161 إن للأسواق في الإسلام مكانة عالية ومنزلة سامية وذلك نظراً لأهمِّيتها الماليَّة والاقتصادية في حياة الناس؛ حيث أنها موضع التعامل والمبادلات فيما بينهم، وعن طريقه يحصل كل فرد على أموره المعيشية، وحاجته الضرورية ومستلزماته الخاصة والعامة، ولذلك حظي السوق الإسلامي بالتوجيهات1. ولقد تحدث القرآن الكريم عن آفة اقتصادية واجتماعية خطيرة، أثرت على دين الناس ودنياهم أ وهي نقص الميزان، والمكيال، فقد كان هذا العمل يخالف ويناقض النهج الذي أنزله الله من عنده؛ ليتعامل الناس بمقتضاه، ذلك النهج هو العدل في كل شيء، قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (الشورى، آية: 17.) والميزان: هو العدل2، والموازين والمكاييل آلات لإقامة العدل، ولذا أمر الله بإيفائها، ونهى عن نقضها ــ قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام، آية: 152.) ــ وقال تعا﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (الإسراء، آية: 35.) وتوعد الله المطففين بالويل، فقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُون * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (المطففين، آية: 1 ـ5.) 1 السيرة النبوية للصَّلاَّبي 1 /531.) 2 زاد المسير لابن الجوزي7 /77.)
عدد الصفحات ١٦١162 فتعلم الصحابة رضي الله عنهم من قصة شعيب: أن نقص الميزان والمكيال تعطيل للمنهج الإلهي، ومخالفة للأوامر الربانية، وتعرض لسخط الجبار، وعذابه في الدنيا والآخرة. إن هذا العمل له ضرره على دنيا الناس، لأنه يجلب الشدة بدل الرخاء، وغلاء الأسعار بدل رخصها ويؤدي إلى إضرار بمعايش الناس، ولذلك حاربته الدولة الإسلامية بالمدينة1. إن نقص الميزان والمكيال، كان من الأسباب التي أدّت إلى هلاك قوم شعيب، قال تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (هود، آية: 95.) كانت قصة شعيب مع قومه من ضمن المنهج النبوي في تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ولذلك فهموا: أن الاحوراف عن المنهج الرباني معناه الدمار والهلاك، وأن شمولية هذا الدين تدخل في شؤون حياتهم كافة. إن المنهج الرباني، عالج المشكلة الاقتصادية عن طريق القصص القرآني، لكي يتعظ الناس، ويعتبروا بمن مضى من الأقوام، ولم يترك الجانب التشريعي التعبدي الذي له أثر في البناء التنظيمي التربوي، فقد كان المولى ـ عز وجلَّ ـ يرعى هذه الأمة وينقل خطاها، لكي تكون مؤهَّلة لحمل الأمانة، وتبليغ الرسالة، ولا فرق في وسط هذهِ الدولة بين الأمور الصَّ غيرة، والأمور الكبيرة، لأنها كل ها تعمل لرفع بنائها ووقوفها شامخة أمام الأعاصير التي تحتمل مواجهتها، ومن هذه الشعائر التعبديّة التي فرضت في 1 أسباب هلاك الأمم السابقة، سعيد محمد، ص446.
عدد الصفحات ١٦٢163 السَّنتين الأوليين من اجرة: الزكاة؛ وزكاة الفطر، والصيام، ونلاحظ سنة التدرج في بناء المجتمع المسلم ومراعاته لواقع الناس، والانتقال بهم حوو الأفضل دون اعتساف، أو تعجيل، بل كلُّ شيء في وقته1. أ ـ تشريع فريضة الصَّيام في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة فرض الله تعالى الصيام وجعله ركنا من أركان الإسلام، كما فرضه على الأمم السابقة وفي ذلك تأكيد على أهمية هذه العبادة الجليلة ومكانتها قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة، آية: 183.) وامتدح الله سبحانه شهر الصِّيام، واختصه من بين سائر الشهور لإنزال القرآن العظيم، فقال ـ عز وجل ـ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة، آية: 185.) 1 درسات في عصر النبوة للشجاع، ص166 ـ168.
عدد الصفحات ١٦٣164 وقد وضحت الآية الكريمة الأولى الثَّمرة العظمى التي يحظى بها الصَّائمون المخلصون،ألا وهي بلوغ درجة التقوى " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " فالصيام بالنسبة للأمة المسلمة مدرسة فريدة، ودورة تدريبية على طهارة النفوس لكي تنخلع من آفاتها، وتتحلى بالفضائل، وترتقي في مدارج التقوى، والصَّلاح1. ولأهمّية الصِّيام في تربية المجتمع المسلم، فقد رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم في أيام الصيام، وحثَّ على صيامها، ورغب في الأجر والمثوبة من الله تعالى، وبذلك أصبحت مدرسة الصيام مفتوحة أبوابها طيلة السنة؛ لكي يبادر المسلم إليها كلَّما أحسَّ بقسوة في قلبه، وحاجة لترويض نفسه ورغبة في المزيد من الأجر، والفضل عند الله سبحانه وقد جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه: أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام يوماً في سبيل الله؛ بَ عَّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفاً»2. ب ـ تشريع زكاة الفطر وفي رمضان من العام نفسه شرَّ ع الله ـ سبحانه وتعالى ـ زكاة الفطر وهي على حر أو عبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير من المسلمين. والحكمة من فرضية هذه الزكاة، وإلزام المسلمين بها ظاهرة وجلية، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: فرض 1 السيرة النبوية لأبي شهبة2 /106.) 2 أخرجه البخاري، الحديث رقم2840.
عدد الصفحات ١٦٤165 رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرّفث، وطعمة للمساكين، من أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصَّلاة فهي صدقة من الصدقات. ففي هذا الحديث النص على أن الحكمة مركبة من أمرين1: ـيتعلق بالصَّوم في شهر رمضان، فإن النفوس مجبولة على الخطأ، والتقصير، والوقوع في لغو القول؛ الذي لا فائدة فيه، أو فيه ضرر من الكلام الباطل، وحوو ذلك، ممّا لا يسلم الإنسان منه غالباً، فجاءت هذه في ختام الشهر تطهيراً للصَّائم ممَّا خالط صومه من ذلك. ـإغناء المحتاج في يوم العيد، الذي يعقب الفطر من رمضان، فهذا يوم يسعد فيه المجتمع المسلم كله، فينبغي أن يعمَّ هذا السرور على الجميع، فشرع ت هذه الزكاة؛ لكفِّ هؤلاء عن ذُ لِّ السُّؤال، واستجدا ء الناس، لذلك كانت خاصَّة بالفقراء، والمساكين، لا تعطى لغيرهم، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم:"طعمة للمساكين"؛ ولذلك نرى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعلها شيئاً كثيراً يعجز كثير من الناس عنه، بل جعل الواجب شيئاً قليلاً، 1 منهج الإسلام في تركيبة النفس (1 /268،269.)
عدد الصفحات ١٦٥166 مما يسهل على الناس، ولا يشقُّ عليهم من غالب قوت البلد، حتى يتمكن من أدائها كثير من المسلمين؛ فيحصل الغناء بذلك لهؤلاء المحتاجين، فما أعظم هذا الدين1، ولهذه الزكاة أحكام وتفصيلات تطلب من كتب الفقه2. ج ـ صلاة العيد وفي هذه السنة صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد، فكانت أوّل صلاة صلاَّها، وخرج بالناس إلى المصلَّى يهلّلون الله ويكبرونه ويعظمونه؛ شكراً على ما أفاء عليهم من النعم المتتالية. إن العيد موسم من مواسم الخير، والتعاطف، والتحابب، وكان من دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه إذا صلى العيد، ذكَّر، وأنذر، ورغَّب، ورهَّب، فيتسابق في مضمار البذل والعطاء الرّجال والنساء، والصغار، والكبار3. د ـ تشريع الزكاة: وفي السنة الثانية للهجرة شرَّع الله الزكاة؛ التي هي ركن من أركان الإسلام وكان ذلك بعد شهر رمضان؛ لأن تشريع الزكاة العامة كان بعد زكاة الفطر، وزكاة الفطر كانت بعد فرض صيام رمضان قطعاً ، يدلُّ على هذا ما رواه الأئمة: أحمد، وابن خزيمة، 1 المال في القرآن الكريم، سليمان الحصين، ص334. 2 السيرة النبوية، لأبي شهبة2 /109.) 3 المصدر السابق2 /110.)
عدد الصفحات ١٦٦167 والنسائي، وابن ماجه، والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت الزكاة، فلم يأمرنا، ولم ينهنا وحون فعله1. قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح 2، وجمهور العلماء سلفاً وخلفاً على أن مشروعية الزكاة إنما كانت بالمدينة في السنة الثانية. فالزكاة في العهد المكي كانت مطلقة من القيود والحدود وكانت موكولة إلى إيمان الأفراد، وأريحيتهم وشعورهم بواجب الأخوة حوو إخوانهم من المؤمنين، فقد يكفي في ذلك القليل من المال، وقد تقتضي الحاجة بذل الكثير، أو الأكثر3. فكانت الآيات المكيَّة تهتمُّ بجانب التربية، والتوجيه، وتحث على رعاية الفقراء والمساكين، بأساليب متنوعة، منها: أن طعام المساكين من لوازم الإيمان، ففي سورة المدثر ـ وهي من أوائل ما نزل من القرآن ـ يعرض القرآن الكريم مشهداً من مشاهد الآخرة، مشهد أصحاب اليمين من المؤمنين، في جناتهم يتساءلون عن المجرمين من الكفرة، وقد أطبقت عليهم النيران، فيسألونها عمّا 1 صحيح سنن النسائي للألباني، رقم: 2506. 2 فتح الباري3 /207.) 3 فقه الزكاة، د. يوسف القرضاوي (1 /77.)
عدد الصفحات ١٦٧168 أحلَّ بهم هذا العذاب، فكان من أسبابه وموجباته: إهمال حق المسكين، وتركه لأنياب الجوع والعُري تنهشه، وهم عنه معرضون1. ــقال تعالى:﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (المدثر، آية: 38 ـ46) ولم تقف عناية القرآن المكي عند الدعوة إلى الرحمة بالمسكين والترغيب في إطعامه، ورعايته، والترهيب من إهماله، والقسوة عليه، بل تجاوز ذلك، فجعل في عنق كل مؤمن حقًّا للمساكين، أن يحضَّ غيره على إطعامه، ورعايته، وجعل ترك هذا الحضِّ قرين الكفر بالله العظيم، وموجباً لسُخطه ـ سبحانه ـ وعذابه في الآخرة. ــ قال تعالى في شأن أصحاب "الشمال": ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ (الحاقة، آية: 30 ـ32.) 1 المصدر السابق نفسه1 /70.)
عدد الصفحات ١٦٨169 وهذه الآيات المزلزلة للقلوب، المنذرة بالعذاب، هي التي جعلت مثل أبي الدرداء رضي الله عنه يقول لامرأته: يا أمَّ الدرداء، إن لله سلسلة ولم تزل تغلى بها مراجل النار منذ خلق الله جهنم إلى يوم تُلقى في أعناق الناس، وقد نجّانا الله من نصفها بإيماننا بالله العظيم، فحُضِّي على طعام المسكين يا أمَّ الدَّرداء1. أما القرآن المدني، فقد نزل بعد أن أصبح للمسلمين جماعة لها أرض، وكيان وسلطان، فلهذا اتخذت التكاليف الإسلامية صورة جديدة ملائ مة لهذا الطور: صورة التجديد والتخصيص، بعد الإطلاق والتعميم، صورة قوانين إلزامية، بعد أن كانت وصايا توجيهية فحسب، وأصبحت تعتمد في تنفيذها على القوة والسُّلطان، مع اعتمادها على الضمير والإيمان، وظهر هذا الاتجاه المدني في الزكاة فحدَّد الشارع الأموال التي تجب فيها وشروط وجوبها، والمقادير الواجبة، والجهات التي تُصرف لها، وفيها، والجهاز الذي يقوم على تنظيمها وإدارتها2، وأكَّد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، فريضة الزكاة، وبين مكانتها في دين الله وأنها أحد الأركان الأساسية لهذا الدِّين، ورغب في أدائها، ورهَّب من منعها بأحاديث شتّى وأساليب متنوعة. وأعلن الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه: أن أركان الإسلام خمسة، بدأها بالشهادتين، وثنَّاها بالصلاة، وثلثها بالزكاة، فالزكاة في السُّنة ـ كما في القرآن ـ ثالثة دعائم الإسلام: التي لا يقوم بناؤه إلا بها، ولا يرتكز إلا عليها3، وعندما طبَّق المسلمون هذا 1 فقه الزكاة1 /70.) 2 المصدر نفسه1 /78.) 3 المصدر نفسه1 /89.)
عدد الصفحات ١٦٩170 الرُّكن كما أمر الله تعالى، وكما شرع رسوله صلى الله عليه وسلم، تحققت أهداف عظيمة في المجتمع، وبرزت آثارها في حياة الفرد، والمجتمع1. ـ فمن آثار الزكاة على الفرد ــ الوقاية من الشُحِّ: قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر، آية: 9.) ــ تنمية المال وزيادته قال تعالى:﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ، آية: 39.) وقال تعا ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم، آية: 7.) وقال تعا ﴿يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (البقرة، آية: 276.) 1 السيرة النبوية للصَّلاَّبي 1 /541.)
عدد الصفحات ١٧٠171 وقال صلى الله عليه وسلم«ما من يوم يصبح فيه العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمأعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهم أعط مُ مسكاً تلفاً »1، وهكذا يتم تطهير نفس المسلم آفة الشح، والبخل، ويسارع إلى الإنفاق، موقناً بفضل الله ووعده الذي لا يتخلف بالرِّزق الواسع2. ــ حصول الأمن في الدُّنيا والآخرة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة، آية: 274.) فهمأمن وسعادة، وراحة البال، لأنهم أدّوا ما أمرهم الله تعالى به، وانتهوا عمّا نهاهم الله عنه. ـ ومن آثار الزكاة على المجتمع حصول المحبة بين الأغنياء والفقراء، وشيوع الأمن والطمأنينة في أوسطه، وشعور الأفراد فيما بينهم: أنهم كالجسد الواحد قال صلى الله عليه وسلم : مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسَّ هر والحمَّى1. 1 أخرجه البخاري، الحديث رقم 1442. 2 منهج الإسلام في تزكية النفس1 /249.)
عدد الصفحات ١٧١172 ومن الآثار أيضاً حفظ التوازن الاجتماعي2. عندما كانت الزكاة تجمع من كل من تجب عليه، وتُنفق في سبلها المشروعة في صدر الإسلام، كانالمجتمع الإسلامي يعيش في رخاء ورغد، وتمتع بالطيبات، وتآلف، وتآخٍ، وتحابب، فقد روى الرُّواة: أنه في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أخصب الناس، واغتنوا، حتى إنهم بحثوا عن مستحق للصَّدقة، فلم يجدوا، فما كان منهم إلا أن اشتروا بها عبيداً، وأعتقوهم لوجه الله، وهكذا بلغ الإسلام في عصوره الأولى، بمستوى حياة المسلمين ومعيشتهم حدّاً لم تبلغه إلا أمم قليلة اليوم، وذلك بفضل تشريع الزكاة3. التنمية الاقتصادية الدولة المدنية الإسلامية: تهتم الدولة بالإعداد المالي والقوة الاقتصادية وتجعلها في خدمة مواطينها، وقيمها ومبادئها، وتعمل على تطوير ميدان الصناعة، والزراعة، والعقار، والاستيراد والتصدير والتجارة ...الخ وتحرص على تنمية الاقتصاد الإسلامي الذي سيكون له آثار على المجتمعات البشرية والتي من أهمها: 1أخرجه مسلم، الحديث رقم2586. 2 المال في القرآن الكريم، ص: 240. 3 السيرة النبوية لأبي شهبة2 /115.)
عدد الصفحات ١٧٢173 أ ـإنقاذ البشرية، من مساوئ الأنظمة الوضعية حتى أن علماء الغرب يقولون بذلك. يقول جاك أوستري: إن طريق الإنماء ليس محصوراً في المذهبين المعروفين، بل هناك مذهب اقتصادي ثالث راجح هو المذهب الإسلامي1. وبذلك يتحرر المسلمون من التبعية الاقتصادية ويبرز للعالم هذاالنظام ومن هنا تأتي أهمية طرح النظام الاقتصادي في الإسلام وبيان الأحكام الشرعية لمعالجة جميع مشاكل الحياة. ب ـ استغلال الموارد البشرية والمادية استغلالاً اقتصادياً يؤدي إلى الرفاهية للمواطنين مما يساعدهم على قيام الصناعات الثقيلة والانتعاش التجاري ووسائل القوة المادية والمعنوية التي تحقق للدولة وشعبها القوة والمتعة كل ذلك وفق برامج تنمية متكاملة ولا تبقى الدولة مجرد سوق مالي وسلعي للشرق أو الغرب. ج ـ وجود الاقتصاد الإسلامي في الدولة المدنية الإسلامية يؤدي إلى الوحدة السياسية بين شعوب الإسلام، حيث إن الاقتصاد يراعي أحكام الشريعة كما أن وحدة الاقتصاد تؤد ي إلى وحدة السياسة، وهذا ما تسعى إليه دول غير إسلامية مثل دول السوق الأوروبية المشتركة. 1 الإسلام والتنمية الاقتصادية، جاك أوستري، ص: 1000، ترجمة نبيل الطويل.
عدد الصفحات ١٧٣174 د ـتحقيق القوة الاقتصادية والسياسية يؤدي إلى قوة الدولة المدنية الإسلامية والقيام برسالتها في الحياة وتساهم في ارتقاء شعبها وأمتها وجعلها خير أمة، وأقوى قوة فكرية وحضارية ومادية في العالم. هـ ـ إذا بنى الفكر ـ وبخاصة الفكر الاقتصادي الإسلامي على أساس سليم من العقيدة والأسس الصحيحة، فإن الطريق إلى الاكتشافات والمخترعات الحديثة سيكون مفتوحاً ، وستوظف المفاهيم إلى واقع حي عملي في معترك الحياة، وبذلك نستعلي بقوة الحق، وسلامة الفكر على الأفكار الدخيلة على الأمة الإسلامية. إن العقيدة الإسلامية ما جاءت إلا لهداية البشر إلى ما فيه السعادة في الدارين1، والتي من ضمنها الجانب المادي الاقتصادي ولقد اهتم الإسلام بالموارد المالية وبيَّ ن طرق الكسب المشروع، كالبيوع والميراث والوصايا والهبات وغيرها، وأوضح طرق الكسب غير المشروع، كالربا والغرر والغش والاحتكار وغيرها وكانت موارد الدولة الإسلامية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده من الزكاة والغنائم والفيء، والخراج والتجارة . إن الد ولة المدنية الإسلامية التي تسعى تقوية جوانبها الاقتصادية والمالية وتوظيفها في دعوة الله تعالى قد أخذت بسبب مهم من أسباب القوة والصمود ألا وهو: ـ الاكتفاء الذاتي 1 النظام الاقتصادي في الإسلام لمحمود الخطيب، ص75.
عدد الصفحات ١٧٤175 إن الدولة المدنية الإسلامية تعمل على الاكتفاء الذاتي لمواطنيها بمعنى أنها يجب أن يكون لديها من الخبرات والوسائل والأدوات ما يجعلها قادرة على إنتاج ما يفي بحاجتها المادية والمعنوية وسد ثغراتها المدنية والعسكرية، عن طريق ما يسميه، الفقهاء: فروض الكفاية، وهي تشمل كل علم أو عمل أو صناعة أو مهارة يقوم بها أمر الناس في دينهم أو دنياهم، فالواجب عليهم حينئذ تعلمها وتعليمها وإتقانها حتى لا يكون المسلمون عالة على غيرهم، ولا يتحكم فيهم سواهم من الأمم الأخرى، وبغير هذا الاستغناء والاكتفاء، لن يتحقق لهم العزة التي كتب الله لهم في كتابه: ﴿وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون، آية: 8.) وبغيره كي يتحقق لهم الاستقلال والسيادة الحقيقية وهو ما ذكره القرآن ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء، آية: 141.) ولن يتحقق لهم مكان الأستاذية والشهادة على الأمم وهو المذكور في قوله سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة، آية: 143.) فلا عزة لشعب يكون سلاحه من صنع غيره، يبيعها منه ما يشاء، متى شاء، بالشروط التي يشاء، ويكف يده عنها متى شاء وكيف شاء.
عدد الصفحات ١٧٥176 ولا سيادة حقيقية لشعبيعتمد على خبراء أجانب عنه، في أخص أموره، وأدق شؤونه وأخطر أسراره ولا استقلال لشعب لا يملك زراعة قوته في أرضه، ولا يجد الدواء لمرضاه، ولا يقدر على النهوض بصناعة ثقيلة، إلا باستيراد الآلة والخبرة من غيره. الأهداف الاقتصادية في الدولة المدنية الإسلامية: من أهداف الدولة الدولة الحديثة المسلمة أن تسلك بشعبها طريق الاكتفاء، والتحرر من التبعية وتتمسك وتعمل على الوصول للأمور التي تعين على الاكتفاء والدولة الحديثة، تأسس اقتصادها بحيث يكون قادراً على الاستفادة والتعاون مع الاقتصاد العالمي ويكون اقتصادها متنوع وتنافس ي وكفيل بأن يل بي احتياجات المواطنين الآن ية والمستقبلية وتأمين فرص أفضل للجميع ومستوى عيش مرتفع. ــ والدولة يقتصر دورها على الأمور التالية: المراقبة والتحفيز والتنظيم وتكفل حماية الكسب المشروع والقضاء على الفساد والغش والتلاعب والاحتكار. ــ بناء اقتصاد معرفي يقوم على البحث، والتطوير والابتكار والتميز في ريادة الأعمال وتعليم رفيع المستوى هادف لتنمية الاقتصاد وتطوير المجتمع وبنية تحتية مادية ومعلوماتية متطورة.
عدد الصفحات ١٧٦