49 وروى الطبراني والبزار عن جابر: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الوحي أو وعظ : قلتَ نذير قوم أتاهم العذاب ، فإذا ذهب عنه ذلك رأيته أطلقَ الناس وجهاً ،وأكثرهم ضحكاً ، وأحسنهم بِشراً 1 . وروى الإمام أحمد عن الزبير بن العو ام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا ، فيذك رنا بأيام الله ، حتى يُعرف ذلك من وجهه ، وكأنه نذير قوم يصب حهم الأمر غدوة ، وكان إذا كان حديث عهد بجبريل ، لم يتبس م ضاحكاً حتى يرتفع عنه . قوة وعظه وتذكيره وتأثيره في الصحابة : كان صلى الله عليه وسلم إذا وعظ أثر في قلوب السامعين ، وطي ب نفوسهم ، حتى إنهم لتذرِفُ دموعهم ، وترقُّ وتخشع قلوبهم ، ويرتقي الحال بهم إلى المشاهدات والمعاينات . فعن حنظلة بن الربيع قال : ( لقيني أبو بكر الصديق فقال لي : كيف أنت يا حنظلة ؟ فقلت له : نافقَ حنظلة . فقال لي : انظر ما تقول !!! فقلت له : نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذك رنا بالنار والجنة كأنا رأي عين ، فإذا خرجنا من عنده عافَسْنا الأزواج والأولاد والض يعات ، ونسينا كثيراً ) الحديث ، وروى الترمذي عن العرباض بن سارية أنه قال : ( وعَظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجِلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ) . وفي رواية لغير الترمذي : ( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً مض ت – احترقت – منها الجلود ، وذرفت منها العيون ، ووجِلت منها القلوب ) . فقلنا : ( كأن هذه موعظة مود ع يا رسول الله ، فماذا تعهد إلينا ؟ ) . فقال : ( أنِ اتقوا الله ، وأن تتبعوا سنتي وسنة الخلفاء الهادية المهدية من بعدي ، عض وا عليها بالنواجذ ، فإن كل بدعة ضلالة )1 . انظر( جامع العلوم والحكم )
عدد الصفحات ٤٩50 وقال أسيد بن حُضير: لو أني أكون على أحوال ثلاثة من أحوالي ، لكنت من أهل الجنة : حين أقرأ القرآن وحين أسمعه ، وإذا سمعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا شهدتُ جنازة . بل كانت خُطبهُ ومواعظهُ صلى الله عليه وسلم تؤث ر في الجمادات ، كما ورد في المسند – وأصله في مسلم – عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر (وَمَا قَدَرُوا اللههَ حَقه قَدْرِهِ وَالأَْرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسهمَاوَاتُ مَطْوِيهاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمها يُشْرِكُونَ ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده : يحركها ، يُ قبل بها ويُ دبر : يمجًد الرب نفسه : أنا الجبار ، أنا المتكبر ، أنا الملِك ، أنا العزيز ، أنا الكريم ، فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر ، حتى قلنا ليخرنً به ! أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ) كما في رواية مسلم . فالمنبر يهتز تأثراً بوعظه وتذكيره صلى الله عليه وسلم فويل للقلوب التي لّ تهتزً بمواعظه صلى الله عليه وسلم تنبيهه صلى الله عليه وسلم الخطباء والواعظين إلى مسؤوليتهم عند رب العالمين : لما كانت مواقف الخطابة والوعظ والتذكير مواقف مهمة خطيرة ، لذلك كان صلى الله عليه وسلم ينبه الخطباء إلى إخلاص النية في خطبهم ، وأن وراء ذلك مسؤولية عند رب العالمين : روى ابن أبي الدنيا والبيهقي مرسلاً بإسناد جيد 2 عن مالك بن دينار عن الحسن رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من عبدٍ يخطب خطبةً إلا الله سائله عنها يوم القيامة ، ما أراد بها ؟ ) . وانظر الجزء الثالث من ( المطالب العالية ) كما في ترغيب المنذري :
عدد الصفحات ٥٠51 قال: فكان مالك بن دينار إذا حد ث بهذا الحديث بكى ثم يقول : تحسبون أن عيني تقرُّ بكلامي عليكم ، وأنا أعلم أن الله عز وجل سائلي عنه يوم القيامة : ما أردتَ به ؟ فأقول : أنت الشهيد على قلبي ، لو لم أعلم أنه أحبُّ إليك ، لم أقرأ به على اثنين أبداً . كما وأنه صلى الله عليه وسلم حذّر من تصنّع الكلام ليسبي به قلوب الرجال : فروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من تعل م صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال – أو الناس – لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً )1 مدحُه صلى الله عليه وسلم الفصاحة وكراهيته اللحن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قلنا : يا رسول الله ما رأينا أفصح منك ؟ فقال : ( إن الله تعالى لم يجعلني لح اناً 2 ، اختار لي خير الكلام: كتابُ ه القرآن )3 . وفي( المستدرك ) عن علي بن الحسين رضي الله عنهما : أقبل العباس رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه حُل تان ، وله ضفيرتان ، وهو أبيض ، فلما رآه تبس م ، فقال العباس : يا رسول الله ما أضحكك ؟ أضحك الله سن ك . فقال : ( أعجبني جمالُ عم النبي ) صلى الله عليه وسلم . فقال العباس : ما الجمال ؟ قال : ( اللسان ) 1 . قال في( النهاية ) : قد تكررت هاتان اللفظتان في الحديث : فالصرف : التوبة ، وقيل النافلة ، والعدل : الفدية ، وقيل : الفريضة . أي : بل جعل لساني لساناً عربياً مبيناً . عزاه في ( الجامع الصغير ) وشرحه إلى الشيرازي في ( الألقاب ) وإلى الديلمي في ( الفردوس )
عدد الصفحات ٥١52 وعند العسكري: ما الجمال في الرجل ؟ قال : ( فصاحة لسانه )2 وقد جمع علماء السلف رضي الله عنهم الدواوين الجامعة لبعض جوامع كلِمه صلى الله عليه وسلم ، ونحن نذكر منها أربعين حديثاً ، لعل الله تعالى يكتب لنا أجر ما ورد في الحديث الذي رواه ابن النجار عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من سنتي ، أدخلته يوم القيامة في شفاعتي ) وفي رواية ابن عدي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من السنة كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة )3 الحديث الأول في وصيته صلى الله عليه وسلم لابن عباس يبين له فيها ما يجب أن يكون عليه المؤمن مع الله تعالى روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال لي : ( يا غلام إني أعل مك كلماتٍ : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تُجاهك ، إذا سألت فاسألِ الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأم ة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد قال الحافظ الزرقاني : وهو حديث مرسل . ورواه القضاعي والخطيب ، وروى الديلمي من حديث جابر مرفوعاً : ( الجمال : صواب المقال ، والكمال : حسن الفعال بالصدق ) وروى العسكري عن ابن عمر : مر عمر بقوم يرمون ، فقال : بئسما رميتم ، فقالوا : إنا متعلمين ، فقال عمر : لذنبكم في لحنكم أشد علي من ذنبكم في رميكم ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( رحم الله امرءاً أصلح من لسانه ) اهـ ، كما في شرح المواهب . قال الإمام النووي : طرقه كلها ضعيفة ، وقال ابن عساكر : الحديث روي عن علي وعمر وأنس ، وابن عباس وابن مسعود ، ومعاذ ، وأبي أمامة ، وأبي الدرداء ، وأبي سعيد ، بأسانيد فيها كلها مقال ، ليس للتصحيح فيها مجال ، لكن كثرة طرقه تقويه ، وأجود طرقه خبر معاذ مع ضعفه ، اهـ كما في شرح ( فيض القدير ) وانظر كلام العلامة ابن حجر المكي في شرحه على الأربعين . وعلى القول بأنه ضعيف – مع تعدد طرقه – فإن الجمهور على أن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال ، كما هو مفصل في شرحنا على ( البيقونية )
عدد الصفحات ٥٢53 كتبه الله لك ، وإن اجتمعت على أن يضُر وك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رُفعت الأقلام وجف ت الصُحُف ) . زاد الإمام أحمد في روايته : ( تعر ف إلى الله في الر خاء يعرفك في الشد ة ، واعلم أن الصبر على ما تكره خير كثير ، وأن النصر مع الصبر ، وأن الفرجَ مع الكرب ، وأن مع العسر يُسراً ) الحديث الثاني في وصيته صلى الله عليه وسلم لابن عمر رضي الله عنهما روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي 1 فقال: ( كُن في الدنيا كأن ك غريبٌ ، أو عابرُ سبيل ، وعُد نفسك من أهل القبور ) . وفي رواية النسائي وأحمد زيادة في أوله : ( اُعبُد الله كأنك تراه ) وهذه الوصية فيها بيان مراحل السير والسلوك إلى مقام ملك الملوك ، وقد تضم نت هذه المراحل الثلاثة ، جميع منازل السائرين ، ومقامات الواصلين ، ولنا في شرح هذا الحديث بحث واسع نفيس ، نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى . الحديث الثالث يبيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم العمل الذي يجعل المسلم محبوباً عند الله ، وعند الناس روى ابن ماجه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله دُل ني على عملٍ إذا عملتُه أحب ني الله وأحب ني الناسُ . فقال : ( ازهد في الدنيا يحبُّك الله ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبُّك الناس )2 يروى بالإفراد والتثنية. وقد رواه ابن أبي الدنيا عن الشيخ إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه ، مفصلاً ، كما في ( ترغيب ) المنذري .
عدد الصفحات ٥٣54 الحديث الرابع يوصي فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يكون الإنسان كَلاًّ على الناس طامعاً فيما عندهم وأن يتوجه بكليته إلى كلٍّ من صلواته ، لأنها ربما كانت آخر صلاته . عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أوصني . فقال صلى الله عليه وسلم : ( عليك بالإياس مما في أيدي الناس ، وإي اك والطمع ، فإنه الفقر الحاضر ، وصل صلاتك وأنت مود ع ، وإي اك وما يُعتذرُ منه )1 الحديث الخامس يوصي فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة وعدم التسويف والكسل عنها قبل أن تشغلهُ الشواغل ، أو تمنعه الموانع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بادروا بالأعمال سبعاً ! 2 هل تنتظرون إلا فقراً مُنسياً ، أو غنىً مُطغياً ، أو مرضاً مُفسداً ، أو هرماً مُفنِداً 3 ، أو موتاً مُجهزاً4 ، أو الدج ال فشر غائبٍ يُنتظر ، أو الساعة فالساعة أدهى وأمرُّ )5 الحديث السادس ينهى فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون الإنسان إمّعة ، بل يكون محسناً متّبعاً للحق قال الحافظ المنذري : رواه الحاكم والبيهقي في ( الزهد ) وقال الحاكم – واللفظ له – صحيح الإسناد ، ورواه الطبراني من حديث ابن عمر اهـ أي سابقوا وقوع أحد هذه السبعة فيكم ، وذلك باهتمامكم بالأعمال الصالحة واشتغالكم بها ، كما في : ( فيض القدير ) أي : موقعاً في الكلام المنحرف عن سنن الصحة من الخرف والهذيان . 4 أي: سريعاً . رواه الترمذي وحسنه ، والحاكم وصحح إسناده كما في ( ترغيب ) المنذري و( فيض القدير )
عدد الصفحات ٥٤55 عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تكونوا إم عةً 1 :تقولون: إنْ أحسن الناسُ أحسن ا ، وإن ظلموا ظلمنا – ولكن وط نوا أنفسكم إن أحسن الناسُ أن تُحسنوا ، وإن أساءوا أن لا تظلِموا )2 الحديث السابع يوصي فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالصدق ، ويبيّن عواقبه الحسنة ويحذّر من الكذب ، ويبيّ ن عواقبه السيئة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، والبرُّ يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجلُ يصدُق ويتحرى الصدق حتى يُكتبَ عند الله صديقاً . وإي اكُم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، والفجور يهدي إلى النار ، وما يزال العبدُ يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذ اباً )3 فقد أوصى صلى الله عليه وسلم بالصدق: صدق الأقوال بموافقتها لواقع الأمر الشرعي ، وصدق الأفعال بإخلاص الني ة فيها لله تعالى ، وصدق الأحوال بحصولها عن مراقبةٍ لله تعالى ، ثم بي ن صلى الله عليه وسلم أن التحقق بالصدق يوصل صاحبه إلى البر ، ومعناه في اللغة : سعة الخير وكثرته ، والمراد به هنا سعة الخير الإيماني ، والتحقق بشُعب الإيمان الكثيرة العظيمة : قال الله تعالى : (وَلَكِنه الْبِره مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْْخِرِ وَالْمَلًَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنهبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَ لَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السهبِيلِ وَالسهائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصهلًَةَ وَآتَى الزهكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا قال في ( النهاية ) : الإم عة – بكسر الهمزة وتشديد الميم – الذي لا رأي له فهو يتابع كل أحد على رأيه ، والهاء فيه للمبالغة ، وقيل : هو الذي يقول لكل أحد : أنا معك اهـ رواه الترمذي وحسنه ، كما في ( الترغيب ) وغيره . رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه ، واللفظ له ، كما في ( الترغيب ) وغيره .
عدد الصفحات ٥٥56 وَالصهابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضهرهاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الهذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتهقُونَ ) . فانظر في قوله تعالى : ( أولئك الذين صدقوا ) بعدما عدًد شعب البرً ، واقرن بين ذلك وبين الحديث النبوي الذي نحن فيه تفهم المراد . كما بيًن صلى الله عليه وسلم أن من تحقق بالبر الإيماني فإن ذلك يوصله إلى الجنة . ثم حذًر النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب في الأقوال والأعمال والأحوال ، وبيًن أن ذلك ينتهي بصاحبه إلى الفجور ، ومعناه في الأصل : مجاوزة الشيء حدًه ، والمراد هنا أن الكذب يؤدي بصاحبه إلى مجاوزة حدوده الشرعية ، التي حدًها الله تعالى وأوقفه عندها ، وأن ذلك الفجور يوصل صاحبه إلى النار لّ محالة ، فجميع الأقوال والأعمال والأحوال والمقامات ، مرتبط بعضها ببعض ، ويوصل بعضها إلى بعض ، ولها آثارها ، ولها نتائجها في الخير وفي الشرً . الحديث الثامن في فضل المحبة الإيمانية وأثرها عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله كيف ترى في رجل أحبً قوماً ولم يلحق بهم ؟ - أي : ولم يستطع أن يعمل بعملهم – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المرءُ مع من أحبً ) رواه الشيخان . وروى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال : رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحوا بشيء لم أرهم فرحوا بشيءٍ أشدُّ منه .
عدد الصفحات ٥٦57 قال رجل: يا رسول الله : الرجلُ يحبً الرجل على العمل من الخير يعمل به ، ولّ يعمل بمثله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المرء مع من أحبً )1 الحديث التاسع يحذّر فيه النبي صلى الله عليه وسلم من سوء الظن ، ويبيّن ما يجب على المسلم نحو أخيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إياكم والظنً فإنً الظنً أكذبُ الحديث ، ولّ تحسًسوا ، ولّ تجسًسوا ، ولّ تنافسوا ، ولّ تحاسدوا ، ولّ تباغضوا ، ولّ تدابروا ، وكونوا – عباد الله – إخواناً كما أمركم الله . المسلم أخو المسلم : لّ يظلمه ، ولّ يخذُله ، ولّ يحقِره ، التقوى ههنا ، التقوى ههنا ، التقوى ههنا – ويشير إلى صدره ثلًث مرات – بحسب امرئٍ من الشرً أن يحقِر أخاه المسلم ، كلُّ المسلم على المسلم حرام : دمُه وماله وعرضه )2 وفي رواية لمسلم: ( إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) . الحديث العاشر يوصي فيه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن أن يكون حريصاً على ما ينفعه في دينه ودنياه ، مستعيناً على ذلك بالله تعالى وينشّ طه للعمل ويحذّ ره من العجز والكسل روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ، احرص على ما ينفعك ، واستعِن بالله ولا تعجِز ، وإن أصابك شيءٌ انظر ( الترغيب ) للحافظ المنذري . قال الحافظ المنذري : رواه مالك والبخاري ومسلم – واللفظ له ، وهو أتم الروايات – وأبو داود والترمذي ، اهـ . والمراد بقول المنذري ( وهو أتم الروايات ) أي : بعد جمعها إلى بعضها كما يتبين ذلك لمن راجع صحيح مسلم .
عدد الصفحات ٥٧58 فلا تقل: لو أني فعلتُ : كان كذا وكذا ، ولكن قل : قد ر الله وما شاء فعل ، فإن ( لو ) تفتح عمل الشيطان ) . الحديث الحادي عشر في وصيته صلى الله عليه وسلم بتقوى الله في السر والعلانية عن معاذ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ات ق الله حيثما كنتَ ، وأتبِع السيئة الحسنة تمحُها ، وخالقِ الناسَ بخُلق حسن ) رواه الترمذي وقال : حسن صحيح . وروى الطبراني بإسناد رواته ثقات عن أبي سلمة عن معاذ رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله أوصني . قال : ( اعبُدِ الله كأن ك تراه ، واعدد نفسكَ في الموتى ، واذكر الله عند كل حجر ، وعند كل شجر ، وإذا عملت سيئةً فاعمل بجنبها حسنةً : السر بالسر ، والعلانية بالعلانية )1 الحديث الثاني عشر في وصيته صلى الله عليه وسلم ببر الوالدين والعفة عن التطلع إلى النساء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بر وا آباءكُم ، تبر كُم أبناؤكم ، وعفُّوا تعف نساؤكُم )2 الحديث الثالث عشر يبيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم الصفات التي تجعل صاحبها في ظلّ الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( سبعةٌ يُظل هُّ م الله في ظل ه ، يوم لا ظل إلا ظلُّه : الإمام العادل ، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل ، ورجل قلبه معل ق بالمساجد ، ورجلان كذا في ( الترغيب ) قال : وأبو سلمة لم يدرك معاذاً . قال الحافظ المنذري : رواه الطبراني بإسناد ، ورواه أيضاً هو وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها اهـ
عدد الصفحات ٥٨59 تحاب ا في: اجتمعا على ذلك ، وتفر قا عليه ، ورجل دعته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ، ورجلٌ تصد ق بصدقةٍ فأخفاها ، حتى لا تعلم شماله ما تُنفِق يمينُه ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه )1 الحديث الرابع عشر يحذّر فيه النبي صلى الله عليه وسلم الإنسان أن يتكلم بالكلمة دون أن يتبيّن ما فيها عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن العبد يتكل م بالكلمة ما يتبي ن فيها 2 يزلُّ بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب ) رواه الشيخان . وروى الترمذي بلفظ : ( إن الرجل ليتكل م بالكلمة لا يرى بها بأساً ، يهوي بها سبعين خريفاً ) . ورواه الحاكم بلفظ : ( إن الرجل يتكل م بالكلمة ما يظنُّ أن تبلغ ما بلغت ، يهوي بها سبعين خريفاً في النار ) . وروى البيهقي بلفظ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن العبد ليقول الكلمة ، لا يقولها إلا ليُضحك بها المجلس يهوي بها أبعد ما بين السماء والأرض ، وإن الرجل ليزِ ل عن لسانه ، أشدُّ مم ا يزِ لُّ عن قدميه ). ورواه أبو الشيخ بإسناد حسن عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا هل عسى رجل منكم أن يتكل م بالكلمة ، يُضحك بها القوم ، فيسقط بها أبعد من السماء ، ألا هل عسى رجل منكم يتكلم بالكلمة ، يُضحكُ بها أصحابه فيسخط الله بها عليه ، لا يرضى عنه حتى يدخلهُ النار )3 رواه الشيخان وغيرهما ، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في عدة من الأحاديث ، جملة واسعة من الذين يظلُّهم الله تعالى في ظل ه ، جمعها بعض المحد ثين فارجع إليها إن شئت . قال الحافظ المنذري : قوله ( ما يتبين فيها ) أي : ما يتفكر هل هي خير أم شر ؟ اهـ انظر جميع هذه الروايات في ( الترغيب ) للمنذري .
عدد الصفحات ٥٩60 الحديث الخامس عشر يبيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم أحوال الناس في الدنيا وعواقبهم في الآخرة عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ثلاثٌ أقسم عليهن وأحد ثكم حديثاً فاحفظوه : قال : ما نقص مالٌ من صدقةٍ ، ولا ظُلِم عبدٌ مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عز اً ، ولا فتح عبدٌ باب مسألة 1 إلا فتح الله عليه باب فقرٍ . قال : وأحد ثكم حديثاً فاحفظوه : إنما الدنيا لأربعة نفرٍ : عبدٌ رزقه الله مالاً وعلماً ، فهو يت قي فيه رب ه ، ويصلُ فيه رحِمه ، ويعلم أن لله فيه حقاً ، فهذا بأفضل المنازل . وعبدٌ رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً ، فهو صادق الني ة يقول : لو أن لي مالاً لعملتُ بعمل فلان2 فهو بني ته ، فأجرهما سواء. وعبدٌ رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً ، يخبط في ماله بغير علم ، ولا يت قي فيه رب ه ، ولا يصلُ فيه رحمه ، ولا يعلم لله فيه حقاً ، فهذا بأخبث المنازل . وعبدٌ لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول : لو أن لي ما لاً لعملتُ فيه بعمل فلان ، فهو بني ته 3 ، فوزرهما سواء)4 الحديث السادس عشر يبيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنواع عمل الخير وآثارها أي : شحاذة وسؤال مال الناس ، ولم يك مضطراً ، أما المضطر : فله أن يسأل قدر الضرورة ، إذا لم يجد ما يسد حاجته بعمل ونحوه . أي : لتصدقت وعملت من الخيرات ، كما يعمل فلان الغني التقي السخي . يعني : أنه نوى أن لو كان عنده مال لخبط فيه وهتك ، وفسق وعمل ما عمل فلان ، أي : في إسرافه على نفسه وفسقه ، فهو بنيته لذلك يلحقه إثم ذلك . 4 رواه الترمذي وابن ماجه ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
عدد الصفحات ٦٠61 عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صنائع المعروف : تقي مصارعَ السوء ، وصدقة السر : تطفئ غضبَ الرب ، وصلة الرحم : تزيدُ في العمر )1 وجاء في رواية أم سلمة رضي الله عنها زيادة على ذلك: ( وكلُّ معروف صدقة ، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة ، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة ، وأول من يدخل الجن ة أهل المعروف )2 . الحديث السابع عشر يبيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم وجوب محبّته فوق محبة كل مخلوق عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) مت فق عليه . الحديث الثامن عشر يبيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم الصفات التي يجد بها المؤمن حلاوة الإيمان عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثٌ من كُن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن أحب عبداً لا يُحبُّه إلا لله ، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في الن ار ) . وفي رواية : ( ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوةَ الإيمان وطعمه : أن يكون الله ورسولهُ أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب في الله ويبغض في الله ، وأن توقد نارٌ عظيمة فيقع فيها ، أحبُّ إليه من أن يُشركَ بالله شيئاً )3 إلى هنا رواية الطبراني في( الكبير ) بإسناد حسن . هذه الزيادة رواية الطبراني في ( الأوسط ) وقد رواها الحافظ المنذري بصيغة ( روي ) رواه الشيخان والترمذي والنسائي .
عدد الصفحات ٦١62 الحديث التاسع عشر فيما ورد من حقوق المسلمين على بعضهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حقٌّ المسلم على المسلم ست ) قيل : وما هنَّ يا رسول الله ؟ قال : ( إذا لقيته فسل م عليه ، وإذا دعاك فأجِبه ، وإذا استنصحك فانصح له ، وإذا عطس فحمد الله تعالى فشم ته ، وإذا مرض فعُده ، وإذا مات فات بعه )1 الحديث العشرون في التحذير من الحسد والبغضاء وأن ذلك هو الداء الذي هلكت به الأمم عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( دبَّ إليكم داءُ الأمم قبلكم : الحسد والبغضاء ، والبغضاء هي الحالقة ، لا حالقة الشعر ولكن حالقة الد ين ، والذي نفس محمدٍ بيده : لا تدخلوا الجن ة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحاب وا ، ألا أنب ئكم بشيءٍ إذا فعلتمُ وه تحاببتم ؟ ) . قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : ( أفشوا السلام بينكم )2 الحديث الحادي والعشرون في بيان حقوق الطريق وآدابه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إي اكم والجلوسَ في الطرقات ) . قالوا : يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بُد نتحد ث فيها 3 . قال: ( فإن أبيتم إلا المجالس ، فأعطوا الطريق حق ها ) . قالوا : يا رسول الله ، وما حقُّ الطريق ؟ رواه البخاري بلفظ : ( خمس ) ومسلم بهذا اللفظ ؟ رواه الترمذي وأحمد ، ورواه البزار بسند جيد كما في ( ترغيب ) المنذري و ( مجمع الزوائد ) ، وصدر الحديث في ( صحيح ) مسلم وغيره . يعنون أنهم قد يضطرون إلى الجلوس فيها للتحد ث في أمر مهم .
عدد الصفحات ٦٢63 قال: غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) رواه الشيخان . وفي رواية أبي داود زيادة : ( وإرشادُ السبيل ) . وعند الطبراني : ( وإغاثةُ الملهوف ) . الحديث الثاني والعشرون في بيان أن من خاف الله تعالى سعى إلى النجاة من عذابه وذلك بطاعة الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من خاف أدلج 1 ومن أدلج بلغ المنزل ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجن ة)2 الحديث الثالث والعشرون في بيان فضل التفريج عن المسلم والستر عليه ، والتيسير والعون له ، وفضل : طلب العلم والاجتماع على تلاوة كتاب الله تعالى ومدارسته عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من نف س عن مؤمن كُربة من كُرب الدُّنيا ، نف س الله عنه كربةً من كُرب يوم القيامة ، ومن سترَ مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة ، ومن يس ر على معسرٍ يس ر الله عليه في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبدُ في عون أخيه ، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سه ل الله له به طريقاً إلى الجن ة ، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ، إلا قال العلا مة المناوي : ( أدلج ) بسكون الدال مخففاً : سار من أول الليل ، وأما التشديد فمعناه سار من آخره اهـ . والمعنى : أن من مشى في الصحراء ، وأقبل عليه الليل ، فإن خوفه من سباع الصحراء وضياعها ، يحمله على أن لا يبيت ، بل يتابع سيره حتى يبلغ منزله ومأمنه – وفي هذا عبرة للسائرين والسالكين . رواه الترمذي وقال : حسن غريب ، ورواه الحاكم وصح حه ، وأقر ه الذهبي .
عدد الصفحات ٦٣64 نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحف تهم الملائكة ، وذكرهم فيمن عنده ، ومن بط أ به عمله ، لم يُسرع به نسبُه )1 الحديث الرابع والعشرون في بيان وجوه مسؤولية العبد يوم القيامة عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزولُ قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع : عن عُمُره فيم أفناه ، وعن عمله ما عمل به ، وعن ماله من أين اكتسبه ، وفيم أنفقه ، وعن جِسمه فيمَ أبلاه ) رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح . ورواه البزار والبيهقي والطبراني بإسناد صحيح 2 عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال : عن عُمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل فيه ). الحديث الخامس والعشرون خطبته صلى الله عليه وسلم يحضُّ فيها على التمسُّك بكتاب الله تعالى والاهتداء بهديه صلى الله عليه وسلم عن جابر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطبَ احمر ت عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضبه ، كأنه منذر جيش ، يقول : ( أم ا بعدُ ، فإن أصدق الحديثِ كتابُ الله ، وإن أفضل الهدي هديُ محمدٍ ، وشرُّ الأمور مُحدثاتها ، وكل مُحدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكلُّ ضلالة في الن ار ، أتتكم الساعة بغتةً ، بُعثتُ أنا والساعة هكذا ، صب حتكم الساعة ومس تكم رواه مسلم وأصحاب السنن . كما في مواضع متعددة من ( الترغيب ) للمنذري .
عدد الصفحات ٦٤