129 فقام عبد الله بن حذافة: فقال من أبي يا رسول الله ؟ قال : ( أبوك حذافة ) ثم أكثر أن يقول : ( سلوني سلوني ) فبرك عمر على ركبتيه فقال : رضينا باللَّ رباً ، وبالإسلًم ديناً ، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم رسولًّ . قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لقد عُرضت عليً الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط وأنا أصلًي ، فلم أرَ كاليوم في الخير والشرً ) . فقد أذن صلى الله عليه وسلم للصحابة أن يسألوه عن أيً شيء بدا لهم ، ما دام في مقامه ذلك ، وفي هذا أكبر دليل على سعة علومه التي علًمه الله تعالى إيًاها صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى : (وَعَلهمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللههِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) . قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم إنً قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو خير القلوب وأزكاها ، وأوسعها وأقواها ، وأتقاها وأنقاها ، وألينها وأرقًها ، وهو القلب الواعي اليقظان ، الفيًاض بأنوار الإيمان والقرآن . فخيرُ القلوب قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم ، جاء في ( مسند ) أحمد وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : ( إن الله تعالى نظر في قلوب العباد ، فوجدَ قلبَ محمد صلى الله عليه وسلم خيرَ قلوب العباد ، فاصطفاه لنفسه ، وابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد ، فجعلهم وزراء نبيه صلى الله عليه وسلم يقاتلون عن دينه – فما
عدد الصفحات ١٢٩130 رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيئ )1 . كما وأن قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم هو أزكى القلوب وأطهرها ، فقد شُقً صدره الشريف منذ صغره واستُخرج من قلبه حظً الشيطان – كما روى مسلم وغيره عن أنس رضي الله عنه : ( أنً رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم ، وهو يلعب مع الغلمان ، فأخذه فصرعه 2 فشقً عن قلبه ، فاستخرج القلبَ ، فاستخرج منه علقة ً ، فقال : هذا حظً الشيطان منك3 ، ثم غسله في طستٍ من ذهب بماء زمزم ، ثم لأمه 4 ثم أعاده في مكانه ، وجاء الغِلمانُ يسعون إلى أمًه ، يعني : ظئْ ره – أي : مرضعته – فقالوا : إن محمداً قد قُتل ، فاستقبلوه وهو منتقع اللون – أي : متغيًر اللون – قال أنس : وقد كنتُ أرى أثر ذلك المِخيط في صدره صلى الله عليه وسلم ) وهذا الشقً للصدر الشريف قد حصل له صلى الله عليه وسلم أوًل مرة وهو صغير السنً عند حليمة رضي الله عنها . وقد اختُلف في سنًه صلى الله عليه وسلم وقتئذٍ ، فقيل وقيل ، قال الحافظ الزرقاني : والراجح أنه صلى الله عليه وسلم رجع إلى أمًه وهو ابن أربع سنين ، وأنً شقً الصدر إنما كان في الرابعة ، كما جزم به الحافظ العراقي في ( نظم السيرة ) ، وتلميذه الحافظ ابن حجر في ( سيرته ) اهـ . وأما المرة الثانية : فقد شُقً صدره الشريف صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشر سنين ، وقد روى ذلك عبد الله بن أحمد في ( زوائد المسند ) بسند رجاله قال في ( مجمع الزوائد ) رواه أحمد والبزار والطبراني في ( الكبير ) ورجاله موثقون اهـ من الجزء الأول والثامن . أي : ألقاه على قفاه . أي : نصيبه لو بقي معك . 4 أي: أصلح موضع الشق .
عدد الصفحات ١٣٠131 ثقات وابن حبًان والحاكم ، وابن عساكر والضياء المقدسي في ( المختارة ) عن أبيً بن كعب أن أبا هريرة قال : يا رسول الله : ما أوًل ما ابتُدئتَ به من أمر النبوة؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( إني لفي صحراء ، ابن عشر حجج ، إذا أنا برجلين – اي : ملكين في صورة رجلين – فوق رأسي يقول أحدهما لصاحبه : أهوَ هو ؟ قال : نعم ، فأخذاني بوجوهٍ لم أرها لخلقٍ قطُّ – اي : لحسن جمالها – وأرواحٍ لم أجدها من خلقٍ قطُّ ، وثيابٍ لم أرها على خلقٍ قطُّ – اي : لحُسنها وبهجتها – فأقبلً إليً يمشيان ، حتى أخذ كلُّ واحدٍ منهما بعضدي ، لّ أجد لأخذهما مسًاً ، فقال أحدهما لصاحبه : أضجعه – فأضجعاني . - وفي لفظ – ( فقال أحدهما لصاحبه : افلق صدره ، ففلقاه فيما أرى بلً دم ولّ وجع ، فكان أحدهما يختلف بالماء في طستٍ من ذهب ، والْخر يغسل جوفي ثم قال : شُقً قلبه ، فشقً قلبي ، فأخرج الغلً والحسدَ منه ، فأخرج شبه العلقة فنبذ به .. ) الحديث 1 . قال العلًمة محمد بن يوسف الشامي في( سيرته الشامية ) : والحكمة فيه : أن العشر قريب من سنً التكليف ، فشقً قلبه صلى الله عليه وسلم وقُدًس ، حتى لّ يتلبًس بشيء مما يعابُ على الرجال اهـ 2 . وأما المرة الثالثة: فقد شقً صدره الشريف صلى الله عليه وسلم عند مجيء جبريل عليه السلًم بالوحي إليه حين نُبًئ ، فقد روى أبو داود الطيالسي والحارث أبو محمد التميمي في ( مسنديهما ) ، والبيهقي وأبو نعيم في ( دلّئلهما ) كلهم عن عائشة رضي الله عنها : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف هو وخديجة شهراً بحراء ، فوافق ذلك شهر رمضان ، فخرج رسول الله وسمع : السلًم عليكم ، قالت – خديجة - : فظننتُ أنه فجأة الجنً ، فقال : ( أبشروا فإن السلًم خير ) . انظر الحديث بنصه في شرح الزرقاني : انظر ( شرح الزرقاني ) وغيره .
عدد الصفحات ١٣١132 ثم رأى يوماً آخر جبريل عليه السلًم على الشمس: جناح له بالمشرق ، وجناح له بالمغرب قال : ( فهِبتُ 1 منه) . فانطلق يريد أهله ، فإذا هو بينه وبين الباب ، قال : ( فكلًمني حتى أنِستُ به ، ثم وعدني موعداً ، قال : فجئت لموعده ، واحتبس عليً جبريل ) وفي رواية : ( فأبطأ عليً ) فلما أراد أن يرجع إذا هو به – أي : بجبريل – وبميكائيل صلى الله عليهما فهبط جبريل غلى الأرض ، وبقي ميكائيل بين السماء والأرض ، قال : ( فأخذني جبريل فسلقني لحلًوة2 القفا وشقً عن بطني– وفي رواية : فألقاني لحلًوة القفا – أي : وسطه – ثم شقً عن قلبي ، فأخرج منه ما شاء الله ، ثم غسله في طستٍ من ذهب ثم أعاده فيه ثم كفأني – اي : قلبني – كما يُكفأ الإناء ، ثم ختم في ظهري حتى وجدت مسً الخاتم ) . والحكمة في هذا الشقً – كما أفاده المحققون – هو الزيادة في إكرامِه وإمدادِه صلى الله عليه وسلم ، وتقويته وإعداده ، ليتلقًى ما يُوحى إليه بقلبٍ قويٍ في أكمل الأحوال القدسية المرضية . وأما المرة الرابعة : فقد شُقً صدره الشريف ليلة الإسراء ، كما ورد في ( الصحيحين ) عن أنس رضي الله عنه ، عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدًثه عن ليلة أسري به : قال : ( بينما أنا في الحطيم – وربما قال : في الحِجر – مضطجعاً ، إذ أتاني آتٍ ، فشقً ما بين هذه إلى هذه – يعني ثغرة نحره إلى شِعرته - ، فاستخرج قلبي ، ثم أتيتُ بطستٍ من ذهبٍ مملوء إيماناً – وفي رواية للبخاري : بطستٍ ملئ حكمة وإيماناً – فغُسل قلبي ، ثم حُشي – أي : حشي إيماناً وحكمة – ثم أعيد . في رواية : ( فهلتُ منه ) وهو من كلامه صلى الله عليه وسلم . هذا لفظ الحديث الوارد في ( مسند ) أبي داود الطياليسي ص من الطبعة الأولى بمطبعة حيدر آباد .
عدد الصفحات ١٣٢133 - وفي رواية للبخاري: ثم أتيت بماءٍ بطستٍ من ذهب ممتلئ حكمةً وإيماناً فأفرغه في صدري ، ثم أطبقه – ثم أتيتُ بدابًة : دون البغل وفوق الحمار ، أبيض .. ) الحديث . والحكمة في هذا الشقً – كما أفاده العارفون – هي الزيادة في إكرامه صلى الله عليه وسلم وإعظامه ، والزيادة في إمداده وإعداده ، للتأهب للوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته ، ومشاهدة الأنوار والأسرار ، وتجلًيات الجمال والجلًل . قال في ( المواهب وشرحه ) وروي شقً صدره مرة خامسةً وهو ابن عشرين سنةً – فيما قيل – ولّ تثبت ، فلً تذكر إلّ مقرونةً ببيان عدم الثبوت اهـ 1 . وقال الحافظ القسطلًني أيضاً: ثم إن جميع ما ورد من شقً الصدر واستخراج القلب ، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة : مما يجب التسليم له ، دون التعرًض لصرفه عن حقيقته ، لصلًحيًة القدرة ، فلً يستحيل شيء من ذلك . قال الشارح الزرقاني : لأن القدرة إنما تتعلًق بالممكن دون المستحيل ، هكذا قاله القرطبي في ( المُفهم ) والطيبي ، والتوربشتي ، والحافظ في ( الفتح ) ، والسيوطي وغيرهم ، ويؤيده الحديث الصحيح أنهم كانوا يرون أثر المِخيط في صدره صلى الله عليه وسلم . وقال أيضاً : قال السيوطي : وما وقع من بعض جهلة العصر من إنكار ذلك وحمله على الأمر المعنويً ، وإلزام قائله القولَ بقلب الحقائق : فهو جهل صُراح ، وخطأ قبيح ، نشأ من خذلّن الله تعالى لهم ، وعكوفهم على العلوم الفلسفية ، وبُعدهم عن دقائق السنًة ، عافانا الله من ذلك – انتهى كلًم السيوطي2 . فما أزكى قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وما أبرًه ، وما أكرمه وما أعظمه ! حقاً إنه أعظم القلوب وخيرها وأزكاها . انظر ( شرح الزرقاني ) : كما في ( شرح المواهب ) :
عدد الصفحات ١٣٣134 سعة قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم وقوته : قال الله تعالى : ( نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكونَ من المنذرين ) . ففي هذه الْية إيماء إلى تخصيص قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم بنزول القرآن عليه دون سائر القلوب ، وذلك لكمال اتًساعه الذي منحه الله تعالى إيًاه وقوة تحمُّله لتنزُّلّت القرآن العظيم ، الذي لو أنزل على الصمً الراسيات والجبال الشامخات ، لتصدًعت وتشقًقت من خشية الله تعالى – قال تعالى : (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللههِ ... ) الْية . وإن قلباً نزل عليه القرآن الكريم بأسراره وأنواره ، وحروفه ومعانيه ، وروحه وحقائقه ، حقاً إن هذا القلب أوسع القلوب وأقواها ! قال تعالى : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَّ الإِْيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْ نَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنهكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) . فأفاض من بحر أسرار قلبه الشريف ، على قلوب أتباعه ، وأشعً في مرايا قلوبهم من مشارق أنواره ، ومن تدبًر في قوله تعالى : (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْ دِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنهكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) فهم المعنى قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم أتقى القلوب : جاء في ( صحيح ) مسلم عن أبي ذر في الحديث القدسي : ( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم : ما زاد ذلك في ملكي شيئاً .. ) الحديث . فهذا القلب الذي هو أتقى القلوب المشار إليه في الحديث ، هو قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال : ( أما والله إني لأخشاكم للَّ ، وأتقاكم له ) الحديث في ( الصحيحين ) .
عدد الصفحات ١٣٤135 كما وأن قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم أنقى القلوب وأسلمها : ففي ( سنن ) أبي داود عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لّ يبلًغني أحد عن أحدٍ من أصحابي شيئاً ، فإني أحبُّ أن أخرج إليكم وأنا سليمُ الصدر ) ، وروى ابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عمرو رضي الله عنهما قال : قيل يا رسول الله : أيُّ الناس أفضل ؟ قال : ( كلُّ مخمومِ القلب ، صدوق اللسان ) . قالوا : صدوق اللسان نعرفه ، فما مخموم القلب ؟ قال : ( هو التقيُّ النقيُّ ، لّ إثمَ فيه ، ولّ بغي ، ولّ غلً ، ولّ حسد ) . كما وأن قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم ألين القلوب وأرقُّها : قال الله تعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللههِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًًا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَّنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ...) الْية ، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم غليظ القلب بل كان ليًناً . وروى الطبراني عن أبي عنبة الخولّني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن للَّ تعالى آنيةً من أهل الأرض ، وآنيةُ ربكم قلوب عباده الصالحين ، وأحبُّها إليه ألينها وأرقُّها )1 . يقظة قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم: لقد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم يقظة القلب ، فهو في توجُّه إلى الله تعالى ووعي عنه دائمين ، لّ تعتريه غفلة ، ولّ يطرأ على قلبه صلى الله عليه وسلم شائبة نومة ، ولذا كانت رؤياه المنامية من جملة طرق الوحي وأنواه ، كما أن نومه لّ ينقض وضوءه صلى الله عليه وسلم ، وقد ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة . قال الحافظ الهيثمي : إسناده حسن . وقال شيخه العراقي : فيه بقية بن الوليد وهو مدلس ، لكنه صرح بالتحديث فيه اهـ من ( فيض القدير ) للمناوي .
عدد الصفحات ١٣٥136 ففي( صحيح ) البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها في حديث قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل ، قالت عائشة : قلتُ : يا رسول الله أتنام قبل أن توتر ؟ فقال : ( يا عائشة إن عينيً تنامان ولّ ينام قلبي ) . وفي ( صحيح ) مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ... وإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم : عرَبهم وعَجمهم إلّ بقايا من أهل الكتاب 1 ، وقال: إنما بعثتُك لأبتليك وأبتليَ بك ، وأنزلتُ عليك كتاباً لّ يغسله الماء 2 تقرأه نائماً ويقظان... ) الحديث . وروى البخاري عن جابر رضي الله عنه قال : ( جاءت ملًئكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم – وفي رواية الترمذي : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني رأيتُ في المنام كأنً جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي – فقال بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم : إن العين نائمة ، والقلب يقظان . فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلًً ، قال : فاضربوا له مثلًً ! فقالوا : مثَلُه كمَثل رجل بنى داراً ، وجعل فيها مأدبة 3 ، وبعثَ داعياً ، فمن أجابَ الداعي دخل الدار وأكل من المأدُبة . ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدُبة . قيل : المراد بالكتاب هنا : الكتب السماوية السابقة ، فيكون الحديث محمولاً على حال الناس قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فإن الجهالة عمتهم فأعمتهم ، فمقتهم الله تعالى إلا بقايا قليلة ممن تمسك بالكتاب : أي : بالكتب السماوية . والمعنى : أن الماء لا يمحوه من الارض ، فإن محي من السطور فهو محفوظ في الصدور ، وذلك لأن الله تعالى هو تكفل بحفظه حيث قال : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) فحفظه في محافظ وألواح لا يمحوها الماء ، ألا وهي صدور العلماء والقراء ، قال تعالى : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ... ) الآية . المأدبة : هي الأطعمة التي تعد للولائم ، والمراد بالمأدبة هنا الجنة .
عدد الصفحات ١٣٦137 فقالوا: أوًلوها له يفقهها – اي : يفهمُ ها – فقال بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان . فقالوا : فالدارُ الجنةُ ، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم - فمن أطاع محمداً صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله ، ومن عصى محمداً فقد عصى الله ... ) الحديث . وفي ( سنن ) الدارمي : ( أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له : لتنمْ عينُك ، ولتسمَع أذنك ، وليعقل قلبُك ، قال : فنامت عيناي ، وسمعت أذناي ، وعقل قلبي . فقيل لي : سيًد بنى داراً ، فصنع مأدبة ، وأرسل داعياً ، فمن أجاب الداعي : دخل الدار ، وأكل من المأدبة ، ورضي عنه السيًد ، ومن لم يجب الداعي : لم يدخل الدارَ ، ولم يَطعَم من المأدبة ، وسخِط عليه السيًد ) . قال : ( فاللَّ السيًد ، ومحمدٌ الداعي ، والدار الإسلًم ، والمأدبة الجنًة ) . وقد ذكر علماء السلف والخلف طرق الوحي وأنواعه ، ومن جملتها رؤياه المنامية صلى الله عليه وسلم ، كما دلً عليه حديث عائشة رضي الله عنها : ( أوًل ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصًادقة في النوم ، فكان لّ يرى رؤيا إلّ جاءت مثل فلَق الصبح ... ) الحديث . وقد استدلً السهيلي وغيره على أنها من الوحي بقول الخليل إبراهيم على نبينا وعليه الصلًة والسلًم لولده كما أخبر الله تعالى عنه : ( يا بنيً إني أرى في المنام أني أذبحُك ) ثم قيامه بتنفيذ الرؤيا . خاتم النبوة لقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم كان بين كتفيه خاتم النبوًة ، وهو كما قال علماءُ الحديث : بضعة لحمٍ ناشزة – أي : مرتفعة – في
عدد الصفحات ١٣٧138 ظهره الشريف ، عند ناغض كتفه اليسرى ، عليها شعرات كأنها خيلًن ، يزهو بالنور ، وتعلوه المهابة ، وينفح بالطيب . روى الترمذي وغيره عن أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا وصفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في جملة أوصافه : بين كتفيه خاتم النبوة ، وهو خاتم النبيًين ... الحديث كما تقدًم . وروى الترمذي عن رميثة رضي الله عنها قالت : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم – ولو شاء أن أقبًل الخاتم الذي بين كتفيه من قربه لفعلت – يقول لسعد بن معاذ يوم مات : ( اهتزً له عرش الرحمن ) . أوصاف خاتم النبوة : جاء في خاتم النبوًة أوصاف متعددة ، ولّ تنافي بينها ، كما سنبيًن إن شاء الله تعالى . ففي ( الصحيحين ) – واللفظ للبخاري – عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال : ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : ( يا رسول الله إن ابن أختي وَجعَ 1 فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسي ، ودعا لي بالبركة ، وتوضًأ ، فشربتُ من وضوئه ثم قمتُ خلفَ ظهره ، فنظرتُ إلى خاتم النبوًة بين كتفيه مثلَ زر الحَجَلة 2 ) وروى الترمذي عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أنه قال : ( أتيتُ النبي صلى الله عل يه وسلم وهو في ناسٍ من أصحابه ، فدُرتُ هكذا من خلفه ، فعرف الذي أريد ، فألقى الرداء عن ظهره صلى الله عليه وفي رواية : وقع – بكسر القاف – والمراد أنه كان يشتكي رجله . قال الإمام النووي في ( شرحه ) : أما زر الحجلة فبزاي ثم راء – اي : واحد الأزرار التي توضع في العرى التي تكون للخيمة – قال : والحجلة : بفتح الحاء والجيم ، هذا هو الصحيح المشهور ، والمراد بالحجلة واحدة الحجال ، وهي : بيت كالقبة – أي كالقبة الصغيرة تعلق على السرير – لها أزرار كبار وعرى ، هذا هو الصواب المشهور ، الذي قاله الجمهور اهـ
عدد الصفحات ١٣٨139 وسلم ، فرأيتُ موضع الخاتم على كتفيه مثل الجُمْع 1 حولها خيلًنٌ2 كأنها ثآليل ، فرجعتُ حتى استقبلته فقلتُ : غفر الله لك يا رسول الله ! فقال : ( ولك ) فقال القوم : استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : نعم ، ولكم ، ثم تلً هذه الْية : ( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) ) . وقد رواه مسلم وفيه : ( ثمً دُرتُ خلفه صلى الله عليه وسلم فنظرتُ إلى خاتم النبوًة ، بين كتفيه عند ناغِض 3 كتفه اليسرى ، جمعاً ، عليه خيلًنٌ كأمثال الثآليل ) . وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال : ( رأيتُ خاتماً في ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه بيضة حمام ) . وروى الإمام أحمد والترمذي – واللفظ له – عن أبي نضرة العوقي قال : سألتُ أبا سعيد الخدري رضي الله عنه عن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ( كان في ظهره بضعة ناشزة ) – أي قطعة لحم مرتفعة - . وروى الترمذي وغيره عن علباء قال : حدثني عمرو بن أخطب الأنصاري قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا زيد أدن مني فامسح ظهري ) فمسحتُ ظهره ، فوقعت أصابعي على الخاتم . قلتُ : وما الخاتم ؟ قال : شعراتٌ مجتمعات . بضم الجيم وإسكان الميم ، ومعناه أنه كجمع الكف ، وهو صورته بعد أن تجمع الأصابع وتضمها ، كما أوضحه النووي – والمراد : أن تجمع الاصابع وتضم إلى باطن الكف ، كالقابض على الشيء كما بينه الحافظ الزرقاني . ـ قال : وأما الخيلان : فبكسر الخاء المعجمة وإسكان الياء ، جمع خال ، وهو الشامة في الجسد – والله أعلم اه قال الإمام النووي : وأما ناغض الكتف : فالبنون والغين والضاد المعجمتين ، والغين مكسورة ، وقال الجمهور : النغض والناغض : أعلى الكتف ، وقيل : هو العظم الرقيق الذي على طرفه ، وقيل : ما يظهر منه عند التحرك اهـ
عدد الصفحات ١٣٩140 قال العلماء: واختلًف أقوال الرواة في أوصاف خاتم النبوة ، ليس من باب التنافي بينها ، وإنما هي باعتبار أنً كلًً منهم شبًه بما سنحَ له وظهر ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يستره ، باعتبار أنه في ظهره الشريف صلى الله عليه وسلم ، فواصفه إما رآه من غير قصد ، أو أنه صلى الله عليه وسلم أراه له ، مع ملًحظة الرائي مقام الهيبة والوقار والأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال العلًمة القرطبي في ( شرحه على صحيح مسلم ) : الأحاديثُ الثابتة دالًة على أنً خاتم النبوًة كان شيئاً بارزاً أحمر ، عند كتفه الأيسر ، إذا قُلًل : قدر بيضة – اي : قيل فيه قدر بيضة الحمام – وإذا كُثًر : جُمعُ الكفً – أي : قيل فيه قدرُ جُمعِ الكفً 1 - . حكمة وضعه بين الكتفين الشريفين : ذكر العلماءُ في ذلك وجوهاً من الحِكم ، قال الحافظ ابن كثير : ومن أحسن ما ذكره ابن دحية رحمه الله ، وغيره من العلماء قبله ، في الحكمة في كون الخاتم كان بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إشارة إلى أنه لّ نبيً بعدك يأتي من ورائك 2 اهـ. وقال في ( الفتح ) : قال العلماء : السرُّ في ذلك أنً القلب في تلك الجهة . وقال العلًمة السهيلي في ( الروض الأنُف ) : وحكمة وضعه – اي : الخاتم – عند النُّغض – من الكتف اليسرى – لأنه معصوم من وسوسة الشيطان ، وذلك الموضع منه يدخل الشيطان اهـ فكان ذلك حفظاً له من الشيطان . وروى ابن عبد البرً بسند قويً إلى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز أنً رجلًً سال ربًه أن يُريه موضع الشيطان من ابن آدم ، فأري جسدهُ مُمهى 3 انظر جميع ذلك في شرح الزرقاني و( فتح الباري ) . انظر ( البداية والنهاية ) / قال الزرقاني : ممهى بضم الميم الأولى وسكون الثانية وتخفيف الهاء ، من أمهاه ، أي : مصفى . وفي ( النهاية ) : ممهى على وزن مصفى .
عدد الصفحات ١٤٠141 يُرى داخله من خارجه ، وأري الشيطان في صورة ضفدع ، عند كتفه حذاء قلبه ، له خرطوم كخرطوم البعوضة ، وقد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه ، يوسوس إليه ، فإذا ذكر الله تعالى العبدُ خنَسَ . قال في ( الفتح ) : وهو مقطوع ، وله شاهد مرفوع عن أنس عند أبي يعلى وابن عدي ولفظه : ( إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم .. ) الحديث قال : وأورد ابن أبي داود في ( كتاب الشريعة ) من طريق عروة بن رُ ويم ، أن عيسى عليه السلًم سأل ربه أن يُريه موضع الشيطان من ابن آدم ، قال : فإذا برأسه مثل الحية ، واضع رأسه على تمرَة القلب ، فإذا ذكرَ العبدُ ربًه خنَس ، وإذا غفل وسوس اهـ1 . متى خُتم له صلى الله عليه وسلم بخاتم النبوة: اختلف العلماء هل أنه صلى الله عليه وسلم ولِد وعليه خاتم النبوة ، أم إنه وضع له بعد ولّدته ؟ فقيل : وُلد به ، نقله ابن سيد الناس ، وردًه في ( الفتح ) ثم قال : واختلف القائلون بالثاني – أي : بأنه وضع له بعد الولّدة – فقيل : حين ولد صلى الله عليه وسلم وضع له خاتم النبوًة – واستدلوا على ذلك بحديث فيه نكارة وقيل : عند شقً صدره صلى الله عليه وسلم وهو في بني سعد – لما ورد في حديث عتبة بن عبد – عند الإمام أحمد والطبراني . قال الحافظ الزرقاني : وقطع به القاضي عياض ، وقال الحافظ – ابن حجر - : وهو الأثبت اهـ . وقيل : إنه عند المبعث ، لما تقدم في حديث عائشة رضي الله عنها وفيه : _ وختَم في ظهري حتى وجدتُ مسً الخاتم في قلبي وقال : اقرأ .. ) الحديث انظر ( فتح الباري ) :4
عدد الصفحات ١٤١142 وقيل: إنه ليلة المعراج ، لما ورد عند أبي يعلى وابن جرير والحاكم في حديث المعراج من حديث أبي هريرة 1 . قال الحافظ الزرقاني: وطريق الجمع أن الختم تكرًر ثلًث مرات : في بني سعد – أي : في صغره صلى الله عليه وسلم - ثم عند المبعث ، ثم ليلة الإسراء ، كما دلًت عليه الأحاديث – أي : الأحاديث الثابتة – قال : ولّ بأس بهذا الجمع فإنً فيه إعمال الأحاديث كلها ، إذ لّ داعي إلى ردً بعضها ، وإعمال بعضها ، لصحة كل منها ، وإليه أشارَ الشامي – أي : في سيرته – قال : وأما رواية بعد الولّدة ، فضعيفة ، وأما أنه وُلد به : فضعيف أيضاً ، يُطلب زاعمه بدليله اهـ2 . سبب تسميته بخاتم النبوة : قال العلًمة القرطبي وغيره : سمً ي بذلك لأنه أحد العلًمات الواضحة التي يعرفه بها أهل الكتب السابقة اهـ وذلك لما ورد في جملة صفاته صلى الله عليه وسلم وأمارات صدقه ، في الكتب السماوية السابقة – أن بين كتفيه صلى الله عليه وسلم خاتم النبوة . ولذلك لما أخبر بعض الرهبان سلمان الفارسي بظهور النبي في الحجاز ووصفه له ، وأنً من علًمات صدقه : عدم قبول الصدقة ، وقبول الهدية ، وأن بين كتفيه خاتم النبوًة ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يفحص عنها ، فلما رأى الخاتم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم . روى الترمذي وأحمد وغيرهما عن بريدة رضي الله عنه قال : جاء سلمان الفارسي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة ، بمائدة عليها رُطب ، فوضعت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا سلمانُ ما هذا ؟ ) . فقال : صدقة عليك وعلى أصحابك . انظر ( فتح الباري ) و ( شرح المواهب ) انظر ( شرح الزرقاني على المواهب ) :
عدد الصفحات ١٤٢143 فقال: ( ارفعها ، فإنًا لّ نأكل الصدقة ) قال : فرفعها . فجاء سلمانُ الغدَ بمثله فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما هذا يا سلمان ؟) فقال : هدية لكَ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( ابسطوا ) . ثم نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن به . وكان – رقيقاً 1 - لليهود ، فاشتراه2 رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا درهماً ، على أن يغرس لهم نخلًً ، فيعمل سلمان فيه حتى يُطعِم ، فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم النخيل إلّ نخلةً واحدةً غرسها عمر ، فحملت النخل من عامها ولم تحمل النخلة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما شأن هذه النخلة ) ؟ فقال عمر : يا رسول الله أنا غرستها ، فنزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغرسها فحملت من عامها . ومن ذلك ما ورد في قصة – بُحيراء أو بحيرا – الراهب ، ومعرفته بالنبي صلى الله عليه وسلم بسبب خاتم النبوة المخبر عنه في الكتب السابقة . وسبب ذلك أنه كان في بلاد فارس بين قوم مجوس ، فهرب من بينهم ولحق بجماعة من الرهبان في القدس ، فدله أحدهم على ظهور النبي صلى الله عليه وسلم بأرض العرب ، فقصد الحجاز مع جمع من الأعراب ، فباعوه لليهود اهـ كما في ( شروح الشمائل ) للترمذي . قال العلامة البيجوري : أي : تسبب في كتابة اليهود له ، لأمره بذلك ، فتجوز بالشراء عما ذكر ، وقوله : ( بكذا وكذا درهماً ) أي : بعدد يشتمل على العطف ، ولم يبينه في هذا الحديث ، وفي بعض الروايات أنه أربعون أوقية ، قيل : من فضة ، وقيل : من ذهب ، وقد بقي عليه ذلك حتى أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاج من ذهب ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( ما فعل الفارسي المكاتب ؟ ) فدعي فقال له : ( خذها فأدها مما عليك ) قال سلمان : فأين تقع هذه مما علي ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( خذها ، فإن الله سيؤدي بها عنك ) قال : فأخذتها فوزنت لهم منها أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم – فعتق سلمان رضي الله عنه اهـ
عدد الصفحات ١٤٣144 روى الترمذي عن أبي موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام ، وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش ، فلما أشرفوا على الراهب – بحيرا – هبطوا فحلُّوا رحالهم ، فخرج إليهم الراهب ، وكانوا قبل ذلك يمرُّون به فلً يخرج إليهم . قال : فهم يحلُّون رحالهم فجعل يتخلًلهم الراهب – أي : يمشي بينهم ويطلب في خلًلهم شخصاً – حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : هذا سيًد العالمين ، هذا رسول رب العالمين ، يبعثه الله رحمة للعالمين . فقال له أشياخ قريش : ما علمك ؟ - أي : ما سبب علمك بذلك ؟ - . فقال – الراهب - : إنكم حين أشرفتم من العقبة ، لم يبق شجر ولّ حجر إلّ خرً ساجداً ، ولّ يسجدان إلّ لنبيً ، وإني أعرفه بخاتم النبوة ، أسفل من غضروفة كتفه ، مثل التفاحة . ثم رجع فصنع لهم طعاماً ، فلما أتاهم به وكان هو – أي : النبي صلى الله عليه وسلم – في رِعية الإبل . فقال : أرسلوا إليه ، فأقبل وعليه غمامةٌ تُظلًه ، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة ، فلما جلس صلى الله عليه وسلم مال فيء الشجرة عليه ، فقال – أي : الراهب للقوم – انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه . فقال : أنشدكم الله أيُّكم وليُّه – أي : قريبه - ؟ قالوا : أبو طالب . فلم يزل يُناشده – أي : يناشد أبا طالب – حتى ردًه أبو طالب – أي : أعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة خوفاً عليه من الروم أن يقتلوه – وبعث معه أبو بكر بلًلًّ وزوًده الراهب من الكعك والزيت . قال الترمذي : حديث حسن غريب ، وقال الجزري : إسناده صحيح ورجاله رجال ( الصحيحين ) أو أحدهما – وذكر أبي بكر وبلًل فيه غير محفوظ ، وعدًه أئمتنا وهماً ، وهو كذلك ، فإن سنً النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذل ك اثنتا
عدد الصفحات ١٤٤