33 وفي رواية البزار والطبراني: ( لفرضتُ عليهم السواك عند كل صلاة ، كما فرضت عليهم الوضوء ) . وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك ) رواه أبو نعيم بإسناد حسن – كما في ( ترغيب ) المنذري . ولذا كان صلى الله عليه وسلم يكثر من استعمال السواك ، ففي صحيح مسلم وغيره عن شُريح بن هانئ قال : قلت لعائشة رضي الله عنها : بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته ؟ قالت : ( بالسواك ) . عاشراً : حثُّه صلى الله عليه وسلم على التنظُّف والتخلُّل بعد تناول الطعام : فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( حب ذا المتخل لون من أمتي ) . قال : وما المتخللون يا رسول الله ؟ فقال : ( المتخللون في الوضوء ، والمتخللون في الطعام – أما تخليل الوضوء : فالمضمضة والاستنشاق ، وبين الأصابع ، وأما تخليل الطعام : فمن الطعام ، إنه ليس شيء أشد على الملكين من أن يريا بين أسنان صاحبهما طعاماً وهو قائم يصل ي ) رواه الطبراني في ( الكبير ) ، ورواه الإمام أحمد مختصراً ، كما في ( الترغيب ) . جماله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى خلق سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم في أجمل صورة بشرية ، وأكمل خِلقة آدمية ، انطوت فيه جميع المحاسن المبدعات ، والفضائل والكمالات . قال الله تعالى : (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنه اللههَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
عدد الصفحات ٣٣34 فهو سبحانه يزيد في كمال الخَلق وجماله ما يشاء أن يزيد ، وقد زاد سبحانه في جمال خَلق هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ومحاسنه ، حتى اعتلى ذروة الخَلق الحسن الكريم ، كما زاد سبحانه في كمال خُلُقه صلى الله عليه وسلم حتى اعتلى ذروة الخُلُق العظيم ، قال سبحانه : ( وإنك لعلى خُلق عظيم ) ولقد أجمعت كلمة الصحابة الذين وصفوه على أنه لم يُ رَ قبله ولّ بعده مثله صلى الله عليه وسلم . قال أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالقصير ولّ بالطويل ، ضخم الرأس ، شثن الكفين والقدمين والكراديس1 ، مُشرباً وجهه بحمرة ، طويل المسرُبة ، إذا مشا تكفأ كأنما يقلع من صخر ، لم أرَ قبله ولّ بعده مثله )2 وقال البراء بن عازب: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً ، وأحسنهم خُلُقاً ليس بالطويل البائن ، ولّ بالقصير .. ) متفق عليه . وقال أبو هريرة رضي الله عنه : ( ما رأيت أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كأن الشمس تجري في وجهه صلى الله عليه وسلم ) رواه الترمذي . تجمُّله صلى الله عليه وسلم وأمره بذلك كان صلى الله عليه وسلم يتجمل ، ويأمر أصحابه بالتجمل ، وكان يؤكد ذلك في المجتمعات والمقابلًت عامًة ، وفي الجمُع والأعياد خاصةً . روى البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم كانت له حُلة يلبسها للعيدين والجمعة . وروى ابن السني عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم إلى إخوانه فنظر في كوز من ماء إلى لُمته – أي : إلى شعره – أي : عظيم الكفين والقدمين والكراديس وهي رؤوس العظام رواه أحمد بهذا اللفظ وقد تقدم نحو هذا في رواية الترمذي
عدد الصفحات ٣٤35 وهيئته ثم قال: ( إنً الله جميل يحب الجمال ، إذا خرج أحدكم إلى إخوانه فليتهيأ في نفسه )1 والتجمل هو: الأخذ بما يحفظ على الإنسان جماله ، والبعد عما يشينه في منظره وهيئته . وأخرج أبو نعيم والواقدي عن جندب بن مكيث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم عليه وفد لبس أحسن ثيابه ، وأمر أصحابه بذلك ، فرأيته وفَد عليه وفد كِندة ، وعليه حُل ة يمانية ، وعلى أبي بكر وعمر مثل ذلك .2 وقد بي ن النبي صلى الله عليه وسلم أن حسن السمت والزي الحسن من شمائل الأنبياء وخصالهم الأصيلة . روى الترمذي عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الهدي الصالح ، والاقتصاد ، جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة ) . وفي رواية مالك في الموطأ : ( القصد والتؤدة وحسن السمت جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة )3 وكان صلى الله عليه وسلم ينكر من عر ض هيئته للش ين ، ففي( الموطأ ) : باب ما جاء في لبس الثياب للجمال بها : ثم أسند إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال : ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة انظر شرح المناوي على ( الجامع الصغير ) الجزء الثالث انظر الجزء الأول من ( التراتيب ) أما السمت الحسن فهو – كما قال المناوي – حسن الهيئة والمنظر ، وأصل السمت : الطريق ، ثم استعير للزي الحسن ، والهيئة المثلى في الملبس وغيره ، وأما الهدي الصالح : فهو السيرة السوية ، والسير الحسن ، وأما الاقتصاد أو القصد : فهو التوسط في الأمور والتحرز في طرفي الإفراط والتفريط ، كالجود فإنه وسط بين البخل والإسراف ، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور ، وهكذا دواليك . وأما التؤدة : فهي التأني في الأمور ، وعدم الاستعجال فيها ، ليتبين له عواقبها ، وشرها وخيرها .
عدد الصفحات ٣٥36 أنمار ، قال جابر: فبينا أنا نازل تحت شجرة إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ، فقلت : يا رسول الله هلُّم إلى الظل ، قال : فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت إلى غرارة – ظرف شبيه العدل – فالتمست فيها شيئاً فوجدت جرو قثاء 1 فكسرته ، ثم قر بته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( من أين لكم هذا ؟ ) فقلت : خرجنا به يا رسول الله من المدينة . قال جابر : وعندنا صاحب لنا نجه زه يذهب يرعى ، قال : فجه زته ثم أدبر يذهب في الظهر ، وعليه بُردان له قد خَلِقا – أي بليا – قال : فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقال : ( أما له ثوبان غير هذين ؟) فقلت : بلى يا رسول الله ، له ثوبان في العيبة 2 كسوته إياهما ، قال: ( فادعه ، فمره فليلبسهما ) قال : فدعوته فلبسهما ، ثم ولى يذهب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما له ؟ ضُرب عنقه ، أليس هذا خيراً له ؟ ) قال : فسمعه الرجل فقال : يا رسول الله في سبيل الله ؟ - أي : ضرب الله عنقه في سبيل الله - . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( في سبيل الله ) قال : فقتل الرجل في سبيل الله . وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال : ( إني لأحبُّ أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب ) . وقال عمر بن الخطاب : ( إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم : جمع رجل عليه ثيابه ) – أي : إن جمع عليه ثيابه فحسن . أي : وجد في العدل من القثاء ، وهو اسم لما يقال له : خيار والعجوز والفقوس ، اهـ ، كما في شرح الزرقاني على ( الموطأ ) بفتح العين وسكون التحتية فموحدة : المستودع للثياب
عدد الصفحات ٣٦37 وروى أبو نعيم وابن لال وغيرهما عن ابن عمر مرفوعاً: ( إن المؤمن أخذ عن الله أدباً حسناً ، إذا وس ع عليه وس ع على نفسه )1 وروى الحاكم بإسناده عن سهل بن الحنظلية عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أحسنوا لباسكم ، وأصلحوا رحالكم ، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس ) 2 وروى الطبراني والبيهقي عن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ) وروى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة ، ويكره البؤس والتباؤس ، ويُبغض السائل المُلحف ، ويحب الحيي العفيف المتعفف ) قوة بصره الشريف صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ( ما زاغ البصر وما طغى ) فقد وصفه الله تعالى – وهو صلى الله عليه وسلم في المشهد الأعلى – بأنه ما زاغ بصره ، أي : لم يَحَر ، وما طغى ، أي : لم يجاوز المنظور إليه ، المتجل ي عليه ، وفي هذا دليل قوة بصره وثباته ، لأن البصر إذا بهره النور الساطع : إما أن يزيغ ويحار ، وإما أن يجاوز المنظور إلى غيره كللاً وضعفاً منه ، فلم يقع منه صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك ، لما أعطاه الله تعالى من القوة في بصره ومن خصائصه البصرية : أنه كان يرى ما لا يرى غيره ، كما في سنن الترمذي وغيرها عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ...) الحديث . انظر شرح الزرقاني على ( الموطأ ) انظر ( الفتح الكبير ) .
عدد الصفحات ٣٧38 فكان يرى جبريل والملائكة الكرام دون أن تتمثل بصورة: روى الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : ( رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته ، وله ستمائة جناح ، كلُّ جناح منها قد سد الأفق ، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ، ما الله به عليم ) أما رؤيته الملائكة : فمن ذلك ما جاء عن أنس رضي الله عنه قال : ( كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في الحلقة ، إذ جاء رجل فس لم على النبي صلى الله عليه وسلم والقوم ، فقال : السلام عليكم ورحمة الله . فرد النبي صلى الله عليه وسلم : ( وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ) فلما جلس الرجل قال : الحمد لله حمداً كثيراً طي باً مباركاً فيه ، كما يحبُّ ربنا أن يُحمد وينبغي له . فقال له صلى الله عليه وسلم : ( كيف قلت ؟) فرد عليه كما قال . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ، لقد ابتدرها – أي : أسرع إليها – عشرة أملاك ، كلُّهم حريصٌ على أن يكتبها ، فما دروا كيف يكتبونها ، حتى رفعوها إلى ذي العزة ، فقال : اكتبوها كما قال عبدي ))1 ومن ذلك رؤيته الملائكة تغس ل حنظلة الشهيد رضي الله عنه ، ورؤيته جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه يطير في الجنة مع الملائكة بجناحين . كما وأنه صلى الله عليه وسلم كان يرى الأبعاد الشاسعة بقوة وعناية ربانية : قال الحافظ المنذري : رواه أحمد ورواته ثقات ، والنسائي وابن حبان في ( صحيحه ) إلا أنهما قالا : ( كما يحب ربنا ويرضى )
عدد الصفحات ٣٨39 ففي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما كذبتني قريش قمتُ في الحجِر ، فجلى لي الله – أي : أظهر لي – بيت المقدس ، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه ) . فهو صلى الله عليه وسلم في مكة عند الحِجر يرى بيت المقدس جلياً . كما وأنه صلى الله عليه وسلم أراه الله تعالى مشارق الأرض ومغاربها . ففي صحيح مسلم وغيره عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله زوى – أي : جمع – لي الأرض – فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها .. ) الحديث . وروى الطبراني عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى قد رفع ليَ الدنيا ، فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة ، كأنما أنظر إلى كفي هذه )1 وكان صلى الله عليه وسلم يرى من ورائه كما يرى من أمامه: ففي الصحيحين – واللفظ لمسلم – عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( هل ترونَ قبلتي ها هنا ؟ فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم إني لأراكم من وراء ظهري ) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ثم انصرف ، فقال : ( يا فلان ألا تحسن صلاتك ؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي ؟! فإنما يصلي لنفسه ؟! إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي ). وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال : صلى بنا رسول الله ذات يوم ، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال : ( يا أيها الناس إني إمامُ كم فلا انظر شرح الزرقاني على ( المواهب ) الجزء السابع .
عدد الصفحات ٣٩40 تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ، ولا بالقيام ولا بالانصراف1 ، فإني أراكم أمامي ومن خلفي ، ثم قال : والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) قالوا : وما رأيتَ يا رسول الله ؟ قال : ( رأيت الجنة والنار ) . حول قوة سمعه الشريف صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى أعطى رسوله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم قوةً في السمع خاصةً ، فكان يسمع ما لا يسمع غيره : فعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ، أط ت 2 السماء ، وحُق لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته لله تعالى ساجداً ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيراً ، ولخرجتم إلى الصُّعدات تجأرون إلى الله تعالى )3 ومن ذلك سماعه صلى الله عليه وسلم فتح باب السماء: روى الطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وجبريل على الصفا ، فقال : ( يا جبريل والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سَفة من دقيق ، ولا كف من سويق ) فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هد ة في السماء أفزعته ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( أمر الله تعالى القيامة أن تقوم ؟) فقال – جبريل - : ( لا ، ولكن أمر إسرافيل ، فنزل إليك بمفاتيح خزائن الأرض ، وأمرني أن أعرض عليك ، أسي ر معك جبال تهامة زمرداً وياقوتاً ، وذهباً وفضة ، فإن بالتسليم آخر الصلاة ، أو المراد به : الخروج من المسجد بعد السلام ، لاحتمال التذكير أو التنبيه على أمر يهمهم . أي : ظهر لها صوت من كثرة الملائكة فوقها ، وهو مشتق من الأطيط : صوت الرحل . رواه الترمذي وأحمد وغيرهما ، ومعنى تجأرون : تستغيثون وتلجأون .
عدد الصفحات ٤٠41 شئت نبياً ملِ كاً ، وإن شئت نبي ا ً عبداً ) فأومأ إليه جبريل : أن تواضع ، فقال : ( بل نبياً عبداً – ثلاثاً – فلو أني قلت : نبي اً ملِ كاً لسارت الجبال معي ذهباً )1 ومن ذلك سماعه عذاب المشركين في قبورهم: روى مسلم عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار ونحن معه ، إذ جادت به بغلته فكادت تُلقيه ، وإذا أقبرٌ ستة أو خمسة ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( من يعرف أصحاب هذه القبور ؟ ) فقال رجل : أنا . فقال صلى الله عليه وسلم : ( متى ماتوا ؟ ) قال : في الشرك ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها ، فلولا أن لا تدافنوا ، لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه .. ) الحديث . فكان صلى الله عليه وسلم يسمع عذاب المعذ بين في قبورهم ، وبي ن أنه لولا خشية أن لا يدفن بعضهم بعضاً إذا سمعوا عذاب القبر : لدعا الله أن يسمعهم ذلك ، ولكن إذا سمعوا عذاب القبر اعتراهم الخوف والفزع ، وذلك مما يؤدي إلى ترك دفن بعضهم مخافةً من سماع ذلك . ومن ذلك سماعه صلى الله عليه وسلم هد ة صخرة هوت من شفير جهنم : فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتاً هاله – أي : أفزعه – فأتاه جبريل عليه السلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما هذا الصوت يا جبريل ؟ ) فقال : ( هذه صخرة هَوت من شفير جهنم ، من سبعين عاماً ، فهذا حين بلغت قعرها ، فأحب الله قال الحافظ المنذري : رواه الطبراني بإسناد حسن ، والبيهقي في ( الزهد ) وغيره ، ونحو ذلك أيضاً في شرح الزرقاني ، ثم أورد المنذري رواية ابن حبان في ( صحيحه ) أيضاً .
عدد الصفحات ٤١42 أن يسمعك صوتها ، فما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً ملء فيه حتى قبضه الله عز وجل )1 ومن ذلك سماعه صلى الله عليه وسلم عذاب المقبورين النمامين والغيابين ، والذين لا يستنزهون ولا يستترون من البول : روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بحائط من حيطان مكة أو المدينة ، فسمع صوت إنسانين يُعذ بان في قبورهما ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنهما ليعذبان وما يعذ بان في كبير 2 ، ثم قال: بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله ، وكان الآخر يمشي بالنميمة ) . وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم في يوم شديد الحر نحو بقيع الغرقد ، وكان الناس يمشون خلفه ، قال : فلما سمع صوت النعال وقرَ ذلك في نفسه ، فجلس حتى قد مهم أمامه ، فلما مر ببقيع الغرقد إذا بقبرين قد دفنوا فيهما رجلين ، قال : فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( من دفنتم ههنا اليوم ؟) قالوا : فلان وفلان . قالوا : يا نبي الله وما ذاك ؟! قال : ( أما أحدهما فكان لا يتنز ه من البول ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ) . وأخذ جريدة رطبة فشقها ، ثم جعلها على القبرين ، قالوا : يا نبي الله لم فعلتَ هذا ؟ قال : ( ليُخف ف عنهما ) قالوا : يا رسول الله حتى متى يعذ بان ؟ فقال : ( غيب لا يعلمه إلا الله ، ولولا تمزُّع – أي : تقطُّع – قلوبكم وتزي دكم في الحديث لسمعتم ما أسمع ) . عزاه الحافظ المنذري للطبراني بهذا اللفظ ، وعزاه الحافظ الزرقاني إلى ابن أبي شيبة برجال ثقات . قال العلامة الخطابي قوله : ( وما يعذبان في كبير ) : إنهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما أو يشق فعله لو أرادا أن يفعلاه وهو التنزه من البول وترك النميمة – ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة
عدد الصفحات ٤٢43 حول صوته الشريف صلى الله عليه وسلم كان صوت النبي صلى الله عليه وسلم على غايةٍ من الحسن ، وقد أعطاه الله تعالى قدرة في الإسماع ، وبلوغ صوته المسافات الشاسعة ، والأماكن الواسعة ، التي لا يبلغها صوت غيره . روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال : ( ما بعث الله نبياً إلا حسنَ الوجه حسن الصوت ، وكان نبيكم أحسنهم وجهاً 1 وأحسنهم صوتاً) . وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه : ( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشاء ( والتين والزيتون ) فلم أسمع صوتاً أحسنَ منه ) . وروى أبو الحسن بن الضحاك عن جبير بن مطعم قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم حسن النغمة )2 وفي حديث أم معبد المتقدم: كان في صوته صلى الله عليه وسلم صَحَل 3 . وكان صوته صلى الله عليه وسلم يبلغ حيث لا يبلغهصوت غيره : فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : ( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العواتق في خدورهن )1 وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج ، في يوسف: ( فإذا أنا برجل – أي : يوسف عليه السلام – أحسن ما خلق الله ، قد فضل الناس بالحسن ، كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب ) – كما في رواية البيهقي والطبراني وابن عائذ – فيحمل ذلك على أن المراد غير النبي صلى الله عليه وسلم ) ، ويؤيده القول بأن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه ، ويشهد له قوله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم : ( فإذا هو – يوسف – قد أعطي شطر الحسن ) قال ابن المنير : المراد أن يوسف أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم . انظر كلام الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) انظر شرح المواهب . قال ابن الأثير : الصحل – بفتح الصاد والحاء – كالبحة ، وأن لا يكون حاد الصوت .
عدد الصفحات ٤٣44 وعن عبد الرحمن بن معاذ التيمي رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ففت حت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ، ونحن في منازلنا ، فطفق يُ عل مهم مناسكهم ، حتى بلغ الجمار فوضع أُ صبعيه السبابتين ثم قال : ( ارموا بحصى الخَذف )2 . وروى أبو نعيم عن عائشة رضي الله عنها قالت: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر فقال للناس : ( اجلسوا ) فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في بني غَنْم 3 فجلس مكانه4 . وروى ابن ماجه عن أم هانئ رضي الله عنها قالت: كنا نسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في جوف الليل عند الكعبة وأنا على عريشي – أي : على سريري - . فسماعها ذلك – وهي داخل بيتها البعيد عن مكان القراءة – دليل على أن صوته الشريف كان يبلغ مكاناً لا يبلغه غيره – فسبحان من خص ه بالخصائص الكبرى والآيات العظمى صلى الله عليه وسلم ! . حلاوة منطقه صلى الله عليه وسلم رواه البيهقي ، والعواتق : جمع عاتق وهي الشابة أول ما تدرك ، وقيل : التي لم تنفصل عن والديها ولم تتزوج ، وقد أدركت وشبت ، وأما الخدور : فجمع خدر وهو الستر ، ويطلق على البيت إن كان فيه امرأة ، وإلا فلا ، وإنما خص هن البراء بالذكر لبعدهن واحتجابهن في البيوت ، فسماعهن صوت النبي صلى الله عليه وسلم – وهو في المسجد وهن في خدورهن – آية دالة على قوة صوته صلى الله عليه وسلم وبلوغه حيث لا يبلغه صوت غيره اهـ كما في شرح الزرقاني على ( المواهب ) . رواه أبو داود والنسائي وأحمد ، كما في شرح ( المواهب ) بمعجمه مفتوحة فنون ساكنة فميم ، بطن من الخزرج ، كما في شرح ( المواهب ) 4 وهذا مبادرة في امتثال أمره صلى الله عليه وسلم مع أنه ليس مأموراً بذلك ، لأن أمره صلى الله عليه وسلم موجه للحاضرين للخطبة بالجلوس ، ولكن كمال الأدب يقتضي ذلك ، فانظر أدب الصحابة معه صلى الله عليه وسلم .
عدد الصفحات ٤٤45 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حلوَ المنطق ، حسنَ الكلام ، إذا تكل م أخذ بمجامع القلوب ، وسبى الأرواح والعقول . وكان إذا تكل م يخرج النور من بين ثناياه . فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلج الث ني تين ، إذا تكل م ريء1 كالنور يخرج من بين ثناياه)2 . وعن أبي قرصافة أنه قال: لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأمي وخالتي ورجعنا من عنده منصرفين ، قالت لي أمي وخالتي : يا بني ما رأينا مثلَ هذا الرجل أحسنَ منه وجهاً ، ولا أنقى منه ثوباً ، ولا ألين كلاماً ، ورأينا كأن النور يخرج من فيه 3 صلىعليه وسلم . فصاحة لسانه وبلاغة كلامه صلى الله عليه وسلم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفصحَ خلق الله تعالى لساناً ، وأوضحهم بياناً ، أوتي جوامع الكلم ، وبدائع الحِكم ، وقوارع الزجر ، وقواطع الأمر ، والقضايا المحكمة ، والوصايا المبرمة ، والمواعظ البالغة ، والحجج الدامغة ، والبراهين القاطعة ، والأدلة الساطعة . جاء في ( المسند ) وغيره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً كالمود ع فقال : ( أنا محمد النبي الأمي – قالها ثلاثاً – ولا نبي بعدي ، أوتيتُ فواتح الكلِ م ، وخواتمه ، وجوامعه .. ) الحديث . على وزن ( قيل ) على الأفصح ، ويقال : بضم الراء وكسر الهمزة اهـ ، كما في شرح ( المواهب ) عزاه الحافظ الزرقاني إلى الترمذي والدارمي والطبراني . قال في ( مجمع الزوائد ) : رواه الطبراني وفيه ما لم يسم .
عدد الصفحات ٤٥46 فكيف لا يكون أفصح خلق الله تعالى ، وقد آتاه الله تعالى الكلم الجامع للمعاني الكثيرة ، في الألفاظ اليسيرة . وفي حديث عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر : ( يا أيها الناس إني قد أعطيتُ جوامع الكلم وخواتيمه ، واختُصِر ليَ اختصاراً ، ولقد أتيتكم بها – أي : الشريعة – بيضاء نقيةً ، فلا تهو كوا ، ولا يضر نكم المتهو كون .. ) الحديث 1 . وروى أبو نعيم في( تاريخ أصبهان ) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال عمر : يا نبي الله مالكَ أفصَحَنا ولم تخرج من بين أظهرنا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( كانت لغة إسماعيل قد دَرَست ، فجاءني بها جبريل ، فحفظتها )2 قال الحافظ الزرقاني: بل زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ، فكان يخاطب كل ذي لغة بلغته ، اتساعاً في الفصاحة – أي : واتساعاً في اط لاعه صلى الله عليه وسلم على جميع لغات العرب ، ولهجاتهم الفصيحة ، كما ورد في ( المسند ) وغيره : عن كعب بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ليس من امبر امصيام في امسفر ) 3 وقد أورد الحافظ ابن كثير الحديث بطوله معزواً لأبي يعلى ، ثم قال: ورواه ابن أبي حاتم وله شواهد ، والتهو ك : التحي ر ، أو الدخول في كل أمر . قال الحافظ الزرقاني : رواه أبو نعيم في ( تاريخ أصبهان ) بإسناد ضعيف ، وكذا ابن عساكر وأبو أحمد الغطريف بلفظ : ( إن لغة إسماعيل كانت درست ، فأتاني بها جبريل فحفظتها ) اهـ من شرح المواهب ، وفيه : أخرج الزبير بن بكار بسند جيد عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه مرفوعاً : ( أول من فتق الله لسانه بالعربية البينة إسماعيل ) بإبدال اللام ميماً في الثلاثة ، على لغة بعض أهل اليمن ، حيث خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم بلغتهم ، وأصل هذا الحديث في الصحيحين .
عدد الصفحات ٤٦47 ومن ذلك حديث عطية بن عروة الس عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما قال له : ( فإن اليد العليا هي المنطية ، والسفلى هي المنطاة ) قال : فكل منا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا ، أي : بلغة بني سعد ، وهي إبدال العين نوناً 1 . آدابه في الكلام صلى الله عليه وسلم كان صلى الله عليه وسلم يتكلم بكلام مفص ل مبي ن ، بحيث لو أراد مستمعه أن يعد ه لأمكنه ذلك ، لوضوحه وبيانه . قالت السيدة عائشة رضي الله عنها : ( ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث كسردكم هذا ، يحد ث حديثاً لو عد ه العاد لأحصاه ) رواه الشيخان وزاد الإسماعيلي في روايته : إنما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فَهمَاً تفهمُه القلوب . وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان كلامه صلى الله عليه وسلم فصلاً يفهمه كل من سمعه ) . وروى عن جابر رضي الله عنه قال : ( كان في كلامه صلى الله عليه وسلم ترتيل أو ترسيل ) وفي الصحيحين عن أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكل م بكلمة أعادها ثلاثاً 2 وقد أورد هذا الحديث بتمامه في شرح المواهب ، وعزاه إلى عبد البر والحاكم ، قال الحافظ القسطلاني : وقد كان هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم : أن يكلم كل ذي لغة بلغته ، على اختلاف لغة العرب ، وتراكيب ألفاظها وأساليب كلمها اهـ ومن حكمة ذلك : أن تكون الأولى للإسماع ، والثانية للوعي ، والثالثة للفكرة ، أو : الأولى للإسماع ، والثانية للتنبيه ، والثالثة للأمر ، على أن الثلاثة فيها غاية الأعذار والبيان ، فمن لم يفهم بها لا يفهم بما زيد عليها .
عدد الصفحات ٤٧48 حتى تُفهم عنه ، وإذا أتى على قوم فسل م عليهم ، سل م عليهم ثلاثاً ، وكان صلى الله عليه وسلم يتكلم بكلام فصل لا هزر ولا نزر ، ويكره الثرثرة في الكلام ، والتشدُّ ق به ) وكان صلى الله عليه وسلم يكره التنطُّع في الكلام والتكلُّف في فصاحته ، كما ورد في ( سنن ) أبي داود والترمذي بالسند الجيد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله عز وجل يُبغض البليغ من الرجال : الذي يتخل ل بلسانه كما تتخل ل البقر بلسانها )1 وكان صلى الله عليه وسلم إذا خطب لا يُخلّ ولا يُملّ: روى مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال :( كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصداً ، وخطبته قصداً ) – أي : وسطاً . وروى ابو داود عن جابر بن سمرة رضي الله عنه : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة ، إنما هي كلمات يسيرات ) وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : ( شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ، فقام متوكئاً على عصاً – أو قوس – فحمد الله وأثنى عليه ، كلمات خفيفات ، طيبات ، مباركات ) حاله صلى الله عليه وسلم وهو يخطُ ب : كان صلى الله عليه وسلم يتغير حاله عند الموعظة ، اهتماماً وإعظاماً ، ويُعرف ذلك في وجهه صلى الله عليه وسلم . روى مسلم عن جابر رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطبَ اشتد غضبه ، وعلا صوته ، واحمر ت عيناه ، كأنه منذر جيشٍ يقول صب حكم ومس اكم . قال في ( النهاية ) : هو الذي يتشدق في الكلام ، ويفخم به لسانه ، ويلفه ، كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفاً اهـ
عدد الصفحات ٤٨