16 الفصل الثاني مفهوم الجهاد وحكمه وغايته وأهدافه، وبيان صاحب الحق في إعلانه المبحث الأول مفهوم الجهاد وحكمه أولا ـ تعريف الجهاد لغة: الجهاد لغة: مصدر فعل جاهد. ومعناه المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة، أو محاربة العدو . يقال جاهَدَ العدوَّ مجُاهَدة وجِهاداً، أي : قاتله، وجاهَد في سبيل الله، أي قاتل.1 فمن معاني الجهاد في اللغة القتال، والقتال مصدر قاتل (على وزن ) فاعل، وهو فعل ثلاثي مزيد فيه بحرف واحد مجرده : قتل. يقال قاتله قتالا ومقاتلة إذا حاربه، وقاتله الله إذا لعنه أو عاداه أو قتله .2 ثانيا ـ تعريف الجهاد اصطلاحا: وللجهاد في الاصطلاح الشرعي معنيان: عام وخاص . أما المعنى العام، فهو بذل الجهد لنصرة الدين بأي وسيلة كان ذلك . تدل على ذلك الاستعمالات القرآنية والحديثية الآتية : من القرآن: قال تعالى : ﴿فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ 3 .قال ابن عباس رضي الله عنهما : ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ يعني: بالقرآن 4 .فالجهاد الكبير هنا ليس هو القتال، إنَّا هو البيان القرآني . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : «فكان النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ في أول الأمر مأمورا أن يَاهد الكفار بلسانه لا بيده فيدعوهم ويعظهم ويَادلهم بالتي هي أحسن ويَاهدهم بالقرآن جهادا كبيرا »5 ،وقال تعالى: ﴿يَا أَيـُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾6. 1 ـ محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، لسان العرب، مادة (جهد)، دار صادر – بيروت، ط: 1. 2 ـ نفس المصدر، مادة (قتل) 3 ـ سورة الفرقان، الآية 17. 4 أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، ـتفسير القرآن العظيم، (تحقيق: سامي بن محمد سلامة)، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط : 7،1175هـ- 1999م، ج: 1، ص: 111. 5 ـ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، (تحقيق: علي بن حسن بن ناصر الألمعي وغيره)، دار الفضيلة، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط : 1،1171هـ/ 7551م، ج: 1، ص: 111. 6 ـ سورة التوبة، الآية 13، وسورة التحريم، الآية 9.
عدد الصفحات ١٧17 إن الجهاد في هذه الآية أعم من القتال؛ لأن الله أمر فيها رسوله الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمجاهدة الكفار والمنافقين، ولا نشك في أنه قد جاهد كلا الصنفين بالفعل . ومعلوم أنه لَ يقاتل المنافقين، فلم يكن جهاده لهم قتالا. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنـَهْدِيـَنـَّهُمْ سُبـُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ 1. قَالَ السُّدهيُّ وَغَيـْرُهُ : إِنَّ هَذِهِ الآْ يَةَ نـَزَلَتْ قـَبْلَ فـَرْضِ الْقِتَالِ . وقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : فَهِيَ قـَبْلَ الجِْهَادِ الْعُرْفيِه، وَإِنَََّّا هُوَ جِهَادٌ عَامٌّ فيِ دِينِ اللَّهِ وَطَلَبِ مَرْضَاتِهِ . قَالَ الحَْسَنُ بْنُ أَبيِ الحَْسَنِ : الآْيَةُ فيِ الْعُبَّادِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّ اسٍ وَإِبـْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ : هِيَ فيِ الَّذِينَ يـَعْمَلُونَ بمَِا يـَعْلَمُون 2. من السنة: عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال : جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : يا رسول الله أجاهد قال : «ألك أبوان» .قال: نعم. قال: «ففيهما فجاهد»3. وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم » 4. وبين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنواع الجهاد ومراتبه بمفهومه العام فقال : «مَا مِنْ نَبٍِِّ بـَعَثَهُ اللَّهُ فِِ أُمَّةٍ قـَبْلِى إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِ يُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيـَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثَُُّ إِنـَّهَا تخَْلُفُ مِنْ بـَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يـَقُولُونَ مَا لاَ يـَفْعَلُونَ وَيـَفْعَلُونَ مَا لاَ يـُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فـَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُ مْ بِلِسَانِهِ فـَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فـَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ »5. فقد سمى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلا من فعل القلب واليد والفم جهادا . وهذا يدل على أن الجهاد بمعناه العام يشمل كل طاعة يعملها المس لم ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى على ما تقدم . والمعنى الاصطلاحي الخاص للجهاد هو: القتال في سبيل الله6. 1 ـ سورة العنكبوت، الآية 19. 2 ـ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي )، ج: 13، ص: 311 (تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش )، دار الكتب المصرية – القاهرة، ط : 1،1351هـ- 1911م،. 3 البخاري ك :الآداب ب : لايَاهد إلابقذن الأبوين 1/3 /رقم 1917مسلم ك :البروالصلة والآداب ب :برالوالدين وانهماأحق به 5/3/رقم 1111 4 ـ أبوداود ك: الجهاد ب: كراهية ترك الغزو 7/315/رقم 7151 5 ـ أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم، ك : الإيمان ب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان 1/15/رقم 151 6 ـ ينظر: الدكتور عبد المحسن بن محمد بن عبد المحسن المنيف، الجهاد وأحكامه، ومن يدعو إليه، ص : 11، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط : 1،1111
عدد الصفحات ١٨18 فمن أنواع القتال التي يمارسها الناس ما هو في سبيل الله ومنها ما ليس في سبيله . وفيصل التفرقة بينهما في قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا فـَهُوَ فِِ سَبِيلِ اللَّهِ »1. لكن السؤال الجدير بالإجابة هنا هو: هل الجهاد في سبيل الله خاص بقتال الكفار أم يدخل فيه قتال المسلمين إذا كان مشروعا؟ وللإجابة عن ذلك نستعرض تعريفات المذاهب الفقهية للجهاد : عند الحنفية: جاء في (الدر المختار) تعريفه بأنه : «الدعاء إلى الدين الحق وقتال من لَ يقبله»2 .وعرفه ابن الكمال بأنه «بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة، أو معاونة بمال أو رأي، أو تكث سواد، أو غير ذلك»3. عند المالكية: عرفه ابن عرفة قائلا : «الجِْهَادُ قِتَالُ مُ سْلِمٍ كَافِرًا غَيـْرَ ذِي عَهْدٍ لإِِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أَوْ حُضُورُهُ لَهُ أَوْ دُخُولُ أَرْضِهِ لَه »4 عند الشافعية: جاء في إعانة الطالبين: «باب الجهاد أي باب في بيان أحكام الجهاد أي القتال سبيل الله»5 .عرفه ابن حجر شرعا بأنه : «بذل الجهد في قتال الكفار»6. عند الحنابلة: جاء في (كشاف القناع ) تعريفه شرعا بأنه : «قتال الكفار خاصة بخلاف المسلمين من البغاة وقطاع الطريق وغيرهم فبينه وبين القتال عموم مطلق»7. 1 ـ متفق عليه: البخاري محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعف ي، الجامع الصحيح المختصر (صحيح البخاري ): 1/75، كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، رقم الحديث (7515 .)مسلم في صحيحه: 1/11، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، رقم الحديث (1575)،(تحقيق : د. مصطفى ديب البغا)، دار ابن كثير ، اليمامة – بيروت، ط:3،1151 هـ- 1951م. 2 ـ محمد أمين الشهير بابن عابدين، حاشية على الدر المختار شرح تنوير الأبصار في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، (ويليه تكملة ابن عابدين لنجل المؤلف)، ج: 1/791، طبعة جديدة منقحة مصححة،(إشراف مكتب البحوث والدراسات )، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، . 3 ـ نفس المصدر، 1 /791. 4 ـ شرح حدود ابن عرفة ك :الجهاد 1/751 (مصدر الكتاب: موقع الإسلام) 5 ـ أبو بكر المشهور بالسيد البكري ابن السيد محمد شطا الدمياطي حاشية إعانة الطالبين، 1/751 ط: 1،1115 هـ/ 1991م،. 6 ـ أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت: 517هـ)، فتح الباري، 1/3 (تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ومحب الدين الخطيب، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه وذكر أطرافها : محمد فؤاد عبد الباقي)، دار الفكر ( مصور عن الطبعة السلفية ). 7 ـ منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، 3/37 (تحقيق هلال مصيلحي مصطفى هلال)، دار الفكر، 1157 هـ، بيروت.
عدد الصفحات ١٩19 يلاحظ من تعريف الحنفية الأول، وتعريف المالكية وتعريف الحنابلة أن الجهاد خاص بقتال الكفار . وأما تعر يف الشافعية الأول فهو محتمل، ولكن تعريف ابن حجر أزال اللبس وأفاد أنه قتال الكفار . وقد فضل بعض الباحثين المعاصرين تعريف المالكية 1 لدقته ولكونه يرتكز على بيان ماهية الجهاد واشتماله على كثير من شروط الجهاد المعتبرة 2 .وقد تبنته الموسوعة الفقهية الكويتية بعد إضافة ما يلزم إضافته إليه فعرّفت الجهاد بأنه: «قتال مسلم كافرا غير ذي عهد بعد دعوته للإسلام وإبائه، إعلاء لكلمة ا »3. وهذا أقرب تعريفات الجهاد التي وقفنا عليها، لوضوحه، واختصاره، واشتماله على عدد من القيود الصحيحة للجهاد الشرعي، كاشتراط الإسلام، وكون الكا فر غير ذي عهد، وكونه بلغته الدعوة وأبى، وكون الجهاد خالصاً لوجه الله. ويتبين من هذا أن الجهاد في الاصطلاح الفقهي لا يتناول إلا قتال الكفار ولا يدخل في مسماه قتال المسلمين حتى عندما يكون مشروعا. ثالثا ـ حكم الجهاد: الجهاد بمعناه الواسع فرض عين على كل مسلم، كل بحسب استطاعته. وهو بمفهومه الضيق الذي رأيناه (القتال في سبيل الله) فرض كفاية . وقد تحدث عن ذلك الإمام ابن رشد في بداية المجتهد فقال : «فأما حكم هذه الوظيفة فأجمع العلماء على أنها فرض على الكفاية لا فرض عين، إلا عبد الله بن الحسن، فقنه قال إنها تطوع، وإنَّا صار الجمهور لكونه فرضا؛ لقوله تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ 4 الآية. وأما كونه فرضا على الكفاية، أعني : إذا قام به البعض سقط عن البعض؛ فلقوله تعالى : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيـَنْفِرُوا كَافَّة﴾5 الآية، وقوله: ﴿وَكُلاا وَعَ دَ اللَّهُ الحُْسْنىَ﴾ 6، ولَ يَرج قط رسول ا - صلى الله عليه وسلم - للغزو، للغزو، إلا وترك بعض الناس، فقذا اجتمعت هذه اقتضى ذلك كون هذه الوظيفة فرضا على الكفاية .»7. ولكنه يكون فرض عين في ثلاث حالات: 1 ـ مثل الدكتور عبد المحسن بن محمد عبد المحسن المنيف في كتابه (الجهاد أحكامه ومن يدعو إليه) مرجع سابق . 2 ـ ينظر: نفس المرجع، ص : 11. 3 ـ وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الموسوعة الفقهية الكويتية، – الكويت، ط: 7،11/171 4 ـ سورة البقرة، الآية 711 5 ـ سورة التوبة، الآية 177 6 ـ سورة النساء، الآية 91. 7 ـ ابن رشد، بداية المجتهد، 1/351 (تنقيح وتصحيح خالد العطار، إشراف مكتب البحوث والد راسات )، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1111 ه ـ1991 م، بيروت ـ لبنان.
عدد الصفحات ٢٠21 (1) إذا التقى الزحفان، فليس لمن حضر أن يفر أو يتخلى عن القتال . قال ابن قدامة: «إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفان؛ حرم على من حضر الانصراف، وتعين عليه المُقام»1 .وذلك لقوله تعا: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثـْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تـُفْلَحُونَ﴾ 2،وقوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تـُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ، وَمَن يـُوَلِّهِمْ يـَوْمَئِذٍ دُبـُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فـَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ا لْمَصِيرُ﴾3. وقال رسول ا - صلى الله عليه وسلم -: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» .قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ «الشهرْكُ بِاللَّهِ وَالسهحْرُ وَقـَتْلُ النـَّفْسِ الَّتىِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَْقه وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَ أَكْلُ الرهبَا وَالتـَّوَلىه يـَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ »4. (7) «إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم »5. (3) «إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير معه »6؛ لقوله تعا: ﴿يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقـَلْتُمْ إِلَى الأَْرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنـْيَا مِنَ الْْخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنـْيَا فِي الْْخِرَةِ إِلاَّ قَلِيل . إِلاَّ تـَنْفِرُوا يـُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَ بْدِلْ قـَوْمًا غَيـْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ﴾7 .وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونِيَّة، وإذا استُنفِرْتُُ فانْفِروا »8 .فكل ذلك يدل على أن من عينه الإمام وأمره بالخروج للجهاد تعين عليه ذلك . 1 ـ ابن قدامة المقدسي (111 ـ175 هـ)، المغني، 7/7717،(اعتنى به وخرج أحاديثه رائد بن صبري بن أبي علفة )، بيت الأفكار الدولية، 7551. 2 ـ سورة الأنفال، الآية 11 3 ـ سورة الأنفال، الآيتان 11 ـ11 4 ـ متفق عليه: البخاري، مصدر 1/15، كتاب الوصايا، باب قول الله تعا : ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنَّا يأكلون في بطونهم نارا )) رقم الحديث 7111 .ومسلم: 1/11، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، رقم الحديث (717.) 5 ـ ابن قدامة، مصدر سابق، 7/7717. 6 ـ نفس المصدر والجزء والصفحة . 7 سورة التوبة، الآيتان 35 ـ39. 8 ـ متفق عليه: البخاري، 1/11، كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير، رقم الحديث (7153 .)ومسلم، 1/75، كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام رقم ا ديث (1935.)
عدد الصفحات ٢١21 المبحث الثاني أهداف الجهاد وغايته يتبين لنا من تعريف الجهاد، في الاصطلاح الفقهي، بأنه القتال في سبيل الله، ومن بيان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما هو في سبيل الله بأنه ما كان لتكون كلمة الله هي العليا أن غا ية الجهاد هي إعلاء كلمة الله تعالى. وذلك تعبير جامع لا يشذ عنه شيء من أهداف الجهاد السامية. ولكننا إذا أردنا شيئا من التفصيل، يمكن أن نجمل أهداف الجهاد فيما يأتي : 1 ـ القضاء على الفتنة: بحيث يكون لكل من أراد الإسلام أن يدخل فيه بحرية ولا تمنعه من ذلك أي قوة. قال تعالى : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتـْنَة وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انـْتـَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِ مِينَ﴾1، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتـْنَة وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انـْتـَهَ وْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يـَعْمَلُونَ بَصِير ﴾2 . وقد فسرت الفتنة بالكفر 3 وبتعذيب المؤمنين وإكراههم على الكفر . سئل ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن سبب تركه للجهاد مع أن الله يقول : (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) فقال: «فعلنا على عهد رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَ يْهِ وَسَلَّمَ ـ وكان الإسلام قليلاً، فكان الرجل يفتن في دينه: إما قتلوه، وإما يعذبونه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة»4. 2 ـ نصرة المظلومين: قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تـُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَا لْوِلْدَانِ الَّذِينَ يـَقُولُونَ رَبـَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَ نَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾5. 3 ـ ردّ العدوان وحفظ الإسلام: قال الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاص فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتـَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ . 1 ـ سورة البقرة، الآية 193 2 ـ سورة الأنفال، الآية 39. 3 ـ وهو الذي اختاره ابن كثير . ينظر: تفسيره عند قوله تعالى ﴿حتى لا تكون فتنة﴾ في سورة البقرة . 4 ـ أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين، موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور، 1 /351دار اآثر للنشر والتوزيع والطباعة- المدينة النبوية، ط:1،1175 هـ- 1999 م. 5 ـ سورة النساء، الآية 11.
عدد الصفحات ٢٢22 4 ـ ردع العدو : قال تعالى : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قـُوَّ ةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تـُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تـَعْلَمُونـَهُمُ اللَّهُ يـَعْلَمُهُم ﴾1 المبحث الثالث بيان صاحب الحق في إعلان الجهاد قال ابن قدامة في المغني: «وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك.»2 قال الحطاب: «قال في التوضيح ابن المواز : ولا يَوز خروج جيش إلا بقذن الإمام »3 ونهى الشيخ أحمد زروق في وصاياه لإخوانه عن التوجه للجهاد بغير إذن جماعة المسلمين وإمامهم، وقال : «فَقِنَّهُ سُلَّمُ الْفِتـْنَةِ وَقـَلَّمَا اشْتـَ غَلَ بِهِ أَحَدٌ فَأَنجَْحَ »4. نقل ابن عابدين في حاشيته تعريف الإمامة بأنها : «رِيَاسَةٌ عَامَّةٌ فيِ الدهينِ وَالدُّنـْيَا خِلاَفَةً عَنْ النَّبيِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم»5 .والقتال من شؤون الدنيا والدين المهمة فيجب أن يكون المرجع فيه إلى الإما م عند وجوده . وجوده . أما عند عدم وجود إمام شرعي، فالصحيح في نظرنا أن يشتغل المسلمون بقصلاح أمرهم وجمع كلمتهم بحيث يكون لهم إمام شرعي على المد القريب أو البعيد، بدلا من أن تجتهد كل شرذمة منهم على حدة وتشن القتال على الكفار بل وعلى المسلمين باسم الجهاد. وقد تبين لكل من تأمل في واقع ما يَري من قتال بناء على اجتهاد فردي أو طائفي أنه لا يَر للمسلمين إلا الويلات إذ يتسبب في اختلال الأمن، وقتل الأبرياء، وتضييق الأعداء على المسلمين واحتلال دولهم وغير ذلك مما هو مشاهد . وسيأتي مزيد من البيان والتفصيل لهذا في الفصل الرابع م ن هذا البحث عند الحديث على سلطة ولي الأمر في إعلان الجهاد، بحول الله. 1 ـ سورة الأنفال، الآية 15. 2 ـ ابن قدامة، مصدر سابق/7/7711. 3 ـ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي ، المعروف بالح طاب الرُّعيني (المتوفِ : 911هـ) ، (المحقق : زكريا عميرات ) الناشر : دار عالَ الكتب الطبعة : طبعة خاصة 1173هـ- 7553ك: الجهاد 1/111 4 ـ نفس المصدر، 5 ـ حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار فقه أبو حنيفةابن عابدين .الناشر دار الفكر للطباعة والنشر.سنة النشر 1171هـ- 7555م1/115
عدد الصفحات ٢٣23
عدد الصفحات ٢٤24 الفصل الثالث أسباب جنوح بعض التنظيمات الإسلامية إلى القتال ضد حكام المسلمين وغيرهم من المواطنين والمقيمين في الدول الإسلامية باسم الجهاد إن علاج مشكلة القتال غير المشروع الذي يمارس با سم الجهاد يتطلب معرفة أسبابها . وبعد مراجعة ما تيسرت لنا قراءته في الموضوع وتأمل الواقع، تبين لنا أن جنوح بعض التنظيمات الإسلامية إلى القتال ضد حكام المسلمين وغيرهم من المواطنين والمقيمين في الدول الإسلامية له أسباب عامة كما أن لكل نوع من أنواع هذا القتال أسبابا خاصة به. ومن أهم الأسباب العامة ما يأتي: 1 ـ الانحراف الفكري والقصور في العلم الشرعي والخلل في منه التلقي؛ حيث يتتلمذ الشباب على طائفة من الغلاة ليس لهم أقدام راسخة في العلم، أو يتعلمون بأنفسهم فلا يقتدون ولا يهتدون بما عليه العلماء الراسخون المعاصرون، بل يطعنون فيهم، ويلمزونهم لينفروا الناس من الأخذ عنهم. ولعل هذا هو السبب الرئيس لهذه الظاهرة؛ لأن الإنسان يتميز بأنه مقود في تصرفاته الاختيارية بعقيدته وفكره . 7 ـ الجهل بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والأخذ بظواهر النصوص دون فقه، ولا مع رفة لقواعد الاستدلال، ولا الجمع بين الأدلة عند التعارض . 3 ـ الغلو في التكفير والجهل بأحكامه. 1 ـ سوء تربية الشباب وتقصير الآباء وأولياء الأمور في ذلك، أو التربية الخاطئة .1 تلك بعض الأسباب العامة قدمناها بين يدي الحديث عن أسباب الجنوح إلى كل نوع من أنواع القتال على حدة في المباحث الآتية: المبحث الأول أسباب جنوح بعض التنظيمات الإسلامية إلى القتال ضد حكام المسلمين ومن المهم جدا محاولة التعرف على الأسباب التي تدفع بهذه التنظيمات إلى قتال حكام المسلمين باسم الجهاد، ولا شك أن أسباب ذلك كثيرة ومتنوعة، فلكل تنظيم سببه، ولكل فئة من الجانحين أسبابها، تعددت الأسباب والقتال واحد. 1 ـ أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني فتنة التفجيرات والاغتيالات، ص: 151.الطبعة الأو1171هـ وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد 1171هـ
عدد الصفحات ٢٥25 ومن أسباب جنوح بعض التنظيمات الإسلامية إلى القتال ضد حكام المسلمين ما يأ : (1) تكفير الحكام الذين لا يُكمون بما أنزل الله دون التفريق بينهم، مع أن التحقيق يقضي بعدم تكفيرهم والتعامل بحكمة من أجل تغيير المنكرات السائدة في المجتمع . (7) التمسك ببعض الفتاو التي يفهمون منها إباحة قتال الحكام، كفتو شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى - في قتال كل فئة تمتنع عن أداء شريعة ظاهرة متواترة من شرائع الإسلام ، ونص الفتو ((فَكُلُّ طَائِفَةٍ ممُْتَنِعَةٍ مِنْ الْتِزَامِ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الإِْسْلاَمِ الظَّاهِرَةِ الْمُتـَوَاتِرَةِ يََِبُ جِهَادُهَا حَتىَّ يَكُونَ الدهينُ كُلُّهُ لِلَّهِ بِاتـهفَاقِ الْعُلَمَاءِ . 1 (3) وجود حكومات مفروضة على الأمة قسرا، وحكومات تقر المنكر وتحل ما حرم ا .2 (1) عدم فقه مقاصد الشريعة وعدم النظر إلى مآلات الأمور . فلا شك أن تحكيم الشريعة أمر واجب لا يشك مسلم في وجوبه ووجوب سعي المسلمين لإيَاد ظروف ملائمة لذلك . ولكن اللجوء إلى قتال الحكام لأجله يتولد منه ضرر أكبر. فكان على الجماعات الإسلامية الغيورة على الإسلام أن تفهم أن خوض القتال ضد الحكام ليس في مصلحة الإسلام الذي يريدون رفع رايته . (1) الجهل بالسنن الكونية في التمكين في الأرض وأن ذلك لا يكون إلا بالصبر والتحمل لأذ الكفار، فكيف لا نصبر على أذ المسلمينّ؟! (1) عدم لزوم منه السلف الصالح أمام فتنة الحكم بغير ما أنزل الله، وفي تغيير المنكرا ت الظاهرة . فلو أن هذه التنظيمات اتبعت منهجهم لما خرجت على الحكام . (1) الموقف السلبي من الصحوة الإسلامية وسوء المعاملة والقمع العشوائي لمن له صلة بالدعوة إلى الله سواء أكان بعيدا عن هذا الفكر أم لا. فيولد ذلك القمع الغلو فيمن كان معتدلا ويزيد الغالي غلوا ولا يف تح له باب معرفة الحق .3 (5) غياب العدالة الاجتماعية في كثير من الدول الإسلامية وعدم حصول الأفراد على حقوقهم الاجتماعية التي تكفل لهم الحياة الكريمة. 1 ـ تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفِ : 175هـ) مجموع الفتاو :75/355 ( المحقق : أنور الباز - عامر الجزار )الناشر : دار الوفاءالطبعة : الثالثة ، 1171 هـ/ 7551 م 2 ـ القرضاوي فقه الجهاد، ص: 1 ـ1. 3 ـ ينظر: الشيخ أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني، مرجع سابق ص :151
عدد الصفحات ٢٦26 (9) استخدام بعض السلطات في بلدانهم للعنف والقوة في التعامل مع التنظيمات ومحاربتها وملاحقتها الداخل والخارج . (15) إلغاء الشريعة الإسلامية واستبدالها بالقوانين الوضعية . وفي نظر هذه التنظيمات يعد هذا السبب كافيا لقتال الحكام والخروج عليهم، فهم كافرون وظالمون وفاسقون بنص القرآن . (11) عدم استقلال حكام المسلمين في حكم البلاد الإسلامية وتبعيتهم للغرب تبعية كاملة وتنفيذ ما يمليهم حكام الغرب عليهم وموالاتهم لهم في محاربة الإسلام وأهله ((ومن يتولهم منكم فهو منهم)). (17) الرغبة في إحياء «الفريضة الغائبة »( :فريضة الجهاد في سبيل ا ) التي عطلت والتي أخبر الصادق المصدوق أن المسلمين إذا تركوها وعطلوها سلط الله عليهم الذل والهوان حتى يرجعوا إلى دي نهم. (13) الرغبة في نيل الشهادة والأجر الجزيل فيها، والآيات القرآنية في ذلك كثيرة، وكذلك الأحاديث النبوية التي وردت في فضل الجهاد، وهي أكثر من أن تحصى 1. المبحث الثاني وقفة مع حكام المسلمين المعاصرين يلاحظ من أسباب جنوح بعض التنظيمات الإسلامية إلى قتال حكام المس لمين باسم الجهاد، أن الأمر يستدعي وقفة وتأملا لأوضاع حكام المسلمين الحاليين الذين تنظر إليهم هذه الجماعات أنهم قد ارتكبوا كفرا بواحا عندهم فيه من الله برهان عندما عطلوا بعض أحكام الشرع عمدا، مثل إقامة الحدود وتحريم الربا، وأحلوا ما حرم الله جهارا، مثل إباح ة الخمر، ومثل نشر الخلاعة في أجهزة الإعلام المختلفة، بل إن بعضهم يُارب المرأة المحتشمة ويعتبر لباسها الخمار جريمة، في حين يطلق العنان للكاسيات العاريات أو العاريات غير الكاسيات، ومنهم من يعتبر الدعوة إلى تحكيم الشريعة جريمة مخالفة للدستور، ويسوق دعاتها إلى المعتقلات أو المحاكم العسكرية إلى غير ذلك مما يعلمه الخاص والعام . والتأمل يستدعي التفريق بين الحكام المعاصرين وتقسيمهم إلى أنواع، والتعامل مع كل نوع بالحكم الذي يناسبه، ولعل من أفضل ما قيل في ذلك كلام الشيخ القرضاوي، الذي قسم الحكام المعاصرين إلى نوعين : النوع الأول هو الذي يعترف بالإسلام دينا للدولة، وبالشريعة مصدرا للقوانين ولكنه فرط في تطبيق الشريعة في بعض الجوانب . فهذا أشبه بالمسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويلتزم بأحكام الإسلام عامة، ولكنه يرتكب بعض الكبائر من فعل محظور أو ترك مأمور. 1 ـ انظر على سبيل المثال لا الحصر ما جاء في سورة البقرة الآية 711، وسورة التوبة الآيات : 31،11،111، وسورة النساء الآيتان 91 و91، وسورة الصف الآيات 15 ـ13، والنووي في رياض الصالحين من ص 355 إ153
عدد الصفحات ٢٧27 فالخوارج ومن وافقهم يكفرونه، وأهل السنة وجمهور المسلمين يعتبرونه عاصيا غير خارج من الملة ما يستحل ذلك، أو ينكر معلوما من الدين بالضرورة . وجل الحكام من هذا النوع . والنوع الثاني : هو العلماني المتطرف، الذي يَاهر بالعداوة لشريعة الإسلام ويسخر منها ويعتبرها مناقضة للحضارة والتقدم، فهو يرفض الشريعة رفضا، فهو أشبه بقبليس الذي رفض أمر الله بالسجود لآدم، ووصفه القرآنه بأنه : ﴿أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ 1 .وقليل من الحكام هم الذين يمثلون هذا النوع الذي يباهي بعداوته لشريعة الله ويستحل ما حرم الله، ويُرم ما أحل الله، ويسقط ما فرضه الله، ويتبع غير سبيل المؤمنين، بل يتبع سبيل المجرمين، ويعمل جاهدا في تجفيف ينابيع التدين في أنفس جماهير المسلمين وفي حياتهم، ويَاهر بذلك ويتبجح. وهؤلاء هم الذين يَب مقاومتهم والخروج عليهم، ولكن هذا كله مقيد بحدود القدرة والإمكان ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها . وكثيرا ما يؤدي استعمال القوة في غير موضعها إلى كوارث كبيرة، ربما عاقت العودة إلى الشريعة زمنا قد يقصر أو يطول .2 المبحث الثالث أسباب جنوحها إلى القتال ضد عامة المسلمين إن العمليات القتالية التي تشنها بعض التنظيمات الإسلامية لا تقتصر في بعض الأحيان على الحكام، بل توجه ضد عامة المسلمين . ومن أسباب ذلك: (1) التوسع في التكف: بعض هذه الجماعات ينظر إلى المجتمع كله على أنه يأخذ حكم الأنظمة التي لا تحكم بما أنزل الله؛ لأنه والاها ورضي بها وسكت عنها، ولَ يُكم بكفرها . وهذا التكفير للمجتمع مبني على قاعدة يزعمونها وهي أن من لَ يكفر الكافر فهو كافر ! وبهذا توسعوا في التكفير غلوا وكفروا الناس بالجملة.3 (7) غياب فقه تغيير المنكرات العامة؛ فلو فقهوا أن المنكر لا يَوز تغييره بما يتولد منه منكر أكبر لما أقدموا على ما يقومون به من عمليات تتسبب في التضييق على الدعاة المخلصين وأهل الخير وتفريق المسلمين وتدمير مرافقهم بدون أن يتحقق الهدف الذي يسعى إليه المقاتلون من وراء كل ذلك . 1 ـ سورة البقرة، الآية 31 2 ـ الشيخ القرضاوي، مرجع سابق، ص : 1 ـ5 (إسلام أو لاين) 3 ـ نفس المرجع، ص : 1 ـ1.
عدد الصفحات ٢٨28 (3) خلط مرحلة الدعوة بمرحلة الدولة : لا شك أن لكل دولة سلطة إكراه لإلزام الأفراد بالخضوع للنظم 1 . والمسلم الداعي إلى إقامة الدولة الإسلامي ة يَب أن يدرك أنه في هذه المرحلة مجرد داعية ليست له القوة الإلزامية التي للدولة . والخلط بين الأمرين سبب من أسباب ممارسة العنف ضد المسلمين عامة . (1) الجهل بالإسلام ومبادئه الأساسية والجهل بأحكام الجهاد بصورة خاصة، وهذا السبب يشع لد كث من الشباب المتحمسين للإسلام من الذين لَ يتلقوا تعليما شرعيا جيدا حوله . (1) التفسير الخاطئ للنصوص الشرعية المتعلقة بالتكفير والجهاد وعلاقة الراعي بالرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوسائل المستخدمة فيها. (1) الاستخفاف بعلماء العصر واتهامهم بأنهم علماء السلاطين، وعدم العودة إلى ال علماء الربانيين المتخصصين في علوم الشريعة في قضايا اجتهادية لا يمكن للإنسان غير المتعمق في دراسة الشريعة من إصدار حكم شرعي فيها . هذه بعض أهم أسباب جنوح بعض التنظيمات الإسلامية إلى القتال ضد عامة المسلمين الذين ليسوا على فهمهم في رأينا . المبحث الرابع أسباب جنوحها إلى القتال ضد غير المسلمين من المواطنين والمقيمين في الدول الإسلامية وغيرها أما أسباب جنوح هذه التنظيمات إلى القتال ضد غير المسلمين من المواطنين والمقيمين في الدول الإسلامية وغيرها فترجع - في رأينا - إلى ما يلي: (1) عدم اعتبار العهد والأمان الذي يعطيهم أولياء الأمور إياه (7) اعتبار بعض الأفعال الصادرة من المواطنين غير المسلمين والأجانب المستأمنين نقضا للعهد واستباحة دمائهم بناء على ذلك، فيرون أن الأقليات غير المسلمة ناقضة للعهد بعدم أدائهم للجزية، وبتأييدهم لأولئك الحكام المرتدين، وأنظمتهم الوضعية، ولرفضهم الشريعة الإسلامية . (3) تَدَخُّلُ الغربيين عسكريا في بعض الدول المسلمة مثل أفغانستان، والعراق وما... (1) استحلال دماء المستأمنين من السياح وغيرهم، وهم يرون أن السياح وأمثالهم الذين يدخلون بلاد الإسلام بتأشيرات رسمية، وترخيصات قانونية، والذين يعدهم الفقهاء مستأم نين ولو كانت دولهم محاربة 1 ـ أبو زيد المقرئ الإدريسي، الغلو في الدين، المظاهر والأسباب، ص : 13 ـ11، منشورات الزمن، 7513.
عدد الصفحات ٢٩29 للمسلمين، يرون دماء هؤلاء مباحة؛ لأنهم لَ يأخذوا الإذن من دولة شرعية، ولأن بلادهم نفسها محاربة للإسلام، فلا عهد بينهم وبين المسلمين، والواجب أن يقاتلوا ويقتلوا . هذا هو فقه جماعات العنف الذي على أساسه ارتكبوا ما ارتكبوا من مجازر تش يب لهولها الولدان، وتقشعر من بشاعتها الأبدان، ضد مواطنيهم من مسلمين وغير مسلمين، وضد السياح وغيرهم من الأجانب المسالمين المستأمنين1 وغيرهم من المقيمين في الدول الإسلامية . وهو بلا ريب فقه أعوج، وفهم أعرج، فقه من لَ يرد الله به خيرا، يعتوره الخلل والخطل من ك ل جانب، ويُتاج من فقهاء الأمة إلى وقفة متأنية، لمناقشتهم في أفكارهم هذه، والرد عليهم فيما أخطؤوا فيه، في ضوء الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وإجماع الأمة – كما تقدم -. ولعل وعسى أن يعود هؤلاء إلى رشدهم ويقلعوا عن غيهم، وما ذلك على الله بعزيز . 1 ـ القرضاوي، المرجع السابق، ص : 1.
عدد الصفحات ٣٠31 الفصل الرابع حكم العمليات القتالية التي تشن باسم الجهاد ضد المسلمين وغيرهم من المواطنين والمقيمين في الدول الإسلامية وغيرها المبحث الأول حكم القتل بغير حق، وحكم العمليات القتالية التي تشن باسم الجهاد ضد المسلمين، وذكر نماذج واقعية لعمليات القتالية الانتحارية المروعة في عدد من دول العالم الإسلامي: وسأتناول هذا المبحث من خلال النقاط التالية: أولا ـ حكم القتل بغير حق: قد أجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق. ودليل ذلك من الكتاب والسنة والإجماع . قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تـَقْتـُلُوا النـَّفْسَ الَّتيِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَْقه﴾1 .وقال الن- صلى الله عليه وسلم -: «لا يُل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بقحد ثلاث : الثيب الزاني، والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة »2 .والأحاديث بمعناه كثيرة 3. فمن قتل مسلما عدوانا فقد توعده الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يـَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتـَعَمهدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ 4 .وحكمه عند جميع أهل السنة، خلافا للخوارج ومن وافقهم5، أنه في الدنيا فاسق لارتكابه كبيرة من كبائر الذ نوب وأمره في الآخرة إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لاَ يـَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيـَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 6 .فهو داخل تحت المشيئة لأن ذنبه دون الشرك . هذا إذا لَ يتب. أما إذا تاب فتوبته مقبولة، فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنـْفُسِهِمْ لاَ تـَقْنَطُوا مِنْ رَحمَْةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يـَغْفِرُ الذُّنُوبَ جمَِيعًا إِنَّ هُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ 7. 1 ـ سورة الأنعام، الآية 111 2 ـ البخاري ك : الديات ب : قول الله تعالى أن النفس بالنفس والعين بالعين 9/1/رقم 1515مسلم ك:القسامة ب: مايباح به دم مسلم 1/151رقم 1115 3 ـ منها: حديث " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتىَّ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَ هَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ محَُ مَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيـُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَقِذَا فـَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنيه دِمَاءَهُمْ وَأَمْ وَالهَُمْ إِلاَّ بحَِقه الإِْسْلاَمِ وَحِسَابـُهُمْ عَلَى اللَّهِ )) متفق عليه 4 ـ سورة النساء، الآية 93. 5 . القائلين بأن مرتك ب الكبيرة كافر في الدنيا وخالد مخلد يوم القيامة . 6 ـ سورة النساء، الآية 15. 7 ـ سورة الزمر، الآية 13.
عدد الصفحات ٣١31 ولكن لا يسقط عنه حق المقتول في الآخرة بمجرد التوبة، بل يأخذ المق تول من حسنات القاتل بقدر مظلمته، أو يعطيه الله من عنده، ولا يسقط حق المقتول بالقصاص؛ لأن القصاص حق لأولياء المقتول . قال العلامة ابن القيم - رحمه الله -: « والتحقيق فِ المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق حق لله وحق للمظلوم المقتول وحق للولي فقذا سلّم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي ندما علي ما فعل وخوفا من الله وتوبة نصوحا يسقط حق الله بالتوبة وحق الولى بالإستيفاء أو الصلح أو العفو وبقى حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن ويصلح بينه وبينه فلا يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا 1)) وللقتل العمد عند الفقهاء تسع صور معلومة عندهم باستقراء . إحداها أن يَرحه بما له نفوذ في البدن، كسكين وشوكة ونحو ذلك من المحددات . قال الموفق: لا اختلاف فيه بين العلماء فيما علمناه. الثانية: أن يقتله بمثقل كبير كالحجر ونحوه . فقذا كان الحجر صغيرا فليس بعمد، إلا إن كان في مقتل، أو في حالة ضعف قوة المجني عليه من مرض أو صغر أو كبر أو حر أو برد ونحوه أو ردد ضربه بالحجر الصغير ونحوه حتى مات . ومثل قتله بالمثقل لو ألقى عليه حائطا أو دهسه بسيارة أو ألقاه من مرتفع فمات . الثالثة: أن يلقيه إلى حيوان مفترس كأسد، أو إلى حية؛ لأ نه إذا تعمد إلقاءه إلى هذه القواتل فقد تعمد قتله بما يقتل غالبا. الرابعة : أن يلقيه في نار أو ماء يغرقه ولا يمكنه التخلص منهما . الخامسة: أن يَنقه بحبل أو غيره أو يسد أنفه وفمه فيموت من ذلك . السادسة: أن يُبسه ويمنع عنه الطعام والشراب فيموت من ذلك في مدة يموت فيها غالبا ويتعذر عليه الطلب، لأن هذا يقتل غالبا. السابعة: أن يقتله بسحر يقتل غالبا، والساحر يعلم أن ذلك غالبا يقتل. الثامنة: أن يسقيه سما لا يعلم به، أو يَلطه بطعامه، فيأكله جاهلا بوجود السم فيه التاسعة: أن يشهد عليه شهود بما يوجب قتله من زنى أو ردة أو ق تل ثُ يرجع الشهود عن شهادتهم ويقولون: تعمدنا قتله، فيقتلون به، لأنهم توصلوا إلى قتل بما يقتل غالبا.2 ويدخل في ذلك أن يقتله بتفج قنبلة أو بسيارة أو بدراجة مفخخة أو بأحزمة ناسفة أو بألغام، ونحو ذلك مما يدخل في القتل العمد . 1 ـ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الداء والدواء) ص155 (تحقيق الشيخ عاطف صابر شاهين دار الغد الجديد المنصورة ومكتبة الأندلسية جدة الطبعة الأ ولى 1173هـ7557مـ 2 ـ انظر في ذلك الدكتور صالح بن فوزان عبد الله الفوزان، الملخص الفقهي، ص : 111 ـ113 .مؤسسة الرسالة ناشرون، الطبعة الأولى، 1179 ـ7555م
عدد الصفحات ٣٢