المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها

علي محمد الصلابي

صفحة ١٥ من ٢٩

225 وقال تعا ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِله﴾ (الأنفال، آية: 39.) فالأولى في قتال من بدأ المسلمين بالظلم، والثانية استغرقتكل فتنة وكل كفر من كافر، فالقتال فيها محاربة للكفر الذي يعتبر أكبر تهديد للدين1. وقد روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إ الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله » وقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فر ق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه2، وهو قتال من أجل نشر الدعوة للدين وقال صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه»3، وهو من أجل حفظ الدين من عبث المرتدين.  ـ النفس جاءت الشريعة بأحكام القصاص للمحافظة على النفس ودرء المفاسد الناشئة عن شيوع القتل، وسفك الدماء المحرمة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾(البقرة، آية: 178.) 1 الحكم والتحاكم في خطاب الوحي 2 أخرجه مسلم، ك الإيمان، الحديث رقم: 32. 3 أخرجه البخاري (الفتح6 /137.)

عدد الصفحات ٢٢٥

226 ــ وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة، آية: 179.) ــ وقال تعا ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ (الإسراء، آية: 33.)  ـ العقل وقد جاءت الأحكام الشرعية بالمحافظة على العقل الذي ميَّز الله به الإنسان وكرمه، فحرمت الخمر التي تذهب بالعقل وتغيبه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ (المائدة، آية: 90 ـ91.) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«كل مسكر خمر وكل خمر حرام»1. وشرع إقامة الحد على السكران، وحرم المخدرات والمقترات التي تؤثر على سلامة العقل2.  ـ النسب جاءت الشريعة لدفع كل مفسدة تلحق بالأنساب فإلى جانب تحريم الزنا وإيجاد الحد على الزناة المعلوم من قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ (الإسراء، آية: 32.) 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم 5585. 2 الحكم والتحاكم في خطاب الوحي1 /467.)

عدد الصفحات ٢٢٦

227 وقوله تعا ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَجَلْدَةٍ﴾ (النور، آية: 2) وإلى حد الرجم للمحصنين إلى جانب ذلك أوجبت الشريعة العدة على النساء عند مفارقة الأزواج بطلاق أو موت، لئلا يختلط ماء الرجل بماء رجل آخر في رحم المرأة، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ (البقرة، آية: 288.) وقال ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة، آية: 234.) وكذلك منعت الشريعة نكاح الحامل حتى تضع، حتى لا يسقى الرجل بما غيره، فقال تعا ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (الطلاق، آية: 4.) وهذه الأحكام كلها يؤول تنفيذها إلى القاضي المسلم في الدولة المسلمة إضافة إلى مسؤولية الناس عن تبعاتها في المجتمع المسلم.  ـ العرض إن شريعة الإسلام كفلت كل وسائل حماية العرض، فنهت المسلم عن أن يتكلم في حق أخيه لأي ثمن يؤذيه، وأوجبت حد القذف ثمانين جلدة على من يقذف، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (النور، آية: 4.)

عدد الصفحات ٢٢٧

228 وحرمت الشريعة الغيبة: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾(الحجرات، آية: 12.) ونهت عن اللمز والتنابز بالألقاب: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (الحجرات، آية: 11.) وحرمت اللعن والسب وعموم الأذى للمؤمنين، قال تعا ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِمَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب، آية: 58.)  ـ المال وجاءت الشريعة الإسلامية لحفظ أموال الناس التي هي قوام حياتهم وقد حرم الإسلام كل وسيلة لأخذ المال بغير حق شرعي، فقال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (البقرة، آية: 188.) وحرم السرقة وأوجب الحد على من ثبتت عليه تلك الجريمة، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة، آية: 38.) وكذلك حرم الإسلام الربا الذي يهدد مصالح الأفراد واقتصاد الدول، فقال تعا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ (آل العمران، آية: 130.)

عدد الصفحات ٢٢٨

229 وحرم كذلك الغش والاحتكار والنهب واختلاس والغلول وغ ذلك من أشكال الاعتداء على المال، وكل ذلك داخل في أكل أموال الناس بالباطل المنهي عنه وبتوفر الحماية لهذه العناصر الستة، يقصد المنهج التشريعي الإسلامي إلى إصلاح حياة الناس بدرء المفاسد عنها، وقد قدم الإسلام درء المفاسد على جلب المصالح رغم أن درءها هو في حد ذاته مصلحة كبرى؛ إذ بذلك يمنع الشر أولاً ، ثم يستجلب الخير فهذا إصلاح بالسلب وذلك بالإيجاب وهو ما نعنيه من قولنا: إن الدعوة إلى الله من أهداف التمكين وذلك بإنزال منهج الإسلام الإصلاحي في دنيا الناس والذي بدوره حول مصالح ثلاث: درء المفاسد، وجلب المصالح، والجري على مكارم الأخلاق.  ـ جلب المصالح: المعروف بالحاجيات إن جلب المصالح مجاله واسع رحيب، فالشريعة فتحت أبواب الحلال على مصاريعها في جميع مناحي المعيشة وجعلت هذا الحلال أسلوب الحياة، تحرسه الدولة وتزيل العقبات من طريقه، فكل نوع من التكسب والإنتاج والصناعة والفن والثقافة لا يدخل في محرم إنما هو من حقوق الناس، ليس لأحد أن يحرّمه عليهم أو يحرمهم منه قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (البقرة، آية: 198.)

عدد الصفحات ٢٢٩

230 وقد جاء الشرع المطهر بإباحة المصالح المتبادلة بين الفرد المجتمع على الوجه المشروع؛ ليستجلب كل مصلحته من الآخر، كالبيوع والإجارات والمساقاة والمضاربة وما يجري مجرى ذلك.  ـ إحياء مكارم الأخلاق ومحاسن العادات بين الناس إن الرسول صلى الله عليه وسلم الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام قال: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق »1، إن الدولة الإسلامية من واجبها أن تهيئ جواً تنشأ فيه مكار م الأخلاق، ومحاسن الأعمال من الط هر والعفاف والنقاء، تحرسه شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحميه شعيرة الحسبة، والدعوة إلى الله؛ لتكون أساساً للمعاملة بين الصغير والكبير، والغني والفقير، والولي والمولى والراعي، والرعية. إن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام قاموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنفيذ الحدود، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، وتعليم الأمة أمر دينها وترتب على ذلك فوائد ومصالح عامة للأمة والأفراد والحكام والمحكومين ومن أهم هذه الفوائد: 1 مسند أحمد2 /381.)

عدد الصفحات ٢٣٠

231 ــ إقامة الملةوالشريعة وحفظ العقيدة والدين لتكون كلمة الله هي العليا، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا﴾(الحج، آية: 40.) إنالإنسان لابد له من أمر ونهي ودعوة، فمن لم يأمر بالخير ويدعو إليه أمر بالشر1. ــ رفع العقوبات العامة قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى، آية: 30) وقال أيضاً في الجواب عن سبب مصابهم يوم أحد ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (آل عمران، آية: 165.) فالكفر والمعاصي بأنواعها سبب للمصائب والمهالك قال تعا ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ (هود، آية: 116.) وهذه إشارة تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم، فإن الأمة التي يقع فيها الظلم والفساد فيجدان من ينهض لدفعهما هي أمم ناجية لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير، فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر ذلك، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد فهي أمم مهددة بالدمار والهلاك كما هي سنة الله تعالى ـ في خلقه، وبهذا تعلم أن دعاة الإصلاح المناهضون للطغيان والظلم والفساد هم صمام الأمان للأمم والشعوب، وهذا 1 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد السبت، ص72.

عدد الصفحات ٢٣١

232 يبرز قيمة كفاح المكافحين للخير والصلاح الواقفين للظلم والفساد، إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم، ولدينهم فحسب، إنما هم يحاولون بهذا دون أممهم وغضب الله واستحقاق النكال والضياع1. ــ استنزال الرحمة من الله تعالى، لأن الطاعة والمعروف سبب للنعمة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم، آية: 7) والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوع من أنواع العبودية ــ شدة ظهر المؤمن وتقويته ورفع عزيمته وإرغام أنف المنافق؛ فإن المؤمن يقوى ويعتز حينما ينتشر الخير والصلاح ويُوحد الله لا يشرك به وتضمحل المنكرات على إثر ذلك بينما يخنس المنافق بذلك ويكون ذلك سبباً لغمه وضيق صدره وحسرته، لأنه لا يحب ظهور هذا الأمر ولا ذيوعه بين الخلق2. قال الثوري: إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن وإذا نهيت عنالمنكر رغمت ألف المنافق3. ــ تحقيق وصف الخيرية في هذه الأمة ، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران، آية: 110)، قال عمر رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط فيها4. 1 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خالد السبت، ص: 72. 2 المصدر نفسه، ص77. 3 فقه النصر والتمكين، ص489. 4 المصدر نفسه، ص489.

عدد الصفحات ٢٣٢

233 ــ التجافي عن صفات المنافق إن من اخت ص صفات المؤمنين القيام بهذا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ﴾ (التوبة، آية: 71)1.  ـ مرونة القوان مع التشريعات القطعية غير القابلة للتغيير والتعديل في ما يتعلق بحفظ الدين والنفوس، والأعراض والعقول والأموال وغير ذلك من الثوابت، فهناك بعد آخر في قانون الدولة يرحب بالتغير والرقي في كل حالات الزمان المتطورة وهو يشمل عدة أنواع. ــ تعبير الأحكام أو تأويلها أو تفسيرها: هو المحاولة لفهم ألفاظ جاء بها حكم من أحكام الشريعة وتحديد معناها وغايتها وهو باب واسع جداً في الفقه الإسلامي فالذين لهم عقول ثاقبة وقلوب واعية وعيون نافذة إذا ما يتدبرون الكتاب والسنة، يجدون أمامهم مجالاً واسعاً للتغييرات المختلفة حتى في أحكامها القطعية الصريحة، فكل منهم يرجح ـ على حسب فهمه وبصيرته ـ 1 فقه النصر والتمكين، ص489.

عدد الصفحات ٢٣٣

234 تعبيراً من هذه التعبيرات على غيره محتاجاً بالدلائل والقرائن، وهذا الاختلاف في تعبير الأحكام ما زال له وجود بين أصحاب الفقه والعلم من الأمة منذ أول أمرها ولابدّ له أن يبقى مفتوحاً في المستقبل أيضاً . ــ القياس: وهو تطبيق حكم ثبت من الشارع في قضية على قضية أخرى تماثلها، أي بقياسها عليها. ــ الاجتهاد: وهو فهم قواعد الشريعة وأصولها العامة، وتطبيقها في قضايا جديدة لا توجد لها النظائر والأشباه في الشريعة. ــ الاستحسان: وهو وضع ضوابط وقوانين جديدة في دائرة المباحث غير المحدودة على حسب الحاجات بحيث تتفق إلى أكبر درجة مع روح نظام الإسلام الشامل. فهذه الأمور إذا تدبرتم ما فيها من الإمكانات، فهي دليل بأن القانون الإسلامي لا يضيق نطاقه في حين من الأحيان عن تلبية حاجات التمدن الإنساني المتزايدة المتجددة والوفاء بمطالب أحواله المتطورة1. إن من اللازم ل تفسير وتوضيح الأحكام أن يكون المرء متمكناً م ن لغة الشريعة وأسرارها محيطاً بالحالات التي فرضت فيها أحكامها متضلعاً من علم القرآن ومعرفة أسلوبه الخاص في البيان وأن تكون له نظرة واسعة في ذخائر الحديث، فمن اللازم للقياس أن يكون للمرء من الحس القانوني اللطيف ما يقدر معه عند قياس مسألة على أخرى أن يفهم وجوه المماثلة بينهما فهما تامان وإلا فإنه لا يكاد يسلم من الخطأ في تطبيق حكم إحداهما على الأخرى ومن اللازم للاجتهاد أن تكون للمرء بصيرة نافذة في 1 نظرية الإسلام وهديه، ص: 150.

عدد الصفحات ٢٣٤

235 أحكام الشريعة وفهم جيد لشؤون الحياة من الوجهة الإسلامية الخالصة ومن اللازم للاستحسان أن يكون للمرءإلمام تام بطبيعة الإسلام وروح نظامه حتى لا يقترح في دائرة المباحاث إلا بقوانين وضوابط تصلح بحق للانسجام في مجموعة هذا النظام وفوق كل هذه الكفاءات الفكرية والثقافية لابدّ لكل من يتولى هذا الأمر الجليل من شيء آخر في المحال بدونه أن ينال القانون الإسلامي شيئاً من الرقي وال تقدم على الخطوط الصحيحة هو أن يكون على جانب عظيم من عزيمة اتباع الإسلام والمسؤولية أمام الله تبارك وتعالى؛ وليس هذا الأمر بالذي يصلح ليتولاه أناس غافلون عن الله والآخرة لا يطمحون بأبصارهم إلا إلى الأغراض والمنافع الدنيوية ممن قد تركوا عظم ة وروعة الإسلام وأ شربوا في قلوبهم حب حضار ة غير حضارته، لا يمكن بحال أن يرزق الإسلام شيئاً من الرقي والتقدم على أيدي أمثال هؤلاء بل لا يكاد يرجى منهم إلا تشويه وجهه وتحريف كلماته1. والطريق لإدخال الدولة الحديثة للمرجعية الإسلامية هو أن يعلن المجلس التأسيسي في تلك الدولة "أيالبرلمان". ــ أن الشريعة الإسلامية مصدر جميع القوانين في الدولة. ــ وأن كل قانون من قوانين تلك الدولة الجارية يلغى ويبطل إن كان معارضاً للشريعة الإسلامية، وأنه لا ينفذ في البلاد في المستقبل قانون يعارض الشريعة. 1 المصدر نفسه.

عدد الصفحات ٢٣٥

236 ومن خطوات المهمة التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بيان مرجعية الدولة العليا أن زمام الدولة كان بأيدي يعرفون الإسلام ويريدون من أعماق قلوبهم ولذلك دخلوا في نواحي الحياة بكل ما يملكون من وسائل. وإذا أردنا لحياتنا أن تسير على القوانين الربانية وتخضع لها لابد أن ينتقل زمام أمر هذه الدول بطري ق الانتخابات البرلمانية والرئاسية إلى أيدى رجال يعرفون الإسلام ويؤمنون به ويتقربون إلى الله بذلك ويقيمون برسم نهج لإصلاح مختلف نواحي الحياة الاجتماعية إصلاحاً شاملاً ويستعينوا لهذا الغرض بكل ما للدولة من أسباب ووسائل فنغير نظام التعليم ونبذل قوى الإعلام والدعاية والنشر والخطابة والفضائيات في إصلاح الأفكار، وتطوير العقول، والأوضاع والمناهج الاجتماعية والمدنية كلها، وتطهير مصالح الحكومة ودوائر الشرطة والسجن والمحاكم والجيش ومؤسسات الدولة من الفساد والرشاوي والعمل على البناء الصحيح والسديد وفق فقه بناء الدول الحديثة الناجحة، بالمعايير الربانية ولا شك أن وسائل الدولة والجهاز الحكومي وإدارته إذ وقعت في أيدي أمينة ذات خبرة وكفاءة وقوة وأمانة قادرة على بناء دولة حديثة والارتقاء بالشعب مع منظومة من القوانين منظمة ومتزنة في عقدين من الزمان ولكي تنفذ القوانين المستمدة من القرآن والسنة في الناس يظهر دور القضاء في ذلك. والسلطة القضائية عند علماء القانون هي: السلطة التي يعهد إليها بتفسير القانون وتطبيقه على الحوادث المعينة وأعضاؤها هم القضاة على اختلاف درجاتهم1. 1 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، عطية عدلان، ص: 136.

عدد الصفحات ٢٣٦

237 ويراد بالسلطة القضائية في الإسلام: الجهة التي تملك إصدار احكام الشرعية وتبث في القضايا المتنازع فيها على ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع علماء المسلمين والقياس الصحيح1. ولقد وجدت السلطة القضائية في الدولة الإسلامية في جميع عصورها ففي عصر النبوة كانت في يد النبي صلى الله عليه وسلم وكان ا لنبي صل ى الله عليه وسلم أول قاضٍ في الإسلام وكان قضاؤه ملزماً ، فهو إذا قضى في حادثة كانت له صفتان: صفة المشرع .. فبيَّن القاعدة القانونية الواجب تطبيقها في الحادثة، ثم له أيضاً صفة القاضي التي يقضي بها في المنازعات ويقضي بها الخصومات2. ومن أمثلة قضاء رسول اما يلي: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما أنهما قالا: إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر، وهو أفقه منه: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل»، قال: إن إبني كان عسيفاً 3 على هذا فزنى بامرأته وإني أخبرت أنَّ على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنَّما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا 1 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، ص136. 2 السياسة الدستورية للدولة الإسلامية للنجار، ص441. 3 عسيفاً: أجير

عدد الصفحات ٢٣٧

238 الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لأَقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردُّ وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها»، فقال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول ا صلى الله عليه وسلم فرُجمت1. وقد حكم رسول اصلى الله عليه وسلم في قضايا عديدة متعلقة بالنفوس والأعراض والأموال والعقول ووفق القوانين الربانية، وبيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بأنه يقضي بين الناس على حسب اجتهاده وما يظهر له بالحق، قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ول عل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي على حوو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار »2. ويستفاد من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء3، وذلك بوصفه قاضياً يدل على هذا أنه ذكر ذلك في مقام إدلاء الخصوم بالحجج وقوله: «تختصمون، فأقضي»4. ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال«كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟»، قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: «فإن لم يكن في كتاب الله؟»، قال: فبِ سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «فإن لم يكن في سنة رسول ا 1 متفق عليه أخرجه البخاري، الحديث رقم 2537. 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم 6748. 3 السلطة التقديرية للقاضي، د. محمود بركات، ص: 86. 4 المصدر نفسه، ص86.

عدد الصفحات ٢٣٨

239 صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟»، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: «الحمد لله الذي وفقرسول رسول الله لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم»1. وقوله صلى الله عليه وسلم«إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اخطأ فله أجر»2، والحديث صريح في دعوة الحاكم إ الاجتهاد وأن له أجراً حتى ولو أخطأ3، وليس معنى الخطأ هنا أنه أخطأ ما كلف ولكن أنه أخطأ النص فلم يصيبه بعدما بذل كبير مجهوده والاجتهاد لا يكون إلا من العالم أهل الاجتهاد4. ومن تأمل القضايا التي حكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين له أنها كانت تسير على أسس ونظم قضائية غاية العدالة والرشد والرقي منها: ــ أن القضاء يكون بكتاب الله وبشريعة الله، وما وقع مخالفاً للشرع يرد. ــ أن البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه. ــ أن المدعي إذا لم يكن معه بينة ليس له على المدعي عليه إلا اليمين، أيًّا كانت أخلاق المدعي عليه. 1 سنن أبي داوود، الحديث رقم: 3592. 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم 6919. 3 السلطة التقديرية، ص88. 4 المصدر نفسه، ص88.

عدد الصفحات ٢٣٩

240 ــأن القاضي يحكم بما توافر لديه من أدلة مادية حتى ولو خالفت ما في ظنه أو علمه الخاص. ــ أن القاضي لا يحكم إلا بعد استيفاء السماع من الخصمين. ــ الحد إذا لم يبلغ القاضي أو الإمام جاز التعافي فيه وإسقاطه، أما إذا بلغ القاضي أوالإمام لم يجز إسقاطه ولا الشفاعة فيه. وقد كان القضاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يمضي على أسس دستورية ونظم شرعية، جعلته أصلح قضاء عرفته البشرية1. وعن عائشة رضي الله عنها: أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: وم ن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ومن يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتشفع في حد منحدود الله»، ثم قام فاختطب ثم قال«إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيمُ الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»2. كان نظام القضاء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحاً وافياً بالغرض، محققاً لحاجات الناس، صالحاً لأن يكون أساساً لنظام قضائي من الطراز الأول لأدق الأنظمة وأرقها3. 1 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، ص: 139. 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم 3241 متفق عليه 3 الأحكام الشرعية للنوازل السياسية، ص: 143.

عدد الصفحات ٢٤٠