97 فقال صلى الله عليه وسلم : ( يا عائشة متى عهدتني فح اشاً ؟ إن شر الناس منزلةً عند الله يوم القيامة من تركه الناس ات قاء شر ه ) . وفي رواية : ( ات قاء فحشه ) أي : لأجل ات قاء قبح قوله وفعله ، فلما دخل هذا الرجل ، وكان يقال له الأحمق – أي : فاسد العقل – لم يقابله صلى الله عليه وسلم بغلظة وفحش ، بل ألانَ له القول ، وسلك معه مسلكَ المداراة . ولذا قال العلماء : هذا الحديث أصل في المداراة ، وفر قوا بين المداراة المطلوبة ، وبين المداهنة المذمومة : أن المداراة هي : بذل الدنيا لصلاح أمر الدنيا أو الدين ، أو صلاح الدنيا والدين معاً ، ومن ذلك البذل : لينُ الكلام ، وترك الإغلاظ في القول والرفق بالجاهل في التعليم ، والرفق بالفاسق في النهي عن فعله ، وترك الإغلاظ عليه ما لم يُظهر ما هو فيه ، والإنكار عليه بلطمة حتى يرتدع عما هو فيه قال الإمام القسطلاني : وهي مباحة وربما استُحسنت . قال الحافظ الزرقاني : وربما استُحسنت فكانت مستحبة أو واجبة . وللديلمي في ( الفردوس ) عن عائشة مرفوعاً : ( إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض ) . ولابن عدي والطبراني عن جابر مرفوعاً : ( مداراة الناس صدقة ) اهـ وأما المداهنة فهي : بذل الدين لصلاح الدنيا ، وهي مذمومة ، وقد نز ه الله تعالى نبي ه صلى الله عليه وسلم عنها ، فقال : ( ود وا لو تدهن فيدهنون ) وإنما كان صلى الله عليه وسلم يداري ولا يداهن . انظر شرح المواهب . كلا الحديثين فيه ضعف ، كما في شرح المناوي .
عدد الصفحات ٩٧98 وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبل بوجهه على شر القوم ، يتأل فهم بذلك .. ) الحديث رواه الترمذي وغيره ويأتي بتمامه . خامساً – ومن أعظم الأدلة على كمال عقله الشريف صلى الله عليه وسلم وأرجحي ته : سعة علومه صلى الله عليه وسلم ، فقد أفاض الله تعالى عليه العلوم العظمى ، والمعارف الكبرى ، وأراه الآيات ، وأي ده بالبي نات ، وصد قه بالمعجزات ، وجمع له جميع أنواع الوحي الإلهي ، وذلك لا يقوم به ، ولا يقدر لتحمُّله إلا من خص ه الله تعالى بأعظم قلب ، وأوسع عقلٍ ، ألا وهو السي د الأكرم صلى الله عليه وسلم . ومما ينبغي أن يُعلم في هذه المناسبة أن جميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من القضايا والأوامر ، والإرشادات والتعليمات ، والجزئيات والكليات ، هي أماني العقلاء والحكماء ، وغايات أهل النظر والفكر ، ويت ضح لك ذلك من وجوه : الوجه الأول : إن موضع التكاليف الشرعية هو العقل ، حتى إذا فُقد العقل ارتفع التكليف ، وهذا واضح في اعتبار تصديق العقل بالأدلة في لزوم أوامر التكليف ، فلو جاءت الأوامر الشرعية التي جاء بها صلى الله عليه وسلم على خلاف ما تقتضيه العقول السليمة ، لكان لزوم التكليف بها على العقلاء في غير موضعه . الوجه الثاني : لو كانت أوامره ومناهيه وقضاياه غير معقولة ، لكان التكليف بها تكليفاً بما لا يُطاق ، لأنه تكليف بالتصديق بما لا يصدقه العقل . الوجه الثالث : لو كان فيما جاء به صلى الله عليه وسلم مناقضة للعقول ، لكان الكفار في زمنه أول من رد وا عليه بذلك ، لأنهم كانوا في غاية الحرص كما أعلن ذلك العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه للمنذر بن ساوى حين أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه إليه واعترف له بذلك المنذر كما تقدم .
عدد الصفحات ٩٨99 على رد ما جاء به صلى الله عليه وسلم ، حتى إنهم كانوا يفترون عليه وعلى شريعته ، فتارة يقولون ساحر ، وتارة مجنون ، وتارة يكذبونه ، كما أنهم كانوا يقولون في القرآن : سحر وشعر ، وغير ذلك من كلامهم المتناقض ، فإن السحر والشعر كيف يتفق مع الجنون .. !!. فلو كانت قضاياه صلى الله عليه وسلم غير معقولة لكان أولى ما يقولون : إن هذا لا يعقل ، أو مخالف للعقول ونحو ذلك ، ولما صدَر منهم ذلك التناقض في قولهم ساحر وشاعر ونحو ذلك ! . الوجه الرابع : إن جميع العقلاء والحكماء في زمنه صلى الله عليه وسلم شهدوا بحقي ة ما جاء به ، وأنه المعقول المحكم ، ولذلك سل موا وأسلموا. فهذا المنذر بن ساوى يقول : وما يمنعني من دين فيه أمنية الحياة ؟ كما تقدم وهذا النجاشي حين قال له جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه : ( إنا كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي فينا الضعيف ، حتى يبعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه وصدقه ، وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله عز وجل لنوح ده ونعبده ، ونخلع ما كنا نحن وآباؤنا نعبد من دون الله : من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحق الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وشهادة الزور ، وأكل مال اليتيم ) . فقال النجاشي بعد ذلك : ( مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده ، أشهد أنه رسول الله وأنه الذي نجد في الإنجيل ، وأنه الرسول الذي بش ر به عيسى بن مريم ، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيت هذا النبي حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه ) رواه أحمد ، وفي رواية للطبراني : ( لأتيتُه حتى أقب ل نعليه صلى الله عليه وسلم ) .
عدد الصفحات ٩٩100 وهذا أكثم بن صيفي يبعث جماعةً من قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين بلغه مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا له : نحن رُسل أكثم بن صيفي ، وهو يسألك : من أنت ؟ وما أنت ؟ وبمَ جئت ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( أما : من أنا ؟ فأنا محمد بن عبد الله . وأما : ما أنا ؟ فأنا عبد الله ورسوله ، جئتكم بقول الله تعالى : (إِنه اللههَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِْ حْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلهكُمْ تَذَكهرُونَ ) ) . فقالّ : ردًد علينا هذا القول ، فردًده عليهم حتى حفظوه . فأتيا أكثم فقالّ له : أبى أن يرفع نسبه ، فسألنا عن نسبه ، فوجدناه زاكي النسب وسطاً في مضر – أي : شريفاً - ، وقد رمى إلينا بكلمات ، قد سمعناها ، فلما سمعهنً أكثم قال : إني أراه يأمر بمكارم الأخلًق ، وينهى عن ملًئمها ، فكونوا في هذا الأمر رؤوساً ، ولّ تكونوا فيه أذناباً 1 . فجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعقول المحكَم ، لذا استسلمت له أهل الأفكار والعقول ، ولّ يمكن أن يكون فيما جاء به صلى الله عليه وسلم متناقضات عقلية ، أو محالّت فكرية أصلًً ، ولكن قد يأتي بعظائم من الحكمة العالية السامية ، التي تعجز العقول البشرية عن الإحاطة بها ، واستيعاب جميع أسرارها لضعف العقول عن ذلك ، كما تضعف الأبصار عن التحديق في ضياء الشمس ، والإحاطة بنورها ، وإنما ترى الأبصار من نور الشمس ما لّ يسعها إنكاره ، ولكنها لّ تستطيع إدراكه وإحاطته . فالشريعة المحمدية هي أحكام الله تعالى ، وإن أحكام الله تعالى صادرة عن علمه سبحانه وحكمته ، وأنًى للمخلوق أن يحيط علماً بذلك كلًه ؟ ! . قال الحافظ ابن كثير : رواه أبو يعلى في كتاب : ( معرفة الصحابة ) .
عدد الصفحات ١٠٠101 سعة علمه صلى الله عليه وسلم وكثرة علومه التي لا يحصيها إلا الله تعالى الذي أفاضها عليه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم واسع العلم ، عظيم الفهم ، أفاض الله تعالى عليه العلوم النافعة الكثيرة ، والمعارف العالية الوفيرة ، وقد أعلن سبحانه وتعالى بسعة علمه صلى الله عليه وسلم ، وأعلم بعظيم فضله ، فقال سبحانه : ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلً مك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً ) . فهو صلى الله عليه وسلم أعلم خلق الله تعالى ، وأعرفهم باللَّ تعالى ، كما ورد في ( الصحيحين ) أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أتقاكم وأعلمكم باللَّ أنا ) . وفي رواية الأصيلي : ( أنا أعرفكم باللَّ ) ومن تدبًر في تعاليم الله تعالى لرسله وأنبيائه صلوات الله تعالى عليهم ، الواردة في القرآن الكريم ، يتضح له جلياً أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم قد علًمه الله تعالى علوماً هي أكثر وأوفر وأجمع وأعمً ، وذلك لأنه سبحانه قال : ( وعلًمك ما لم تكن تعلم ) ، فجيء بـ ( ما ) التي هي للعموم والشمول ، لتعمً جميع العلوم التي علًمها الله تعالى لرسله وأنبيائه ، ولتشمل غيرها من العلوم التي أفاضها الله سبحانه عليه . روى الحافظ أبو بكر بن عائذ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ( لما ولدَ النبي صلى الله عليه وسلم قال في أذنه رضوان خازن الجنة : ( أبشر يا محمد ! فما بقي لنبيً عِلم إلّ وقد أعطيته ، فأنت أكثرهم علماً وأشجعهم قلباً )1 ، وجاء في(الصحيحين ) واللفظ لمسلم عن أنس رضي الله عنه أن الناس سألوا نبيً الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة – أي : أكثروا عليه أورد ذلك العلامة القسطلاني في ( المواهب ) ، نقلاً عن الشيخ بدر الدين الزركشي ، قال الحافظ الزرقاني : وهذا أرسله ابن عباس ، ومرسل الصحابي وصل في الأصل ، وحكمه الرفع ، إذ لا مجال فيه للرأي اهـ
عدد الصفحات ١٠١102 الأسئلة– فخرج ذات يوم فصعِد المِنبر فقال : ( سلوني – لّ تسألوني عن شيء إلّ بيًنته لكم ) - . وفي رواية : ( إلّ أخبرتكم به ما دمتُ في مقامي هذا ) . فلما سمع القوم أرَموا – أي : سكتوا – ورهبوا – أي : خافوا – أن يكون بين يدي أمر قد حضر ، فجعلت ألتفتُ يميناً وشمالًّ فإذا كلُّ رج ل لّف رأسه في ثوبه يبكي ، فأنشأ رجل من المسجد كان يُلًحى فيُدعى لغير أبيه ، فقال : يا نبيً الله من أبي ؟ قال : ( أبوك حذافة ) . ثم أنشأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : رضينا باللَّ ربًاً ، وبالإسلًم ديناً ، وبمحمد رسولًّ ، عائذاً باللَّ من سوء الفتن . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لم أرَ كاليوم قطُّ في الخير والشر ، إني صوًرت لي الجنة والنارُ فرأيتهما دون هذا الحائط ) . فليعتبر المعتبر في قوله صلى الله عليه وسلم : ( لّ تسألوني عن شيء إلّ بيًنته لكم ) ومع هذا كله فقد أمره الله تعالى أن يسأله الزيادة في العلم دائماً أبداً ، قال تعالى : ( وقل ربً زدني علماً ) . ولم يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأله الزيادة من شيء إلّ الزيادة من العلم . فلذلك كان صلى الله عليه وسلم يدأب في دعائه بزيادة العلم ليله ونهاره ، فإذا استيقظ في الليل قال : ( لّ إله إلّ أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك ، استغفرك اللهم لذنبي وأسألك رحمتك ، اللهم زدني علماً ، ولّ تُزغ قلبي بعد إذ هديتني ، وهب لي من لدنك رحمة ، إنك أنت الوهاب ) كما في صحيح مسلم وغيره . وروى الترمذي وابن ماجه بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم دعا فقال : ( اللهم انفعني بما علًمتني ، وعلًمني ما ينفعني ، وزدني علماً ، والحمد للَّ على كل حالٍ ، وأعوذ باللَّ من حال أهل النار ) .
عدد الصفحات ١٠٢103 كما وأنه صلى الله عليه وسلم دائم الترقي في العلوم والمعارف الإلهية ، تتوارد عليه الفيوضات الإلهية والفتوحات الربانية ، كما جاء في صحيح مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن ربي أمرني أن أعلً مكم ما جهلتم مما علً مني في يومي هذا .. ) الحديث . ففي كل يوم يُفيض الله تعالى علوماً ومعارف ، وقد أمره الله تعالى أن يعلًم الناس من بعض تلك العلوم المفاضة عليه ، حسب ما يحتاجون ويتحمًلون ويستعدًون على الوجه الذي أمره الله تعالى به . هذا ، وإن أحداً من خلق الله تعالى لّ يستطيع أن يُحيط بأبواب علوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولّ بأنواعها بل ولّ أجناسها ، لّ يحيط بذلك إلّ الله تعالى الذي أفاض عليه جميع ذلك . وإنني أذكر بعض الوجوه من الحجج الدالة على سعة علمه صلى الله عليه وسلم وكثرة علومه ، ليتعلم الجاهل ، وليتنبً ه الغافل ، وليزداد إيمان المؤمن الكامل ، بهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم . الدليل الأول : هذا القرآن الكريم الذي أقرأه الله تعالى إيًاه ، وجمعه له في صدره الشريف ، وعلًمه إيًاه ، وبيًنه له ، وأمره بتبيانه للناس ، وكشف له عن حقائقه القرآنية والفرقانية ، وعن معانيه وأسراره وأنواره ، وظاهره وباطنه قال الله تعالى : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علً م بالقلم . علًم الإنسان ما لم يعلم ) . وهذه الآيات الخمسة هي فاتحة نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم جاءه بها جبريل عليه السلام ليلة نبوّته . كما ورد في ( الصحيحين ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( أوّل ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلَق
عدد الصفحات ١٠٣104 الصبح ، ثم حُبّب إليه الخلاء ، فكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه– وهو التعبُّد – الليالي ذوات العدد ، وكان يتزوّد لذلك حتى جاءه الحق وهو بغار حراء ، فجاءه الملك فقال له : اقرأ ، فقال : ( ما أنا بقارئ ) . قال : فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجَهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلتُ : ما أنا بقارئ . قال : فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلتُ : ما أنا بقارئ . قال : فأخذني فغطّني الثالثة ، ثم أرسلني ، فقال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علًم بالقلم . علًم الإنسان ما لم يعلم ) . .. ) الحديث . فهذا جبريل عليه السلًم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم ، ويقول له : اقرأ ، فيقول : ما أنا بقارئ ، أي : لأنه نشأ أميًاً لم يتعلم القراءة ولّ الكتابة ، فهنا يقول جبريل عليه السلًم ثلًث مرات : اقرأ ، ثم يضمه إليه بعد كل قولة ضمً ة قوية ، وذلك ليفيض عليه ما أوحاه الله تعالى إليه ، من المعاني والأسرار والأنوار ، المنوطة في الجسم والقلب والروح ، ثم يقول له : ( اقرأ باسم ربك ) يعني : أنت اقرأ باسم ربك ، لّ بدراستك ولّ ثقافتك ، لأنك ليس لك سابقة دراسة ولّ تعلُّم ، وبهذا يصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قارئاً عالماً ، يتلو كلًم الله تعالى بعد أن مضت عليه أربعون سنة لم يأتِ قومه بآية ، وفي هذا برهان قاطع ، ودليل ساطع أن محمداً رسول الله ناطق بالوحي عن الله تعالى . قال الله تعالى : ( قُلْ لَوْ شَاءَ اللههُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلًَ تَعْقِلُونَ )؟! . يعني أن من تعقًل أمر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أيقن أنه رسول الله حقاً ، لّ يحتمل أمره غير ذلك ، وأن قضيته ليست من باب العبقرية ، ولّ من باب الفهم والذكاء ، وإنما قضيته أنه رسولٌ يوحي الله تعالى إليه .
عدد الصفحات ١٠٤105 بل إنه سبحانه وتعالى أبطلَ مزاعم المنكرين لنبوًة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، الذين ادًعوا أن ما جاء به من الهدى والعلم والرشاد ، هو من باب الثقافة والحصافة ، أو من باب فرط الذكاء ، وجودة العبقري ، أبطل جميع تلك المزاعم بأنه أميً لم يتعلم قراءة ولّ كتابة ، ولم يستمع إلى معلًم ، فقال تعالى : ( وما كنتَ تتلو من قبله من كتاب ولّ تخطُّه بيمينك – إذاً لّرتاب المبطلون ) ولما اتًهمه أعداؤه بأنه صلى الله عليه وسلم كان يستمع إلى بعض الموالي من العجم ، فجاء بما جاء ، ردً عليهم سبحانه بقوله : ( ولقد نعلم أنهم يقولون : إنما يعلمه بشر )، أي : وهو غلًم مملوك لبعض بطون قريش ، وكان أعجمياً ، فقال تعالى : ( لسانُ الذين يلحدون إليه : أعجمي ، وهذا لسان عربي مبين ) ! والمعنى أن هذا المملوك الذي زعموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ عنه : هو أعجمي اللسان ، عديم البيان ، وقد جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن العربي المبين ، فكيف يُتصور في العقل أن يكون هذا القرآن العربي المبين من هذا الرجل الأعجمي الذي لّ يبين ؟ ! . فلم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن من تلقاء نفسه ، ولّ من مخلوق آخر لعجزهم عن الإتيان بمثله ، وإنما هو من عند رب العالمين . قال الله تعالى : ( الرحمن . علًم القرآن . خلق الإنسان . علًمه البيان ) أوًل إنسان علًمه الرحمنُ القرآنَ : هو سيد ولدِ آدم محمد صلى الله عليه وسلم وعنه تلقًت الناسُ القرآن وتعلموه منه . كما وأنه صلى الله عليه وسلم هو أول من علًمه الله البيان عن معاني القرآن . فهو سبحانه علًم رسوله صلى الله عليه وسلم القرآن : تلًوةَ نصًه ومعانيه ، وحِكمه ومعارفه وأسراره ، وإشاراته وخصائصه . قال تعالى : ( سنُقرئك فلً تنسى ) وقال : (لَّ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنه عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتهبِعْ قُرْآنَهُ ثُمه إِنه عَلَيْنَا بَيَانَهُ ).
عدد الصفحات ١٠٥106 والمعنى: إنً علينا يا محمد صلى الله عليه وسلم أن نجمع لك هذا القرآن في صدرك ، وعلينا إثباتَ قراءته في لسانك ، فلً تعجل بالقرآن قبل أن يتمً و حيه لتأخذه على عجل مخافة أن يتفلًت منك . فهو سبحانه الذي جمع له القرآن في صدره ، وأقرأه إياه بلسانه ، ثم تكفًل له ببيانه ، فقال : ( إن علينا بيانه ) أي : بيان معانيه وأحكامه ، وأوامره ونواهيه ومن ذلك : تعليمُ الله تعالى للنبيً صلى الله عليه وسلم خصائص الكلمات القرآنية ، كما يدلُّ عليه الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن المهلًب بن أبي صُفرة ، قال : حدثني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن بُيًتُم الليلة – وفي رواية : إن بيًتكم العدوً – فقولوا : حم لّ ينصرون ) 1 ومن ذلك: علمه صلى الله عليه وسلم بخصائص الْيات القرآنية ، كما ورد في آخر سورة البقرة ، ففي الترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله كتبَ كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام ، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ، ولّ يُقرأ بهنً في دار ثلًث ليالٍ فيقربها شيطان )2 ومن ذلك: ما ورد في خصائص العشر الْيات من أول سورة الكهف وآخرها ، وأنها عصمة من الدجًال ، ففي ( مسند ) أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجًال )3، وروى الإمام أحمد عن أبي الدرداء عن النبي وذلك أنهم كانوا في بعض الغزوات ، فقال لهم ذلك صلى الله عليه وسلم . قال الحافظ ابن كثير : وهذا إسناد صحيح ، واختار أبو عبيد أن يروى : فقولوا حم لا ينصرون ، أي : إن قلتم ذلك لا ينصروا اهـ وذلك دليل أن في ( حم ) حماية قال الترمذي : حديث غريب ، ورواه الحاكم في ( المستدرك ) وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . قال الحافظ ابن كثير : ورواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث قتادة به ، ولفظ الترمذي _من حفظ ثلاث آيات من أول الكهف) وقال : حسن صحيح اهـ
عدد الصفحات ١٠٦107 صلى الله عليه وسلم قال: ( من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عُصم من فتنة الدجًال )1 . وفي( المختارة ) للحافظ الضياء المقدسي عن علي بن الحسين ، عن أبيه عن علي مرفوعاً : ( من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كلً فتنة ، وإن خرج الدجال عُصم منه )2 وكما ورد في آيات أول سورة يس ، فقد روى ابن إسحاق وغيره( أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رقَبه المشركون ليلة الهجرة ، خرج عليهم وفي يده حفنة من تراب فجعل يذرُّها على رؤوسهم ويقرأ : ( يس . والقرآن الحكيم ) حتى انتهى إلى قوله تعالى : ( وجعلنا من بين أيديهم سداً ، ومن خلفهم سداً ، فأغشيناهم فهم لّ يبصرون ) ، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وباتوا رُصداء على بابه ) ثم جعل كل رجل منهم ينفض التراب عن رأسه ، وحال الله تعالى بينهم وبين رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يروه حين خرج من بينهم . وهذا باب واسع جداً ولسيس موضع تفصيله هنا . ومن ذلك : علمه صلى الله عليه وسلم بخصائص السور ، كما يدل على ذلك ما ورد في سورة يس ، وأنها قلب القرآن ، وأن لها الخصائص الكثيرة ، وسورة الدخان ، وأن من قرأها في ليلةٍ أصبح مغفوراً له ، وسورة تبارك ، ووقايتها من عذاب القبر ، وسورة البقرة وبركاتها ، وسور المعوًذات وحصاناتها لقارئها ، وغير ذلك مما ثبت في الأحاديث النبوية 3 فإن ذلك يدلًنا على أن له صلى الله عليه وسلم علماً كبيراً واسعاً بخصائص الحروف القرآنية والْيات والسُّور . فسبحان الفتاح العليم الذي فتح له وعلًمه صلى الله عليه وسلم . قال ابن كثير : ورواه مسلم أيضاً والنسائي من حديث قتادة به ، وفي لفظ النسائي : ( من قرأ عشر آيات من الكهف .. ) فذكر الحديث اهـ انظر تفسير ابن كثير ، وأصل هذا الحديث في ( المسند ) وغيره . وقد ذكرنا جانباً من ذلك في كتاب ( تلاوة القرآن المجيد ) فارجع غليه .
عدد الصفحات ١٠٧108 ومن ذلك: علمه صلى الله عليه وسلم بإشارات القرآن الكريم الخفيًة ، فوق العبارات الجليًة ، يدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد في ( المسند ) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت ( إذا جاء نصر الله والفتح ) علم النبي صلى الله عليه وسلم أن قد نعيت إليه نفسه . وفي رواية أيضاً عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نُعيت إليً نفسي ) فإنه مقبوض في تلك السنة . وروى الإمام أحمد – وأصله في مسلم – عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر في آخر أمره من قول : ( سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه ) ، وقال : ( إن ربي كان أخبرني أني سأرى علًمة في أمتي ، وأمرني إذا رأيتُها أن أسبًح بحمده وأستغفره إنه كان توًاباً ، فقد رأيتها – ( إذا جاء نصر الله والفتح ) ) إلى تمام السورة ) وإن علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعاني القرآن الكريم وخصائصه ، وحقائقه وإشاراته ودلّلّته ، وأسراره ومضامينه ، إن علمه بذلك لّ يعلم قدره ولّ يحيط بكمية ما هنالك إلّ الله تعالى الذي أفاض عليه ذلك صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ( ما فرًطنا في الكتاب من شيء ) . وقال سبحانه : ( ونزًلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين ) . وفي الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه أنً النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل حرف منها – وفي رواية : لكل آية : - ظهر وبطن ، ولكل حرف حدً ، ولكل حدٍّ مطًلع )1 رواه الطبراني عن ابن مسعود ، ورواه البغوي في( شرح السنة ) عن الحسن وابن مسعود مرفوعاً كما في ( فيض القدير ) على ( الجامع الصغير ) ، وعزاه العلامة الزركشي في ( البرهان ) إلى ( صحيح ) ابن حبان . ومعنى قوله ( ولكل حرف حد ) أن كل حرف منتهى فيما أراده الله تعالى من معناه ، ومعنى قوله ( ولكل حد مطلع ) أن لكل غامض من المعاني والأحكام مطلعاً يتوصل به إلى معرفته ويوقف على المراد به ، وظهره : ما ظهر تأويله ، وبطنه : ما خفي تفسيره . اهـ من شروح المناوي على ( الجامع الصغير ) .
عدد الصفحات ١٠٨109 وفي سنن الترمذي وغيره من حديث سيدنا علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم : ( .. وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم وهو الذي لّ تزيغ به الأهواء ، ولّ تلتبس فيه الألسنة ، ولّ تشبع منه العلماء ، ولّ يخلق على كثرة الردً ، ولّ تنقضي عجائبه .. )الحديث وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس : ( إن القرآن ذو شجون وفنون ، وظهور وبطون ، لّ تنقضي عجائبه ، ولّ تُبلغ غايته ) . وقال ابن مسعود : ( من أراد علم الأولين والْخرين فليتلُ القرآن ) 1 فالقرآن الكريم بحر العلوم والمعارف ، جمعه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بعلومه وحقائقه ، وقد قال ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره الكريم أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه : ( لو تكلًمت لكم على سورة الفاتحة لأوقرتُ سبعين جملًً ) – فما ظنًك بعلوم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومفاهيمه القرآنية ؟! نعم إن جميع ما عرفه العارفون وتكلًم به الوارثون المحمديون ، إنما هو رشاشات من بحره صلى الله عليه وسلم وقَبسات من أنواره ، وإشراقات من أسراره صلى الله عليه وسلم . وقد بحث العلماء والعرفاء في العلوم المستنبطة من القرآن الكريم ، فلم ينتهوا إلى استقصاء أصولها ، وإنما تكلًم كل منهم على حسب علمه ، وقدر فهمه الذي أعطيه ، ولكل بحر معاني القرآن وأسراره لّ يتناهى . وفي ( الإتقان ) وغيره عن القاضي أبي بكر بن العربي رحمه الله تعالى أنه قال في ( قانون التأويل ) : علوم القرآن : خمسون علماً ، وأربعمائة علمٍ ، وسبعة آلّف علمٍ وسبعون ألف علمٍ ، على عدد كَلم القرآن ، مضروبة في أربعةٍ ، إذ لكل كلمة ظهر وبطن ، وحدً ومطًلع ، وهذا مطلق ، دون اعتبار تركيب وما بينها من روابط ، ففي هذا ما لّ يحصى ولّ يعلمه إلّ الله تعالى اهـ وروى سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه قال : ( من أراد العلم فعليه بالقرآن ، فإن فيه خبر الأولين والآخرين ) كما في ( الإتقان ).
عدد الصفحات ١٠٩110 وقال العلًمة الراغب: إن الله تعالى كما جعل نبوة النبيين بنبيًنا محمد صلى الله عليه وسلم مختتمة ، وشرائعهم بشريعته من وجه منتسخة ، ومن وجه مكمًلة متمًمة – جعل كتابه المنزل عليه متضمًناً لثمرة كُتبه التي أولّها أولئك ، كما نبًه عليه بقوله : ( رسول من الله يتلو صُحُفاً مطهًرة . فيها كتب قيًمة ) . وجعل من معجزة هذا الكتاب أنه مع قلة الحجم ، متضمًن للمعنى الجمً ، بحيث تقصُرُ الألباب البشرية عن إحصائه ، وتعجز الْلّت الدنيوية عن استيفائه ، كما نبًه عليه سبحانه بقوله : ( ولو أنً ما في الأرض من شجرةٍ أقلًم ، والبحر يمدًه من بعده سبعة أبحرٍ ما نفِدت كلماتُ الله ) اهـ وقال العلًمة الزركشي في ( البرهان ) : في القرآن الكريم علم الأولين والْخرين وما من شيء إلّ ويمكن استخراجه منه لمن فهًمه الله تعالى ، حتى إن بعضهم استنبط عُمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلًثاً وستين سنة من قوله تعالى في سورة المنافقين : ( ولن يؤخًر الله نفساً إذا جاء أجلُها ) فإنها رأس ثلًث وستين سورة اهـ والبحث في علوم القرآن ومفاهيمه وإشارته ليس موضعه هنا ، وإنما ذكرنا منها نماذج موجزة ، يستدلً بها على سعة علوم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعارفه القرآنية ، التي لّ يحيط بأنواعها إلّ الله تعالى الذي أفاضها عليه صلى الله عليه وسلم . الدليل الثاني : ومن الأدلة على سعة علمه وكثرة علومه صلى الله عليه وسلم : الحكمةُ التي أنزلها الله تعالى عليه ، قال الله تعالى : ( وأنزل الله عليك الكتابَ والحكمة .. ) الْية ، وقال تعالى : (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنه مِنْ آيَاتِ اللههِ وَالْحِكْمَةِ إِنه اللههَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ) . والحكمة هي السنً ة الظاهرة في أفعاله صلى الله عليه وسلم وأقواله ، وأحواله وإقراره ، كما نصً على ذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه في مواضع من كتبه ، وهو قول جمهور التابعين كالحسن البصري وقتادة ومقاتل بن حيان
عدد الصفحات ١١٠111 وغيرهم– كما نقل الحافظ ابن كثير ذلك عنهم ، عند قوله تعالى : ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ) . وإنما سُمًيت السنً ة النبوية بالحكمة : لأن الحكمة تشتمل على سَ داد القول ، وصواب العمل ، وإيقاع ذلك في مواقعه ، ووضعه في مواضعه اللًئقة به ، ولّشك أن أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله ، وأحواله وإقراره ، جميع ذلك هو عين الحكمة . كما أنه سبحانه سمً ى السنً ة النبوية بـ ( الميزان ) حيث قال سبحانه : ( الله الذي أنزل الكتابَ بالحق والميزانَ ، وما يُدريك لعل الساعة قريب ) فالميزان هنا المقرون بالكتاب : هو الحكمة المحمدية والسنًة النبوية ، المقرونة بالكتاب في قوله تعالى : ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة .. ) الْية ، لأن القرآن يفسًر بعضه بعضاً . وإنًما سميًت السنًة النبوية المشتملة على أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم وأحواله ( ميزاناً ) لأنها ميزان الأقوال والأفعال والأحوال ، بحيث يجب على الأمًة أن تعرِض أقوالها وأفعالها وأحوالها على سنًته صلى الله عليه وسلم ، فما وافق الميزان فهو صحيح ورجيح ، ومقبول ونجيح ، وما خالف الميزان – أي : السنًة – فهو قبيح ومردود على صاحبه ، كما روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كل عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردً ) ، وفي قوله تعالى : ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ) دليل استدلً به كثير من العلماء المحققين ، على أن السنة نزلت بالوحي من عند الله تعالى ، كما دلً على ذلك أيضاً قوله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى . إن هو إلّ وحي يوحى ) – فإنً النطق أعمُّ من التلًوة ، لم يقل سبحانه : وما يتلو ، أو : ما يقرأ عن الهوى ، حتى يقال إن ذلك خاصً بالقرآن الكريم ، بل قال سبحانه : ( وما ينطق عن الهوى )
عدد الصفحات ١١١112 أي: وما ينطق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن والحديث عن الهوى ( إن هو ) أي : ما نُطقه بذلك ( إلّ وحيٌ يُوحى ) يوحيه الله تعالى إليه بنوع من أنواع الوحي . وروى أبو داود والترمذي عن المقداد رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألّ إني أوتيتُ الكتاب ومثلهُ معه ) ، والمراد بـ ( مثله معه ) : السنًة ، كما ذكره جمهور كثير من العلماء ، فإن الله تعالى آتى رسوله صلى الله عليه وسلم السنًة النبوية كما آتاه الكتاب وهو القرآن العظيم . وروى البيهقي في ( المدخَل ) بإسناده عن حسًان بن عطية أنه قال : كان جبريل عليه السلًم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنًة ، كما ينزل عليه بالقرآن ، يعلًمه إيًاها كما يعلًمه القرآن 1. واستدلًوا على ذلك أيضاً بما ورد في ( الصحيحين ) وغيرهما – واللفظ للبخاري – عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنً أكثر ما أخافُ عليكم ما يُخرج الله لكم من بركات الأرض – وفي رواية : إن مما أخافُ عليكم ما يُفتح عليكم من زه رة الدنيا وزينتها ) فقال رجل : هل يأتي الخير بالشرً ؟ قال أبو سعيد : فصمتَ النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظننتُ – أي : عرفتُ – أنه صلى الله عليه وسلم يُنزل عليه – وفي رواية : فظننا أنه ينزل عليه – أي : ينزل عليه الوحي – ثم جعل يمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبينه 2 . فقال: ( أين السائل ؟ ) فقال : أنا . انظر ( شرح الطريقة المحمدية ) للعارف الكبير الشيخ النابلسي رضي الله عنه . أي : يمسح العرق ، كما جاء في رواية الدارقطني ، وجرى ذلك على عادته صلى الله عليه وسلم عندما يوحى إليه ، حيث يتفص د جبينه الشريف عرقاً ، ولذلك أيقنت الصحابة أنه الوحي .
عدد الصفحات ١١٢