209 بغير حقه إلا لقى الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفنَّ أحداً منكم لقى الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار، أو شاه تيعر»1، ثم رفع يديه، حتى رُئيَ بياض إبطيه يقول: «اللهم هل بلغت» بصر عيني وسمع أذني2. ــ الغضب والتعنيف؛ متى كان لذلك دواعٍ مهمة: وذلك كأن يحدث خطأ شرعي من أشخاص لهم حيثية خاصة، أو تجاوز الخطأ حدود الفردية والجزئية وأخذ يمثل بداية فتنة، أو احوراف عن المنهج، على أن هذا الغضب يكون غضباً توجيهياً، من غير إسفاف، ولا إسراف؛ بل على قدر الحاجة، ومن ذلك غضبه صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر، ومعه نسخة من التَّوراة؛ ليقرأها عليه صلى الله عليه وسلم، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنسخة من التوراة، فقال: يا رسول الله، هذه نسخة من التوراة، فسكت، فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغيّر، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ثكلتك الثَّواكل! ما ترى بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فنظر عمر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أعوذ بالله من غضب الله، وغضب رسوله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيَّا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده؛ لو بدا لكم موسى، فاتبعتموه، وتركتموني؛ لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حيّ اً ، 1 الرُّغاء: صوت الإبل عند رفع ا حمال عليهما. 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم 6979.
عدد الصفحات ٢٠٩210 وأدرك نبوَّتي لاتَّبع»1. ومن ذلك غضبه صلى الله عليه وسلم من تطويل بعض أصحابه الصَّلاة، وهم أئمة بعد أن كان صلى الله عليه وسلم قد نهى عن ذلك؛ لما فيه تعسير ومشقة، ولما يؤدِّي إليه من فتنة لبعض الضعفاء والمعذورين، وذوي الأشغال، فعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال رجل: يا رسول الله لا أكاد أُدرك الصّلاة ممّا يطول بنا فلان؛ فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضباً من يومئذ فقال: «أيها الناس، إنكم مُنفِّرون، فمن صلى بالناس فليُخف ف فإن فيهم المريض، والضعيف، وذا الحاجة»2. ومن ذلك غضبه من اختصام الصَّحابة وتجادلهم في القدر، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، وهم يختصمون في القدر فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: «بهذا أمرتم؟ أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض؟ بهذا هلكت الأمم قبلكم»3. ومن ذلك غضبه صلى الله عليه وسلم حين يخالف الصحابة أمره ويصرُّون على المغالاة في الدين والتشديد على أنفسهم، ظنًا منهم أن ذلك أفضل ممَّا أمروا به، وأقرب إلى الله، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا 1 مسند أحمد3 /338.) 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم 90. 3 سنن ابن ماجه، الحديث رقم: 85.
عدد الصفحات ٢١٠211 أمرهم، أمرهم من الأعمال ما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله؛ إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر فيغضب حتى يعرف في وجهه الغضب، ثم يقول: «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا»1. ولم يكن غضب النبيِّ صلى الله عليه وسلم في تلك المواقف إلا عملاً توجيهياً، وتعليمياً؛ تحريضاً للصحابة على التيقظ وتحذيراً لهم من الوقوع في هذه الأخطاء، فالواعظ من شأنه أن يكون في صورة الغضبان، لأنَّ مقامه يقتضي تكلف الانزعاج، لأنه في صورة المنذر، وكذا المعلم إذا أنكر على من يتعلم منه سوء فهم وحووه، لأنه قد يكون أدعى للقبول منه، وليس ذلك لازماً في حق كل أحد، بل يختلف باختلاف أحوال المتعلمين2. ــ انتهاز بعض الوقائع لبيان وتعليم معانٍ مناسبة: كان صلى الله عليه وسلم تحدث أمامه أحداث معينة، فينتهز مشابهة ما يرى لمعنى معين يريد تعليمه للصحابة، ومشاكلته لتوجيه مناسب يريد بثّه لأصحابه، وعندئذ يكون هذا المعنى وذلك التوجيه أوضح ما يكون في نفوسهم رضي الله عنهم؛ ومن ذلك ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبيي 3، فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها4 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم 20. 2 فتح الباري1 /187.) 3 سبي: أسرى 4 تتهيأ لأن تحلب.
عدد الصفحات ٢١١212 تسقى1، إذا وجدت صبياً من السَّبي، أخذته فألعقته ببطنها، وأرضعته، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : «أتُرون2، هذه طارحة ولدها في النار؟» قلنا: لا؛ وهي تقدر على ألا تطرحه3، فقال«الله أرحم بعباده من هذه بولدها»4. فانتهز صلى الله عليه وسلم المناسبة القائمة بين يديه مع أصحابه والمشهود فيها حنان الأم الفاقدة رضيعها إذ وجدته، وضرب بها المشاكلة والمشابهة برحمة الله تعالى، ليعرف الناس رحمة رب الناس بعباده5. ب ـ من أخلاق الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم للنبي صلى الله عليه وسلم حرص الصحابة رضي الله عنهم على الالتزام بآداب ومبادئ مهمة، كان لها أعظم الأثر في حسن الح فظ، وتمام الضبط، وقدرتهم على تبليغ دعوة الله للناس، ومن هذه الآداب والأخلاق: ـ الإنصات التام، وحسن الاستماع فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلَّ في نفوس الصحابة،وأعظم من أن يلغوا إذا تحدَّث، أو ينشغلوا عنه إذا تكلَّم، أو يرفعوا أصواتهم بحضرته، وإنَّما كانوا يلقون إليه أسماعهم، ويشهدون عقولهم ، وقلوبهم، ويحفزون ذاكرتهم، فعن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه في الحديث عن سيرته صلى الله عليه وسلم في جلسائه، قال: .. وإذا تكلمَّ؛ أطرق جلساؤه كأنما على 1 تسقي: تبتغي ولداً ترضعه لأن ثديها قد امت 2 أترون: أتظنون 3 أي: لا تطرحه مادامت تقدر على حفظه معها ووقايته. 4 أخرجه البخاري، الحديث رقم 5999. 5 الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم، عبد الفتاح أبو غدة، ص: 160.
عدد الصفحات ٢١٢213 رؤوسهم الطَّير، فإذا سكت، تكلَّموا1، قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ـ رحمه الله ـ: وأصله: أن الغراب يقع على رأس البعير فيلقط منه القُراد، فلا يتحرَّك البعير؛ لئلا ينفر عنه الغراب ويبقى القراد في رأس البعير فيؤلمه، فقيل منه: كأن على رؤ وسهم الطير2. وأيَّا ما كان أصل المثل، فهو يدل على السُّكون التام والإنصات الكامل، هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيماً له، وإجلالاً لحديثه3. 1 الشمائل للترمذي رقم: 352. 2 الرسول المعلم وأساليبه في التعليم، ص: 30. 3 مناهج وآداب الصحابة، ص77.
عدد الصفحات ٢١٣214 ـ ترك التنازع وعدم مقاطعة المتحدث حتى يفرغ وهذا من تمام الأدب، المفضي إلى ارتياح جميع الجالسين وإقبال بعضهم على بعض والمعين على سهولة الفهم، والتعلم، ففي حديث عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه السابق في سيرته صلى الله عليه وسلم في جلسائه، قال: لا يتنازعون عنه الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتىَّ يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم. أي: أنّ من بدأ منهم الحديث والكلام، سكتوا حتى يفرغ أوّلاً من حديثه ولم يقاطعوه، أو ينازعوه، وبذلك يبقى المجلس على وقاره، وهيبته، ولا تختلط فيه الأصوات، ولا يحصل أدنى تشويش1. ـ مراجعته صلى الله عليه وسلم فيما أشكل عليهم حتى يتبين لهم: فمع كمال هيبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشدَّة تعظيمهم له، لم يكونوا يتردّدون في مراجعته صلى الله عليه وسلم لاستيضاح ما أشكل عليهم فهمه، حتى يسهل حفظه بعد ذلك، ولا شك أن هذه ا لمراجعة تعين على تمام الفهم، وحضور الوعي؛ فمن ذلك حديث حفصة رضي الله عنها قالت: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنِّي لأرجو ألا يدخل النار أحد إن شاء الله ـ ممّن شهد بدراً، والحديبية»، قالت: قلت يا رسول الله أليس قد قال﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ (مريم، آية: 71) قال«ألم تسمعيه يقول»:﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم، آية: 72)2. 1 المصدر السابق نفسه، ص87. 2 البخاري في الأدب المفرد رقم: 970.
عدد الصفحات ٢١٤215 ومن ذلك حديث جابر بن عبد الله، عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنهم، الذي رحل جابر إليه فيه قال أنيس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الله العباد» ـ أو قال«الناس عراة غُر1 بهما». قال: قلنا: ما بهما؟ قال«ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار وعنده مظلمة، حتى أُقصه2 منه حتى السَّلطمة»، قال: قلنا: كيف ذا، وإنما نأتي ا غُرلاً بُهما؟ قال: «بالحسنات والسيئات» قال: وت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (غافر، آية: 17)3. وهكذا استفهم الصحابة عمّا خفي عليهم، واستوضحوا ما أشكل عليهم فهمه، وهذه المناقشة والمراجعة كان لها أثر كبفي الفهم، والوعي، والحفظ4. ـ مذاكرة الحديث كان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ إذا سمعوا شيئاً من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وحملوا عنه علماً، جلسوا فتذاكروه فيما بينهم، وتراجعوه على ألسنتهم، تأكيداً لحفظه، وتقوية لاستيعابه، وضبطه، والعمل به، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: 1 غُرلا: جمع أغرل، وهو الأقلف، الغُرلة: القلفة 2أقصاه: أمكنه من أخذ القصاص ممان ظلمه 3 البخاري في الأدب، الحديث رقم: 970. 4 مناهج وآداب الصحابة، ص80.
عدد الصفحات ٢١٥216 كنَّا نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا، تذاكرناه فيما بيننا، حتى حوفظه1، وقد بقي مبدأ المذاكرة قائماً بين الصحابة حتى بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فعن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة ـ رحمه الله ـ قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا، تذاكروا العلم وقرؤوا سوره2. ـ السؤال بقصد العلم، والعمل كانت أسئلة الصحابة بقصد العلم، والعمل، لا للعبث واللعب فكانت أسئلتهم مشفوعة بهذا القصد، لما علموا من كراهة النبي صلى الله عليه وسلم للمسائل العبثية التي لا تحتاج إليها، ولما سمعوا من تحذيره صلى الله عليه وسلم من كثرة السؤال، فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل، وعابها3. قال النووي: المُراد: كراهة المسائل التي لا تحتاج إليها، لاسيما ما كان فيه هتك ستر مسلم، أو إشاعة فاحشة، أو شناعة على مسلم، أو مسلمة، قال العلماء: أمّا إذا كانت المسائل ممّا يحتاج إليه من أمور الدين، وقد وقع، فلا كراهة فيها4. ـ ترك التنطع وعدم السؤال عن المتشابه 1 أخرجه الخطيب في الجامع1 /363 ـ364.) 2 أخرجه الخطيب2 /86) رقم1229. 3 أخرجه أبو خيثمه بإسناد صحيح، كتاب العلم، الحديث رقم: 77. 4 شرح النووي على مسلم3 /741.)
عدد الصفحات ٢١٦217 فقد التزموا ـ رضوان ا عليهم ـ بهذا الأدب، فلم يتكلَّفوا السؤال عمّا سكت عنه الشارع، حتى لا يؤدِّي السؤال عن ذلك إلى إيجاب ما لم يوجبه الشرع، أو تحريم ما لم يحرِّمه فيكون السُّؤال قد أفضى إلى التضييق على المسلمين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ﴾ (المائدة، آية: 101 ـ102.) وحذَّر الرَّسول صلى الله عليه وسلم من مثل ذلك، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أعظم المسلمين جُرْما من سأل عن شيء لم يحرم فحُرِّم من أجل مسألته»1. ـ اغتنام خلوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومراعاة وقت سؤاله كان الصحابة رضي الله عنهم يراعون الوقت المناسب، للسُّؤال ومن ذلك اغتنام ساعة خلوته صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون في السؤال إثقالٌ، أو إرهاق أو حوو ذلك، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى الفجر، احورفنا إليه، فمنا من يسأله عن القرآن ومنا من يسأله عن الفرائض، ومنا من يسأله عن الرُّؤيا2. ـ مراعاة أحواله وعدم الإلحاح عليه بالسؤال 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم 7289، وأخرجه مسلم، الحديث رقم: 2358. 2 مجمع الزوائد1 /159.)
عدد الصفحات ٢١٧218 وبخاصة؛ بعد أن نُهُوا عن السُّؤال؛ ولذلك كانوا يدفعون الأعراب لسؤاله صلى الله عليه وسلم، ويتحيَّنون،وينتظرون مجيء العقلاء منهم، ليسألوا رسول ا لله صلى الله عليه وسلم وهم يسمعون، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نُهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرّجل من أهل البادية العاقل، فيسأله: وحون نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم: أن الله أرسلك قال:«صدق»1. وهكذا استمر البناء التربوي في المجتمع الجديد من خلال المواقف العمليّة الواضحة منسجماً مع غرس فريضة التعلم والتعليم ب أفراد المجتمع المسلم، فكانت تلك التوجيهات تساهم في إعداد الفرد المسلم، والأمة المسلمة والدولة المسلمة التي أسَّسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا جزء من كل وغيض من فيض وتذكير وتنبيه لأهمية استمرار البناء التربوي والعلمي في الشعوب حتى بعد قيام الدولة وطبيعة الإسلام، يستفيد من كل جديد نافع وينسجم من تطور حركة الحياة في كل نواحيها. التعليم في الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية: 1أخرجه مسلم، الحديث رقم92.
عدد الصفحات ٢١٨219 على الدولة الحديثة أن تتبنى خطة أستراتيجية وطنية شاملة لجميع الجهات ذات الصلة بالعملية التعليمية والتربوية، والعمل على تنفيذها من خلال منهج علمي متكامل، للنهضة العلمية في جميع مراحل التعليم والتدريب، وتعزيز الجودة والكفاءة، والمساواة من خلال مؤسسات تتمتع بالاستقلالية، تتميز بالتنوع والاختيار وتخضع للمساءلة. ــ وأن يعمم التعليم الأساسي وإعطاء أولوية للمناطق والفئات المحرومة. ــ وأن يطور التعليم العام ليلبي حاجات الفرد والمجتمع في كافة المجالات. ــ تنمية الاتجاهات العلمية لدى الأطفال مثل الإبداع وروح النقد والموضوعية وإكسابهم قدرات ومهارات تلائم نموهم الفكري والجسدي وتتصل ببيئتهم المباشرة. ــ إعادة التوازن للمناطق النائية والمحرومة والبعيدة عن المدن الرئيسية وذلك من خلال تدعيمها ببناء المدارس والجامعات بها، وإمدادها بالكوادر البشرية المدربة والمؤهلة للنهوض تعليمياً بأبنائها. ــ تبني سياسة واضحة تكفل الاهتمام بالعنصر البشري في العملية التعليمية في الدولة من حيث حسن اختيار وتدريب وتأهيل المعلمين وأساتذة الجامعات، والعاملين في الحقل التعليمي، ورعايتهم صحياً ومادياً، وذلك سعياً وراء خلق جيل جديد من القيادات التعليمية تؤمن بالحرية والعدل والمساواة. ــ دمج تقنية المعلومات والاتصالات في العمليات التعليمية والإدارية والتطويرية.
عدد الصفحات ٢١٩220 ــالتواصل وزيادة الوعي بفوائد التعليم والتعليم التقني والتدريب المهني. ــ قاعدة بيانات شاملة للتعليم، والتدريب، وأدلة التقييم والمؤثرات التوجيهية. ــ دعم الطلبة لبذل أقصى طاقتهم، وإمكانياتهم، وتحسين مهاراتهم في اللغات، والعلوم والرياضيات في جميع مراحل التعليم. ــ تطوير وتجويد التعليم بالمدارس الخاصة، ووضع نظام للاعتماد الوطني في الدولة. ــ توفير خيارات تعليمية ملائمة للطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة. ــ تعزيز المشاركة المجتمعية وزيادة مساهمة كافة قطاعات المجتمع في التعليم العام. ــ توفير بدائل متنوعة من برامج التعليم الأساسي للكبار. ــ إعداد المواطنين للعمل في الاقتصاد المعرفي. ــ إطار تنظيمي مطور للمواءمة بين التعليم التقني، والتدريب المهني من قطاع التعليم والتدريب واحتياجات سوق العمل. ــ زيادة الإنفاق على التعليم والبحث العلمي. ــ تعديل جدول أجور كافة العاملين بقطاعي التعليم العام والمالي، مع منح ميزات إضافية للعاملين منهم بالمناطق النائية، وزيادة الاعتماد على الكوادر الوطنية للعمل في حقل التعليم. ــ تكفل الدولة مجانية التعليم في جميع مراحله، وإلزاميته حتى المرحلة الإعدادية على الأقل.
عدد الصفحات ٢٢٠221 ــدعم ورعاية المراكز العلمية والبحثية المتخصصة، وزيادة مخصصاتها من قبل الدولة، والحفاظ على استقلاليتها. ــ وضع آلية ومنهج يكفل التواصل بين المواطنين المقيمين في الخارج من العلماء والأكاديميين في شتى المجالات والاستفادة من خيراتهم، ونقل الناجح من تجارب الدول التي يعملون بها إلى داخل الوطن بغية الاستفادة مما يمكن تطبيقه منها. ــ تبني نظام تعليمي يربح عقيدة التوحيد ومبادئ الحرية والعدالة والم ساواة وينشر ثقافة قبول الآخر، ويدعو للحوار، ويؤمن بالعمل الجماعي، وروح الفريق، والمبادرة، والإيجابية، ويرعى القيم والأخلاق والتقاليد الصالحة والثوابت. ــ متابعة كل ما يستجد في النظم التعليمية النافعة وتوفيرها بما يرقى إلى مستوى الأنظمة التعليمية العالمية المتميزة ويكفل الربط بين نتائج التعليم والاحتياجات الحالية والمستقبلية لسوق العمل. ــ وضع منهج متكامل للنهوض بتعليم النساء في الشرائح العمرية المتقدمة الأمر الذي سيساهم لا محالة في إعداد أمهات متعلمات وواعيات يعملن على تحسين أوضاع الأسرة كعنصر مؤثر في التك وين الاجتماعي والاهتمام بمواكبة المرأة للتعليم والتربية مثل الرجل. 10 ـ القانون والسلطة القضائية
عدد الصفحات ٢٢١222 كانت دولة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحكمها قوانين وتشريعات مستمده من كتاب الله وتعاليمه صلى الله عليه وسلم وطبيعة القانون الإسلامي أنه ليس هناك شعبة من شعب الحياة إلا للشريعة حكم تأخذ فيها بيدنا وتضمن لنا فيها الهداية والتوجيه وتواكب التغير والرقي والنماء إلى أبد الدهر وتلبي القوانين المستمدة من الشريعة الحاجات والمطالب المدنية المتصاعدة في كل عصر وفي كل مصر. ومن القوانين ما هي قطعية لا يقبل التغيير منها: ــ الأحكام الصريحة القطعية الواردة في القرآن والحديث الثابت ة كحرمة الخمر، والربا، والميسر وحدود السرقة والزنا والقذف وأنصبة الوراثة من تركة الميت. ــ القواعد العامة الواردة في القرآن والأحاديث الثابتة كحرمة كل مسكر، وحرمة كل بيع لا يتم فيه تبادل المنفعة بين الجانبين على تراضٍ منهما، وقوامية الرجال على النساء. ــ الأحكام المقررة في القرآن والسنة لنجد بها حريتنا في الأعمال ولا نتجاوزها، كحد أربع نساء لتعدد الزوجات، وحد ثلاث مرات للطلاق، وحد ثلث المال للوصية. فهذا الجزء القطعي غير القابل للتغيير هي من أجزاء ق انون الإسلام، وهو الذي يعين في حقيقة الأمر حدود مدنية الإسلام وصورتها الممتازة المخصوصة ومن المحال أن يشار إلى مدينة الإسلام وصورتها الممتازة المخصوصة ومن المحال أن يشار إلى
عدد الصفحات ٢٢٢223 مدنية في الدنيا تستطيع البقاء والمحافظة على ذاتيتها ومقوماتها واستقلالها بدون أن يكون فيها عنصر لا يقبل التزحزح والتغيير وكل مدنية ليس فيها عنصر كهذا وكل شيء فيها قابل للنسخ والتغيير والتعديل، فما هي بمدنية مستقلة أصلاً وإنما هي مادة مذابة يمكن في كل وقت أن تفرغ في كل قالب وتشكل بشكله1. ولي دراسة مستقبيلة بإذن الله تعالى موسعة عن دولة القانون في الإسلام وفق مشروع فكري نهضوي، يتحدث عن الدستور والمواطنة، والمساواة والحريات، وحقوق الإنسان ...الخ إن غاية التشريع الإسلامي هي إسعاد الناس وإصلاحهم وتيسير أمرهم في رفع الحرج عنهم. ــ قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا * يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء، آية: 26 ـ 28.) إذن فإصلاح دنيا الناس أساس وتطبيق أحكام الحدود والقصاص وغيره والإجراءات الوقائية إنما هو محافظة على ذلك الإصلاح، حتى لا يعكر صفوه بفتنة محارب عدواني أو شهواني زانٍ، أو لص سارق، وملحد مارق. إن من أهداف التشريعات والقوانين إنزال منهج الإسلام في دنيا الناس والذي يدور حول مصالح ثلاث: 1 نظرية الإسم وهديه، أبو الأعلى المودودي، ص: 148.
عدد الصفحات ٢٢٣224 ـدرء المفاسد المعروف عند أهل الأصول بالضروريات. ـجلب المصالح المعروف عندهم بالحاجيات. ـالجري على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات. المعروف عند الأصوليين بالتحسينات والتتميمات 1، وبإقامة التشريعات الربانية والقوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية تتحقق هذه المصالح وبالتالي تصلح أحوال الدنيا وتستقيم على منهج الله، ومن ثم يكون ذلك صلاحاً لآخرة الناس أيضاً. وعلى وجه الإجمال يمكننا تتبع مقاصد الشريعة في الحكم الإسلامي بإلقاء نظرة على تشريعاته الهادفة وقوانينه النافعة لتحقيق تلك الغايات السامية. أ ـ درء المفاسد: وهو المعبر عنه بالضروريات، والمراد به درؤها عن ستة أشياء: ـ الدين جاءت أحكام الشرع حاسمة في درء أي مفسدة قد تلحق بالدين، فكان أن شرَّع الإسلام الجهاد ليدفع الفتنة وإعلاء كلمة الله، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلهِ﴾ (البقرة، آية: 193.) 1 الموافقات للشاطبي (2 /8 ـ16.)
عدد الصفحات ٢٢٤