المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها

علي محمد الصلابي

صفحة ١٦ من ٢٩

241 ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلمانتقلت مسؤولية القضاء بعده إلى الخلفاء والصحابة رضوان الله عليهم، ولقد كانت السلطة القضائية والسلطة التنفيذية متحدتان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يباشر السلطتين، وكذلك ولاته في الأمصار، كعلي في اليمن وعتاب في مكة وكذلك كانت في عهد أبي بكر وصدراً من خلافة عمر؛ ثم لما اتسعت المسؤ وليات في عهد عمر فصل القضاء عن السلطة التنفيذية، فكان عمر يرسل إلى المصر من الأمصار اثنين أحدهما والياً والآخر قاضياً 1. وأصبح في عهده مبدأ فصل القضاء عن غيره من السلطات واضحاً في حياة الناس، ولم يكناستقلال ولاية القضاء مانعاً لعمر رضي الله عنه من أن يفصل في بعض القضايا، وربما ترك بعض ولاته يمارسون القضاء مع السلطة التنفيذية ويراسلهم في الشؤون القضائية2، ووضع الفاروق دستوراً قويماً في نظام القضاء والتقاضي، وقد اهتم كثير من أعلام الفقه الإسلامي شرح هذا الدستور والتعليق عليه، ونجد الدستور العمري في القضاء في رسالته لأبي موسى الأشعري وهذا نص الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام عليك، أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تلكم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في 1 ...................... 2 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي، ص 271.

عدد الصفحات ٢٤١

242 حيفك1 ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً ، ومن ادعى حقًّ ا غائباً أو بينة فاضرب له أمداً ينتهى إليه، فإن بينه أعطيته بحقه وإن أعجزه ذلك أستحللت2 عليه القضية فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، والمسلمون عدول3 بعضهم على بعض إلى مجرباً عليه شهادة زور أو مجلوداً في حد أو ظنيناً في ولاء أو قرابة، فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان، ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم فيها قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال، ثم اعمد ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق، وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند الخصوم فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذكر، فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس في نفسه شانه الله، فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصاً، فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام عيك ورحمة الله4. قال ابن القيم: وهذا كتاب جليل، تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم5. 1 حيفك: ظلمك 2 استحللت: سأله أن يجعله له 3 عدول: جمع عدل وهو المثل والنظير 4 إعلام الموقعين لابن القيم1 /85.) 5 المصدر نفسه1/86.)

عدد الصفحات ٢٤٢

243 وقد جمعت هذه الرسالة آداب القاضي وأصول المحاكمة، وقد شغلت العلماء بشرحها والتعليق عليها هذه القرون الطويلة و تزال موضع دهشة وإكبار لكل من يطلع عليها، ولو لم يكن لعمر من الآثار غيرها لعُدَّ بها من كبار المفكرين والمشرعين، ولو كتبها رئيس دولة في هذه الأيام التي انتشرت فيها قوانين أصول المحاكمات، وصار البحث فيها مما هو مقرّر في المدارس لكانت كبيرة منه، فكيف وقد كتبها عمر منذ حوو أربعة عشر قرناً ، ولم ينقلها من كتاب ولا استمدها من أحد، بل جاء بها من ذهنه ثمرة واحدة من آلاف الثمرات، للغرسة المباركة التي غرسها في قلبه محمد صلى الله عليه وسلم حين دخل عليه في دار الأرقم، فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله1. ويمكن للباحث من خلال رسائل عمر بن الخطاب رضي الله وحياته في زمن خلافته أن يستخرج ما يتعلق بالمؤسسة القضائية في الأرزاق والعزل، وأنواع القضاة وصفاتهم وما يجب عليهم ومصادر أحكامهم وخضوع الخليفة نفسه للقضاء وغير ذلك من المسائل المتعلقة بهذه المؤسسة2. القضاءالدوله الحديثة ذات المرجعية الإسلامية: 1 أخبار عمر، علي طنطاوي، ص174. 2 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي، ص 273.

عدد الصفحات ٢٤٣

244 على الدولةالحديثة أن تطور المؤسسة القضائية، حتى يتحقق العدل ويرفع الظلم عن المواطنين وعليها أن تعمل حوو تأسيس بنية قضائية مستقلة تكون بمثابة صمام الأمان للمجتمع بكافة مؤسساته وأفراده، وضمانه جوهرية لاستقراره، وحفظ حقوق أفراده، وتشكل مع السلطتين التنفيذية والتشريعية دعامات وركائز النظام الشوري للدولة وقادرة على تحقيق العدالة الناجزة للكافة دون تمييز أو تفرقة، وذلك استرشاداً بالمعايير الدولية، وأحكام الشريعة الإسلامية وعليها أن تعمل على: ــ إيجاد السبل التي تكفل حسن انتقاء المعينين في بداية السلم القضائي وذلك على أسس ومعايير مهنية وسلوكية صارمة، مع الالتزام بمعايير الشفافية، وتكافؤ الفرص. ــ تمكين القضاء من القيام بدوره في الرقابة على أعمال السلطتين التشريعية والتنفيذية. ــ عدم التدخل في أعمال القضاء من أي جهة كانت، والالتزام بالقضاء الطبيعي، ورفض كافة صنوف القضاء العسكري، أو الاستثنائي. ــ وضع موازنة خاصة بمرفق القضاء تلحق بالموازنة العامة للدولة، بما يكفل استقلاليته مالياً وإدارياً عنها الأمر الذي سينعكس حتماً على استقلاله المهني. ــ تحسين جدول مرتبات القضاة وسائر العاملين بمرفق العدالة، الأمر الذي يضمن كرامته م، و يعينهم على أداء أعمالهم بحيذ ة ونزاهة وتجرد.

عدد الصفحات ٢٤٤

245 ــضرورة إلحاق أعضاء الهيئات القضائية الجدد فور تعيينهم بمراكز الدراسات القضائية المعتمدة سواء أكانت داخل القطر أو خارجها، لتأهيلهم علمياً وعملياً، ولا يقتصر الأمر في هذا الصدد على القضاة وأعضاء النيابة وإنما يتعداه إلى الخبراء وأعوان القضاة. ــ إرساء مبدأ حصانة القاضي تفتيشاً، وتأديباً وعزلاً وترقية، ونقلاً ، والعمل على أن تكون الجهة المنوطة بها التفتيش على أعمال القضاة غير تلك التي تتولى تأديبهم حتى لا تجمع تلك الأخيرة بين صفتي الخصم والحكم معاً مما يفت في عضد الح يدة والعدالة. ــ جعل تبعية السجون لوزارة العدل أو لإشراف القضاء، لا للسلطة التنفيذية، بما يضمن عدم استخدام السياسة العقاب ية كوسيلة تنكيل وامتهان. ــ ضرورة الاهتمام بالموظفين والمهنيين والمساعدين القانونيين وسائر العاملين في مجال القانون. ــ رعاية حق القضاة في تشكيل الأندية، والروابط، والجمعيات التي تعبر عنهم وترعى مصالحهم. ــ تدعيم سبل التعاون بين مؤسسة القضاء ومؤسسات المجتمع المدني. ــ ضرورة التأكيد على دور المحكمة الدستورية العليا، وتفعيل دورها الرقابي على أعمال السلطتين التشريعية والتنفيذية، بما يكفل اتساق تلك الأعمال مع الدستور.

عدد الصفحات ٢٤٥

246 ــالقضاء على مشكلة بطء تنفيذ الأحكام وذلك من خلال تبني نظام قاضي التنفيذ، وإيكال كل إشكاليات ومعوقات التنفيذ إليه، مع إعطائه الصلاحيات اللازمة لتذليل كافة العقبات التي تقف في سبيل ذلك. ــ منح الهيئة القضائية سلطة واسعة في اختيار القضاة بناء على معايير موضوعية وعادلة ومتوازنة، وعلى أساس من الكفاءة والنزاهة والتأهيل، وبمعزل عن الأهواء السياسية، أو القبلية أو الجهوية أو غيرها. ــ ضرورة أن يستلزم كل من يلج سبيل القضاء بتقديم إقرار بالذمة المالية له ولعائلته وذلك عند تعيينه ولدى تركه لعمله لأي سبب من الأسباب، وذلك دعماً لقواعد الشفافية والعدالة والمساءلة. 11ـ السلطة التشريعية كانت السلطة التشريعية في عصر النبوة محصورة في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده لا يشاركه فيها أحد من الأمة، ما دام الأمر متعلقاً بالتشريع والأحكام ومسائل الحلال والحرام؛ لأنه كان يتلقى الوحي من الله تبارك وتعالى ويقوم بتبليغه والإعلام به وتطبيق أحكامه، ومع كون السلطة التشريعية، في عهده صلى الله عليه وسلم متمركزة من الناحيتين العضوية والموضوعية في يده وحده إلا أنه فيما لا يتصل بالتشريع وبالحل والحرمة كان يستشير فيه طوائف من أصحابه من ذوي الرأي1. 1 الأحكام الشرعية للنوازل السياسة، ص130.

عدد الصفحات ٢٤٦

247 أ ـ وعندما تو رسول الله صلى الله عليه وسلم: انتقلت السلطة التشريعية بعد وفاته إلى المجتهدين من الصحابة، وسلطانهم في التشريع مرتبط بأمرين، الأول: فهم النص وبيان الحكم الذي يدل عليه، والثاني: قياس ما لا نص فيه على ما فيه نص بواسطة الاجتهاد وتخريج العلة وبذلك تخالف السلطة التشريعية في عهد الصحابة السلطة التشريعية التي تضع القوانين في الأمم الأخرى؛ إذ الثانية في منتهى الحرية في وضع القوانين أو تفسيرها أو إلغائها أو تعديلها1 . أما الأولى فهي مقيد ة بالنصوص الشرعية وبالقواعد والمقاصد الشرعية، ودائرة في عملها تحت سيادة الشرع 2، ومع اختصاصهم بالتشريع كانوا يشيرون على الخليفة مثلما يشير عليه سائر الكبار من أهل الحل والعقد، وذلك فيما لا يدخل في الحل والحرمة من أمور الرأي والحرب والمكيدة والمسائل المتعلقة بتدبير الشأن العام. وقد كان الخليفة يشارك السلطة التشريعية في استخلاص الأحكام، لأنه كان من جملة المجتهدين، وكان أحياناً يعمل بما أداه إليه اجتهاده ما لم يحل بينه وبين العمل به ظهور رأي جماعة المجتهدين عليه، وإذا كان من حق الخليفة أن يجتهد برأيه فيما يعرض من مسائل، فإنه يجتهد بوصفه من المجتهدين لا بوصفه رئيساً للسلطة التنفيذية، كذلك القاضي الذي تتوفر فيه صفات الاجتهاد فهو إن حكم برأيه فإنما يجتهد بوصفه من المجتهدين لا بوصفه من أعضاء السلطة القضائية3. 1 السياسة الدستورية للدولة، إبراهيم النجار، ص: 428. 2 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، ص130. 3 سنن الدارمي، الحديث رقم: 161.

عدد الصفحات ٢٤٧

248 روى أبو عبيدة في كتاب القضاء عن ميمون بن مهران قال: كانأبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضى به قضى به وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن وجد فيها ما يقضى به قضى به فإن أعياه ذلك سأل الناس : هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه ب قضاء؟، فربما قام إليه القوم فيقولون قضى فيه بكذا أو بكذا فإن لم يجد سنة سنها النبي صلى الله عليه وسلم جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيه على شيء قضى به وكان عمر يفعل ذلك. فرجع الخليفة إلى المجتهدين لسؤالهم عن علم علموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسألة المعروضة ثم لاستشارتهم فيما لم يرد فيه نص يعتبر رداً على السلطة المختصة، أما اجتهاده وقضاؤه بما ظهر من كتاب الله فلا يعد تجاوزاً للسلطة التشريعية ولا تعديًّ ا عليها؛ لأنه من المجتهدين، ولأن الحكم الشرعي إذا ظهر في الكتاب أو السنة فالسلطان له، وعلى الجميع ـ سواء السلطة التشريعية أو التنفيذية ـ أن يخضعوا لسلطاته، ولأن رجال السلطة التشريعية لن يسكتوا إذا خالف الخليفة ـ من وجهة نظرهم ـ دستور الأمة "الكتاب والسنة" ولذلك عندما رأى عمر رأيه في سواد العراق وأراد ألا يقسم الأرض المغنومة على المقاتلين، وأن يتركها ف يئاً للمسلمين وقف الصحابة واعترضوا، وناقشه المجتهدون من الأمة، وراجعوه وراجعهم، وجادلوه وجادلهم حتى اقتنع سوادهم الأكبر برأيه فمضى فيه1. 1 تاريخ التشريع الإسلامي، مناع القطان، ص: 140.

عدد الصفحات ٢٤٨

249 وقد كان من استشارة الخلفاء وأهل الفتيا بعضهم بعضاً ما يجعل من جماعتهم المحدودة شبه مجلس نيابي صغير ينقصه النظام، ولكن يعوضهم عنه ما كان منهم من تقليب المسائل على وجوههاً وبحثها من جميع نواحيها1. ب ـ وبعد عصر الصحابة جاء عصر التابعلتظهر نواة المدارس الفقهية التي تعتبر مؤسسات تشريعية قائمة على أصلين: الأول: سيادة الشرع، الثاني: أن السلطان التشريعي في يد المجتهد ين من الأمة، فظهرت مدرسة الرأي في العراق والتي وضع حجر الأساس لها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود وفي مقابلها مدرسة الأثر التي وضع لبناتها الأولى علماء الصحابة في المدينة من أمثال عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت وعائشة وغيرهم، فإن عصر التابعين شهد شهرة واسعة لمجتهدين كبار كان على رأسهم الفقهاء السبعة في المدينة وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسليمان يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وهم الذين اعتدَّ مالك بإجماعهم2. ثمظهرت المذاهب الفقهية الكبرى التي شهدت طفرة عظيمة في الاجتهاد الفقهي القائم على أصول ودعائم علمية راقية، وكان أشهر هذه المذاهب هي المذاهب الفقهية الأربعة: مذهب أبي حنيفة، ومذهب مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد بن حنبل، فكانت هذه المذاهب هي المؤسسات التشريعية العظمى التي تمثل السلطة التشريعية في العصور التي تلت عصر الخلفاء الراشدين. 1 السياسية الدستورية للدولة الإسلامية، ص430. 22 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، ص134.

عدد الصفحات ٢٤٩

250 وظل باب الاجتهاد مفتوحاً وظلت هذه المذاهب هي المرجعية التشريعية للأمة الإسلامية حكاماً ومحكومين في جميع المجالات حتى جاء في عصور متأخرة علماء أغلقوا باب الاجتهاد فنتج عن ذلك أن استجدت مسائل ونوازل في حياة الأمة لم يف تراث هذه المذاهب بمعالجتها: فكان من ذلك الحرج قصور التشريع الإسلامي عن مسايرة الزمن وتحقيق مصالح الناس، والتجاء بعض الحكومات الإسلامية إلى العمل بقوانين أمم غير إسلامية 1، ووقعت الأمة الإسلامية بمجموعها في براث ن الاستعما ر في القرنين الماضيين وجاء الاستعمار الغربي ب فكره العلماني ونظرية السيادة الغربية، وغزا الأمة بقوانين غير شرعية وصارت السلطة التشريعية فيها أبعد ما يكون عن الشريعة الإسلامية، وساعد على ذلك قابلية الأمة للاستعمار في تلك الفترة نتيجة الجهل والفقر والمرض والبعد عن روح الإسلام ومقاصده السامية وقفل باب الاجتهاد، الذي يسعى العلماء المجتهدون لتلبية حاجات الأمة في كل ما ينزل بها وهذا هو الذي دفع المصلحين من أمثال محمد بن علي السنوسي، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا وغيرهم إلى فتح الاجتهاد، ولقد تجاوب بهذه الصيحة الص ادقة علماء وأساتذة جامعات وشيوخ كبار ونهضوا لهذا الواجب الكبير، فبدأت من جديد حركة الاجتهاد والتجديد، وصارت الشعوب الإسلامية مؤهلة للعودة إلى سيادة الشريعة عن طريق جعل السلطة التشريعية في يد المجتهدين من أبناء هذه الشعوب2. 1 السياسة الشرعية لعبد الوهاب خلاف، ص51. 2 انظر: الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، بتصرف، ص135.

عدد الصفحات ٢٥٠

251 ج ـ ولقد أوجدت الأمة مؤسسات كبرىتقوم بالاجتهاد الجماعي الذي كان يقوم به المجتهدون من الصحابة ولكن بآليات معاصرة وقد تمثلت هذه المؤسسات في المجامع الفقهية الكبرى مثل: مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة ومجمع رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة وغيرها من المجامع التي جاءت بعدها وحذت حذوها إلى جانب مشاريع الاجتهاد الجماعي الأخرى كمشاريع الموسوعات الفقهية الكبرى مثل مشروع الموسوعة الفقهية الكويتية، كما ناقش العلماء المعاصرون إمكانية تجزئة الاجتهاد بمعنى أن يوجد في كل فرع من فروع الشريعة متخصصون وخبراء يملكون أدوات الاجتهاد فيه وإن لم يستكملوا آلات الاجتهاد المطلق؛ وذلك لتوسيع دائرة الاجتهاد وتيسير أمره وهذا الجهد المبارك يعتبر أرضاً خصبة لنمو واختيار السلطة التشريعية التي يتمثل فيها بصدق سيادة الشرع وسلطان الأمة. د ـ أما عن كيفية الاختيار وطريقة التكوين فهي من الآليات التي تختلف من عنصر لآخر، فنحن إذا نظرنا إلى السلطة التشريعية في عصر الخلفاء الراشدين ومن تلاهم، نجد أنهم لم يكتسبوا هذه السلطة بتعيين الخليفة ولا بانتخاب الأمة لهم، وإنما اكتسبوها بمميزاتهم الشخصية التي امتازوا بها، فجاء التكوين بطريقة فطرية تلقائية بسيطة كبساطة الحياة آنذاك1. وأما في الواقع المعاصر فيمكن عند قيام دولة إسلامية أن تشكل السلطة التشريعية من المجتهدين في العلم الشرعي وذلك باتباع آليات معاصرة لا يتنافى العمل بها مع القواعد والأصول الشرعية2. 1 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، ص136. 2 المصدر نفسه، ص136.

عدد الصفحات ٢٥١

252 هـ ـ السلطة التشريعية في التعريف الدستوري والمفهوم الإسلامي: ــ السلطة التشريعية في التعريف الدستوري هي: السلطة المختصة بعمل القوانين وتقوم مع ذلك بالإشراف على أعمال السلطة التنفيذية1. فهي السلطة المسؤولة ـ إلى جانب مراقبتها للحكومة ـ عن وضع القوانين الملزمة التي لا يسع أحد تجاوزها2. وأما السلطة التشريعية في المفهوم الإسلامي فهي: السلطة المؤلفة من صفوة علماء الشريعة المجتهدين والمكلفة باستخلاص الأحكام الشرعية من مصادرها؛ والتعريف بها ووضعها لدى الدولة موضع التنفيذ والم نوط بها الإشراف على السلطات الأخرى فيما يتعلق بتنفيذ الشريعة وتطبيق أحكامها، والمعهود إليها مع بقية أهل الشورى ومع سائر أهل الحل والعقد بالرقابة على الحكومة والمحاسبة لها3. ومن هذا التعريف يتضح الآتي ــ أن السلطة التشريعية في الإسلام وفي الدولة الإسلامية لا تخرج عن دائرة علماء الشريعة المجتهدين وهم علماء الشريعة الذين استجمعوا شروط الاجتهاد. 1 السياسة الدستورية للدولة الإسلامية، ص398. 2 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، ص127. 3 المصدر نفسه، ص128.

عدد الصفحات ٢٥٢

253 ــهذه السلطة هي المكلفة شرعاً والمختصة دستورياً، بالقيام بعملية التشريع وعملها التشريعي: لا يعدو أمرين: أما بالنسبة إلى ما فيه نص فعملهم تفهم النص وبيان الحكم الذي يدل عليه، وأما بالنسبة إلى ما لا نص فيه فعملهم قياسه على ما فيه نص واستنباط حكمه بواسطة الاجتهاد1، مراعين القواعد والمقاصد الشرعية فالسلطة التشريعية عندما تقوم بالتشريع فإنها لا تنشئ الأحكام إنشاءً ولا تبتدؤها ابتداءً وإنما تستمدها وتستخلصها وتستخرجها من كتاب الله وسنة رسوله، لا من غيرهما وبذلك وضع النظام الإسلامي حداً فاصلاً بين أمرين لا يصح أن يلتبسا، وهما السيادة والسلطان، فالسيادة لله، والسلطان للأمة، السيادة لشرع الله، والسلطان للمجتهدين من الأمة ال ذين يقومون باستنباط الأحكام والإعلام بها والإلزام بتطبيقها وهذا هو سلطانهم الذي لا يتعدى على سيادة الشريعة. ــ أن عمل السلطة التشريعية لا يقف عند حد التشريع وإنما يتعداه إلى الإشراف والمباشرة لضمان الالتزام بهذا التشريع من قبل السلطتين التنفيذية والقضائية، وبخاصة السلطة التنفيذية، كما أنها تشترك مع سائر أهل الشورى وأهل الحل والعقد في القيام بدور الرقابة على باقي السلطات والمحاسبة للحكومة، وإبداء المشورة للحاكم ومعاونيه في كل مشكل يعرض للأمة من الأمور العامة. 1 الأحكام الشرعيةللنوازل السياسية، ص: 129.

عدد الصفحات ٢٥٣

254 ــأن صفوة علماء الشريعة المجتهدين الذين يمثلون السلطة التشريعية جزء من أهل الحل والعقد؛ لأن أهل الحل والعقد في الأمة ليسوا منحصرين في علماء الشريعة المجتهدين فضلاً عن أن ينحصروا في صفوتهم المختارة للتشريع وإنما تتسع دائرتهم لتشمل غيرهم من العلماء والقضاة والأمراء والخبراء والصلحاء والوجهاء العدول الذين يحملون همَّ هذا الدين ويتحملون مسؤولية هذه الأمة ويعتبرون هم كبار الأمة وقادتها وأولو الأمر فيها1. 12ـالسلطة التنفيذية: تعتبر السلطة التنفيذية أكبر مؤسسات السلطة الحاكمة في الأمة الإسلامية وهي في الحقيقة تتكون من مؤسستين غير منفصلتين الأولى: مؤسسة الخلافة، والثانية: الجهاز الإداري، والثانية منهما منضوية تحت لواء الأولى وداخلة تحت سلطانها، بل ومنبثقة عنها، والسلطة التنفيذية يراد بها في الدولة الإسلامية الموظفون المنوط بهم تنفيذ أوامر الشرع الإسلامي، وفي مقدمة هؤلاء: رئيس الدولة، سواء سمي خليفة أم إماماً أم أمير المؤمنين أم سلطاناً أم ملكاً أم سمي بأي اسم آخر مثل ما أطلق عليه بعد ذلك 1 المصدر نفسه، ص130.

عدد الصفحات ٢٥٤

255 ومن أعضاء السلطة التنفيذية: الوزراء، والولاة على الأقاليم وقواد الجيوش، والعمال والمحتسبون ورجال الشرطة وسائر الموظفين في الدولة الإسلامية1. إن تولية الخليفة أو رئيس الدولة في النظام الإسلامي هو أن تقوم الأمة بالاختيار والبيعة لمن ترضاه وتراه الأفضل والأنسب لقيادتها وتولى أمرها وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته تختار من تشاء كما حدث في اختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه وللأئمة شروط وصفات وحقوق وواجبات، تطلب من مظانها في كتب الفروع2، وسيأتي الحديث مفصلاً كتاب مستقل عن السلطة التنفيذية بإذن الله تعالى. 1 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، ص145. 2 المصدر نفسه، ص151.

عدد الصفحات ٢٥٥

256 13ـ المفاوضات السياسية في يوم الاثنين الأوّل من ذي القعدة سنة "6 هـ1، خرج الرّسول صلى الله عليه وسلم من المدينة متوجهاً بأصحابه إلى مكة؛ لأداء العمرة2. وانتشر خبر خروج رسولالله صلى الله عليه وسلم بين قبائل العرب، وكان انتشار الخبر له أثر في الرأي العام وخصوصاً بعدما أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لا يريد حرباً، وإنما يريد أن يعتمر، ويعظم شعائر الله . وحقق هذا الفعل الكريم مكاسب إعلامية رفيعة المستوى، وقد كان هدف النبي صلى الله عليه وسلم معلناً: ألا وهو زيارة بيت الله الحرام لأداء العمرة، فتجرَّد هو وأصحابه من المخيط، ولبسوا ثياب الإحرام، وأحرم بالعمرة من ذي الحليفة بعد أن قلَّد الهدي، وأشعره3. وقد كان صلى الله عليه وسلم على جانب كبير من الحيطة والحذر، فقد أرسل بشر بن سفيان الخزاعي عيناً له4، وقدَّم بين يديه طليعة استكشافية مكوّنة من عشرين رجلاً ، وكان هدفه صلى الله عليه وسلم من ذلك الاستعداد للطوار ىء التي يمكن أن يفاجأ بها ـ وأيضاً ـ فقد كانت مهمة هذه الطليعة استكشاف خبر العدو5. 1 المجمع النووي7 /78.) 2 نضرة النعيم1 /334.) 3 أشعره: إشعار البدن أن يشق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها. 4 مرويات غزوة الحديبية للحكمي، ص58،59. 5 صلح الحديبية، محمد باشميل، ص309.

عدد الصفحات ٢٥٦