المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شمائله الحميدة ، خصاله المجيدة

عبد الله سراج الدين

صفحة ١٠ من ٣١

145 عشرة سنة ، وابو بكر أصغر منه بسنتين ، وبلًل لعله لم يكن وُلد في ذلك الوقت اهـ كما في ( المرقاة ) . وقال الحافظ ابن حجر في ( الإصابة ) : الحديث رجاله ثقات ، وليس فيه سوى هذه اللفظة – اي : ذكر أبي بكر وبلًل – فيحتمل أنها مدرجة فيه ، منقطعة من حديث آخر ، وهماً من أحد رواته اهـ . حول خلقه العظيم صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنه لَكَ لأََجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنهكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) . أقسم الله تعالى بنون ، وهو المدد الإلهي الفيًاض ، الذي منه استمداد القلم الأعلى المستفيض ، وهو أوًل ما خلق الله تعالى ، كما ورد في الحديث الذي رواه الترمذي والإمام أحمد عن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن أول ما خلق الله القلم ، فقال له : اكتُب . قال : يا ربً وما أكتبُ ؟ فقال : اكتُب ما هو كائن إلى يوم القيامة .. ) الحديث . ثم أقسم سبحانه بجميع ما تسطره الملًئكة وما يسطره المسطًرون : ما أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم بفضل نعمة ربك عليك بالنبوة والرسالة بمجنون ، لأنً مواقف رسالتك ودعوتك الحكيمة ، وشريعتك المستقيمة ، هي في أعلى درجة العلم والحكمة ، فكيف يُتصوًر هذا ويلتقي مع قولهم فيك مجنون ؟! بل المجنون هو الذي يتًهم صاحب العلم والحكمة والفهم بالجنون ! . ( وإنً لك ) يا رسول الله على هذا التحمُّل والصبر على أذاهم بالقول والفعل ( لأجراً غير ممنون ) أي : غير مقطوع . ( وإنك ) يا رسول الله في الأخلًق السامية التي علوت قِمتها ، وانتهيتَ إلى ذروتها ، إنك حقاً ( لعلى خُلُق عظيم ) . فهو صلى الله عليه وسلم عظيم في كل ناحية من نواحي الأخلًق الكاملة ، فهو عظيم صلى الله عليه وسلم في حلمه وسماحته ، عظيم في كرمه وسخائه ،

عدد الصفحات ١٤٥

146 عظيمٌ في شجاعته ، عظيم في تواضعه ، عظيم في كريم عشرته ، عظيم في حيائه ، عظيم في أدبه ، عظيم في رحمته ورأفته ، عظيم في سائر أخلًقه صلى الله عليه وسلم ! وكيف لّ يكون صاحبَ الخُ لق العظيم وقد تخلًق بالقرآن العظيم ! كما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها سُئلت عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : ( كان خُلقه القرآن : يغضب لغضبه ، ويرضى لرضاه ) رواه مسلم وأبو داود . وروى ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : ( كان أحسنَ الناسِ خُلُقاً ، كان خُلُقه القرآن : يرضى لرضاه ويغضب لغضبه ، لم يكن فاحشاً ولّ متفحًشاً ، ولّ صخًاباً في الأسواق ، ولّ يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ) . ثم قرأت : إقرأ : ( قد أفلح المؤمنون .. ) إلى العشر الْيات ، فقرأ السائل ، فقالت : ( هكذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم ) . وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما كان أحدٌ أحسنَ خُلُقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعاه أحدٌ من أصحابه ولّ من أهل بيته إلّ قال : ( لبيك ) فلذلك أنزل الله تعالى : ( وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم )1 . وعن عمر بن الخطًاب رضيالله عنه أن رجلًً نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثلًثاً ، كلُّ ذلك يردُّ عليه : ( لبًيك لبيًك )2 . سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو المثل الأكمل في الخَلق والخُلُق روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناس وجه اً ، وأحسنهم خُلُقاً ) . رواه ابن مردويه وأبو نعيم بسند ضعيف اهـ من ( شرح الزرقاني ) 4 : 4 قال في( مجمع الزوائد ) : رواه أبو يعلى في ( الكبير ) عن شيخه جبارة بن المغلس ، وثقه ابن نمير ، وضعفه الجمهور ، وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح اهـ 1 :

عدد الصفحات ١٤٦

147 فهو صلى الله عليه وسلم أجمل خلق الله تعالى خَلقاً ، وأكملهم خُلُقاً ، بل هو فيًاض المكارم والكمالّت على العالم . ففي ( مسند ) أحمد وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بُعثتُ لأتمًم صالحَ ا لأخلًق ) . وروى الإمام مالك في الموطأ بلًغاً أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( بُعثتُ لأتمًم مكارم الأخلًق ) قال الإمام أبو القاسم رضي الله عنه : وإنما كان خُلُقه عظيماً لأنه لم يكن له صلى الله عليه وسلم هِمًة سوى الله تعالى . فقد جمع صلى الله عليه وسلم مكارم الأخلًق التي جاءت بها الأنبياء قبله ، وجاء بها كلًها ، وزادهم كمالًّ على الكمال ، وجمالًّ فوق جمال . ولقد أثنى الله تعالى على حبيبه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعظيم خُلُقه ، وكمال أدبه وفضله ، في التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية ، كما أثنى عليه ومدحه بعظيم خُلُقه ، وكمال أدبه وفضله ، في القرآن العظيم . روى البخاري عن عطاء بن يسار قال : لقيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ، فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال : ( أجل إنه صلى الله عليه وسلم لموصوفٌ ف ي التوراة ببعض صفته في القرآن : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشًراً ونذيراً ، وحرزاً للأمًيًين ، أنت عبدي ورسولي ، سمًيتك المتوكًل ، ليس بفظً ولّ غليظ ، ولّ صخًاب1 بالأسواق ، ولّ يدفع السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الصخب والسخب : الصياح واضطراب الأصوات للخصام .

عدد الصفحات ١٤٧

148 الملًة العوجاء ، بأن يقولوا: لّ إله إلّ الله ، ويفتح به أعيناً عُمياً ، وآذاناً صُمًاً ، وقُلوباً غُلفاً 1 . ) وعن وهب بن منبًه: أوحى الله تعالى إلى نبيً من بني إسرائيل ، يقال له شعياء ، أن قُم في بني إسرائيل فإني سأطلق لسانك بوحي ، فقام فقال : ( يا سماء اسمعي ، ويا أرض أنصتي ، فإن الله تعالى يريد أن يقضي شأناً ، ويدبًر أمراً ، وهو منفًذه : إنًه يريد أن يبعث أمًياً من الأمًيين ، ليس بفظً ولّ غليظٍ ، ولّ صخًاب في الأسواق .لو يمرً على السراج لم يطفئه من سكينته ، ولو يمشي على القصب واليابس لم يُسمع من تحت قدميه . أبعثه بشيراً ونذيراً ، لّ يقول الخنا 2 ، أفتحُ به أعيناً عُمياً ، وآذاناً صُمًاً ، وقلوباً غُلفاً ، وأسدًده بكل أمر جميل ، وأهبُ له كل خُلُقٍ كريم . وأجعل السكينة لباسه ، والبرً شعاره ، والتقوى ضميره ، والحكمة منطقه ، والصدق والوفاء طبيعته ، والعفو والمعروف خُلُقه ، والحقً شريعته ، والعدل سيرته ، والهدى إمامه ، والإسلًم ملًته ، وأحمد اسمه . وأعرًف به بعد النكرة ، وأكثِّر به بعد القلًة ، وأغني به بعد العَيلة ، وأجمع به بعد الفرقة ، وأؤلف به بين أمم متفرقة ، وقلوب مختلفة ، وأهواء مشتًتة ، وأستنقذ به فئاماً من الناس عظيماً من الهَلكة . وأجعل أمًته خير أمًة أخرجت للناس : يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، موحًدين مؤمنين ، مخلصين ، مصدًقين بما جاءت به الرسل 3 ) أي: يفتح قلوباً مغشاة مغطاة بظلمتها ، فيفتحها بنور الإيمان الذي جاء به صلى الله عليه وسلم . الخنا : هو الفحش في القول . أورده الحافظ ابن كثير في ( تفسيره ) ، وعزاه لابن أبي حاتم ، وأورده القسطلاني في ( المواهب ) وعزاه لابن إسحاق .

عدد الصفحات ١٤٨

149 كمال لطفه ولين عريكته صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللههِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًًا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَّنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) الْية . كان صلى الله عليه وسلم ليًن الجانب ، سهل الخُلُق ، حسن المعاشرة مع الأهل والأصحاب وسائر الناس ، يعطي جليسه حظاً كبيراً من الّنبساط والملًطفة وحسن المقابلة . روى الترمذي عن عليً رضي الله عنه أنه كان إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أجود الناس صدراً ، وأصدقهم لهجةً ، وألينهم عريكةً ، وأكرمهم عشرةً .. ) الحديث . وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : ( لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولّ متفحًشاً ، وكان يقول : ( إنً من خياركم أحاسنكم أخلًقاً ) ) ومن لطفه صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يقابل أحداً بما يكره :فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ( لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم سبًاباً ، ولّ فاحشاً ، ولّ لعًاناً ، وكان يقول لأحدِنا عن المعتَبة : ( مالَهُ تَرِبت جبينُه ! ) ) . بل كان صلى الله عليه وسلم أشدً الناس لطفاً : روى أبو نعيم في ( الدلّئل ) عن أنس رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدً الناسِ لطفاً ، والله ما كان يمتنعُ في غداةٍ باردةٍ من عبدٍ ولّ أمة تأتيه بالماء ، فيغسل وجهه صلى الله عليه وسلم بالماء وذراعيه . وما سأله سائلٌ قط إلّ أصغى إليه ، فلً ينصرف صلى الله عليه وسلم حتى يكون هو – أي : السائل – الذي ينصرف عنه . وما تناول أحدٌ يده قطً إلّ ناوله إيًاها ، فلً ينزع صلى الله عليه وسلم يدَه حتى يكونَ الرجل هو الذي ينزعها منه ) .

عدد الصفحات ١٤٩

150 انبساطه صلى الله عليه وسلم مع الأهل وذوي القربى روى مسلم في ( صحيحه ) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال : استأذن عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء1 من قريش يكلًمنه ويستكثرنَه2 ، عاليةً أصواتُهنً– فلمًا استأذنَ عمر قُمن يبتدِرنَ الحجاب 3 ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ، فقال عمر : أضحكَ الله سنًك يا رسول الله 4 ؟. فقال صلى الله عليه وسلم : ( عجبتُ من هؤلّء اللًًتي كنً عندي ، فلمًا سمعنَ صوتك ابتدرن الحجاب ) فقال عمر : فأنت يا رسول الله أحقُّ أن يهبنَ ، ثم قال عمر : أي عدوًات أنفُسهنً أتهبنني ولّ تهبنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! قلنَ : نعم أنت أغلظ وأفظً 5 . فقال صلىالله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ما لقيكَ الشيطانُ قطُّ سالِكاً فجًاً إلّ وسلك فجًاً غير فجًك )1 قال الحافظ ابن حجر: أي : نسوة من أزواجه صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون معهن غيرهن – أي : من أقاربه المحارم . قال الإمام النووي في شرحه : قال العلماء : معنى يستكثرنه : يطلبن كثيراً من كلامه وجوابه بحوائجهن وفتاويهن . وقوله : ( عالية أصواتهن ) قال القاضي عياض : يحتمل أن هذا من قبل النهي عن رفع الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن علو أصواتهن إنما كان باجتماعهن ، لا أن كل واحدة بانفرادها صوتها أعلى من صوته صلى الله عليه وسلم اهـ أي : لأن عمر هو بالنسبة إليهن أجنبي ، فيجب الاحتجاب منه ، وفي هذا دليل مشروعية حجاب المرأة بالنسبة للأجنبي عنها حتى الوجه ، فإنه يجب ستره أيضاً . 4 أي: أدام الله فرحك الموجب لبروز سنك وظهور نورك ، ولكن لابد له من سبب ، وظهور أمر عجب ، فأطلعني عليه ، وشرفني بالإشارة إليه اهـ من ( المرقاة ) . أي : أنت يا عمر كثير الغلظة والفظاظة ، بخلافه صلى الله عليه وسلم ، فإنه لين الجانب كثير الرفق . قال الإمام النووي : قال العلماء : وليست لفظة ( أفعل ) هنا للمفاضلة ، بل هي بمعنى فظ غليظ اهـ

عدد الصفحات ١٥٠

151 كريم عشرته وحسن معاملته صلى الله عليه وسلم مع زوجاته وسائر أهله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كريمَ العِشرة مع زوجاتِه وسائر أهله ، يلًطفهنً ويمازحهنً ، ويعاملهنً بالودً والإحسان . روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خيركُم خيركُم لأهلِه ، وأنا خيركم لأهلي ) وزاد ابن عساكر في روايته : ( ما أكرمَ النًساء إلّ كريم ، ولّ أهانهُنً إلّ لئيم ) . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنً من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً ، وألطفهم بأهلِه ) رواه الترمذي . وروى الحاكم – وقال صحيح الإسناد – عن ابن عباس أنً النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خيركُم خيركُم للنساء ) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أكملُ المؤمنين إيماناً : أحسنُهم خُلُقاً ، وخياركم خياركم لنسائهم ) رواه الترمذي وقال : حسن صحيح . وروى ابن سعد عن عائشة رضي الله عنها أنها سُئلت : كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلً في بيته ؟ فقالت : ( كان ألينَ الناس ، بسًاماً ضحًاكاً ، لم يُرَ قطُّ ماداً رجليه بين أصحابه صلى الله عليه وسلم ) – وذلك لعظيم أدبه وكمالِ وقاره - . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : خرجتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وأنا جارية – أي : حديثة السنً – لم أحمل اللحم ولم أبدُن ، فقال للناس : ( تقدًموا ) فتقدًموا . ثم قال لعائشة رضي الله عنها : ( تعالي حتى أسابقَك ) فسابقتُه صلى الله عليه وسلم فسبقته . الفج : هو الطريق الواسع ، ويطلق على المكان بين الجبلين .

عدد الصفحات ١٥١

152 فسكتَ عني ، حتى حملتُ اللحم وبدُنتُ وسمنتُ ، فخرجتُ معه صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( تقدًموا ) فتقدًموا ، ثم قال : ( تعالي أسابقكِ ) . قالت عائشة رضي الله عنها : فسبقني ، فجعل يضحك صلى الله عليه وسلم ويقول : ( هذه بتلك )1 رواه أبو داود وأحمد. وكان صلى الله عليه وسلم يعاونُ أهلَه في الأمور البيتية : روى البخاري عن الأسود قال : سألتُ عائشة رضي الله عنها : ما كان النبي يصنع في أهله ؟ فقالت : كان في مهنة أهله ، فإذا حضرت الصلًة قام إلى الصلًة . وفي هذا تنبيه للأمة أن يسيروا على هذا الكمال ، ولّ يكونوا من جبابرة الرجال ، خاصة مع الأهل والعيال . ولقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنساء خيراً في مناسبات متعددة ، وفي مجتمعات خاصة وعامة . ففي ( الصحيحين ) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( استوصوا بالنساء .. ) الحديث . وفي ( سنن الترمذي ) وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم حجة الوداع : ( ألّ فاستوصوا بالنساء خيراً .. ) الحديث . استماعه صلى الله عليه وسلم إلى حديث الزوجات بالملح والفكاهات تأنيساً لهنّ وملاطفة يعني أني سبقتك في هذه المرة الثانية ، في مقابل سبقتك تلك المرة الأولى ، وأراد بذلك أن لا تحزن .

عدد الصفحات ١٥٢

153 روى الشيخان والترمذي– واللفظ له – عن عائشة رضي الله عنها قالت : جلست إحدى عشرة امرأة فتعاهدنَ وتعاقدنَ أن لّ يكتُمنَ من أخبار أزواجهنً شيئاً 1 . فقالت الأولى: زوجي لحم جملٍ غثٍّ ، على رأس جبل وعر ، لّ سهل فيُرتقى ، ولّ سمين فيُنتقل 2 . قالت الثانية: زوجي لّ أبثُّ خبرَه ، إني أخاف أن لّ أذَرَه ، إن أذكره أذكر عُجره وبُجرَه 3 . قالت الثالثة: زوجي العشنهق 4 ، إن أنطِق أطلًق ، وإن أسكُت أعلًق. قالت الرابعة : زوجي كليل تِهامة 5 ، لّ حرً ولّ قرً ، ولّ مخافة ولّ سآمة قالت الخامسة : زوجي إن دخل فَهِد ، وإن خرج أسِد ، ولّ يسأل عما عهِد6 قالت السادسة: زوجي إن أكل لفً ، وإن شرب اشتفً ، وإن اضطجع التفً ، ولّ يولج الكفً ليعلم البثً 1 . أي: على أن لا يخفين شيئاً من أخبار أزواجهن : مدحاً أو ذم اً ، بل يذكرن جميع ذلك . تعني : أنها تشبه زوجها في ردائته بلحم جمل غث – أي : شديد الهزال – كائن على رأس جبل وعر – أي : صعب الوصول إليه – والمقصود : أن زوجها متكبر سيء الخلق ، لا يوصل إليه إلا بمشقة ، ولا ينفع زوجته في عشرة ولا في غيرها . أي : لا أنشر ولا أظهر خبره – ثم عل لت ذلك بقولها : إني أخاف أن لا أذره – أي : إني أخاف أن لا أتركه – يعني : أنها تخاف من ذكره أن يطلقها ويترتب على ذلك الشقاق والفراق ، وضياع الأطفال ، وقيل : المعنى إني أخاف أن لا أذره بعد الشروع في خبره ، والمراد بالعجر والبجر : عيوبه الظاهرة والخفية . 4 هو السيء الخلق ، السفيه . تهامة : هي مكة المكرمة وما حولها من الأغوار ، والمقصود من هذا التشبيه أن تصف زوجها بكمال الاعتدال في أموره ، وسهولة أخلاقه – كما في ( حاشية البيجوري ) . تعني أنه كالأسد في الحروب ، في قوته وشجاعته ، ولا يسأل عما عهد – أي : عما علم في بيته من الطعام والشراب وغيرهما ، لجوده وكرمه ( انظر حاشية البيجوري ).

عدد الصفحات ١٥٣

154 قالت السابعة: زوجي عَياياء – أو غياياء – طباقاء ، كل داءٍ له داء ، شجًكِ أو فلًك ، أو جمع كلً لك 2 . قالت الثامنة: زوجي المسُّ مسُّ أرنب ، والريح ريحُ زرنَب 3 . قالت التاسعة: زوجي رفيعُ العماد 4 ، طويل النًجاد5 ، عظيم الرماد6 ، قريب البيتِ من الناد7 . قالت العاشرة: زوجي مالكٌ ، وما مالك ؟ مالك خير من ذلك : له إبل كثيرات المبارك ، قليلًت المسارح ، إذا سمعنَ صوتَ المِزهر ، أيقنً أنهنً هوالك 8 قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع ، وما أبو زرع ؟ أناسَ من حُليً أذُنيً ، وبجًحني فبجِحت إليً نفسي9 ، وملأ من شحمِ عضديه10 1 أي: إن أكل أو شرب لم يبق بقية لعياله ، ولا يتفقد حال أهله إذا مرضن أو اشتكين – وقيل غير ذلك . كما في ( حاشية البيجوري ) أي : إن ضربك جرحك ، أو فلك : أي : كسرك ، أو جمعهما لك . فهي تمدحه بأن مسه كمس الأرنب في اللين والنعومة ، وبأنه طيب الرائحة كريح الزرنب : وهو نوع نبات رائحته طيبة . 4 كناية عن علو حسبه وشرف نسبه. تصفه بطول القامة ، والنجاد : حمائل السيف ، فالطويل يحتاج إلى طول حمائل سيفه – والعرب تمدح بذلك . تصفه بالجود ، وكثرة الضيافة من اللحوم والخبز ، فيكثر وقوده فيكثر رماده . النادي والندي : مجلس القوم ، فهي تصف زوجها بالكرم ، لأنه لا يقرب البيت من النادي إلا من صفته الكرم ، كما في شرح النووي تعني أن له إبلاً كثيراً ، فهي باركة بفنائه ، لا يوجهها تسرح إلا قليلاً قدر الضرورة ، فإذا نزل به الضيفان كانت الإبل حاضرة ، فيقريهم من ألبانها ولحومها ، ويضرب لهم المزهر والمعازف ، فإذا سمعت الإبل أصوات المزهر علمت أنه قد جاءه الضيفان وأنهن منحورات هوالك اهـ من شرح النووي . 1 أي: فرحني ففرحتُ ، وعظمني فعظمت عندي نفسي . المعنى : أنها سمنت عنده وامتلأت شحماً .

عدد الصفحات ١٥٤

155 قال الإمام النووي: ومعناه حلا ني قرطة وشنوفاً ، فهي تنوس – أي : تتحرك – لكثرتها .

عدد الصفحات ١٥٥

156 وجدني في أهل غنيمةٍ بِشقٍ ، فجعلني في أهل صهيل وأطيط ، ودائس ومُنق 1 ، فعنده أقول فلا أقب ح ، وأرقد فأتصب ح ، وأشربُ فأتقم ح2 . أمُّ أبي زرع ، فما أمُّ أبي زرع ؟ عكومها ردَاح3 ، وبيتها فَساح. ابن أبي زرع ، فما ابن أبي زرع ؟ مضجَعه كمَسل شطبة ، وتُشبعه ذراع الجفرة4 . بنت أبي زرع ، فما بنتُ أبي زرع ؟ طوع أبيها وطوع أم ها، وملء كسائها ، وغيظ جارتها . جارية أبي زرع ، فما جارية أبي زرع ؟ لا تبثُّ حديثنا تبثيثاً 5 ، ولا تنقثُ ميرتنا6 تنقيثاً ، ولا تملأ بيتنا تعشيشاً7 . قالت أم زرع: خرج أبو زرع والأوطاب تُمخض 8 ، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين ، يلعبان من تحت خصرها برمانتين ، فطل قني ونكحها . الصهيل : صوت الخيل ، والأطيط : صوت الإبل ، والمعنى : أنه وجدها في أهل غنم قليلة ، فهم في ضيق عيش ، فحملها إلى أهل خيل وإبل وبقر ، تدوس الزرع في بيدره لتخرج الحب من السنبل . ومنق : بفتح النون وتشدسد القاف ، وهو الذي ينقي الحب وينظفه من التبن بعد الدوس ، وروي منق بكسر النون من نقت الدجاجة إذا صوتت – كما في ( حاشية البيجوري على الشمائل ) والمعنى : تشرب حتى تروى ، وتدع الشراب من شدة الري . العكوم : الأعدال ، جمع عكم ، والرداح : العظيمة – والمعنى : أن أعدالها وأوعية طعامها عظيمة ثقيلة . 4 قال الإمام النووي: الجفرة بفتح الجيم ، الأنثى من أولاد المعز ، وقيل من الضأن ، وهي ما بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها ، والمراد : أنه قليل الأكل – والعرب تمدح به اهـ أي : لا تشيع حديثنا ، بل تكتم سر نا وحديثنا كله . الميرة هي الطعام المجلوب – ومعناه : لا تفسد وتفرقه ، ولا تذهب به فهي أمينة . والمعنى : أنها مصلحة للبيت معتنية بتنظيفه . الأوطاب : أسقية اللبن ، وتمخض : تحرك لاستخراج الزبد من اللبن .

عدد الصفحات ١٥٦

157 فنكحتُ بعده رجلاً سَرِياً 1 ، ركب شري اً2 ، وأخذ خطياً3 ، وأراحَ علي نِعماً نِعماً ثرياً 4 ، وأعطاني من كل رائحة زوجاً5 ، وقال: كلي أم زرعٍ ، وميري وميري أهلكِ ، فلو جمعتُ كل شيءٍ أعطانيه ما بلغَ أصغرَ آنية أبي زرعٍ . قالت عائشة رضي الله عنها : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كنتُ لكِ كأبي زرعٍ لأم زرعٍ ) . وجاء في رواية الهيثم بن عدي : ( كنتُ لكِ كأبي زرعٍ لأم زرعٍ ، في الألفة والوفاء ، لا في الفرقة والجلاء ) . وزاد الطبراني في روايته : ( إلا أنه طل قها ، وإني لا أطل قكِ ) . وزاد النسائي والطبراني : قالت عائشة رضي الله عنها : ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنت خيرٌ من أبي زرع ٍ ). وفي رواية النسائي : أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي ابتدأ الحديث ، فقال لعائشة رضي الله عنها : ( كنتُ لكِ كأبي زرعٍ لأم زرعٍ ) . فقالت رضي الله عنها : بأبي أنتَ وأم ي يا رسول الله ، ومن كانَ أبو زرعٍ ؟ ففقال صلى الله عليه وسلم : ( اجتمع نساء ... ) إلى تمام الحديث . فانظر يا أخي في حسنِ عِشرته صلى الله عليه وسلم ، وكريمِ خُلُقه مع أهله ، حيث أصغى إلى حديث عائشة رضي الله عنها ، وهي تحد ثه عن قصةٍ وقعت في الجاهلية ، من نساءٍ اجتمعنَ وتعاقدنَ على أن تخبر كل واحدةٍ منهن عن مواقف زوجها معها ، من حيث الأخلاقُ والمعاملةُ والمعاشرة ! . أي : من سراة الناس وأشرافهم أي : فرساً يستشري في سيره ، ويمضي بلا فتور . الخطي : الرمح . 4 أي: كثيرة ، من : الثروة في المال ، وهي كثرته . أي : من كل ما يروح من الإبل والبقر والغنم ، أعطاها زوجاً : أي : اثنين ، أو صنفاً كثيراً .

عدد الصفحات ١٥٧

158 وقد قال العلماءُ: يؤخذ من هذا الحديث : - ندب حسن المعاشرة للأهل . - وحلُّ السمر في خيرٍ ، كملاطفة زوجته ، وإيناس ضيفه . - وجواز ذكر المجهول عند المتكلم والسامع بما يكره – فإنه ليس غيبة ، وغاية الأمر أن عائشة رضي الله عنها ذكرت نساء مجهولات ، ذكر بعضهن عيوب أزواج مجهولين ، لا يُعرفون بأعيانهم ، ولا بأسمائهم ، ومثل هذا لا يعدُّ غيبة – كما أوضح ذلك الإمام النووي في شرحه . وفي ( التراتيب الإدارية ) : أخذ الأئمة من هذا الحديث جواز التحدُّث عن الأمم الماضية ، والأجيال البائدة ، وضرب الأمثال بهم ، لأن في سيرهم اعتباراً للمعتبر ، واستبصاراً للمستبصر ، واستخراجَ الفائدة للباحث المستكثر ، فإن في هذا الحديث خصوصاً إذا حُد ث به النساء م نفعةً في الحض على الوفاء للبعولة . قال القاضي عياض : وفيه – أي : في هذا الحديث – من الفقه : التحدُّث بملح الأخبار ، وطُرف الحكايات ، تسليةً للنفس 1 ، وجلاءٌ للقلب. وهكذا ترجم أبو عيسى الترمذي عليه : باب ما جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السمر . ثم قال – عياض - : ويُروى عن أمير المؤمنين علي كر م الله وجهه أنه قال : ( سلُّوا هذه النفوس ساعةً بعد ساعة ، فإنها تصدأ كما يصدأُ الحديد ) . وقال أيضاً : ( القلب إذا أُكره عَميَ ) . كما دل عليه هذا الحديث من تسلية نفس السيدة عائشة رضي الله عنها .

عدد الصفحات ١٥٨

159 ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: ( حَم ضوا – أي : إذا مللتم من الفقه فخذوا في الأشعار ، وأخبار العرب ) . قال : وهذا كلُّه ما لم يكن دائماً مت صلاً ، وأما أن يكون ذلك عادة الرجل حتى يُعرف به ، ويتخذه ديدناً ويُضحك به الناس فهذا مذموم غير محمود شرعاً . قال : وللاهتمام بفوائد هذا الحديث وكثرة ما استنبط منه ، أفرده بالتصنيف كثير من العلماء المتقد مين ، ثم ذكر أسماءهم اهـ باختصار . كريم عشرته صلى الله عليه وسلم مع الناس كلّهم جاء في ( الصحيحين ) عن أنس رضي الله عنه قال : ( خدمتُ النبي صلى الله عليه وسلم – وفي رواية أحمد : في السفر والحضر – عشرَ سنين – وفي رواية لمسلم : تسع سنين – فما قال لي أُفٍّ قط ، ولا قال لشيء صنعتُه : لمَ صنعتَه ؟ ولا لشيءٍ تركتُه : لمَ تركتَه ) . وفي رواية أبي نعيم : قال أنس : ( فما سب ني صلى الله عليه وسلم قط ، ولا ضربني من ضربة ، ولا انتهرني ، ولا عبسَ في وجهي ، ولا أمرَ في أم ر فتوانيتُ فيه فعاتبني عليه ، فإن عاتبني عليه أحدٌ من أهله قال : ( دعوه ، لو قُد رَ شيءٌ كان ) ) . أدبه الرفيع مع من يحدّثه صلى الله عليه وسلم كان صلى الله عليه وسلم يُصغي كل الإصغاء إلى من يحد ثه ، أو يسأله ، ويقبل عليه ويلاطفه : روى أبو داود عن أنس رضي الله عنه قال : ( ما رأيتُ رجلاً التقم أذنَ النبي صلى الله عليه وسلم – يعني يكل مه سراً – فينح ي رأسه عنه ، حتى يكون الرجلُ هو الذي ينح ي رأسه ، وما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده رجل فترك يده ، حتى يكون الرجلُ هو الذي يدعُ يدَه ) .

عدد الصفحات ١٥٩

160 وفي( صحيح ) مسلم عن قتادة في حديث نومهم عن صلاة الفجر ، وقد عطِشوا وتكاب وا على الماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحسنوا المَلأ 1 ، كلُّكم سيروى) ففعلوا - . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبُّ . قال أبو قتادة : وأنا أسقيهم حتى ما بقي غيري وغيرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : ( اشرب ) فقلتُ : لا أشربُ حتى تشربَ يا رسول الله ، فقال : ( إن ساقيَ القوم آخرهم شرباً ) قال : فشربتُ وشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم . حسن لقائه وكريم إقباله على جلسائه صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن أحدٌ يأخذ بيده فينتزع يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسله . ولم يكن يُرى ركبتيه – أو ركبته – خارجاً عن ركبة جليسه . ولم يكن أحد يصافحه إلا أقبل عليه بوجهه ، ثم لم يصرفه عنه حتى يفرُغ من كلامه 2 . ) وعن عمرو بن العاصقال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبل بوجهه وحديثه على شر القوم ، يتأل فه بذلك ، وكان يُقبل بوجهه وحديثه علي حتى ظننتُ أني خير القوم فقلتُ : يا رسول الله أنا خير أم أبو بكر ؟ فقال : ( أبو بكر ) . قلتُ : يا رسول الله أنا خير أم عمر ؟ قال : ( عمر ) . يقال : ما أحسنَ ملأ فلان ، أي : خلقه وعشرته ، قال ابن الأثير بعد ضبطه ، الملأ بفتح الميم واللام والهمزة ، وأكثر رواة الحديث يقرؤونها : أحسنوا الملء : - بكسر الميم وسكون اللام – من : ملأ الإناء – وليس بشيء . رواه البزار والطبراني بإسناد حسن ، كما في ( مجمع الزوائد ) 1 : ورواه ابن سعد في ( الطبقات ) وابن ماجه ، كما في ( غذاء الألباب ) .

عدد الصفحات ١٦٠