الدورة الحادية والعشرون لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي 5341هـ- 3154م التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد إعداد الدكتور / عبد الله بن إدريس أبو بكر ميغا عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالنيجر سابقا عضو المجمع عن النيجر
عدد الصفحات ١1 بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة أحمد إليكم الله تعالى، الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على صاحب الرسالة العظمى، خاتمة الرسالات، نبينا محمد، صفوة الأنبياء، ورائد المجاهدين في سبيل الله – عز وجل -، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، الذين كانت لهم مواقف خالدة في مجال الجهاد، وعلى قادة الخير ودعاة الحق، من ورثة الأنبياء، والدعاة إلى الله - جل وعلا - إلى يوم الدين. أحييكم ـ ورثة الأنبياءـ بتحية العقيدة والإسلام، تحية من عند الله مباركة طيبة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . أما بعد :فلقد حفل تاريخ الإسلام والمسلمين في مختلف عصورهم وأزمنتهم ببطولات خالدة، وانتصارات مدوية، وتضحيات جسيمة، وتحديات مدهشة، ومعارك ضارية، وملاحم جهادية، رفعت رأس المسلم المجاهد في شمم وإباء، ووهبته ذكرا حسنا وصيتا طائراً في مشارق الأرض ومغاربها... وقد عرف عن ورثة الأنبياء، والدعاة المخلصين إلى الله تعالى ـ قديما وحديثا ـ دورهم في نشر الدعوة الإسلامية، وفي حمل مشعل الجهاد والكفاح والنضال، والاستماته في سبيل نصرة الحق، وإعلاء كلمة الله تعالى، والتمكين لدينه القويم، وحماية شريعته الغراء، حيث ضربوا في الجهاد وحب الاستشهاد في سبي ل الله تعالى، أروع الأمثلة لينالوا ما وعد الله تعالى به المجاهدين من جزاء وثواب 1، مصداقا لقوله تعا: ﴿وَلاَ تحَْسَبَََّ الَّذِينَ قُتِلُوا فيِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبههِمْ يـُرْزَقُونَ﴾ 2. وقد فتح الإسلام للجهاد في سبيل الله تعالى أبوابا واسعة ونوافذ متعددة، يستطيع المسلم من خلالها أن يبلغ رسالة الإسلام، فهناك جهاد بالمال، وجهاد بالنفس، وجهاد باللسان وبالكلمة، وجهاد بالسنان و السيف، وهو أعلى أنواع الجهاد في سبيل الله تعالى : ﴿إِنَََّّا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثَُُّ لََْ يـَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالهِِمْ وَأَنـْفُسِهِمْ فيِ سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ 3. وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «مَنْ مَاتَ وَلََْ يـَغْزُ وَلََْ يَُُدهثْ بِهِ نـَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ » 4 1 انظر عبد الحق المريني ، شعر الجهاد في الأدب المغربي من عهد يوسف بن تاشفين المرابطي حتى عهد ا لسلطان المولى عبد الرحمن العلوي 1/11 1111هـ ـ1991مـ 2 سورة آل عمرآن، الآية : 119 3 سورة الحجرات، الآية : 11 4 رواه مسلم ك : الجهاد ب : من مات ولَ يغز ولَ يُدث نفسه : 1/19 ح1515)
عدد الصفحات ٢2 وقد مضى الرعيل الأول، وأهل القرون المفضلة، والسلف الصالح من الصحابة وغيرهم، من هذه الأمة، على هذا المفهوم القرآني الشامل للجهاد في سبيل الله تعالى، والدعوة الى الله عز وجل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله : ((وَالجِْهَادُ مِنْهُ مَا هُوَ بِالْيَدِ وَمِنْهُ مَا هُوَ بِالْقَلْبِ وَالدَّعْوَةِ وَالحُْجَّةِ وَاللهسَانِ وَالرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ وَالصهنَاعَةِ فـَيَجِبُ بِغَايَةِ مَا يمُْكِنُهُ وَيََِبُ عَلَى الْقَعَدَةِ لِعُذْرٍ أَنْ يََْلُفُوا الْغُزَاةَ فيِ أَهْلِيهِ مْ وَمَالهِِمْ ))1 وقال العلامة ابن القيمـرحمه الله :(( والتحقيق أن جنسَ الجهادِ فرضُ عَينْ إما بالقلب، وإما باللهسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كُله مسلم أن يَُاهد بنوع مِن هذه الأنواع 2. ثُ نشأت طوائف من المسلم–خاصة - في هذا العصر ـ لاسيما الشباب منهم ـ لَ تفهم من الجهاد في سبيل الله إلا نوعا واحدا فقط، هو القتال، وليس قتال الكفار فحسب، بل قتال عامة المسلمين، الذين لَ يفهموا فهمهم ولَ يَرجوا معهم، وكانت ردة فعل لهذا المفهوم الخاطئ للجهاد أن تقاتل المسلمون فيما بينهم باسم الجهاد في سبيل الله تعالى، نتيجة سوء فهمها وتفسيرها للنصوص الشرعية على أساس ذلك الفهم الخاطئ. ولا شك أن ما نشاهده اليوم من تطرف وغلو في أجزاء من العالَ الإسلامي ما هو إلا سوء فهم النصوص الشرعية . ومعلوم أن النصوص الشرعية يَتلف فهم الناس حولها، وتخضع لكثير من التأويل ، وقد شهد تاريخ الإسلام كثيرا من المحاولات التي اتخذ منه ا أصحاب الأهواء والملل والنحل وسائل لتأييد مذاهبهم، ويكفي أن نعلم أن مجرد انتزاع الآية الواحدة، من بيئتها القرآنية، وبناء الأحكام عليها يؤدي إلى فساد في التصور، وقصور في فهم مقاصد الشريعة . والأزمة الفكرية التي وقع فيها الخوارج 3 سواء في التصور أم في الحكم تكن سو نتيجة لضيق الأفق، وقصور في تنزيل الآيات على الواقع، وعجز عن إدراك النص الشرعي في تكامله مع النصوص الأخر ، ونتيجة سوء الفهم في الدين، وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين »4وهو يدل بمنطوقه على أن من علامة إرادة الله تعالى الخير للعبد أن يفقهه في الدين، ويدل بمفهومه على أن من لَ يرد 1 لفتاو الك: 1/135 (المحقق: محمد عبدالقادر عطا - مصطفى عبدالقادر عطا) الناشر : دار الكتب العلمية الطبعة : الطبعة الأولى 1155هـ- 1951م 2 زاد المعاد في هدي خير العباد 3 /17 الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت الطبعة : السابعة والعشرون ، 1111هـ/1991م ، الطبعة : السابعة والعشرون ، 1111هـ/1991م 3 وهم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وقاتلوه . 4ـ البخاري ك : العلم ب : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين /1 /71 رقم 11
عدد الصفحات ٣3 الله به خيرا لَ يُصل له التفقه في الدين، بل يبتلى بسوء الفهم في الدين، وهذا ما حصل للخوارج، الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ـ رضي الله عنه ـ وقاتلوه، وهو ما يُصل للخوارج الجدد، الذين يكفرون بالذنب مثل أسلافهم، فانهم جميعا فهموا النصوص الشرعية فهما خاطئا مخالفا لفهم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ والسلف الصالح من هذه الأمة ... وإن الإسلام والأمة الإسلامية ـ اليوم ـ يمران بأصعب مرحلة منذ أن بعث الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ وإلى يومنا هذا، نتيجة المشكلات ذات الأنواع المختلفة والأطراف المتعددة، والتي يأتي بعضها من داخل المجتمع الإسلامي، وبعضها من الخارج، وأما المشكلات الداخلية فهي ناتجة عن غلو وتطرف بعض التيارات المنحرفة، وعن اتجاه بعض الجهلة والمثقفين المسلمين . وأما المشكلات الخارجية فهي ـ في اعتقادي ـ ترجع جذورها إلى ما وقع على الأمة الإسلامية في القرن الماضي من الاحتلال الغربي للبلاد الإسلامية وكان الهجوم على الشريعة الإسلامية عاصفا شديدا استهدف استبعاد تطبيق الحدود الإسلامية، ونظام الإسلام في الاقتصاد، وإباحة التحلل الاجتماعي والنظام الربوي، وذلك بققرار القانون الاستعماري الغربي في العقوبات1.... لقد حرص الاستعمار على أمريين خطيرين في البلاد الإسلامية المستعمرة ليحول بينها وبين حقها النمو والحياة الكريمة وهما : (1) ـ إلغاء تطبيق الشريعة الإسلامية، وإحلال القانون الوضعي محل ها (7) ـ السيطرة على التعليم وتحويله عن أهدافه الطبيعية، في بناء الإنسان المسلم وكان الاستعمار الغربي حين اقتحم عالَ الإسلام في تلك الحقبة الجديدة قد أعد مخططه على النحو الذي يكفل له تغيير العقيدة الإسلامية والقضاء على مقوماتها الأساسية عن طريق التعليم والثقاف ة2 لقد وقف العالَ الإسلامي كله في وحدة متراصة منذ اليوم الأول لمقاومة الغزو الاستعماري الغربي وجرد كل ما يملك في سبيل الدفاع عن كيانه وحماية وجوده ودحر الغزاة . وقد برز عدد من العلماء المصلحين، الذين حملوا لواء الجهاد والمقاومة وجندوا كتائب المؤمنين للم قاومة. 1ـ أنور الجندي ، معلمة الإسلام (المجموعة الرابعة ) ص 99، المكتب الإسلامي الطبعة الثانية1151هــ1951 . بيروت 2ـ نفس المرجع ص 53
عدد الصفحات ٤4 وهكذا اكتشف الدعاة المسلمون خطر الاستعمار الغربي، وكانت الحركات الوطنية كلها حركات إسلامية المصدر والطابع، حملت لواء الجهاد بالمقاومة الشعبية، وبالكلمة، كشف دخائل المستعمر الغربي وأهدافه، والعمل في نفس الوقت لتحرير الفكر الإسلامي من زيف البدع والأضا ليل والخرافات والتماس منابعه الأصيلة ليكون قوة في المقاومة لا تغلب1 ولقد استطاعت حركة اليقظة الإسلامية أن تدحض مختلف الشبهات والسموم التي حاولت حركة الغزو الثقافي والتغريب عن طريق التبشير والاستشراق أن توجه سهاما إلى الفكر الإسلامي ، وعملت على كشف جوهرة الإ سلام ومفهومه الأصيل الجامع المترابط منه حياة ونظام مجتمع، وفي السنوات الأخيرة زادت حركة اليقظة والصحوة وعمقت وكشفت عن زيوف كثيرة وشبهات كثيرة وباتت تعرف طريقها إلى المقاومة للاستعمار الغربي وللقو التي توالدت منه خاصة الصهيونية والغزو الثقافي في مجال ال تعليم والنظم الاقتصادية والقانونية والاجتماعية و السياسية، وما تزال حركة المقاومة عاملة لا تتوقف مندفعة إلى تلاقي الأجزاء وترابط القو للقضاء على آخر معاقل الاستعمار 2. وقد أسفرت هذه المقاومات عن الاستقلال التام للدول الإسلامية ـ وإن شكليا ـ بعد نقض مفاهيم الإسلام وتحريفها وخلق دعوات تحمل لواء الإسلام وتنكر أهم مقوماته وهو "الجهاد" الذي هو ذروة سنام الإسلام....الخ كما أن المشكلات الخارجية ناتجة عن اتهام أعداء الإسلام له بأنه دين تطرف، يدعو إلى العنف وعدم التعايش السلمي، وعدم مواكبة مقتضيات العصر ومتطلبات الز مان والبيئة، ويهدد الأمن والسلام، ويشجع على ممارسة الإرهاب في العالَ !!! وذلك نتيجة تصرفات بعض التنظيمات الإسلامية . وهكذا، أصبح الإسلام وأمته ـ اليوم ـ حقا يعانيان هجومين : ( أ) خارجي، يتمثل في اتهام الإسلام وتعاليمه وشريعته ومعتنقيه بالإرهاب والعنف والكراهية الثقافية، وعدم مواكبة التقدم، ويقود هذا الاتجاه العالَ الغربي والشرقي غير الإسلامي، بزعامة الغزاة الذين لا عمل لهم إلا محاولة تحطيم الإسلام ومثله العليا بمعاول الفكر والتشويه، ووسائلهم مختلفة ومعروفة لكل من يمعن النظر في الحملة الشعواء التي يشنها القوم ويقومون بها ضد الإسلام وكل ما يتصل به، وحتى رسول 1ـ نفس المرجع ص 155 2 ـ نفس المرجع 157
عدد الصفحات ٥5 الإسلام لَ يسلم من إساءتهم، تارة بانتاج أفلام ورسومات تسيء كلها إلى مقام النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ وأحيانا بمحاولة النيل من قرآن الإسلام ووصف آياته بأنها آيات شيطانية 1 ( ب) داخلي : ويتمثل فيما يقوم به ـ مع الأسف ـ بعض أبناء الإسلام أنفسهم في الدول الإسلامية وغيرها من التخريب، تقوم به تيارات متطرفة تتصرف باسم الإسلام ، وتنسب إليه أشياء هو بريء منها، وجنوح بعض التنظيمات الإسلامية إلى القتال ضد حكام المسلمين، وضد المسلمين وغيرهم من المواطنين والمقيمين في الدول الإسلامية وغيرها،باسم الجهاد كما يتمثل هذا الهجوم الداخلي في موقف المنهزمين من بعض المثقفين من المسلمين الذين يَردون الإسلام من خصائصه لتقريبه إلى الفكر الغربي للحصول على رضاه، والذين ينظرون إلى أي مسلم يُاول أن يكون مستقيما، على أنه متزمت، بل إرهابي !!! إن المشكلات الناتجة من داخل الأمة الإسلامية هي في واقع الأمر مشكلات العالَ الإسلامي، لكن المشكلات الخارجية التي ارتبطت باتهام أعداء الإسلام له ـ اليوم ـ شرقا وغربا، بأنه دين تطرف، فلا أساس لهذه الدعو من الصحة، كما أن الأوصاف التي نُعِتَ بها المسلمون ـ اليوم ـ لا تمت بصلة إلى طبيعية الإسلام، ويكذبها بقوة تاريخ الإسلام والأمة الإسلامية الناصع عبر القرون السابقة 2 وأخطر هذه المشكلات في الحقيقة هي المشكلات الداخلية حيث يتقاتل المسلمون فيما بينهم بدلا من الاتحاد لمواجهة المشكلات الخارجية . والقتال ظاهرة خطيرة في ح ياة البشر؛ لأنه يعرهض الإنسان وممتلكاته للخطر؛ ولذلك فهو عمل كريه لديه بالطبع: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيـْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تحُِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يـَعْلَمُ وَ أَنـْتُمْ لاَ تـَعْلَمُونَ ﴾3 .ولكن التاريخ البشري أثبت أن الإنسان مهما تحضر لا يستطيع التخلي عن القتال. فقن كان في الناس أهل الخير الذين يُبون السلام وينصفون بني جنسهم، فقن منهم في كل عصر أهل الشر الذين يعتدون على غيرهم ويقفون دون نشر الخير في الناس ولا يفهم ون إلا لغة القوة، فلا بد من قوة تردعهم وتأخذ بأيديهم : ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بـَعْضَهُمْ بِبـَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَْرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ 1 ـ أعني المرتد المتزندقة المدعو (سلمان الرشدي ) الذي يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونساءه ، ويكيل الشتائم المقذعة، بأقذر الألفاظ وأقبح العبارات في قصة سماها (الآيات الشيطانية )،وهوإنسان هندي الأصل وبرطاني الجنسية ... هذاالرجل قدأساء إلى أمة الإسلام وإلى مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين . 2 ـانظر د. أبويكر رفيق في بحث بعنوان (الإسلام في مواجهة التطرف من الداخل والخارج ص :715(المؤتمر الدولي حول التعايش السلمي ، الذي نظمته رابطة العالَ الإسلامي في سيريلانك ) 3 ـ سورة البقرة :الآية 711
عدد الصفحات ٦6 عَلَى الْعَالَمِينَ﴾1، ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بـَعْضَهُمْ بِبـَعْضٍ لهَُدهمَتْ صَوَامِ عُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيـَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يـَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾2. ولذلك فرض الإسلام الجهاد، الذي هو قتال عادل يكون في سبيل الله لا بسبب دنيوي أناني كما نشاهد في الحروب التي يشنها كثير من الأمم . فليس ثمة وجه للمقارنة بين الجهاد الإسلامي وأصناف القتال التي هدفها الدنيا ودافعها العصبية والأنانية. ولكن الغريب هو أنه قد ظهرت في عصرنا هذا ألوان من القتال تمارَس باسم الجهاد ينبغي معرفة حقيقتها والتأكد من صحة تسميتها جهادا. منها على سبيل المثال التقاتل بين المسلمين لأسباب شتى. فهل يعتبر ذلك جهادا؟ وهل يُقق غاية الجهاد وأهدافه الشرعية النبيلة؟ وهل للذين يمارسون هذا النوع من القتال اليوم الحق في إعلان الحرب شرعا؟ وما هي أسباب جنوح بعض التنظيمات الإسلامية إلى القتال ضد حكام المسلمين وغير هم من المواطنين والمقيمين في الدول الإسلامية باسم الجهاد؟ ومن المسئول عن هذه العمليات التي شوهت سمعة الإسلام؟ وما واجب أولي الأمر من العلماء والحكام ودور عامة المسلمين في علاج هذه المشكلة؟ تلك بعض الأسئلة التي حاول الإجابة عنها هذا البحث المتواضع الذي انتظم بعد هذه المقدمة في فصل تمهيدي وأربعة فصول رئيسة وفصل خامس ختامي : الفصل التمهيدي : ضرورة قيام علماء الإسلام بقعطاء المسلمين فكرة عميقة عن مبادئ الإسلام الأساسية ومفاهيمه الصحيحة ومقاصده الحقيقية ومزاياه وخصائصه الفريدة، والتعرف ببعض المصطلحات ذا ت الصلة بموضوع البحث كالإرهاب والغلو والتطرف ، وفيه مبحثان : المبحث الأول : ضرورة قيام علماء الإسلام بقعطاء المسلمين فكرة عميقة عن مبادئ الإسلام الأساسية ومفاهيمه الصحيحة ومقاصده الحقيقية ومزاياه وخصائصه الفريدة المبحث الثاني : التعريف ببعض المصطلحات ذات الصلة بمو ضوع البحث كالإرهاب والغلو والتطرف . الفصل الثاني : مفهوم الجهاد وحكمه، وغايته وأهدافه، وبيان صاحب الحق في إعلانه ، وفيه ثلاثة مباحث : المبحث الأول : مفهوم الجهاد وحكمه المبحث الثاني : أهداف الجهاد وغايته 1 ـ سورة البقرة :الآية 711 2 ـ سورة ا :الآية 15.
عدد الصفحات ٧7 المبحث الثالث : بيان صاحب الحق في إعلانه الفصل الثالث : أسباب جنوح بعض التنظيمات الإسلامية إلى القتال ضد حكام المسلمين وغيرهم من المواطنين والمقيمين في الدول الإسلامية وغيرها ، وفيه مباحث أربعة : المبحث الأول : أسباب جنوحها إلى القتال ضد حكام المسلمين المبحث الثاني : وقفة مع حكام المسلمين المعاصرين المبحث الثالث : أسباب جنوحها إلى القتال ضد عامة المسلمين المبحث الرابع: أسباب جنوحها إلى القتال ضد غير المسلمين من المواطنين والمقيمين في الدول الإسلامية باسم الجهاد الفصل الرابع : حكم العمليات القتالية التي تشن باسم الجهاد ضد المسلمين وغيرهم من المواطنين والمقيمين في الدول الإسلامية وغيرها وفيه أربعة مباحث : المبحث الأول : حكم القتل بغير حق، وحكم العمليات القتالية الانتحارية ضد المسلمين في الدول الإسلامية وذكر نَّاذج واقعية لبعض العمليات القتالية المروعة في عدد من دول العالَ الإسلامي المبحث الثاني : حكم العمليات القتالية الانتحارية التي تشن باسم الجهاد ضد غير المسلمين من المواطنين والمقيمين في الدول الإسلامية المبحث الثالث : حكم العمليات القتالية الانتحارية ضد غير المسلمين في البلاد غير الإسلامية المبحث الرابع : حكم من يقتل نفسه في العمليات القتالية الانتحارية ضد الم سلمين وغيرهم في البلاد الإسلامية وغيرها باسم الجهاد الفصل الخامس: سلطة ولي الأمر في إعلان الجهاد وموقفه ممن يعلن الجهاد ضد المسلمين وغيرهم من المواطنين والمقيمين في البلاد الإسلامية وواجب المسلمين نحوهم ، وفيه أربعة مباحث : المبحث الأول: سلطة ولي الأمر في إعلان الجهاد المبحث الثاني: موقف ولي الأمر ممن يعلن الجهاد ضد المسلمين المبحث الثالث: موقفه ممن يعلنه ضد غير المسلمين من المواطنين والمقيمين في الدول الإسلامية المبحث الرابع: واجب المسلمين نحو غير المسلمين من المواطنين والمقيمين في البلاد الإسلامية الفصل الخامس الختامي : خلاصة البحث ونتائجه والأفكار الرئيسة فيه، وسبل معالجة مشكلة التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد من وجهة نظر الباحث ، وفيه : ( أ) خلاصة البحث ونتائجه وأفكاره الرئيسة
عدد الصفحات ٨8 ( ب) سبل معالجة مشكلة التقاتل بين المسلمين باسم الجهاد من وجهة نظر الباحث وقد كان منه جي في تناول هذه القضية منبثقا من الخطة التي وضعتها الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، مشكورة . وقد يلاحظ القارئ الكريم أنني أدخلت بعض المحاور على خطة الأمانة اقتضتها طبيعة القضية والبحث فيها، ولكنها لَ تخرج عن صلب الخطة، وقد وجدت أثناء القراءة الأو لية ما استدعى ذلك ولقد احسنت الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي الدولي صمعا، بطرحها هذه القضية البالغة الأهمية (القتال بي المسلمين باسم الجهاد) وادراجها ضمن محاور الدورة الحادية والعشرين، والاستكتاب فيها وبيان مزائق القول ومااتسموا به من القلوب والتطرف وا لتنفير ومعرفة أسباب كل ذلك ليحذر الناس منهم ويكونو على بينة من أمرهم، وليعرفوا عقمه دعوة القوم، وتفريق بين الحق والباطل وبين الجهاد في الإسلام والإرهاب وآثار ذلك كله على الدعوة الإسلامية المعاصرة في مختلف بلاد العالَ وذلك ليهلك من هلك عن بينة ويُي من حي عن بينة وأن الله لسميع عليم و(إن في ذلك لذكر لمن كان له قلب أو ألقى سمع وهو شهيد )1 لذا عندما عوضت علي أن أشارك في الدورة ببحث لقي العرض رغبة مريُة في نفسي دفعتني بسرعة إ قبول العرض وقويت العزيمة فيه، فهي قضية ملحة بالغة أهمية، متصلة بديننا الحنيف وشريعته الغراء، وأظن بل وأعتقد،أن كل مسلم قادر عرضت عليه المشاركة في البحث عن علاج أي قضية تتصل بالإسلام وشريعته يَد عنده أريُية وقبول، يدعمه الإيمان القوي إذ أي إسهام في البحث العلاج بمثل هذه القضية يصب في إطار العمل الجهادي، الذي فريضه الله تباركه وتعالى على ال قادرين بأموالهم وأنفسهم وألسنتهم وأقلامهم، وبكل ما اتو من قوة وإمكانية وإني إذ أشكر الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي الدولي على حسن ظنها بي، أرجو الله تبارك وتعالى أن أكون عند حسن ظنها، (اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منه، فاجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي مالا يعلمون)، وأدعوك ربي تعالى أن تعيننا جميعا علي خدمة الإسلام والثقافة الإسلامية التي أساسها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة وتراث علماء الإسلام الراسخين في فهم الإسلام فهما صحيحا عميقا، على منه السلف الصالح. كما أسألك تعالى أن توفقنا جميعا لاتباع سنة نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـوعلى آله وأصحابه، ولسلوك سبيل المؤمنين وفهمهم من القرون الأولى المفضلة المشهود لها بالهداية والأفضلية على غيرها . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين 1 سورة ق الآية (31)
عدد الصفحات ٩9 نيامي،11/11/1131 هـ ـ الموافق 11/59/7513 أ/ د. عبد الله بن إدريس أبوبكر ميغا
عدد الصفحات ١٠11 الفصل التمهيدي ضرورة قيام علماء الإسلام بإعطاء المسلمين فكرة عميقة عن مبادئ الإسلام الأساسية ومفاهيمه الصحيحة ومقاصده الحقيقية ومزاياه وخصائصه الفريدة، والتعريف ببعض المصطلحات ذات الصلة بموضوع البحث كالإرها ب والغلو. المبحث الأول ضرورة قيام علماء لإسلام بإعطاء المسلمين فكرة عميقة عن مبادئ الإسلام الأساسية ومفاهيمه الصحيحة ومقاصده الحقيقية ومزاياه وخصائصه الفريدة هذه المسألة مهمة جدا وهي ضرورة فهم المسلمين فهما عميقا لمبادئ الإسلام الأساسية ومفاهيمه الصحيحة ومقاصده الحقيقية، وهذا الفهم العميق للإسلام هو الذي سماه القرآن الكريم والسنة النبوية «التفقه في الدين»كما قال الله تعا: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيـَنْفِرُوا كَافَّةً فـَلَوْلاَ نـَفَرَ مِنْ كُله فِرْقَةٍ مِنـْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتـَفَقَّهُوا فيِ الدهينِ وَلِيـُنْذِرُوا قـَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَُْذَرُونَ﴾1 .وقال عليه الصلاة والسلام : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»2 .وقال صلى الله عليه وسلم في دعوته لابن عمه الصحابي الجليل المشهور عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : «اللهم فقههفي الدين وعلمه التأويل »3 .وقد تقبل الله تبارك وتعالى هذه الدعوة النبوية النبوية الكريمة لابن عباس رضي الله عنهما، فقد اشتهر بأنه من كبار علماء الإسلام ومن العلماء الأوائل في تأويل القرآن الكريم، أي تفسيره وتوضيحه وبيانه للناس . وإنَّا تحدثت عن هذه المسألة لأن الكثير من المسلمين ـ للأسف ـ لاسيما شباب اليقظة والصحوة، لا يفقهون ولا يفهمون جيدا بعض المفاهيم الإسلامية مثل مفهوم الجهاد، ومفهوم الزهد، ومفهوم التوكل، ومفهوم العبادة وغيرها من المفاهيم الإسلامية الأساسية، بل يفهمها كثير منهم فهما خاطئا يشوه سمعة الإسلام ويستغله أعداء الإسلام وخصومه في هجماتهم ضد هذا الدين الحنيف على نه سلفهم من الخوارج وغيرهم من أصحاب الأهواء والملل والنحل . فيجب علينا نحن طلبة العلم والدعاة والمسلمين جميعا ـ أمة وشعوبا ـ أن نعمق في نفوس شبابنا المفاهيم الصحيحة والأساسية للإسلام ونحذرهم من خطر الأفكار والمفاهيم الخاطئة التي يروجها المتطرفون تحت شعارات إسلامية ونعرات دينية لإغواء الشباب المسلمين وجرهم إلى صفوف العنف والتطرف والغلو . 1 ـ سورة التوبة، الآية 775. 2 ـ البخاري ك : العلم ب : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين /1 /71 رقم 11 3 ـ قال الباني في السلسلة الصحيحة: 1/113 :أخرجه الطبرا : 3/111 وعنه أبو علي في الفوائد: 3/111.
عدد الصفحات ١١11 نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا على فهم الإسلام وخدمته وثقافته التي أساسها القرآن الكريم والسنة النبوية وتر اث علماء الإسلام، ورثة الأنبياء، الراسخين في فهم الإسلام فهما صحيحا وعميقا على منه السلف الصالح. ومن أكبر مزايا الإسلام أنه دين اعتدال يوفر السلم والأمن والعدل للمجتمع، ويرفض جميع أنواع التطرف، سواء أكانت باسم الدين أم باسم التحرر عن الدين، ولقد كرم الإسلا م الإنسان حتى إنه حرم النيل من نفسه وماله وعرضه وعقله، وكل عمل يلحق الظلم به، ويوجه الإسلام الفرد والجماعة إلى الاعتدال، واجتثاث نوازع الجنوح والتطرف، وما يؤدي إليها من غلو في الدين، قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : «إياكم والغلو في الدين، فقنَّا أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»1. والغلو بجميع صوره ـ وهو مجاوزة الحد الشرعي على ما سيأتي ـ منهي عنه، لأنه تقدمٌ بين يدي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. وقد نهى الله جل وعلا عن ذلك فقال: ﴿يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تـُقَدهمُوا بـَينَْ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَاتـَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سمَِيعٌ عَلِيمٌ﴾2. وما ذم الغلو إلا لأنه يؤدي إلى ظلم العبد نفسه وغيره وتضييع العبد بعض ما أوجبه الله عليه، وقد يكون ما ضيعه أوجب مما غلا فيه . ومن أكبر خصائص الإسلام أنه يَتلف عما يعتقده أصحاب الديانات الأخر ، وض عية كانت أم سماوية بأن الدين ليس محصورا في بعض المعتقدات التي تتعلق بتعريف الإله، وصفاته المختلفة، وفي تحديد الصلة بين الخالق والمخلوقات، وممارسة بعض الطقوس الدينية بصفة فردية أم جماعية، بجانب الأمور الأخر التي تتعلق في معظم الأحيان بالفرد أو في بعض الأحي ان بالجماعة، ولا أكثر من ذلك . بيد أن الإسلام منه متكامل للحياة، يغطي مجالات الحياة الإنسانية كلها، شخصية كانت أم جماعية، عقدية كانت أم عملية، فردية كانت أم جماعية، اجتماعية كانت أم اقتصادية، سياسية كانت أم دينية، قضائية كانت أم إدارية، بل نجد تحت دائرة الإ سلام كل ما يدخل في مضمار الحياة العامة، أنه منه متكامل للحياة، والمراد بالتكامل هو الشمول والاعتدال . وباختصار في القول: الإسلام عقيدة وشريعة، ودين ودولة 3. ومن أروع ما قيل في هذه الخاصية : ما قاله العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى -: «فقن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة 1 ـ رواه النسائي ك:مناسك الح ب : باب التقاط الحصى 1/715 /رقم 3511 الناشر : مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب ، الطبعة الثانية ، 1151 - 1951(تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة) 2 ـ سورة الحجرات، الآية 1. 3 ـ يراجع الشيخ محمود شلتوت : الإسلام عقيدة وشريعة .
عدد الصفحات ١٢12 كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخل فيها بالتأويل »1. المبحث الثاني بعض المصطلحات ذات الصلة بموضوع البحث كالإرهاب والغلو والتطرف 1 ـ الإرهاب: معناه في اللغة: جاءت الراء والهاء والباء لتدل على أصلين: أحدهما يدل على خوف، والآخر على دقة في الشيء وخفة فيه . فمن الأصل الأول : ( رهِب يرهب رَهبا ورُهبا ورهبة : خاف. و(رهب فلانا واسترهبه): خوفه وفزعه . (واسترهبه): استدعى رهبته حتى رهبه الناس . (وترهبه ): توعده. (والراهبة ): الحالة التي ترهب أي تفزع وتخوف . قال ابن الأثير: والإرهاب : الإزعاج والإخافة، تقول : تقشعر الإهاب إذا وقع منه الإهاب. ومن المجاز قولهم: أرهب الإبل عن الحوض : ذادها عنه وطردها ... وقال الراغب في المفردات : الرهبة والرُّهب والرَّهب مخافة مع تحرز واضطراب ومن الأصل الثاني وهو الدقة والخفة (الرهب ): النصل الرقيق، والجمع رهاب، والرهب أيضا : الجمل الضامر، والناقة المهزولة، (والرهاب ): غضروف كاللسان معلق في أسفل الصدر مشرف على البطن .2 أما معناه في الاجتهاد الفقهي المعاصر فقد عرفه المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالَ الإسلامي : بأنه العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيا على الإنسان : (دينه ودمه وعقله وماله وعرضه )، ويشمل صنوف التخويف والأذ والتهديد والقتل بغير حق وما يت صل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي . ويهدف إلى إلقاء الرعب في قلوب الناس، أو ترويعه بقذائهم وتعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم أو أحوالهم للخطر وصنوف إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق والأملاك العامة أو الخاصة، أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو الطبيعية للخطر، فكل هذا من صور الفساد في الأرض التي نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين عنها في قوله: ﴿وَلاَ تـَبْغِ الْفَسَادَ فيِ الأَْرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُُِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ .3 1 ـ إعلام الموقعين عن رب العا : 3/11، دار الكتب العلمية بيروت الطبعة(بدون)، سنة 1111 ـ1991. 2 ـ انظر ابن فارس، معجم مقاييس اللغة: 7/111، وابن منظور في لسان العرب : 3/1115، والزبيدي في تاج العروس : 7/131، والنهاية في غريب الحديث والأثر : 1/:755، ومفردات غريب القرآن : 311،والأصفهاني في مفردات غريب القرآن 3 ـ سورة القصص، الآية 11
عدد الصفحات ١٣13 ثُ ذكرالمجمع، بعد هذا التعريف، أن الله قد شرع الجزاء الرادع للإرهاب والعدوان والفساد واعتبره محاربة لله ورسوله في قوله الكريم : ﴿إِنَََّّا جَزَاءُ الَّذِينَ يَُُارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فيِ الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يـُقَتـَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تـُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يـُنـْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ ذَلِكَ لهَُمْ خِزْيٌ فيِ الدُّنـْيَا وَلهَُمْ فيِ الآْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾1 ثُ أضاف قائ: ولا توجد في أي قانون بشري عقوبة بهذه الشدة، نظرا لخطورة هذا الاعتداء الذي يعتبر في الشريعة الإسلامية ضد حدود الله وضد خلقه .2 2 ـ الغلو: الغلو لغة: من غلا جاوز الحد، وغلا فلان في الدين تشدد فيه وجاوز الحد وأفرط، فهو غال . والجمع غلاة. وغالى مغالاة : بالغ ، واغتلى البعي ر: جاوز حسن السير ، وغِلواء الشيء : حدته . وغلا الرجل : اشتد غيظه.3 كل هذه المعاني تدور على مجاوزة الحد أو مخالفة حسن السير أو الخروج عن الضبط والتحكم . وقد ورد التنصيص عن النهي عن الغلو بلفظه في القرآن الكريم مرتين : مرة في معرض مخاطبة النصار تحديدا بقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تـَغْلُوا فيِ دِينِكُمْ وَلاَ تـَقُ ولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَْقَّ إِنَََّّا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيمََ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلىَ مَرْيمََ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تـَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انـْتـَهُوا خَيـْرًا لَكُم﴾ 4. ومرة في معرض مخاطبة أهل الكتاب عموما بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تـَغْلُوا فيِ دِينِكُمْ غَيـْرَ الحَْقه وَلاَ تـَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قـَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قـَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ 5. إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ف يعقل أن يكون المقصود ذم الغلو عند أهل الكتاب (اليهود والنصار ) فقط، بل هو رسالة موجهة للمسلمين تنذرهم وتحذرهم من الغلو، فهم أولى بالنذير؛ لأن رسالة الوحي موجهة إليهم أساسا . كما ورد الحديث عن الغلو بغير لفظه في مواضع كثيرة جدا، من مثل إدانة غلو النصار في التعبد لله ـ عز وجل ـ بما يوجبه وهو الرهبنة، وذلك في قوله تعالى : ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابـْتَدَعُوهَا مَا كَتَبـْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتـَيـْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنـْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنـْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ 6. 1 . سورة المائدة، الآية 33. 2 ـ انظر الدكتور أبو بكر رفيق (نقلا عن فقه الدولة في الإسلام)، ص: 35 ـ31 3 ـ إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط : 7/115 دار الفكر(بدون مكان ولا تاريخ للطبع ) 4 ـ سورة النساء، الآية 111 5 ـ سورة المائدة، الآية 11. 6 ـ سورة الحديد، الآية 71
عدد الصفحات ١٤14 فكل تصرف يَاوز ما يفرضه الوحي فهو ابتداع وغلو يَرج إلى أمر غير مكلف به . وقد يكون الغلو بنية حسنة وغاية نبيلة ﴿ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ . وإن مصير كل غلو إلى العجز عن الاستمرار ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾. وأغلب المغالين إلى فسوق، وقليل منهم من ينجو. وقد نبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المعنى نفسه بلفظ آخر وهو (التنطع)، في قوله عليه الصلاة والسلام: «هلك المتنطعون»ولَ يقل : هلك العاصون، الذين فتح لهم باب التوبة لعلمه صلى الله عليه وسلم بخطر الغلو المتلبس بحسن النية. و تنطع في الشيء: غالى وتكلف فيه. وتنطع في شهواته: تعانق وتشبه، والنطع المتشدقون في كلامهم 1. ويمكن تقسيم الأدلة المتنوعة الواردة في ذم الغلو إلى ما يلي : ( أ) ما جاء في النهي عن الغلو صراحة كما تقدم في قوله تعالى : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تـَغْلُوا فيِ دِينِكُ مْ غَيـْرَ الحَْقه وَلاَ تـَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قـَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قـَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّ بِيلِ﴾ 2، وفي قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا﴾ 3 .وقول الن- صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والغلو في الدين »4، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «هلك المتنطعون »5 .فهذه نصوص صريُة في ذم الغلو . ( ب) ومنها ما جاء في الحض على التيسير، ورفع الحرج والعنت، والحث على الرفق، وذم العنف، وفي ذم الغلو التنطع أيضا. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدهينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 6، وقوله تعا : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ 7، وقوله تعا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يََُفهفَ عَنْكُمْ﴾ 8 .فكل صور الغلو لا يريدها الله - عز وجل -، لأنها عسر، وليست بيسر ولا تخفيف . ومن ذلك قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : «بعثت بالحنيفية السمحة»9، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا ...»الحديث10، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إن ا 1 ـ إبراهيم أنيس وآخرون، مرجع سابق : 7/935 2 ـ سورة المائدة، الآية 11. 3 ـ سورة هود، الآية 117. 4 ـ سبق تخريَه 5 ـ مسلم ك: العلم ب : هلك المتنطعون 5/15رقم 1911 6 ـ سورة الح ، الآية 15. 7 ـ سورة البقرة، الآية 151. 8 ـ سورة النساء، الآية 75. 9 ـ أحمد: 1/711 رقم 77311 الناشر: مؤسسة قرطبة – القاهرة (الأحاديث مذيلة بأحكام شعيب الأرنؤوط عليها ) 10 ـ النسائي ك:الإيمان وشرائعه ب :الدين يسر 5/171 /رقم 1531
عدد الصفحات ١٥15 رفيق يُب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف »1، وقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه »2، وقوله ـ صلى الله عليه وسلمـ: «من حرم حرم الرفق حرم الخير »3. ( ج) ومنها الأمر بالتوسط وعدم الإفراط أو التفريط، فأهل الإسلام وسط بين الملل وأهل السنة وسط بين الفرق والنحل . قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾4 .فلا تعتمد إلا شهادة العدل الوسط، وهذه الصفة للأمة المسلمة، فمن غلى شابه اليهود، ومن جفا شابه النصار ، فنعوذ بالله من سبيل المغضو ب عليهم ومن سبيل الضالين. وقد نهى الله ـ عز وجل ـ عن الانحراف عن الجادة في كل شيء حتى في الأكل والشرب فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ 5 .وقال تعالى في شأن النفقة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنـْفَقُوا لََْ يُسْرِفُوا وَلََْ يـَقْتـُرُوا وَ كَانَ بـَينَْ ذَلِكَ قـَوَامًا﴾ 6 .وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تجَْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىَ عُنُقِكَ وَلاَ تـَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فـَتـَقْعُدَ مَلُومًا محَْسُورًا﴾7. وقال العلامة ابن القيم رحمه ا : وضابط هذا كله العدل، وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإف راط والتفريط، وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة، بل لا تقوم مصلحة البدن إلا به؛ لأنه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه، أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك، وكذلك الأفعال الطبيعية : كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة، وغ ير ذلك إذا كانت وسطا بين الطرفين المذمومين، وإن انحرفت إلى أحدهما كانت نقصا وأثمرت نقصا ـ إلى أن رحمه الله تعالى ـ فأعدل الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات: معرفة وفعلا 8. 1 ـ مسلم ك: البر والصلة والآداب ب : فضل الرفق 5 /77 /رقم 1111 2 ـ مسلم ك: البر والصلة والآداب ب : فضل الرفق 5 /77 /رقم 1111 3 ـ مسلم ك: البر والصلة والآداب ب : فضل الرفق 5 /77/ رقم 1111 4 ـ سورة البقرة، الآية 113 5 ـ سورة الأعراف، الآية 31. 6 ـسورة الفرقان، الآية 11. 7 ـ سورة الإسراء، الآية 79. 8 ـ الفوائد، ص315 ـ319، ط دار ابن خزيمة(بدون تاريخ ولا مكان )
عدد الصفحات ١٦