المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شمائله الحميدة ، خصاله المجيدة

عبد الله سراج الدين

صفحة ٨ من ٣١

113 فقال صلى الله عليه وسلم: ( لّ يأتي الخير إلّ بالخير 1 - وفي رواية: إنه لّ يأتي الخير بالشرً – إن هذا المالَ خضِرةٌ حُلوة ، وإن كلً ما أنبتَ الربيع 2 يقتلُ حَبَطاً أو يلمُّ ، إلّ آكلة الخضرة ، أكلت حتى إذا امتدًت خاصرتاها استقبلت الشمس فاجترًت وثلطت وبالت ، ثم عادت فأكلت ، وإن هذا المال حلوة ، من أخذه بحقًه ووضعه في حقًه ، فنِعم المعونة هو ، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولّ يشبع ) ، فاستدلً كثير من العلماء بهذا الحديث على أن الحديث النبوي هو نازل بالوحي من عند الله تعالى . كما استدلوا على ذلك أيضاً بما رواه البخاري وغيره أن يعلى بن أبي أمية قال لعمر رضي الله عنه : أرِني النبي صلى الله عليه وسلم حين يُوحى إليه ، قال : فبينما النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ، ومعه نفر من أصحابه ، جاءه رجل فقال : يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمًخ بطيب ؟ . فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعةً فجاءه الوحي ، فأشار عمر إلى يعلى رضي الله عنهما ، فجاء يعلى وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب قد أظلً به ، فأدخل – يعلى – رأسه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحمرُّ الوجه ، وهو يغطُّ ، ثم سُرًي عنه ، فقال : ( أين الذي سأل عن العمرة ؟ ) فأتي بالرجل ، فقال : ( اغسل الطيبَ الذي بك ثلًث مرات وانزع عنك الجبًة ، واصنع في عمرتك ما تصنعُ في حجتك ) . وفي رواية الدارقطني : كررها ثلاث مرات . وفي رواية : ( وإن مما ينبت الريبع ما يقتل حبطاً أو يلم ) أما الحبط : ( فهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل ) وأما قوله : ( أو يلم ) – بضم أوله – فمعناه يقرب من الهلاك – وهذا مثال ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن تهافتَ على الدنيا ومالها ، وعميَ بها عن دينه وآخرته ، وجمع ومنع ، ولم يعرف حق الله تعالى في هذا المال ، حتى بطر وفجر ، ومثال لمن أخذ هذا المال من الدنيا بحقه ووضعه في حقه وأدى حقوقه الواجبة عليه ، ولم يشغله ذلك عن دينه ، ولم يتعام بذلك عن آخرته ، فنِعمَ الرجل !

عدد الصفحات ١١٣

114 الدليل الثالث: ومن الأدلة على كثرة علومه صلى الله عليه وسلم : إظهارهُ صلى الله عليه وسلم على المغيًبات . فمن علومه صلى الله عليه وسلم إظهار الله تعالى له على كثير من المغيًبات ، قال الله تعالى : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلًَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلّه مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنههُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ) وقال تعالى : ( وَإِذْ أَسَره النهبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمها نَبهأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللههُ عَلَيْهِ عَرهفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمها نَبهأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبهأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) . واطًلًعه صلى الله عليه وسلم على المغيًبات هو على وجوه متعددة نذكر أطرافاً منها : الوجه الأول : إطًلًعه صلى الله عليه وسلم على بدء الخلق ، حتى دخل أهلُ الجنةِ الجنة ، وأهلُ النارِ النارَ ، كما دلً عليه ما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً ، فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النارَ ، حفِظه من حفظه ، ونسيه من نسيه ) . وفي ( الصحيحين ) عن حذيفة رضي الله عنه قال : ( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا مقاماً ، ما ترك فيه شيئاً إلى قيام الساعة إلّ ذكره ، علمه من علمه وجهِله من جهله ) . قال حذيفة : وقد كنتُ أرى الشيء قد كنتُ نسيتُه فأعرفه كما يعرف الرجل الرجلَ إذا غابَ فرآه فعرفه . كما أخبر صلى الله عليه وسلم عما هو كائن بعده إلى يوم القيامة ، ففي ( صحيح ) مسلم عن عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال : ( صلًى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً الفجر وصعِد المنبر ، فخَطبنا حتى حضرت الظهرُ ، فنزل فصلًى ، ثم صعد المنبر ، فخطبنا حتى حضرت

عدد الصفحات ١١٤

115 العصر ، فنزل فصلًى ، ثم صعد المنبر ، فخطبنا حتى غربت الشمس ، فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة ، فأعلمُنا أحفظُنا ) . فما ترك أمراً يكون إلى يوم القيامة إلّ أخبر عنه صلى الله عليه وسلم . وروى أبو داود عن حذيفة رضي الله عنه قال : ( والله ما أدري أنسيَ أصحابي أم تناسَوا ؟ والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد فتنةٍ إلى أن تنقضي الدنيا يبلغُ من معه ثلثمائةٍ فصاعداً إلّ سمًاه لنا : باسمه واسم أبيه واسم قبيلته ) . كما أنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن جميع أشراط الساعة الصغرى والوسطى والكبرى ، وأخبر عن أحوال الْخرة وبرازخها ، وأحوال أهل الجنة ، وأحوال أهل النار ، وتفاصيل أمورهم كلها ، كما هو مبيًن في كتب السنة ، وفي هذا دليل على سعة العلوم التي أفاضها الله تعالى عليه صلى الله عليه وسلم الوجه الثاني : إطًلًعه صلى الله عليه وسلم على العوالم ، كما صحً في أحاديث المعراج من أنه صلى الله عليه وسلم عُرجَ به إلى السموات السبع ودخلها ، واحدةً واحدةً ، ورأى فيها ما رأى ، واجتمع مع الرسل عليهم الصلًة والسلًم ، ثم عُرج به إلى سدرة المنتهى ، ورأى آياتها وعجائبها ، والتجليات المتواردة عليها ، ثم إلى مستوىً سمع فيه صريفَ الأقلًم ، إلى ما هنالك من العوالم العلويًة . كما أنه صلى الله عليه وسلم أطلعه الله تعالى على عالم العرش ، بدليل أنه صلى الله عليه وسلم بيًن سعةَ العرش ، وأنه أوسعُ العوالم ، فعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع

عدد الصفحات ١١٥

116 عند الكرسي إلّ كحلقةٍ مُلقاةٍ في أرض فلًة ، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلًة على تلك الحلقة )1 كما أنه صلى الله عليه وسلم تكل م عن العرش وأن له قناديل ، وهي العوالم العرشية ، وأن له الظلال ، وأن له القوائم ، وأن له الكنوز كما في ( الصحيحين ) : ( .. فإذا موسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش ) . وتحد ث صلى الله عليه وسلم عن حمَلة العرش ، وعن قوة حملة العرش وعظمهن ، كما ورد في ( المسند ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا محمدٌ النبي الأميٌ ، ولا نبي بعدي – قالها ثلاثاً – أوتيتُ فواتح الكلِم وخواتمه ، وعل متُ كم خزنة النار ، وحملةُ العرش .. ) الحديث . وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أذنَ لي أن أحد ث عن ملَكٍ من ملائكة الله تعالى من حملة العرش ، إن ما بين شحمة أذُنه إلى عاتقه مسيرةُ سبعمائة عام ). وفي رواية الطبراني : ( مسيرة سبعمائة عام خفقانَ الطير السريع ) . كما أنه صلى الله عليه وسلم أطلعه الله تعالى على عالم الجنة والنار ، ومُ ثًلتا له ، في عدًة مناسبات ، ففي حديث المعراج : ( ثم أدخلتُ الجنة ، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ ، وإذا ترابُها المِسك الأذفر ) . كما أنه صلى الله عليه وسلم أطلعه الله تعالى على عالم البرزخ وأحوالهم وشؤوناتهم ، وعالم الحشر ، وأحوال الناس فيه ، وعالم العرض ، وعالم الحوض ، وأخذ الصحف والحساب والميزان والصراط ، وأحوال أهل الجنة ، وأهل النار ، وحدًث عن جميع تلك العوالم وفصًل أمورهم صلى الله عليه وسلم . رواه ابن مردويه ، وكذلك روى نحوه ابن جرير وغيره ، كما في ( تفسير ) الحافظ ابن كثير .

عدد الصفحات ١١٦

117 كما أنه صلى الله عليه وسلم أطلعه الله تعالى على العوالم العلوية ، وما يجري بين الملأ الأعلى من الّختصام حول الكفًارات والدرجات ، وتجلًت له الأشياء كلًها وعرفها ، كما في الحديث الذي رواه الترمذي وأحمد وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إني قمتُ من الليل فصلًيتُ ما قُ دًر لي ، فنعستُ في صلًتي حتى استثقلتُ ، فإذا أنا بربي عز وجلً فقال لي : يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلتُ : لّ أدري ) وفيه أن الله تعالى أفاض على النبي صلى الله عليه وسلم العلوم حتى قال : ( فتجلًى لي كل شيء وعرفت – وفي رواية : فعلمتُ ما في السموات وما في الأرض – وفي رواية الطبراني : فعلًمني كل شيء – وفي رواية له : فما سألني عن شيء إلّ علًمته – ثم قال لي : يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : في الكفًارات والدرجات .. ) الحديث 1 . الوجه الثالث: عرضُ الأمم عليه صلى الله عليه وسلم – وذلك أنه صلى الله عليه وسلم عُرضت عليه الأمم كلُّها : الأمم قبله وأمته بعده ، ومثًلت له أمته صلى الله عليه وسلم في عدة مناسبات ، وفي ( الصحيحين ) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عُرضت عليً الأمم ، فرأيت النبيً ومعه الرُّهَيط2 ، والنبيً ومعه الرجل والرجلًن ، والنبيً وليس معه أحد ، إذ رُفع لي سواد عظيم ، فظننتُ أنهم أمًتي ، فقيل لي : هذا موسى صلى الله عليه وسلم وقومه ، ولكن انظر إلى الأفق فنظرت ، فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : انظر إلى الأفق الْخر ، فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : هذه أمتك ، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنًة بغير حساب ولّ عذاب : هم الذين لّ يرقون ولّ يسترقون ، ولّ يتطيًرون – وفي رواية : ولّ يكتوون – وعلى ربهم يتوكًلون )3 . انظر تمام الحديث في كتابنا: ( الصلاة في الإسلام ) . تصغير رهط ، وهي الجماعة دون العشرة . وهذه رواية مسلم باختصار

عدد الصفحات ١١٧

118 وروى الطبراني والضياء عن حذيفة بن أسيد أن النبيصلى الله عليه وسلم قال : ( عُرضت عليً أمتي البارحة لدى هذه الحُجرة ، حتى لأنا أعرفُ بالرجل منهم من أحدكم بصاحبه ، صُّوروا لي في الطين ) . الوجه الرابع : رفع الدنيا له وإراءته إياها : كما وأنه صلى الله عليه وسلم رفع الله له الدنيا فنظر إليها . روى الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله قد رفع لي الدنيا ، فأنا أنظر إليها ، وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة ، كأنما أنظر إلى كفي هذه )1 . ويشهد لهذا الحديث: ما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها .. ) الحديث كما تقدم . بل أراه الله تعالى جميع الأشياء ، كما روى مسلم وغيره عن أسماء رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من شيء لم أكن أريتُه إلّ رأيته في مقامي هذا ، حتى الجنة والنار .. ) الحديث . فعمًت رؤيته صلى الله عليه وسلم لجميع ما هنالك واطًلع عليه . الوجه الخامس من إظهاره على المغيًبات : رؤيته صلى الله عليه وسلم آثار الأمور الغيبية قبل وقوعها . جاء في ( الصحيحين ) عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : ( أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطَم من آطام 2 المدينة فقال: ( هل ترون ما أرى ؟ ) قالوا : لّ . قال : ( فإني لأرى مواقع الفتن خلًل بيوتكم كمواقع القطر ) . انظر ( شرح المواهب ) . الأطم : هو البناء المرتفع .

عدد الصفحات ١١٨

119 وفي( صحيح ) مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديثه عن غزوة بدر قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول : ( هذا مصرع فلًن غداً إن شاء الله تعالى ، وهذا مصرع فلًن إن شاء الله ) قال عمر : فو الذي بعثه بالحق ما أخطأ الحدود التي حدًها رسول الله صلى الله عليه وسلم .. الحديث . وفي رواية لمسلم عن أنس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هذا مصرع فلًن ) ويضع يده على الأرض ها هنا وها هنا ، قال : ( فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي : ما جاوز الموضع الذي عيًنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار إليه الوجه السادس : انجلًء الأمور الغيبية الخفية له صلى الله عليه وسلم قبل ظهورها وإخباره عنها ومن ذلك ما روى الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته وقال : ( يدخل عليكم من هذا الباب – أو من هذا الفجً – رجل من خير ذي يمن ، ألّ إن على وجهه مسحةَ ملك ) . وفي رواية للطبراني : ( يطلعُ عليكم خيرُ ذي يمن ، عليه مسحة ملك ) فطلع جرير بن عبد الله رضي الله عنه . وروى الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه قال : كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( يطلعُ الْن عليكم رجل من أهل الجنة ) فطلع رجل من الأنصار تنطفُ لحيته من وضوئه – وفي رواية البيهقي : فجاء سعد بن مالك فدخل منه .. الحديث . وعن مزيدة بن مالك قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال : ( يطلعُ عليكم من هذا الفجً ركبٌ من خير أهل المشرق ) .

عدد الصفحات ١١٩

120 فقام عمر فتوجًه في ذلك الوجه فرأى ثلًثة عشر راكباً ، فرحًب وقرًب ، وقال : من القوم ؟ قالوا : قوم من عبد القيس .. الحديث 1 الوجه السابع: انكشاف الضمائر النفسية له صلى الله عليه وسلم وإخباره بذلك : روى الحاكم والبيهقي عن ابن عباس ، وروى ابن سعد عن ابي إسحاق السبيعي قالّ : رأى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي ، والناس يطأون عقبه – أي : يمشون وراءه – فقال أبو سفيان في نفسه : لو عاودتُ هذا الرجل القتال ، وجمعت له جمعاً – فجاء عليه الصلًة والسلًم حتى ضرب في صدر أبي سفيان وقال له : ( إذن نُ خزيك ) . فقال أبو سفيان : أتوب إلى الله وأستغفر الله ، ما أيقنتُ أنك نبيً إلّ الساعة ، إني كنتُ لأحدًث نفسي بذلك 2 . ومن ذلك: ما رواه الإمام أحمد في ( مسنده ) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قلتُ لرجل : هلمً فلنجعل يومنا هذا للَّ عزً وجلً – اي : نشتغل فيه بالعبادة – قال أبو موسى : فو الله لكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد هذا اليوم ، فخطب فقال : ( ومنهم من يقول : هلمً فلنجعل يومنا هذا للَّ عز وجلً ) فما زال يقولها حتى تمنًيت أن الأرض ساخت بي – أي : غاصت بي . وقد روى الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح ، وأورد أهل السير ، قصة عمير بن وهب الجمحي ، لما تكفًل له صفوان بن أمية بوفاء ديونه ، ونفقة عياله ، على أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وأسرًا ذلك بينهما ، ثم قال في ( مجمع الزوائد ) : رواه الطبراني وأبو يعلى ، ورجالهما ثقات ، وفي بعضهم خلاف ، وقال الزرقاني : سنده جيد ، وهذا الوفد وفد عبد القيس الوارد ذكرهم في ( الصحيحين ) انظر ( شرح المواهب ) وذلك يوم فتح مكة

عدد الصفحات ١٢٠

121 ذهب عمير متوشًحاً سيفه المسموم إلى المدينة ، فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأذِن له ، فقال له صلى الله عليه وسلم : ( ما جاء بك ؟ ) . فقال : جئتُ لهذا الأسير الذي في أيديكم . فقال له صلى الله عليه وسلم : ( فما بالُ السيف في عنقك )؟ فقال عمير : قبًحها الله من سيوف ، فهل أغنت عنا شيئاً ؟ ! فقال : ( اصدقني ما الذي جئتَ له ؟ ) قال : ما جئتُ إلّ لهذا . فقال له صلى الله عليه وسلم : ( بلى ، قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحِجر ، فتذاكرتما أصحاب القليب من قريش ، فقلتَ : لولّ دينٌ عليً وعيالي ، لخرجتُ حتى أقتل محمداً ! فتحمًل صفوان لك بدينك وعيالك على أن تقتلني ، والله حائلٌ بيني وبين ذلك ) . فقال عمير : أشهد أنك رسول الله ، قد كنًا يا رسول الله نكذًبك بما كنتَ تأتينا به من خبر السماء ، وما ينزل عليك من الوحي ، وهذا أمر لم يحضره إلّ أنا وصفوان ، فو الله إني لأعلم ما أنبأك به إلّ الله ، فالحمد للَّ الذي هداني للإسلًم وروى ابن سعد وغيره عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم ، وابو سفيان جالسٌ في المسجد ، فقال أبو سفيان في نفسه : ما أدري بمَ يغلِبنا محمد ؟ فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فضرب في صدره وقال : ( باللَّ نغلِبك ) فقال أبو سفيان : أشهد أنك رسول الله 1 . وروى ابن هشام وغيره أن فضالة بن عُمير بن الملوًح همً أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يطوف بالبيت ، عام الفتح ، فلما دنا من النبي صلى الله عليه وسلم قال له صلى الله عليه وسلم : ( أفضالة – وفي رواية : يا فضالة ) . كذا في ( شرح الزرقاني على المواهب )

عدد الصفحات ١٢١

122 فقال: نعم يا رسول الله . قال صلى الله عليه وسلم : ( ماذا كنت تحدًث به نفسك ؟ ) . فقال : لّ شيء – كنتُ أذكر الله . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له : ( استغفِر الله ) أي : مما حدًثت به نفسك ، وقولك : لّ شيء – ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدر فضالة ، فسكن قلبه – أي : ثبت فيه الإسلًم ومحبة خير الأنام – فكان فضالة يقول : والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئاً أحبً إليً منه صلى الله عليه وسلم . قال فضالة : فرجعتُ إلى أهلي فمررتُ بامرأةٍ كنت أتحدًث إ ليها ، فقالت : هلمً إلى الحديث ! فقال فضالة : قالت : هلمً إلى الحديث ، فقلتُ : لّ يأبى عليً الله والإسلًم ! لو ما رأيتِ محمداً وقبيله بالفتح يوم تكسًر الأصنام لرأيت دين الله أضحى بيًناً والشرك يغشى وجهه الإظلًمُ 1 الوجه الثامن: اطلًعه صلى الله عليه وسلم على الأمور القلبية وإجابته السائل قبل سؤاله ، وهذا باب واسع جداً : فمن ذلك : ما رواه الإمام أحمد عن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال : أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لّ أدعَ شيئاً من البرً والإثم إلّ سألتُه عنه فقال لي : ( أدنُ يا وابصة ) فدنوت منه حتى مسًت ركبتي ركبته . فقال صلى الله عليه وسلم : ( يا وابصة أخبركَ ما جِئت تسأل عنه أو تسألني ؟) . فقلت : يا رسول الله أخبرني . كذا في ( شرح المواهب والإصابة ) وغيرهما .

عدد الصفحات ١٢٢

123 فقال صلى الله عليه وسلم: ( جئتَ تسألني عن البر والإثم ) قلتُ : نعم . فجمع أصابعه الثلًث فجعل ينكتُ بها في صدري ، وقال : ( يا وابصة استفتِ نفسك ، البرُّ ما اطمأنًت إليه النفس ، واطمأنً إليه القلب ، والإثم ما حاك في القلب وتردًد في الصدر ، وإن أفتاك الناس وأفتوك ) . الوجه التاسع : بشائره الغيبية – فعن عبد الله بن بُسر قال : وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسي فقال : ( يعيش هذا الغلًم قرناً ) فعاش مائة سنةٍ . وكان في وجهه ثؤلول فقال : ( لّ يموت حتى يذهب الثؤلول من وجهه ) فلم يمت حتى ذهب الثؤلول من وجهه 1 . ذكرى حول الْية المتقدمة: وهي قوله تعالى : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلًَ يُظْ هِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلّه مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنههُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) . فإنه سبحانه بيًن لعباده أنه هو الذي يعلم الغيب المطلق علماً ذاتياً لّ نهاية له ، كما قال تعالى : ( قل لّ يعلم من في السموات والأرض الغيبَ إلّ الله .. ) وقال تعالى : ( له غيب السموات والأرض .. ) الْية . وقال تعالى : ( وعنده مفاتِحُ الغيب لّ يعلمها إلّ هو .. ) الْية . وقد أخبر سبحانه في هذه الْية الكريمة أنه يظهر على غيبه من ارتضى من رسول ، فيُطلعه على ما شاء من الغيب حسب الحكمة الإلهية . فقد أطلع سبحانه سيدنا عيسى عليه السلًم على بعض المغيًبات ، ليكون ذلك آية على صدق نبوته وحجةً على قومه ، قال تعالى : ( وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدهخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنه فِي ذَلِكَ لَْ يَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) . اقال في ( مجمع الزوائد ) : رواه الطبراني والبزار ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير الحسن بن أيوب الحضرمي وهو ثقة اهـ

عدد الصفحات ١٢٣

124 فهو سبحانه يُطلع رسله عليهم الصلًة والسلًم على ما شاء من المغيًبات ، بمقتضى حكمته ، ليكون ذلك بيًنةً على صدق نبوتهم ، حيث لم يكن ذلك بواسطة آلّت ، ولّ بتدخل أسباب عادية ، أو دلّلة علًمات عرفية ، بل بمجرد إنباء الغيب الإلهي . ومن هنا يُعلم أن علم التنجيم ، وعلم الفلك ، وعلم الّرصادات الجوية ، ونحوها من العلوم التي تُستنتج منها بعض المعلومات الخفية ، فإنها منوطة بأصولٍ علمية ، ومبنية على قواعد وضوابط عرفية عادية ، تُعطي تلك النتائج الخفية ، فلً يُقال : إنها من باب العلم بالمغيًبات أصلًً ، إذ أن علم الغيب شرطه أن يكون مجرًداً عن المواد والوسائط الكونية ، والأسباب العادية ، والعلًمات العرفية ، كما نبًه على ذلك المحقًقون . إذ لّ يُقال للطبيب الذي يتعرًف من مقياس النبض على قوة القلب وضعفه ، والذي يتعرف بجسً المريض وفح صه الطبي على مرضه الخفيً – لّ يُقال : إن هذا من باب العلم الغيبي . كما أن العالم الفلكي الذي يتعرًف بالّرصادات والمقاييس الجوية ، إلى التغيًرات الحارًة والباردة ونحوها – لّ يقال إن ذلك من علم الغيب !. ثم إن قوله تعالى : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلًَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلّه مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ) الْية . هذا لّ ينافي قوله تعالى : (قُلْ لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللههِ وَلَّ أَعْلَمُ الْغَيْبَ ) الْية . أو المراد : إني لّ أعلم الغيب إلّ أن يعلمني الله تعالى ، ويطلعني على ما شاء من الغيب . كما وأن قوله تعالى : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلًَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلّه مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ .. ) الْية ، لّ ينفي عن أولياء الله تعالى اطً لًعهم على بعض المغيًبات ، وذلك : لأنه إن أريد بـ الرسول في الْية الكريمة : الرسول البشري – كما عليه الجمهور – فاطًلًع الأولياء على بعض المغيبات إنما حصل لهم

عدد الصفحات ١٢٤

125 باتًباعهم لرسولهم ، وبواسطته يُ كرمون ، وحينئذ يكون ذلك داخلًً في الكرامات ، وكل كرامة لوليً فهي معجزة لنبيًه ، قد نالها باتباعه له ، صلوات الله على نبينا وعلى الأنبياء أجمعين . وإن أريد بـ الرسول : الرسول الملكي – كما قاله بعضهم – فهو ينزل بالوحي النبوي على الأنبياء ، وينزل بالإلهام الصادق على قلوب الأولياء ، ويُلقي إليهم ويحدًثهم ، وكيف يجوز إنكار اطًلًع الأولياء على بعض المغيًبات ، وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة ؟ ! ومن ذلك ما ورد في الصحيحين وغيرهما واللفظ للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد كان فيما قبلكم محدًثون ، فإن يكن في أمتي أحدٌ فإنه عمر ) . وروى البخاري أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل يكلًمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمتي أحدٌ منهم : فعمر ) . قال في ( فتح الباري ) : والمحدًث : هو من ألقي في رُوعه شيء من قِبل الملأ الأعلى ، فيكون كالذي حدًثه غيره به ، وقيل : مكلًم أي : تكلًمه الملًئكة بغير نبوة ، وهذا ورد من حديث أبي سعيد مرفوعاً ولفظه : قيل : يا رسول الله كيف يحدًث ؟ قال : ( تتكلًم الملًئكة على لسانه ) . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن يكن من أمتي أحد فإنه عمر ) : لم يرد مورد التردُّد ، بل هذا من باب التأكيد ، كما يقول الرجل : إن يكن لي صديق فإنه فلًن ، يريد اختصاصه بكمال الصداقة ، لّ نفي الأصدقاء عنه ، ولذا ورد في الترمذي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه ) اهـ ، فهذه الأحاديث صريحة في إثبات الإلهام ، والتحدث عن المغيبات ، وفي سنن الترمذي وغيره عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اتًقوا فِراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور الله – ثم قرأ : ( إن في ذلك لْياتٍ للمتوسًمين ) ) .

عدد الصفحات ١٢٥

126 وروى ابن جرير عن ثوبان مرفوعاً: ( احذروا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور الله ، وبتوفيق الله ) . وروى البزار عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن للَّ عباداً يعرفون الناس بالتوسًم ) . ومن ذلك قصة عثمان بن عفان رضي الله عنه لما دخل عليه الرجل وقد نظر إلى امرأة أجنبية ، فقال له عثمان : يدخل أحدكم علينا وفي عينيه أثر الزنا ! فقال الرجل : أوحيٌ بعد رسول الله يا أمير المؤمنين ؟ فقال له : لّ ، ولكن فراسة مؤمنٍ صادقةٌ . الدليل الرابع : من الأدلة على كثرة علومه صلى الله عليه وسلم – علمه صلى الله عليه وسلم بأصناف المخلوقات ، وأنواع أمم الحيوانات ، وبأحكامها وبأوضاعها وتفاصيل أمورها . روى الطبراني بإسنادٍ رجاله رجال الصحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : ( لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في السماء طائر يطير بجناحيه إلّ ذكر لنا منه علماً 1 . ) وروى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ( لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يحرًك طائر جناحيه في السماء إلّ ذكر لنا منه علماً ) . وزاد الطبراني في روايته أيضاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما بقي شيء يقرًب من الجنة ويباعد من النار ، إلّ وقد بُيًن لكم ) . فقد ذكر صلى الله عليه وسلم للصحابة علماً كبيراً حول عالم الطير ، وفي هذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان واسعَ العلم في نواحي أصناف العالم كله . وأيضاً فيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم بيًن جميع المهام الكونية ، المتعلًقة بمصالح العالم وسعادة البشر ، من جميع الوجوه والّعتبارات ، فإنه انظر ( مجمع الزوائد ) : الجزء الثامن ، وتفسير ابن كثير في مواضع منه .

عدد الصفحات ١٢٦

127 صلى الله عليه وسلم الذي تناول ذكر عالم الطير كيف يتصور منه أن يُهمل بيان ناحية إصلًحية من نواحي المصالح البشرية ، ويترك ذكرها ، ويتناول ذكر عالم الطير وأحكامه ؟! لّ – بل إنه صلى الله عليه وسلم بيًن جميع النواحي الإصلًحية وطرق السعادات البشرية على أكمل وجوهها . وقد روى ابو يعلى بإسناده عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنه قال : قلً الجراد في سنة من سِني عمر رضي الله عنه التي وليً فيها ، فسأل عمر عن الجراد ؟ فلم يخبر بشيء ، فاغتمً لذلك ، فأرسل راكباً إلى كذا ، وآخر إلى الشام ، وآخر إلى العراق ، يسأل : هل رؤي من الجراد شيء أم لّ ؟ قال : فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد فألقاها بين يديه ، فلما رآها كبًر ثلًثاً ، ثم قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( خلق الله عز وجلً ألف أمة ، منها ستمائة في البحر ، وأربعمائة في البرً ، وأوًل شيءٍ يهلِك من هذه الأمم الجراد ، فإذا هلكت تتابعت مثل النًظام إذا قُطع سَلكه )1 . وهذه الأحاديث بيانٌ لقوله تعالى : (وَمَا مِنْ دَابهةٍ فِي الأَْرْضِ وَلَّ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلّه أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرهطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمه إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) وقد بيًن النبي صلى الله عليه وسلم ما يترتًب على حشرها المخبر عنه في هذه الْية ، وما يجري بينها من القصاص يوم القيامة . ففي ( صحيح ) مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لتؤدُّنً الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ، حتى يُقاد للشاة الجلحاء – أي : التي لّ قرن لها – من الشاة القرناء ) . ورواه أحمد بلفظ : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يُقتصً للخلق بعضهم من بعض ، حتى للجمًاء من القرناء ، وحتى للذرًة من الذرًة ) . قال الحافظ المنذري : ورواته رواة الصحيح اهـ انظر هذا الحديث في تفسير ابن كثير وغيره .

عدد الصفحات ١٢٧

128 فالطير أمًة من الأمم ، والنمل أمًة من الأمم ، كما ورد في( الصحيح ) : ( قرصت نملة نبيًاً من الأنبياء ، فأمر بقرية النمل فأحرقت ، فأوحى الله إليه : أن قرصَتك نملة – أهلكتَ أمة من الأمم تسبًح ! ) . والنحل أمة كما أخبر سبحانه : ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ، ومن الشجر ، ومما يعرشون .. ) الْيات . والمراد بالأمة هنا : صنفٌ من المخلوقات ذات نظام في حياتها ومعاشها وتناسلها ، وذات انتظام في مجتمعها ، فمنها الْمر والمأمور ، إلى ما هنالك . قال تعالى : (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النهمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَّ يَحْطِمَنهكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَّ يَشْعُرُونَ ) . فلما أراد سليمان عليه الصلًة والسلًم أن يمرً بجنوده نادت قائدة النمل ورئيستهم – نادتهم فأمرتهم أن يدخلوا مساكنهم مخافةَ أن تطأهم أقدام الجيش ، وبيًنت لهم أنهم إذا لم يدخلوا المساكن فسوف تطؤهم الّقدام ، ويكون الجيش معذوراً في ذلك ، لأنهم لّ يشعرون بأن النمل تحت أقدامهم . هذا ، وإنً بحار علومه صلى الله عليه وسلم لّ يحيط بها إلّ الله تعالى الذي أفاضها عليه ، وقد جاء في ( الصحيحين ) وغيرهما – واللفظ للبخاري – عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس ، فصلًى الظهر ، فلمًا سلًم قام على المنبر ، فذكر الساعة وذكر أن بين يديها أموراً عظاماً ثم قال : ( من أحبً أن يسأل عن شيء فليسأل عنه ، فوالله لّ تسألوني عن شيء – أي : عن أيً شيء كان – إلّ أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا ) . قال أنس : فأكثر الأنصار البكاء ، وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : ( سلوني ) فقال أنس : فقام رجل فقال : أين مدخلي يا رسول الله ؟ قال : ( النار )

عدد الصفحات ١٢٨