المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها

علي محمد الصلابي

صفحة ١٢ من ٢٩

177 ــالتوسع في الصناعات والخدمات ذات الميزة التنافسية المستمدة من الصناعات البترولية، أو غيرها على حساب ما يتوفر في الدولة. ــ الاستغلال المسؤول، والأمثل للنفط "للدول البترولية" والغاز وخلق توازن بين الاحتياطي والإنتاج، وبين التوزيع الاقتصادي، ودرجة الاستنزاف. ــ تطوير بنية تحتية كافية، وقوية قادرة على دعم النمو الاقتصادي المتوقع. ــ تطوير قوة عمل تتميز بالمهارة الفائقة والإنتاجية العالية. ــ تمكين الأسواق المالية من تمويل المشاريع والقطاعات الاقتصادية وبناء المؤسسات القادرة على تقديم الخدمات للمواطنين بكفاءة وتخضع لمعايير الشفافية والمساءلة والمحاسبة. ــ التأكيد على ضرورة إنشاء أجهزة متخصصة للإحصاءات الرقمية للسكان، تتولى مهمة الرصد الدقيق للمواليد وإنشاء خرائط لكفالة المدن والمناطق الحضرية والذاتية على حد سواء والإحصاء الدقيق للسكان والمنشآت والمرافق وذلك بهدف استخدام تلك المعلومات في وضع خطط التنمية للدولة على حوو متوازن وعادل ويضمن توزيعاً منصفاً للثروات في البلاد.

عدد الصفحات ١٧٧

178 أ ـ ضرورة التخطيط لابد من التخطيط القائم على الإحصاء الدقيق، والأرقام الحقيقية، والمعرفة اللازمة بالحاجات المطلوبة ومراتبها ومدى أهميتها، والإمكانات الموجودة، ومدى القدرة على تنميتها والوسائل الميسورة لتلبية الحاجات، والتطلع إلى الطموحات. ب ـ تهيئة الطاقات البشرية وحسن توزيعها: ويكون ذلك بتطوير الكفا ءات البشرية المتنوعة في كل مجال تحتاج إليه، وأن تطور نظامها الإداري والمالي بحيث تنمي هذه الطاقات، وتحسن تجنيدها وتوزيعها على شتى الاختصاصات بالعدل، اهتداء بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة، آية: 122) ووضع كل إنسان في المكان المناسب له، والحذر من إسناد الأمر لغير أهله: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة1. ومن ثم فالدولة المدنية الإسلامية تحرص على الثروة البشرية وتحافظ عليها وتعمل على تنميتها: جسمياً وعقلياً وروحياً وعملياً ومهنياً . ج ـ حسن استغلال الموارد المتاحة: 1 مشكاة المصابيح، رقم: 5439.

عدد الصفحات ١٧٨

179 فالدولةالمدنية الإسلامية لا تهدر شيئاً وتحافظ على الموارد المتاحة، وتعتبرها أمانة يجب أن ترعى ونعمة يجب أن يشكر الله عليها باستخدامها أحسن استخدام وأَ مْثَلِه. ويحسن بنا هنا إلى أن نشير إلى قوله تعالى في الوصية بمال اليتيم: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (الإسراء، آية: 34.) وقد تكرر ذلك في القرآن الكريم بهذه الصيغة نفسها، فلم يكتفِ القرآن منا أن نقرب مال اليتيم بطريقة حسنة وحسب، بل بال هي أحسن، فإذا كانت هناك طريقتان لتنمية مال اليتيم والمحافظة عليه: إحداهما حسنة جيدة، والأخرى أحسن منها وأجود، كان الواجب علينا أن نستخدم التي هي أحسن وأجود بل حرام علينا ألا نستخدم إلا التي هي أحسن، كما هو مفهوم التعبير بالنهي وأسلوب القصر. ومال الشعب في مجموعه أشبه بمال اليتيم، والمؤسسات التي ترعاه أشبه بولي اليتيم ولهذا يجب أن حوافظ عليه وننميه بالتي هي أحسن. د ـ التنسيق بين فروع الإنتاج:

عدد الصفحات ١٧٩

180 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا تبايعتم بالعينة 1، ورضيتم بالزرع، وتبايعتم بالعينة وأخذتم ب أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم»2. ففي هذا الحديث إشارة إلى أن الاكتفاء بالزراعة وحدها وما يتبعها من الإخلاد إلى الحياة الخاصة المعبِّر عنها باتباع أذناب البقر، وترك الجهاد في سبيل الله، وما يطلبه من إعداد القوة، يُعرض الأمة لخطر الذل والاستعمار وهذا بالضرورة يحتاج إلى نوع من الصناعات لابد أن يتوافر في الأمة، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولقد أنزل الله في كتابه سورة الحديد تنبيهاً منه على أهمية هذا المعدن الخطير قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (الحديد، آية: 25) ففي قوله تع الى: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ إشارة إلى الصناعات الحربية وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ إشارة إلى الصناعات المدنية وبهذا تكتمل في سلمها وحربها. هـ ـ تشغيل الثروة النقدية: بحيث تخرج النقود من قمقم "الكنز" إلى ساحة الحركة والعمل، فإن النقود لم تخلق لتحبس وتكتنز وإنما خلقت لتتداول، وتنتقل من يد إلى يد: ثمناً لبيع أو أجراً لعمل، أو عين ينتفع بها، أو رأس مال لشركة أو مضاربة فهي وسيلة لأغراض شتى وليست غرضاً لذاتها. 1 العينة: أن يبيع السلعة بثمن معلوم لأجل ثم يشتريها منه في الحال بأقل. 2 صحيح الجامع الصغير، ص433.

عدد الصفحات ١٨٠

181 هذه بعض الخطوط العريضة للوصول إلى الاكتفاء الذاتي وتحرير الأمة من العبودية الاقتصادية لغ ها والاقتراب بها حوو تمكين دينها، كما ننبه على أهمية توزيع الزكاة ورعاية أموال الأوقاف ووضعها في محلها الصحيح فيها من الثروات الهائلة فلابد من تحرير الأوقاف، فإنها تصل إلى المليارات في بلدان الشعوب الإسلامية ولم تستثمر كما ينبغي لكي ترتقي الشعوب وتقوى دولها. 8 ـ الإعلام أرشد القرآن الكريم الأمة إلى الأخذ بأسلوب الإعلام في دعوة الخلق ونهج نهجاً متميزاً في إيصال الحقائق إلى الناس، فمثلاً نرى القرآن الكريم جعل الأحداث مدخلاً إلى قلوب الناس وعقولهم، لإرشادهم وتوجيههم لما فيه السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة. فنجده ينزل في كثير من الأحيان إثر حادثة أو سؤال مراعياً في ذلك الوقت المناسب وما نزل منه ابتداء فأسبابه قائمة في الواقع وإن لم يكن لحادثة معينة وقد سأل اليهود الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الظاهرة الغريبة، التي ما عهدوها من قبل في الكتب السماوية السابقة والتي كانت تنزل جملة واحدة.

عدد الصفحات ١٨١

182 عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قالت اليهود: يا أبا القاسم لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى، فنزل قوله تعالى ـ رداً على سؤالهم1: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (الفرقان، آية: 32 ـ33.) إن نزول القرآن الكريم منجماً حسب الأحداث والوقائع كانت له أهداف إعلامية عظيمة لا يمكن تحقيقها في مدة قصيرة من الزمن إلا بهذا الأسلوب المعجز، ومن أهم هذه الأهداف الإعلامية: أ ـ مساعدة الرسول صلى الله عليه وسلم على حل المشاكل الاجتماعية المتجددة، فمن ذلك أن عبد الله بن رواحة تزوج من أمة سوداء، بعد أن أعتقها إثر ضربه لها، وهي أمة مؤمنة فطعن عليه ناس من المسلمين، فقالوا: تزوج أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين ونكحوهم رغبة في أحسابهم2، فنزل قوله تعا﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ولأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (البقرة، آية: 221.) فكان العرف السائد في الجاهلية وحتى ظهور الإسلام أن التفاضل بين الناس بالأنساب والأحساب فقط، وكان هذا الحدث وما حصل فيه من استغراب وقيل وقال، قد أتاح الفرصة لإعلام الناس بمقاييس الإسلام الحقيقي ة في التفاضل بين الناس وهو 1 الإتقان في علوم القرآن للسيوطي1 /42.) 2 تفسير الطبري2 /223.)

عدد الصفحات ١٨٢

183 تقوى الله عز وجل ـ والإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم وهذا المقياس فيه رفع من شأن المؤمن وإعلام بشرفه على الكافر، ولو كان هذا المؤمن عبداً أو أمة، وكما لا يخفى فإن فيه تصغيراً لشأن الكافر وإعلاماً بتفاهته ولو كان أشرف الناس في حسبه ونسبه، ونزول هذه الآيات عقب هذا الحديث هيأ النفوس وأثار انتباهها إعلام لكلا الطرفين بذلك1. ب ـ مساعدة الرسول صلى الله عليه وسلم في الإجابة على الأسئلة الموجهة إليه من قبل المؤمنين أو الكافرين، فعندما بعث المشركون إلى اليهود بالمدينة يسألونهم عن أمره فقالت اليهود: سلوه عن أشياء ثلاث، فإذا لم يجب عليها أو أجاب عنها جميعاً فهو ليس بنبي وإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن الثالث فهو نبي وهذه الأمور الثلاثة هي: ــ فتية فقدوا في الزمن الأول ما كان من أمرهم؟ ــ رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره؟ ــ وعن الروح؟ فسأله القرشيون عن هذه الأشياء، فوعدهم بالإجابة عليها في اليوم التالي ولم يقل: إن شاء الله، قال مجاهد: إن الوحي تأخر عنه اثنتي عشرة ليلة 2، وقيل غير ذلك حتى كثر القيل والقال بين الناس وقال قائل قريش: وعدنا محمد غداً وقد أصبحنا 1 الأسلوب اعلامي في القرآن الكريم، محمد الصلابي، ص: 17. 2 تفسير البغويبهامش الخازن (4 /181.)

عدد الصفحات ١٨٣

184 يخبرنا بشيء، واشتد الحزن على الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك حتى تهيأت نفوس الناس وتوترت أعصابهم والتفت أنظارهم لنتيجة هذا الحدث العظيم الذي يعتبر من أهم الأدلة والبراهين على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه مرسل من عند الله. نزل الوحي من الله يقول بشأن الفتية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ (الكهف، آية: 9.) ونزل فيمن بلغ الشرق والغرب ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾(الكهف، آية: 83) ونزل في الروح ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (الإسراء، آية: 85.) فأجاب عناثنين من الأسئلة ولم يجب عن واحد الأمر الذي جعل القرشيين وغيرهم يوقنون بصدق دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه مرسل وأنه صادق أمين كما عهدوه وهكذا كان القرآن الكريم يجيب على كل سؤال يوحيه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان هذا السؤال من المؤمنين أو الكافرين أو كان لغرض التثبت والتأكد أو للاسترشاد والمعرفة1، ولقد تعددت الأغراض الإعلامية من نزول القرآن منجماً، فبالإضافة إلى ما ذكرنا ثمة أغراض أُخر منها: رفع معنوية الرسول صلى الله عليه وسلم من وقت لآخر بتبشيره بالنصر على الأعداء وحمايته، وفضح أعداء هذا الدين من المشركين والمنافقين وأهل الكتاب، وتنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من وقت لآخر عن أخطائهم، من ذلك ما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم مع 1 الأسلوب اعلامي للقرآن الكريم، ص: 18.

عدد الصفحات ١٨٤

185 أسرى المشركين يوم بدر1، ولقد أرشد القرآن الكريم إلى الدستور الإعلامي في القرآن في قوله تعا ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (سورة العصر). حيث استنبط متخصصو الإعلام من هذه السورة الدستور الإعلامي المكون من: ــ العلم والإيمان. ــ العمل الصالح. ــ تبليغ الرسالة. واستنبطوا قواعد الأسلوب الإعلامي في القرآن من قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (النحل، آية: 125 ـ 127.) فهذه الآيات وضعت قواعداً وأسساً واضحة للأسلوب الإعلامي، القولي منه والعملي التي لابد للمسلمين أن يلتزموا بها عند قيامهم بتبليغ هذه الرسالة إلى الناس، إذا أرادوا تحقيق أهدافهم وغاياتهم2، ومن أهم هذه القواعد 1 المصدر نفسه، ص18 ـ21. 2 الأسلوب اعلامي في القرآن الكريم، ص: 18 ـ21.

عدد الصفحات ١٨٥

186 ــ الحكمة هي حسن اختيار الأسلوب الإعلام ي المناسب للمخاطبين وتنويعه حسب الظروف والزمان والتدرج في إيصال الرسالة الإعلامية حتى لا يشق على المخاطبين استيعابها. ــ الموعظة الحسنة: هي التوجيهات التي يقدمها صاحب الرسالة في الناس عن طريق الأوامر والنواهي المقرونة بالترغيب والترهيب بقصد نصحهم وإرشادهم معتمداً على إيقاظ شعورهم ومحاولة إشارة انفعالاتهم حوو ما يدعو له بعد اطمئنانهم له نفسياً واقترابهم منه1. ــ الجدال بالتي هي أحسن فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق أو كان داعية إلى باطل يجادل باللين واللطف بلا تحامل عليه ولا تقبيح له حتى يطمئن إلى صاحب الرسالة ويشعر أن هدفه هو الوصول إلى الحقيقة لا غير. ــ الجهاد: قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ فلابدّ من الدفاع عن هذه العقيدة وعن حريتها وحرية القائمين على تبليغها: لكي لا تهون في نفوس الناس فالدعوة المهينة لا يعتنقها أحد2. 1 مذكرات في الدعوة الإسلامية، عبد الغفار عزيز، ص: 5. 2 في ظلال القرآن4 /2202.)

عدد الصفحات ١٨٦

187 ــ القدوة الحسنة ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ (النحل، آية: 126) فالعفو عند المقدرة في بعض الأحيان يكون أعمق أثراً وأكثر فائدة من الانتقام، والضرب بيد من حديد على يد الظالم يصبح حتمياً، لأن فيه دفع الضرر وإعلاماً لمن خلفهم ولكل من سولت له نفسه الإضرار بهذه الدعوة وأهلها أن هذا هو المصير الذي ينتظره، والجدير بالذكر أن هاتين القاعدتين أعني "الجهاد والقدوة الحسنة" يمثلان الأسلوب الإ علامي العملي في الإسلام 1، وبعد أن أرشدنا القرآن الكريم إلى القواعد الأساسية للأسلوب الإعلامي الناجح الذي تنتهجه في نشر هذه الدعوة، أشار إشارة واضحة إلى ما سيلاقيه الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون من أساليب إعلامية مضادة شيطانية للقضاء على هذه الرسالة والنيل منها، فحثهم على الصبر في هذا الصراع الإعلامي المرير بين الحق والباطل وأن العاقبة ستكون له وللمؤمنين والخزي والفشل لأعداء هذا الدين، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (النحل، آية: 127 ـ128.) ومن الملاحظ أن القرآن الكريم قد انتهج هذا الدستور مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فأول ما نزل من القرآن الكريم هو إعلام الرسول صلى الله عليه وسلم بحقيقة "قاعدة التصور الإيماني العريض"2. 1 الأسلوب الإعلامي في القرآن الكريم، ص35. 2 المصدر نفسه، ص35.

عدد الصفحات ١٨٧

188 ــ قال تعا ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق، آية: 1 ـ5). فالله هو الذي خلق وهو الذي علمَّ فمنه البدء والنشأة ومنه التعليم والمعرفة، والإنسان يتعلم ما يتعلم ويعلمِّ ما يعلم، فمصدر هذا كله هو الله الذي خلق والذي علمَّ1. وكانت هذه هي البداية مع الرسول صلى الله عليه وسلم فأول ما نزل عليه من القرآن الكريم كان الهدف منه إعلام الرسول صلى الله عليه وسلم بقاعدة التصور الإيماني والإيمان بها، فلما علم هذه القاعدة وآمن بها أمره الله تعالى: بالعبادات الفاضلة والقاهرة عليه صلى الله عليه وسلم2، ومن أهمها قراءة القرآن وصلاة الليل، قال تعا ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل، آية: 1 ـ4.) ولمّا علم الرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة التصور الإيماني وعمل بمقتضاها صار عنده استعداد ذاتي لتصدير هذه الرسالة إلى الناس، فعندها أمره الله تعالى؛ بإعلان هذه الدعوة والصدع بها3. قال تعا ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (المدثر، آية: 1 ـ3.) كما أن القرآن الكريم غني بالأساليب الإعلامية سواء كانت قولية أو عملية، ففي القولية مثلاً: أسلوب الهدم والبناء، والتقابل، والتبشير بغد أفضل ، والجدل، والتهديد، وتشويه الصورة، ومن الأساليب الإعلامية العملية: القدوة الحسنة، والعفو عند 1 في ظلال القرآن6 /3939.) 2 تفسير السعدي7 /508.) 3 اسلوب الإعلامي في القرآن، ص: 36 إلى60.

عدد الصفحات ١٨٨

189 المقدرة والثبات على الحق، ولقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم المنهج القرآني الإعلامي وقام ببعض اعمال العظيمة التي حققت أهدافا إعلامية رفيعة وساهمت في انتشار هذا الدين والتمكين له في قلوب العباد وفي البلاد فمثلاً:  ـ الهجرة اضطهد المكيون الرسول صلى الله عليه وسلم حتى وصل بهم الأمر إلى التفكير في التخلص منه ـ كما مرّ معنا ـ قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال، آية: 30.) فأمره الله تعالى بالهجرة إلى المدينة قال تعا ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (التوبة، آية: 40.) فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق متوجهاً إلى المدينة تنفيذاً لأمر الله تعالى له ويكن خروج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة خوفاً ولا هرباً من المشركين، بل تعليماً للأمة ضرورة أخذ الحيطة في الأزمات وليقف على تحركات قريش ويعلم مقاصدهم ولينكشف ما اعتزموا عليه. وكان هذا العمل من الرسول صلى الله عليه وسلم من أبلغ الأساليب الإعلامية في الإسلام وكانت له آثار إعلامية في داخل مكة وخارجها، فأهل مكة شعروا بأن هؤلاء لم يتركوا أهلهم ووطنهم وأموالهم إلا من أجل قوة إيمانهم بصدق ما هم عليه من حق،

عدد الصفحات ١٨٩

190 كما أن هذه الهجرة أوجدت فراغاً كبيراً في مكة ولفت هذا الفراغ المكيين للتغيرات التي حدثت في مجتمعهم ومن أهمها ظهور هذا الدين. ومن هنا كانت الهجرة أسلوباً إعلامياً فريداً قلّ أن يكون له مثيل في التاريخ1.  ـ بناء المسجد قال تعالى: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة، آية: 108.) سواء كانت هذه الآية نزلت في قباء أو المسجد النبوي الشريف فإن الملاحظ أن أول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم عند قدومه إلى المدينة هو بناء مسجد، ولم يكن الهدف الوحيد من هذا المسجد هو الصلاة بل كان مركزاً إسلامياً عاماً يجتمع فيه المسلمون من جميع القبائل ليتعلموا في أمور2 دينهم وفي بناء المسجد إعلام لجميع المسلمين الموجودين في المدينة وغيرها أن هذا الدين دين الله وأنه يقضي على العصبيات مهما كانت وعلى أي أساس وجدت، وأن م قياس التفاضل فيه إنما هو بتقوى الله عز وجل، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات، آية: 13). فلو أقام المسجد في بيت من بيوت إحدى القبيلتين الموجودتين في المدينة لوجدت القبيل ة 1 فقه النصر والتمكين للصالابي، ص 300. 2 الأسلوب الإعلامي في القرآن الكريم، ص62.

عدد الصفحات ١٩٠

191 الأخرى في نفسها شيئاً من ذلك واعتبرته تفضيلاً لها، فكان هذا العمل من الرسول صلى الله عليه وسلم فيه من الحكمة ما لا يخفى. والحقيقة أنه ما من مكان في الأرض يستطيع تحقيق ما يحققه المسجد من توحيد في الكلمة والجهود والقضاء على العصبيات إذا وجد من يحسن الاستفادة منه من الناحية الإعلامية1.  ـ بيعة الرضوان قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح، آية: 18.) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه وكانوا حوواً من ألف وخمسمائة من المدينة قاصدين بيت الله الحرام للزيارة وكان هذا بعد غزوة الأحزاب بعام، فلما اقتربوا من مكة وجدوا قريشاً تستعد لقتالهم، فبعث إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه يقترح عليهم عقد صلح بين الفريقين، وسرت شائعة بأن عثمان قد قتل2، فلجأ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أسلوب إعلامي يشعر القرشيين بقوة المسلمين وأنهم على استعداد لقتالهم والانتصار عليهم، فجمع أصحابه ودعاهم إلى المبايعة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين وألا يفروا حتى يم وتوا فلما علمت قريش بهذه 1 الأسلوب الإعلامي في القرآن الكريم، ص62. 2 المصدر نفسه، ص161.

عدد الصفحات ١٩١

192 البيعة وأن المسلمعازمون على الدخول في الحرب معهم دخل الرعب في قلوبهم واضطروا إلى المفاوضات السلمية التي كانت الهدف الأساسي للرسول صلى الله عليه وسلم من استخدام هذا الأسلوب وكانت قريش ترفض هذه المفاوضات فعقد معهم "هدنة الحديبية" التي ذكر الله تعالى ـ أنها فتح وامتن بها على رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (الفتح، آية: 1.)  ـ البعثات النبوية قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان، آية: 1.) في هذه الآية الغاية المن أجلها أنزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم وهي إنذار العالمين وتخويفهم من بأسه ونقمته وبيان رضا الله من سخطه وفي هذا دلالة واضحة على أن هذه الرسالة عالمية: وغايتها نقل هذه البشرية كلها من عهد إلى عهد ومن نهج إلى نهج عن طريق هذا الفرقان الذي نزله الله على عبده؛ ليكون للعالمين نذيراً1. وإذا كانت هذه الدعوة عالمية ف بد أن يكون إعلامها كذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون مكلفون بتبليغ هذه الرسالة إلى جميع الناس بشتى الأساليب الإعلامية. 1 في ظلال القرآن5 /2548.)

عدد الصفحات ١٩٢