المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها

علي محمد الصلابي

صفحة ١٣ من ٢٩

193 ولذا فإننا نرى الرسول صلى الله عليه وسلم عند أول فرصة وجدها بعد صلح الحديبية قام بإرسال البعوث الدينية إلى القبائل العربية المجاورة وإلى الأمم خارج الجزيرة العربية للتبشير بهذه الرسالة تنفيذاً لأمر الله تعالى بتعميم هذه الرسالة. ولقد حقق هذا النوع من الأساليب عدّة أهداف، من أهمها: ــ إشعار العرب والعجم وغيرهم: أن الإسلام ليس خاصاً بالعرب وحدهم ولكنه عام لجميع الناس. ــ قبول هذه الدعوة والترحيب بها من قبل بعض الأمراء والملوك الموجهة إليهم، كما فعل المقوقس والنجاشي وإن كان البعض رفضها وأساء الرد على صاحبها كما فعل كسرى. وهذا النوع من الأساليب يستخدم في عصرنا هذا التوثيق الروابط السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين الدول عن طريق السفارات والمبعوثين الدبلوماسيين1. ومن خلال هذه المعالم القرآنية والممارسة النبوية الشريفة نتيقن أن الاهتمام بالإعلام وتوظيفه في خدمة أهداف الدولة الإسلامية من الوسائل المهمة واللازمة في حركة الحياة. إن للإعلام أهميته الخطيرة في العصر الحديث، وقد نال اهتماماً بالغاً من كل الدول حتى أنشئت له كليات خاصة وهي "كليات الإعلام" وأنشئت له وزارات خاصة وهي وزارات الإعلام التي تشرف على سائر وسائل الإعلام في الدولة ويعين وزير لها من 1 الأسلوبالإعلامي في القرآن الكريم، ص: 65.

عدد الصفحات ١٩٣

194 أكفاء الوزراء وأرشدهم و لاء لنظام الحكم القائم في الدولة، وذلك لخطره الكبير، وأهميته في هذا العصر الذي انتشرت فيه وتقدمت العلوم الحديثة والمخترعات المتعددة والنظريات المختلفة. فالإعلام تأثيره على الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والمجتمع الدولي كله، ويتضح أهمية الإعلام في الآتي: ــ تزويد الناس بالمعلومات والحقائق وغيرها من ضروب المعرفة، وآخر الأحداث والأخبار، لتشبع رغبتهم الملحة للمعرفة، ويقوّموا الأمور التي حولهم في المجتمع تقويماً عادلاً ويفهموا طبيعة البيئة التي يعيشون فيها ويتمكنوا من التكيف معها والتجاوب مع أفرادها. ــ نشر الوعي والحقائق الثابتة وتثقيف العقول وتنوير الأذهان، ومحاربة الخرافات والأساطير والبدع الضارة حتى يتغير أسلوب الحياة وتتغير الأفكار إلى الأفضل والأحسن وذلك بعرض الجوانب الإيجابية من الحياة عرضاً إعلامياً مناس باً، وعرض المعلومات والأفكار الحديثة والعصرية التي تؤدي إلى نهضة الأمة وزيادة وعيها وثقافتها. ــ دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وإحداث التغيير فيها للأفضل وذلك بتخطيط إعلامي سليم يتم به نقل التقنية الحديثة إلى أقصى مدى من البث والدعاية ويلازم هذا الإعلام ويواكب خطوات التقدم الاقتصادي والا جتماعي والسياسي وشرح حقائقه وأهدافه.

عدد الصفحات ١٩٤

195 ــالمحافظة على شخصية المجتمع بكل معتقداته وآدابه وتراثه وتاريخه وتعميق كل هذا بوسائل الإعلام المختلفة حتى يظل المجتمع متماسكاً بشخصيته المعروفة باستمرار. ــ تحقيق الترابط التام بين الحاكم والمحكوم بحيث تنسجم وتتوافق القاعدة العريضة من المجتمع مع القمة مما يدفع المجتمع إلى التقدم السريع والعمل البناء. ــ قلب الحكومات لإيجاد الاضطرابات: فقد يقوم الإعلام بذلك نتيجة للصراع الفكري أو الصراع الاجتماعي أو الصراع السياسي فتذاع أخبار وحقائق تثير الناس مما يخلق الفوضى في المجتمع، ويكون من نتيجة ذلك تغيير الوزارات أو قلب الحكومات أو تقرير مصائر الدول أو إيجاد الحقد والكراهية حوو طبقة معينة أو مجتمع معين1. 1 فقه النصر والتمكين، ص294.

عدد الصفحات ١٩٥

196 9 ـ البناء التربوي والعلمي كان من أوائل ما نزل من القرآن الكريم في العهد المدني مقدمات سورة البقرة، التي تحدثت عن صفات أهل الإيمان، وأهل الكفر، وأهل النفاق، ثم إشارة لأهل الكتاب ـ اليهود والنَّصارى ـ وكان التركيز على بيان حقيقة اليهود، لأنهم الذين تصدَّوا للدعوة الإسلامية من أول يوم دخلت فيه المدينة، وتتضمن سورة البقرة جانباً طويلاً منها لشرح صفة اليهود، وطباعهم1، والملاحظ: أن سورة البقرة ـ وهي من أوائل ما نزل في العهد المدني ـ كانت توجِّه الدعوة للناس أجمعين أن يدخلوا في دين الله، وأن يتوجهوا له بالعبادة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَ عْلَمُونَ﴾ (البقرة، آية: 21 ـ22.) وكانتالآيات القرآنية في العهد المدن يّ تحذِّر المسلمين من الاتّصاف بصفات المنافقين، وتوضِّح خطور ة المنافقين على المجتمع النَّاشىء والدولة الجديدة، ولم تظهر حركة النفاق ضدَّ المجتمع، والد ولة المسلمة إلا في العهد المدن يّ؛ لأن المسلمين في مكة لم يكونوا من القوَّة والنفوذ في حالة تستدعي وجود فئة من الناس ترهبهم أو ترجو خيرهم، فتتملقهم، وتتزلَّف إليهم في الظاهر، وتتآمر عليهم، وتكيد لهم، وتمكر بهم في الخفاء، كما كان شأن المنافقين بوجه عام، والآيات تتضمن أوصاف، وأخبار، 1 في ظلال القرآن1 /27.)

عدد الصفحات ١٩٦

197 ومواقف المنافقين، والحملات عليهم كثيرة جداً، حتى لا تكاد تخلو سورة مدنية منها، وخاصَّة الطويلة والمتوسطة وهذا يعني: أن هذه الحركة ظلت طيلة العهد المدني تقريباً، وإن كانت أخذت تضعف بعد نصفه الأوَّل1. واستمر القرآن المدنيُّ يتحدث عن عظمة الله، وحقيقة الكون، والترغيب في الجنة والترهيب من النار، ويشرِّع الأحكام لتربية الأمَّة، ودعم مقومات الدولة وكانت مسيرة الأمة العلمية تتطور مع تطور مراحل الدّعوة، وبناء المجتمع وتأسيس الدولة، وقد أشاد القرآن الكريم بالعلم، والذين يتعلمون، ورويت أحاديث عن تقدير الرّسول صلى الله عليه وسلم للعلم، وتضمنت كتب الحديث أبواباً عن العلم. لقد أيقنت الأمة: أن العلم من أهم مقومات نهضة الشعوب وبناء الدول ونجاح الحضارات وتربية الإنسان، وأنه من المستحيل أن يُمكِّن الله تعالى لشعب جاهل متخلف عن ركاب العلم، وإن الناظر للقرآن الكريم ليتراءى له في وضوح: أنه زاخر بالآيات التي ترفع من شان العلم، وتحث على طلبه وتحصيله، فقد جعل الله القرآن الكريم العلم مقابلاً للكفر2، الذي هو الجهل، والضَّلال، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر، آية: 9.) 1 السيرة النبوية للصَّلاَّبي 1 /520.) 2 التمكين للأمة الإسلامية، ص62.

عدد الصفحات ١٩٧

198 وإن الشيء الوحيد؛ الذي أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يطلب منه الزِّيادة هو العلم. قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه، آية: 114) كما أن أوّل خاصّية ميّز الله تعالى بها آدم عليه السلام هي. قال تعا ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة، آية: 31.) واستمر الن صلى الله عليه وسلم في منهجه التربويِّ يعلِّم أصحابه، ويذكرهم بالله ـ عز وجل ـ ويحثهم على مكارم الأخلاق، ويوضح لهم دقائق الشريعة وأحكامها، وكانت توجيهه صلى الله عليه وسلم لأصحابه أحياناً فردياً ، ومرّة جماعياً، وترك لنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ثروة هائلة في وسائله التربوية في التعليم، وإلقاء الدروس، فقد راعى صلى الله عليه وسلم الوسائل التربويّة؛ ا لتي تعين على الحفظ، وحسن التلقِّ ي، وتؤدِّي إلى استقرار الحديث في نفوس وأفئدة الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فمن هذه الوسائل والمبادئ العظيمة النافعة1،العهد المكي، والمدنيَّ: أ ـ أهم هذه الوسائل والمبادئ التربوية: ــ تكرار الحديث وإعادته: 1 مناهج وآداب الصحابة، د. عبد الرحمن البر، ص: 60.

عدد الصفحات ١٩٨

199 فذلك أسهل في حفظه، وأعون على فهمه، وأدعى لاستيعابه ووعي معانيه، ولذلك حرص ا لنبي صلى الله عليه وسلم على تكرار الحديث في غالب أحيانه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً؛ حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم، فسلَّم عليهم؛ سلَّم عليهم ثلاثاً 1. ــ التأني في الكلام والفصل بين الكلمات كان صلى الله عليه وسلم يتأنَّى ولا يستعجل في كلامه، بل يفصل بين كلمة وأخرى، حتَّى يسهل الحفظ ولا يقع التحريف والتَّغيير عند النَّقل، وبلغ من حرص النبيَّ صلى الله عليه وسلم على ذلك: أنّه كان يسهل على السامع أن يعُدَّ كلماته صلى الله عليه وسلم لو شاء 2، فقد روى عروة ابن الزبير ـ رحمه الله ـ أن عائشة رضي الله عنها قالت: ألا يُعجُبك أبو فلان " أبو هريرة"؟ جاء، فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه يُسمعُني ذلك، وكنت أُسبح فقام قبل أن أقضي سُبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم3. 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم 95. 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم 3567. 3 أخرجه البخاري، الحديث رقم 3568.

عدد الصفحات ١٩٩

200 ــ الاعتدال، وعدم الإملال كان صلى الله عليه وسلم يقتصد في تعليمه، في مقدارما يلقبه، وفي نوعه، وفي زمانه، حتى لا يملُّ الصحابة وحتى ينشطوا لحفظه ويسهل عليهم عقله، وفهمه، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا1 بالموعظة في الأيام، وكراهية السآمة علينا2. ــ ضرب الأمثال للمثل أثر بالغ في إيصال المعنى إلى العقل، والقلب، ذلك: أنه يقدِّم المعنوي في صورة حسَّية، فيربطه بالواقع، ويقرِّبه إلى الذهن؛ فضلاً عن أنَّ للمثل بمختلف صوره بلاغة تأخذ بمجامع القلوب، وتستهو ي العقول، وبخاصة عقول البلغاء؛ ولذلك استكثر القرآن من ضرب الأمثال، وذكر حكمة ذلك في آيات كثيرة، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت، آية: 43.) وقال تعا ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر، آية: 21.) 1 يتخولنا: يتعهدنا. 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم 68.

عدد الصفحات ٢٠٠

201 إلى غير ذلك من الآيات، وعلى هذا المنهج الكريم سار النبي صلى الله عليه وسلم، فاستكثر من ضرب الأمثال، فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل1. وقد أُلفت كتب متعددة عن الأمثال في الحديث النبوي. 1 مناهج وآداب الصحابة، ص65.

عدد الصفحات ٢٠١

202 ــ طرح المسائل إن طرح السؤال من الوسائل التربوية المهمّة في ربط التواصل القوي بين السائل والمسؤول، وفتح ذهن المسؤول وتركيز اهتمامه على الإجابة، وإحداث حالة من النَّشاط الذهني الكامل؛ ولذلك استخدم النبي صلى الله عليه وسلم السؤال في صور متعددة لتعليم الصحابة؛ ممّا كان كبير الأثر في حسن فهمهم، وتمام حفظهم، فأحياناً يوجِّه النبي صلى الله عليه وسلم السؤال لمجرد الإثارة والتشويق، ولفت الانتباه، ويكون السؤال عندئذ بصيغة التنبيه "ألا" غالبا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال«إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد،وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط»1. وأحياناً يسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عمَّا يعلم: أنهم لا علم لهم به، وأنهم سيكون علمه إلى الله ورسوله، وإنما يقصد إثارة انتباههم للموضوع ولفت أنظارهم إليه2، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال«أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا ما لا درهم له، ولا متاع، فقال«إن المفلس من أمتي، من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة 1أخرجه مسلم، الحديث رقم251. 2 مناهج وآداب الصحابة،، ص67.

عدد الصفحات ٢٠٢

203 ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه؛ أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار»1. وأحياناً يسأل: فيحسن أحد الصحابة الإجابة، فيثني عليه، ويمدحه تشجيعاً له، وتحفيزاً لغيره، كما فعل مع أبيّ بن كعب رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا المنذر أتدري أيُّ أية من كتاب الله معك أعظم ؟» قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «يا أبا المنذر؛ أتدري أي أية من كتاب امعك أعظم؟» قال: قلت ﴿اللهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة، آية: 255.) قال فضرب في صدري، وقال«والله؛ ليَهْنِك العلم2، أبا المنذر»3. فهذا الاستحسان والتشجيع يبعث المتعلم على الشعور بالارتياح، والثقة بالنفس ويدعوه إلى طلب وحفظ المزيد من العلم وتحصيله4. ــ إلقاء المعاني العربية المثيرة للاهتمام، والدّاعيةإلى الاستفسار، والسُّؤال: ومن ألطف ذلك وأجمله، ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بالسوق، داخلاً من بعض العالية، والناس كُنَفته1، فمر بجدي أسك2 ميت فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال«أيكم يحبُّ: أن هذا له بدرهم؟». فقالوا 1أخرجه مسلم، الحديث رقم2581. 2أخرجه مسلم، الحديث رقم: 810 ليكن العلم هنيئاً لك 3أخرجه مسلم، الحديث رقم810. 4 مناهج وآداب الصحابة، ص69.

عدد الصفحات ٢٠٣

204 ما حوب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟. قال: «أتحبون أنه لكم؟». قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه، لأنه أسكُّ، فكيف وهو ميت؟. فقال: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم»3. ــ استخدام الوسائل التوضيحية كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم ما يسمى اليوم بالوسائل التوضيحية؛ لتقرير وتأكيد المعنى في نفوس وعقول السامعين، وشغل كلِّ حواسهم بالموضوع، وتركيز انتباههم فيه، ممّا يساعد على تمام وعيه، وحسن حفظه بكل ملابساته، ومن هذه الوسائل:  ـ التعبير بحركة اليدكتشبيكه صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، وهو يبيِّن طبيعة العلاقة بين المؤمن وأخيه، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ع ليه وسلم قال: «المؤمن للمؤمن كال بُنيان يشدُّ بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه»4.  ـ التعبير بالرَّسم فكان صلى الله عليه وسلم يخطُّ على الأرض خطوطاً توضيحية، تسترعي نظر الصحابة، ثم يأخذ في شرح مفردات ذلك التخطيط، وبيان المقصود منه، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خطَّ رسول الله 1 كنفته: يعني: عن جانبه، والكنف الناحية والجانب 2 جدي أسك: صغير الأذنين 3أخرجه مسلم، الحديث رقم7344. 4 أخرجه البخاري، الحديث رقم 2446.

عدد الصفحات ٢٠٤

205 صلى الله عليه وسلم خطا بيده، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيماً»، ثم خط خطوطا عن يمينه، وعن شماله، ثم قال: «وهذه سُ بل» ـ قال يزيد ـ متفرقة ـ «على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه »، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام، آية: 153)1.  ـالتعبير ب رفع وإظهار الشَّي ء موضع الحديث، كما فعل صلى الله عليه وسلم عند الحديث عن حُ كم لبس الحرير والذهب، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً، فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً، فجعله في شماله، ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي»2، وزاد في رواية «حلُّ لإناثهم» فجمع الن صلى الله عليه وسلم بين القول، وبين رفع الذَّهب والحرير، وإظهارهما، حتى يجمع لهم السَّماع والمشاهدة، فيكون ذلك أوضح، وأعون على الحفظ.  ـ التعليم العمليبفعل الشيء أمام الناس، كما فعل عندما صعد صلى الله عليه وسلم المنبر، فصلَّى بحيث يراه الناس أجمعون، فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله قام على المنبر، فاستقبل القبلة، وكبّر وقام الناس خلفه، فقرأ وركع، وركع الناس خلفه، ثمَّ رفع رأسه، ثم رجع القهقرى3، فسجد على الأرض، ثم عاد إ 1 مسند أحمد1 /354.) 2 سنن أبي داوود، الحديث رقم: 4057. 3 القهقرى: المشي إلى الخلف

عدد الصفحات ٢٠٥

206 المن، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع، القهقرى، حتى سجد بالأرض، فلمّا فرغ؛ أقبل على الناس فقال: «أيها الناس؛ إنما صنعت هذا لتأتمَّوا بي ولتعلُّموا صلاتي»1. ــ استعمال العبارة اللطيفة والرَّقيقة إن استعمال لطيف الخطاب، ورقيق العبارات يؤلف القلوب ويستميلها إلى الحق، ويدفع المستمعين إلى الوعي والحفظ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يمهِّد لكلامه وتوجيهه بعبارة لطيفة رقيقة، وبخاصّة إذا كان بصدد تعليمهم ما قد يُستحيا من ذكره، كما فعل عند تعليمهم آداب الجلوس لقضاء الحاجة؛ إذ قدّم لذلك بأنه مثل الوالد للمؤمنين، يُعلِّمهم، شفقة بهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أُعَلمِّكم، فإذا أتى أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه»2. لقد راعى المعلّم الأوَّل صلى الله علي ه وسلم جملة من المبادئ التربوية الكريمة، كانت غاية في السمو الخلقي والكمال العقلي، وذلك في تعليقه على ما صدر من بعض الصحابة، جعلت التوجيه يستقرُّ في قلوبهم، وبقي ماثلاً أمام بصائرهم؛ لما ارتبط به من معانٍ تربوية كريمة وهذه بعض المبادئ الرفيعة التي استعملها النبي صلى الله عليه وسلم. ــ تشجيع المحسن والثناء عليه: 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم 377. 2 سنن أبو داوود، الحديث رقم: 8.

عدد الصفحات ٢٠٦

207 ليزداد نشاطاً وإقبالاً على العلم والعمل، مثلما فعل مع أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ حين أثنى على قراءته وحُ سن صوته بالقرآن الكريم، فعن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أُوتيت مزماراً من مزامير آل داوود»1. ــ الإشفاق على المخطئ وعدم تعنيفه وكان صلوات الله وسلام ه عليه يقدِّر ظروف الناس، وير اعي أحوالهم، ويعذرهم بجهلهم ويتلطَّف في تصحيح أخطائهم، ويترفق في تعليمهم الصَّواب، ولا شك أن ذلك يملأ قلب المنصوح حبًّا للرسالة، وصحابها وحرصاً على حفظ الواقعة والتوجيه وتبليغها، كما يجعل قلوب الحاضرين المعجبة بهذا التصرف والتوجيه الرّقيق مهيَّأة لحفظ الواقعة بملابساتها كافة2، ومن ذلك ما رواه معاوية بن الحكم السُّلميُّ رضي الله عنه قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمُك الله فرما ني القوم بأبصارهم فقلت: واُثكل أمياه 3، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأي ديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصُمتونني، لكنِّي سكنت، فلما صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمّي ما رأيت معلَّما 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم 5048. 2 مناهج وآداب الصحابة في التعليم والتعلم، ص74. 3 و: حرف للندبة والحسرة والثكل فقدان المرأة ولدها

عدد الصفحات ٢٠٧

208 قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني1، ولا ضربني، ولا شتمني، قال«إن هذه الصَّلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس؛ إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن»2. فانظر ـ رحمك الله ـ إلى هذا الرّفق البالغ في التعليم وانظر أثر هذا الرّفق في نفس معاوية بن الحكم السُّلمي رضي الله عنه، وتأثره بحسن تعليمه صلى الله عليه وسلم. ــ عدم التَّصريح، والاكتفاء بالتَّعريض فيما يذمُّ: لِما في ذلك من مراعاة شعور المخطئ، والتأكيد على عموم التوجيه، ومن ذلك ما حدث مع عبد الله بن اللُّتبيّة رضي الله عنه حين استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات بني سُليم، فلما جاء حاسبه صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا مالكم، وهذه هدية فقال رسول الله صلى الله ع ليه وسلم: «فهلاَّ جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتُّك؛ إن كنت صادقاً؟» ثم خطبنا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال«أمّا بعد، فإني استعمل الرّجل منكم على العمل ممّا ولاّني الله، فيأتي، فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً 1أخرجه مسلم، الحديث رقم537، ما كهرني: مانهرني. 2أخرجه مسلم، الحديث رقم537.

عدد الصفحات ٢٠٨