145 وهذا هو ما فعله يوسف عليه السلام على ضوء علم الإدارة الحديث وإن كان القرآن الكريم حصر كلام يوسف عليه السلام في جمل جامعة وجيزة ولم يشر إلى تنمية الإنسان لكنها متضمنة قطعاً ضمن الخطة، لأن القرآن علّمنا أن الإنسان إنما هو نفسيته ومضمونه ومحتواه وأن تغيير الخارج بدون تغيير الداخل لا يغير نقيراً. لقد وضع يوسف عليه السلام العنصر الب شري في خطته، بعلمه أنه لا تنجح خطة ليس وراءها الإنسان الذي ينفذها، وأما منهجه في التعامل مع الإنسان فقد ظهر في دعوته للسجينين للتوحيد، وبذلك يكون منهجه في الارتقاء بالإنسان الذي هو عدة الحضارة ومحرك النهضة ومنفذ البرامج ومنجز المشاريع دعوته للتوحيد وتعليمه حقيقة الإيمان بالله وهذا الكون وهذه الحياة. إن فائدة التغيير الخارجي تزول إذا لم يكن هناك إنسان أمين على منجزات التغيير الخارجي ويحمل القيم الداخلية التي تضمن استمرارية التغيير الخارجي، صحته، وصدقه وأمانته. إن التغيير يجب أن يمارسه الإنسان في المحتوى النفسي فيطور وينمي ذاته باتجاه الأفضل ثم يجسده محتواه النفسي تغييراً خارجياً، ويحوله إلى ممارسة وتطبيق وتحقيق؛ لأن أحوال الناس وأوضاعها الاجتماعية من الفساد أو الخير لا تغيير إلا إذا تغير محتوى الإنسان وما هو عليه من الحق أو الباطل؛ هذا هو منطق القرآن والحياة لكي ترسي نظاماً لابد أن تهيئ له إنساناً أولا. إذا طورنا النظام ومفاهيمه دون الإنسان ومفاهيمه فسرعان ما يتسرب الفساد من الإنسان إلى النظام، فيقوضه أكثر مما يتسرب الإصلاح من النظام إلى الإنسان فيصلحه؛ لأن الأنانية وحب الذات والجشع أقوى من نصوص القوانين والأنظمة ما لم تهذبها
عدد الصفحات ١٤٥146 التربية الداخلية العميقة والأخلاق الكريمة المبنية على معرفة الله وحبه والخوف منه1. إن الآيات القرآنية الكريمة أشارت إلى جوانب أخرى ارتبط بها نجاح الخطة ارتباطاً مباشراً، وأهمها جانبان يجمعهما عنصر واحد هو العنصر البشري وعلاقته بنجاح الخطة. ـاستعداد يوسف عليه السلام على أن يشرف على تنفيذ هذه الخطة، وكان هذا الاستعداد بعد أن بدد ظلال الشك وأوهام التهم عن نفسه، وبذلك حدث التكامل القوي بين الخطة والمخططين بين حساب الأرقام وحساب الأخلاق بين الأسس المادية والقيم الروحية في المجتمع، بين الدين والحياة2. ـالجانب الثاني: يتجلى في اختيار المعاونين الذي ن ساعدوه في عمله، فكان من رجال يوسف عليه السلام العون الصادق على تنفيذ أوامره بدقة وهدوء3. كما أشارت الآيات القرآنية إلى المعلومات اليقينية التي بنى عليها يوسف عليه السلام خطته قال تعالى:﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾(يوسف، آية: 48.) إن من معالم الخطة السياسية والاقتصادية الناجحة أن تكون مبينة على معلومات يقينية صادقة حقيقية لا على الخيال الشعري المجنح الذي لا يرتبط بالواقع، ومن هنا صارح يوسف عليه السلام الشعب بالشدائد التي تنتظره، لكنها ليست المصارحة التي 1 سورة يوسف دراسة تحليلية، ص418. 2 المصدر نفسه، ص240. 3 فقه التمكين، ص: 281.
عدد الصفحات ١٤٦147 تثبط أو تقعد عن العمل، ولكنها التي تدفع للعمل وتزيد الهمة وتضاعف من الجهد والطاقة إن السبع التي تلي الرخاء ستكون مجدية لا تعطي بل تأخذ وتأكل فهي تقتضي حرصاً واحتياطاً 1. وفي قوله تعا﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾(يوسف، آية: 48) لا زرع فيهن، يأكلن ما قدمتم لهن وكأن هذه السنوات هي التي تأكل بذاتها، كل ما يقدم لها لشدة نهمها وجوعها ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾(يوسف، آية: 48) أي إقليلاً مما يحفظونه وتصونونه من التهامها، ثم تنقضي هذه السنوات الشداد العجاف المجدية، التي تأتي على ما خزنتم وادخرتم من سنوات الخصب، تنقضي ويعقبها عام رخاء يغاث الناس فيه بالزرع والماء وتنمو كرومهم فيعصرونها خمراً وسمسم وخسهم فيعصرونه زيتاً، وهنا نلحظ أن هذا العام الرخاء لا يقابله رمز في رؤيا الملك، فهو إذن من العلم اللدني الذي علمه الله يوسف عليه السلام، فبشر به الساقي ليبشر الملك والناس بالخلاص من الجدب والجوع بعام رخي رغيد2. ونلاحظ في الآيات القرآنية الكريمة التي تكلمت عن خطة يوسف عليه السلام عنصر الأملوالتفاؤل وهذا الأمر مهم في الخطة الناجحة. ــ قال تعالى:﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾(يوسف، آية: 49.) 1 سورة يوسف - دراسة تحليلة، ص: 427. 2 في ظلال القرآن4 /1994.)
عدد الصفحات ١٤٧148 إن بعد الشدة التي أشار إليها يوسف انفراجاً ورخاء وستعود الأمور بإذن الله تعالى إلى سيرتها الأولى، ولكن بداية العودة تكون عاماً مباركاً غير معهود العطاء وفرة وكثرة وكأن الخير فيه سيفيض بغير جهد، فهو غانم ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ أي: يسقون الغيث، أو يغاثون ينجدون من الغوث، وكل ذلك متلازم "وَفِيهِ يَعْصِرُونَ "، إشارة أخرى إلى فيض الخير، فلا يلجأ الناس إلى العصر للثمار إلا بعد أن تفيض عن حاجة الاستهلاك الأساسية وهي الأكل، ولابد من الأمل والتفاؤل في أي خطة، وإلا فإن كان لا أمل فما الداعي إلى العمل ولقد حرّك يوسف عليه السلام دوافع العمل عندهم بتحذيرهم من شدة سنوات القحط ثم حركها ثانية يفتح نافذة الأمل1، إن يوسف عليه السلام كان مظلوماً مضطهداً في سجن الملك وهو يملك من المعلومات والخطط مما يجعله في محل قوة عند المفاوضة إلا إنه لم يشترط لنفسه شيئاً، بل جادت نفسه الزكية بالتفضل بالخير والعطاء والنصح والإرشاد بدون أي مقابل من الخلق، وهذه الأخلاق الكريمة والصفات الجميلة يكرم الله بها من يريد أن يجعله قدوة لدينه ومعلماً لدعوته، كما نلاحظ أن يوسف عليه السلام كان مستوعباً لفقه الخلاف حيث أن الملك وشعبه بعيدون عن منهج الله، منغمسون في مناهج الجاهلية، ومع هذا التقى معهم في الخير المحض والسعي حوو إنقاذ البلاد والعباد من محنة المجاعة والقحط، وهذه السعة في الفهم والاستيعاب العميق يحتاجها من يتصدى لدعوة الناس، ودفعهم حوو تمكين دين الله في الأرض. 1 سورة يوسف - دراسة تحليلة، ص: 428.
عدد الصفحات ١٤٨149 لقد كان من ثمار تدبير يوسف عليه السلام وتخطيطه أن حفظ الشعب من الهلاك والجوع وخرج من الشدائد وعاد إلى الرخاء وفي هذا القصص القرآني إشارات إلى واقع تخطيطي لكي ندرك أن الإسلام لا يقوم على التخمين أو التواكل، ولكنه يهتم بأدق الأساليب وأعمقها في جوانب الاقتصاد أو السياسة أو غيرها وكان لهذا القصص أثره البالغ في بناء الدولة الإسلامية على أسس التخطيط والإدارة واستشراف المستقبل. ب ـ من سيرة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: إن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مَعْلم بارز في جم يع جوانب الحياة ونلحظ من سيرته العطرة جانب التخطيط وإحكام الإدارة ودقة التنظيم في كل مراحل دعواته: فإذا نظرنا ـ مثلاً ـ إلى الهجرة النبوية نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع لها خطة احتوت على هذه العناصر: تحديد الهدف، تنظيم الوسائل، رسم أسلوب التنفيذ، محاولة التنبؤ بالمستقبل، ولذلك نلاحظ الآتي: ـ تحديد الهدف
عدد الصفحات ١٤٩150 لقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم هدفه في الهجرة وهو مغادرته هو وأصحابه مكة إلى المدينة آمنين، ثم نشر دعوة الإسلام في بيئة جديدة وإقامة دولة تقوم برسالتها في الحياة. إن تخطيط الرسول صلى الله عليه وسلم للهجرة النبوية المباركة دليل واضح على أن التخطيط ضروري لمزاولة أي نشاط بشري مهما يكن نوعه، يستوي في ذلك أن يكون القائم به فرداً أو جماعة وأن يستهدف شأنا من شؤون المسلم أو شؤون الحرب وقد اتضحت رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في التخطيط في بناء المسجد، ودستور المدينة، وحركة السرايا، وغزواته الميمونة واتصالاته بالقبائل والدول والزعماء والملوك ولقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم التخطيط في كل مراحل دعوته السرية والعلنية وقيام الدولة إيماناً منه بأن التخطيط أساس من الأسس في إنجاح أي عمل من الأعمال، ولابد منه للبلوغ إلى المقصود وأنه ركيزة أساسية يقوم عليها هذا الدين ولذلك فإن الإسلام قد دعانا إلى الأخذ به، وجعله نظاماً لحياة المسلمين لأنه ضرورة لابد منها1، وهذا ينسجم مع الفهم الصحيح لمعنى التوكل على الله والإيمان بالقدر. 1 الهجرة في القرآن الكريم، ص360.
عدد الصفحات ١٥٠151 إن الدولة المدنية الإسلامية، تتصدى لتحقيق أشرف وأعظم إنجاز في دنيانا وهو التمكين لدين الله في الأرض ورفع الظلم وإقامة العدل، والانتصار للمبادئ الإنسانية، كالمساو اة والحرية والكرامة الإنسانية، وحقوق الإنسان ......الخ. لقد قامت في المدينة دولة توفرت لها كل مقومات الدولة وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو مؤسس هذه الدولة والحاكم فيها وهو الذي يرجع إليه في كل الشؤون، ولما اتسعت أمور الدولة، عيَّ ن رسول الله صلى الله عليه وسلم العمال الأكفاء، وكان يختار العمال أساس الكفاءة والصلاح والأمانة، ويبين للمسلمين خطورة الولاية وأنها أمانة وأن من لم يؤدِّ الواجب فيها ويأخذها بحقها كانت له يوم القيامة خزياً وندامةً وكان يحاسب العمال، كما حاسب ابن اللتبية وأنكر عليه قوله: «هذا لكم وهذا أهدي»1 وبين أن هدايا العمال غلول. وكان يجري الرواتب على العمال، كما أجرى لعتاب بن أسيد أمير مكة درهماً كل يوم وبيَّن أن من حق العامل أن يتخذ بيتاً إن لم يكن له بيت، وزوجة إن لم تكن له زوجة ودابة إن لم تكن له دابة، فقال: «من ولى لنا ولاية ولم يكن له بيت فليتخذ بيتاً أو لم تكن له زوجة فليتخذ زوجة أو لم تكن له دابة فليتخذ دابة»2. 1 أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، الحديث رقم6636. 2 معالم السنن للخطابي4 /201) رواه أحمد وأبو داوود.
عدد الصفحات ١٥١152 وكان يوصي العمال كما أوصى أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل بالتيسير والتبشير، فقال: يسروا ولا تعسروا وبشروا و تنفروا1. وكان صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه كثيراً، حتى قال أبو هريرة: ما رأيت أحداً قط أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان له عرفاء كما ثبت ذلك في صحيح البخاري. وكان زيد بن ثابت يترجم للنبي صلى الله عليه وسلم، قال زيد بن ثابت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم له كتاب يهود قال: «إني والله ما آمن يهود على كتاب»، قال: فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال: فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم2، وكان هناك شعراء ينافحون عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الدعوة منهم حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك وكان هناك خطباء منهم ثابت بن قيس، وكان هناك قادة للجيوش وكان المسجد مركز الحياة السياسية والاجتماعية وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستخلف على المدينة إذا غاب عنها لغزوة أو غيرها، وكان صلى الله عليه وسلم يعرف أصحابه معرفة دقيقة ويعرف ما يتميز به، الواحد منهم من المزايا، فكان يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وأقرأ في ذلك حديث أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرحم أمتي بأمتي أبو 1 أخرجهالبخارى ومسلم، الرقابة الإدارية، محمد الأمين، ص: 80. 2 الرقابة الإدارية، محمد الأمين الموريتاني، ص: 80.
عدد الصفحات ١٥٢153 بكر وأشدهم في دين الله عمر، وأشدهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبيّ بن كعب، ولكل قوم أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»1. وكان صلى الله عليه وسلم يعيّن الأكفاء مهما تأخر إسلامهم كما عيَّن خالد بن الوليد بعد إسلامه، ولم يكن يعين من لا قدرة له على إدارة الأمور مهما كانت سابقته وفضله ولذلك قال لأبي ذر: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم»2، وكان لا يولي من سأل الإمارة ولا من حرص عليها، ونصح عبد الرحمن بن سمرة، قال له: «لا تسأل الإمارة»3، وقام النبي صلى الله عليه وسلم بعملية إحصاء، فعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس »، فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل، فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف4. قال ابن حجر: وفي الحديث مشروعية كتابة دو اوين الجيش وقد يتعين ذلك عند الا حتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة ممن لا يصلح5. 1 سنن الترمذي، الحديث رقم: 3793،3794. 2 رواه مسلم، الرقابة الإدارية، ص: 82. 3 الرقابة الإدارية، ص82 رواه مسلم 4 البخاري، الرقابة الإدارية، ص82. 5 الرقابة الإدارية، ص83.
عدد الصفحات ١٥٣154 وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعي ن الوالي فيقوم بكل المهمات القضائية والتنفيذية، ولم يكن هناك خوف من تسلط الوالي واستغلاله لسلطاته، وكان الولاة يؤمُّ ون الناس في الصلوات ويجبون الزكاة، فيأخذونها من الأغنياء ويوزعونها على الفقراء وكانت الموار د المالية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تقتصر على الزكاة والغنائم، والفيء والجزية، وكانت تصرف في المصارف التي حددها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيت مال، بل كان يقسم الفيء من يومه. وقد بلغ كتَّاب الوحي تسعة وعشرين كاتباً 1. ومن التوجيهات الإدارية المستنبطة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ــ أن التكليف بقدر الطاقة، والأحاديث في ذلك معروفة مثل حديث الصحيحين: «وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم »، وحديث: «خذوا من العمل ما تُ طيقون»، رواه البخاري، وقول الله تعا ﴿لاَ يُ كَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة، آية: 286.) ــأن يكون الخطاب على قدر الفهم كما قال عبد الله بن مسعود: ما أنت بمحدث قوماً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. ــ اختيار الظرف المناسب للتوجيه. 1 السيرة النبوية الصحيحة، د. أكرم العمري (2 /598.)
عدد الصفحات ١٥٤155 ــتقديم الأهم على المهم. ــ التيسير والتبشير فقد قال صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا وبشِّ روا ولا تنفروا»1، وقالت عائشة رضي الله عنها ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً 2. ــالتقويم الذاتي فالمرء مسؤول عن رقابة نفسه وتقويم تصرفاته «فالكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع هواها وتمنى على الله الأماني»3. وقد دلَّت السنة النبوية على أن هناك خصالاً يعتبر توفرها أساساً لصلاحية المرشح للولاية: ـتوفر الكفاءة الإدارية. ـالالتزام بحدود الشرع واجتناب ما يخالف الدين. ـالتوفر على عمله والانقطاع له بما في ذلك منع الاحتجاب. ـالتمتع بالثقة والرضا من المرؤوسين والرعية، قال صلى الله عليه وسلم: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم و بونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم»1. 1 البخاري، ك العلم، الرقابة الإدارية، ص84. 2 البخاري، الرقابة الإدارية، ص84. 3 الحاكم في المستدرك1 /125) صحيح على شرط البخاري
عدد الصفحات ١٥٥156 ـالتحلي بنقاء الذمة وطهارة اليد، والتنزه عن استغلال المنصب في الابتز از، سواء بالرشوة أو باستغلال النفوذ للكسب والإثراء. أما التقدم في السن فليس شرطاً ، فقد عيَّ ن صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وكان في حدود العشرين، وعيَّ ن عتاب بن أسيد أميراً على مكة، وكان في حدود العشرين، وعيَّ ن علياً رضي الله عنه قاضيا في اليمن وكان دون الثلاثين، وعيَّ ن عثمان بن أبي العاص على الطائف بعد إسلام ثقيف وكان أحدثهم سناً، لأنه كان حريصاً على التفقه في الدين2. 7 ـ الاقتصاد: أدّت هجرة المسلمين إلى المدينة، إلى زيادة الأعباء الاقتصادية الملقاة على عاتق الدولة الناشئة، وشرع القائد الأعلى صلى الله عليه وسلم يحل هذه الأزمة بطرق عديدة، وأساليب متنوعة، فكان نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وبناء الصُّفة التابعة للمسجد النبوي لاستيعاب أكبر عدد ممكن من فقراء المهاجرين، واهتمَّ بدراسة الأوضاع الاقتصادية في المدينة، فرأى: أن القوة الاقتصادية بيد اليهود، وأنهم يملكون السوق التجارية في المدينة وأموالها ويتحكمون في الأسعار والسِّلع ويحتكرونها، ويستغلون 1 الرقابةالإدارية، ص: 84. 2 المصدر نفسه، ص85.
عدد الصفحات ١٥٦157 حاجة الناس، فكان لابدَّ من بناء سوق للمسلمين؛ لينافسوا اليهود على مصادر الثروة والاقتصاد في المدينة، وتظهر فيها آداب الإسلام وأخلاقه الرفيعة في عالم التجارة، فحدَّد صلى الله عليه وسلم مكاناً للسوق في غرب المسجد النبوي، وخطه برجله وقال: «هذا سوقكم، فلا ينتقضنَّ، ولا يضربَّن عليه خراج»1. وقد قامت السُّوق في عهده صلى الله عليه وسلم رحبة واسعة وقد حظي السوق باهتمام الن بيَّ صلى الله عليه وسلم، ورعايته، فتعهده بالإ شراف، والمراقبة، ووضع له ضوابط، وسنَّ له آداباً ، وطهّره من كثير من بيوع الجاهلية؛ المشتملة على الغبن، والغرر 2، والغشِّ والخداع كما عُني صلى الله بحرِّيته، وإتاحة ال فرص المتكافئة فيها للبيع والشراء، بين الجميع عل ى السَّواء3. وقد أرسى صلى الله عليه وسلم آداباً كثيرة، وحرمات عديدة لسوق المدينة؛ لكي تُصان ولا تنتهك وتحفظ فلا تخدش، ولا يستهان بها، ولكي يصبح قدوة لأسواق الأمّة على مر الدهور وكرّ العصور، وتوالي الأزمان، فمن سيرته يمكننا أن نستنبط جملة من الآداب التي كان يأمر بها أو ينهى عنها أثناء دخوله إلى السوق وإشرافه عليه، ومتابعة سير المعاملات فيه، فقد كان صلى الله 1 سنن ابن ماجه، الحديث رقم: 2233. 2 أي: بيع ما يجهله المتبايعان 3 أحكام السوق في الإسلام، أحمد درويش، ص: 35،36.
عدد الصفحات ١٥٧158 عليه وسلم لا يرى منكراً إلا غيره، وأزاله، ولا معروفاً إلا أقرّه، ورغ ب في المواظبة عليه والالتزام به، مستمداً كل ذلك من توجيهات وتعليمات ربه سبحانه وتعالى، قال تعالى:﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم، آية: 3 ـ4.) ومن هذه الآداب ــ يُسَنُّ في حق الداخل إلى السوق أن يذكر الله ـ تعالى ـ ابتداءً ويحمده، ويثني عليه، وذلك لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «من دخل السوق، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير؛ كتب الله له ألف حسنة، ومحا عنه ألف سيئة، ورفع له ألف درجة وبنى له بيتاً في الجنة»1. ــيكره لمن يدخل السوق أن يرفع صوته بالخصام واللَّجاج فقد ورد في صفته صلى الله عليه وسلم: أنه؛ ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخّاب2 في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو، ويغفر3، فالصَّخب مذموم بذاته، فكيف إذا كان في الأسواق ال هي مجمع الناس من كلِّ جنس؟ ــ ينبغي المحافظة على نظافة الأسواق، والابتعاد عن تلويثها بالأقذار، والأوساخ؛ لكي لا يُؤذى المسلمون في حركة سيرهم، ولا بالرّوائح الكريهة، وقد حثَّ صلى الله عليه وسلم على النظافة، ونهى عن عدمها، وخاصة في طرقات الناس، وأسواقهم، 1 سنن الترمذي، الحديث رقم: 3428. 2 السَّخب: ويقال: الصَّخب: رفع الصاوت بالخصام 3 أخرجه البخاري، الحديث رقم 2125.
عدد الصفحات ١٥٨159 وذلك لما فيها من الضَّرر قال صلى ا عليه وسلم: «اتقوا اللعَّان»، قالوا: وما اللَّعَّانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلى طريق الناس، أو في ظلهم»1. ــالاحتزاز في حمله السَّلاح لمن دخل السُّوق، ومعه سلاح، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «إذا مرّ أحدكم مسجدنا، أو في سوقنا ومعه نبل 2، فليمسك على نِصالها »3، أو قال «فليقبض بكفِّه أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء»4، ويقاس عليه الأسلحة، مع ما فيها من خطر محقق عند أدنى ملامسة لها5. ــالأمر بالوفاء بالعقود، والعهود، وسائر الالتزامات والتحذير من نق ضها، أو الغدر فيها، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل، آية: 91.) ــالسهولة واليسر والمسامحة في البيع والشراء، وحووهما من صنوف التجارة، قال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى»6. ــالصدق والبيان وعدم الكتمان من أهم الآداب التي يجب أن تسري بين الناس في معاملاتهم؛ فقد أثنى صلى الله عليه وسلم على التاجر الصادق في معاملته، الأمين في أخذه وعطائه، وبيَّن: أنه يحشر يوم القيامة مع النبيين، والصِّديقين، والشهداء، 1أخرجه مسلم، الحديث رقم269. 2 النَّبل: السهام العربية، ولا واحد لها من لفظها 3 النصل: حديدة السهم والرمح والسيف ما ليس له مقبض 4 أخرجه البخاري، الحديث رقم 7075. 5 السيرة النبوية للصَّلاَّبي 1 /535.) 6 أخرجه البخاري،الحديث رقم: 2076.
عدد الصفحات ١٥٩160 وحسن أولئِك رفيقا، قال صلى ا عليه وسلم: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين، والصديقين، والشهداء»1، وفي لفظ«يوم القيامة»2. ــوجوب الابتعاد عن الأيمان الكاذبة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للربح»3، وقال صلى ا عليه وسلم: «إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه يُنفق ثم يمحق»4. فالحالف يروِّج سلعته وينفقها، لكن هذا الرّواج وذلك الإنفاق موضع لنقصان البركة ومظنة له في المال، بأن يسلط الله عليه وجوهاً يتلف فيها، إما سرقاً أو حرقاً، أو غرقاً، أو غصباً، أو نهباً، أو عوارض ينفق فيها من أمراض وغيرها. هذه بعض الآداب والتوجيهات النبوية، تتعلَّق بآداب التعامل في السُّوق الإسلامي، ممّا كان لها الأثر في تعمير أسواق المسلمين، وضعف أسواق اليهود؛ وبذلك استطاع المسلمون أن يسيطروا على الاقتصاد في المدينة، ويتحكَّموا فيه، وهكذا قهروا اليهود في أدق اختصاصاتهم5. ولقد تطوَّرت تلكالتعاليم والآداب مع توسُّع الدولة، ونزول التشريعات، وأصبح للتجارة علم وفقه ومبادئ، ولذلك قال عمر رضي الله عنه: لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه في الدين6. 1 سنن الترمذي، الحديث رقم: 1209. 2 سنن ابن ماجه، الحديث رقم: 2139. 3 أخرجه البخاري، الحديث رقم 2087. 4أخرجه مسلم، الحديث رقم 1607. 5 في ظلال السيرة النبوية لأبي فارس، ص70. 6 أحكام السوق في الإسلام، ص53.
عدد الصفحات ١٦٠