذه المعرفة قد درس شخصيته دراسة موضوعية وذلك بما كان عنده من حبٍّ شديد من التعظيم للحرمات والمقدسات والعمل على الاستفادة الكاملة من هذا الجانب في كسب المعرفة، وعلى هذا الأساس فقد قام صلى الله عليه وسلم بوضع خط ة محكمة مناسبة تقضي بوضع الحقائق كاملة أمام هذا الرجل، وإظهار موقف المسلمين، أو على الأقلِّ وقوفه على الحياد في هذا الصِّراع. وهكذا استطاع صلى الله عليه وسلم أن يؤثر على عروة بن مسعود، والحُليس بن علقمة ممَّا جعل الانشقاق يدب في صفوف مشركي مكة2. د ـ سفارة مِكرز بن حفص: 1 المصدر نفسه2 /289.) 2 المصدر نفسه2 /290.)
عدد الصفحات ٢٦٤265 وكان من سفراء قريش يوم الحديبية مكرز بن حفص وقد روى البخاري ذلك فقال: ..... فقام رجل منهم، يقال له: مكرز بن حفص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا مكرزوهو رجل فاجر»، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو قال معمر: فأخبرني وأيوب عن عكرمة: أنَّه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد سهل لكم من أمركم»1. هـ ـ مفاوضِة سهيل بن عمرو لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لمَّا بلغ قريشاً أمر بيعة الرضوان، وأدرك زعماؤها تصميم الرّسول صلى الله عليه وسلم على القتال، أوفدوا سهيل بن عمرو في نفر من رجالهم لمفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم2، ولمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيلاً قال: «لقد أراد القوم الصُّلح حين بعثوا هذا الرجل»3. كان سهيل بن عمرو أحد زعماء قريش البارزين الذين كانوا يُعرفون بالحنكة السياسية والدَّهاء، فهو خطيب ماهر ذو عقل راجح، ورزانة، وأصالة في الرأي. شرع الفريقان المتفاوضان في بحث بنود الصُّلح، وذلك بعد رجوع عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد استعرض الفريقان النقاط التي يجب أن تتضمّنها معاهدة الصلح، واستعرضا في مباحثاتهما مختلف القضايا التي كانت تشكل مثار الخلاف بينهما، هذا 1 السيرة النبوية للصَّلاَّبي 2 /290.) 2 المصدر نفسه2 /299.) 3 مغازي الواقدي2 /602،604،605.)
عدد الصفحات ٢٦٥266 وقد اتَّفق الفريقان من حيث المبدأ على بعض النقاط، واختلفا على البعض الآخر، وقد طال البحث، والجدل، والأخذ والرد حول هذه البنود، وبعد المراج عات والمفاوضات تقاربت وجهات النظر بين ال فريقين: وعند الشروع في وضع الصِّ يغة النّهائية للمعاهدة وكتابتها لتكون نافذة المفعول رسمياً، حدث خلاف بين الوفدين على بعض النقاط، كاد أن يعثِّر سير هذه الاتفاقية، فعندما شرع النبيُّ صلى الله عليه وسلم في إملاء صيغة المعاهدة المتفق عليها؛ أمر الكاتب وهو الإمام عليُّ بن أبي طالب بأن يبدأ المعاهدة بكلمة: بسم الله الرحمن الرحيم، وهنا اعترض رئيس الوفد القرشي سهيل بن عمرو قائلاً: لا أعرف الرّحمن! «اكتب: باسمك اللهم»، فضجَّ الصَّحابة على هذا الاعتراض، قائلين: هو الرحمن، ولا نكتب إلا الرحمن ولكن النبي صلى الله عليه وسلم تمشياً مع سياسة الحكمة والمرونة، والحلم، قال للكاتب: «اكتب باسمك اللهم»1 واستمر في إملاء صيغة المعاهدة هذه، فأمر الكاتب أن يكتب: «هذا ما اصطلح عليه رسول ا»، وقبل أن يكمل الجملة اعترض رئيس الوفد القرشي على كلمة "رسول الله" قائلاً: لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك واتبعتك، أفترغب عن اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله؟ اكتب اسمك، واسم أبيك2. واعترض المسلمون على ذلك، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكمته وتسامحه وبُ عد نظره حسم الخلاف، وأمر الكاتب بأن يشطب كلمة رسول الله من الوثيقة، فالتزم الصحابة الصَّمت والهدوء. 1 المصدر نفسه2 /610.) 2 مغازي الواقدي (2 /610.)
عدد الصفحات ٢٦٦267 إن النبي صلى الله عليه وسلم وافق المشركين على ترك كتابة "بسم الله الرحمن الرحيم" وكتابة "باسمك اللهم" بدلاً عنها، وكذا وافقهم على كتابة "محمد بن عبد الله" وترك كتابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذا وافقهم على ردِّ من جاء منهم إلى المسلمين دون من ذهب منهم إليهم، وإنما وافقهم في هذه الأمور للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح، مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور، أما البسملة، و «باسمك اللهم » فمعناها واحد، وكذا قوله «محمد بن عبد ا » هو أيضاً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في ترك وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالرّسالة ما ينافيها، فلا ضرر ولا مفسدة فيما طلبوه، وإنما كانت المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتب ما لا يحلَّ من تعظيم آلهتهم، وحوو ذلك. وأمّا شرط ردِّ من جاء منهم، وعدم ردِّ من ذهب إليهم، فقد بيَّ ن النبي صلى الله عليه وسلم تعليل ذلك، والحكمة فيه في هذا الحديث بقوله: «من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً، ومخرجاً». وتمّ عقد هذه المعاهدة وكانت صياغتها من عشرة بنود جاءت على الشكل التا ــ باسمك اللهم. ــ هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. ــ واصطلحا على وضع الحرب على الناس عشر سنين.
عدد الصفحات ٢٦٧268 ــعلى أنه من قدم مكة من أصحاب محمدَّ حاجاً، أو معتمراً، أو يبتغي من فضل الله؛ فهو آمن على دمه ومن قدم المدينة من قريش مجتازاً إلى مصر، أو إلى الشام، يبتغي من فضل الله، فهو آمن على دمه، وماله. ــ على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليِّه؛ ردَّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممَّن مع محمد، لم يردُّوه عليه. ــ وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال1. ــوأنه من أحبَّ أن يدخل في عقد محمد، وعهده دخله ومن أحب أن يدخل في عقد قريش، وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة، فقالوا: حون في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: حون في عقد قريش، وعهدهم. ــ وأنت ترجع عنَّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثاً، معك سلاح الرّاكب، السيوف في القُرُب، ولا تدخلها بغيرها. ــ وعلى أن هذا الهدي وما جئتنا به، فلا تقدمه علينا. ــ وشهد على الصُّلح رجال من المسلمين، ورجال من المشركين فمن المسلمين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، وعلي بن أبي طالب كاتب المعاهدة رضي الله عنهم أجمعين. 1 أي يأمن بعضنا بعضاً على نفسه وماله فلا يتعرض لماله ولا لدمه.
عدد الصفحات ٢٦٨269 ومن المشركين: مكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو1. وتعد هذه المعاهدة أساساً للمعاهدات الإسلامية وأنموذجاً فريداً من المعاهدات الدولية بما سبقها من مفاوضات، وما حوته من شروط، وما تمثل بها خلق النبيِّ صلى الله عليه وسلم في النزول عند رضا الطرف الآخر، وفي كيفية الصِّياغة والالتزام. هذه المعاهدة سبقها مفاوضات من قبل المشركين والمسلمين، وفشل بعض المسلمين في الوصول إلى اتفاق، ودارت مشاورات شتى من الجانبين قبل الوصول إليه، حتى توصل الفريقان إلى اتفاق عن طريق ممثل المشركين "سهيل بن عمرو" ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ملأ المسلمين 2 عُقدت هذه المعاهدة في الوقت الذي كان فيه المسلمون بمركز القوة، لا الضعف، وكان باستطاعتهم ألَّا يقبلوا شروطها التي اغتاظ منها كثير من الصحابة، ولكن ما كان لهم أن يخرجوا عن طوع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، وقد تمارى رسول قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مفاوضته، وكان فرداً بين جيش المسلمين، فلم ينله أذى، ولم يتمادَ عليه المسلمون بالقتل، "لأن السفراء لا تقتل" ولكنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يرضيه، ويسعه بالحلم واللين، حتى يصل إلى الغاية التي ينشدها الإسلام وهي حقن الدماء، وإحلال السَّلام، ورجاء أن يعقل 1 المعاهدات في الشريعة الإسلامية، د.محمد الديك، ص: 270،271. 2 السيرة النبوية للصَّلابي 2 /302.)
عدد الصفحات ٢٦٩270 القوم الحق، وأن يراجعوا المواقف، ويسمعوا كلام ا 1، وعندما نتأمل نصوص المعاهدة التي تمَّت في الحديبية فإننا نأخذ منها الآتي: ــ أن ديباجة المعاهدات الإسلامية كانت تبدأ باسم الله، أو باسمك اللهم، والقانون الدولي في صياغة المعاهدات يقول: تبدأ كتابة المعاهدات بديباجة يتفق عليها طرفا التعاقد. والذي يجب أن نلاحظه : أن المعاهدات في الإسلام تستند إلى الله تعالى، الذي تبدأ باسمه سبحانه، حيث هو الرقيب والحسيب على ما في النوايا وا لقلوب، واسم الله مقدّس في كلِّ قلب يؤمن به، حتى أولئك الذين فسدت عقائدهم، فإنهم لا ينكرون الله، ولكنهم أفسدوا تصورهم لذات الله، وقد جرت أعراف بعض الذين يستهوون قلوب العامة بالشّعارات الجوفاء أن يقولوا بدل اسم الله، باسم الشعب، أو باسم الأمة، باعتبار قدسية ما يبدؤون به كما يزعمون، ولكنَّ الذي يؤمن بالله لا يعدل عن قدسية الله في اعتقاده، ولذلك كانت البداية "باسمك اللهم". ــ ذكر في المعاهدة طرفا التعاقد بعد "الديباجة" كما يسميها القانون الدولي، وهذا ما عليه القانون الدولي العام من أنه يذكر بعد الديباجة أسماء الممثلين، أو الدول التي هي أطراف في عقد المعاهدة. 1 المعاهدات في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، د.محمد الديك، ص268،269.
عدد الصفحات ٢٧٠271 ــبواعث المعاهدة: فقد جاء في بداية هذه المعاهدة ذكر الصُّلح لأجل وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وهذا ما عليه القانون الدولي العام كذلك. ــ الدخول في صلب المعاهدة وشروطها، حيث ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المعاهدة الشروط المتفق عليها بين الطرفين،وهذا ما عليه القانون الدولي العام. ــ في معاهدة صلح الحديبية جواز ابتداء الإمام "رئيس الدولة الإسلامية" بطلب صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه، ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم1. ــأن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائز للمصلحة الرّاجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناها2. ــأن صلح الحديبية سمّاه الله فتحاً؛ لأن الفتح في اللغة هو فتح المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدوداً مغلقاً ففتحه الله، والصلح كذلك يفتح القلوب المغلقة حوو الطرف الآخر. 1 زاد المعاد، لابن القيم3 /306.) 2 المصدر السابق3 /306.)
عدد الصفحات ٢٧١272 ــلقد كانت الصورة الظاهرة من شروط الحديبية فيها ضيم للمسلمين، وهي في باطنها عز، وفتح، ونصر، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ما وراء المعاهدة من الفتح العظيم من وراء ستر دقيق، وكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورؤوسهم، وهو صلى الله عليه وسلم يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب1. ــإن المعاهدة قد تكون مفتوحة لمن يحب أن يدخل فيها من الأطراف، أو الدول الأخرى وهذا ما عليه القانون الدولي، حيث أجاز أن تكون المعاهدة مفتوحة لمن يحب الدخول فيها من الأطراف الأخرى فقد دخلت خزاعة وكنانة في الصلح الذي أنهى حالة الحرب القائمة بين هاتين القبيلتين والتي امتدت سنوات عديدة. ــ إن المعاهدة لابد لها من توقيع الأطراف والإشهاد عليها وتوقيع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإشهاد الصحابة إنما هو بمثابة التوقيع على المعاهدة، والتصديق عليها، كما هو في القانون الدولي العام. ــ إن المعاهدة يجوز أن يكون الوسيط فيها طرفاً محايداً أو طرفاً يقرِّب بين وجهات النظر، كوساطة سيد الأحابيش "الحُليس بن علقمة" حلي ف قريش الأكبر، حيث طلبت منه قريش أن يكون وسيطاً بينهم وبين المسلمين، وكان الحليس ذا عقل راجح وبصيرة نافذة، وكان سيدً ا مطاعاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفه ويعرف فيه التألُّه الشديد، والتعظيم للحرم وعندما اختارته قريش كانت تطمع في أن يكون لمركزه الممتاز بين العرب، ولما يتمتع به من تقدير لدى النبي صلى الله عليه وسلم 1 المعاهدات في الشريعة الإسلامية، ص272.
عدد الصفحات ٢٧٢