المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شمائله الحميدة ، خصاله المجيدة

عبد الله سراج الدين

صفحة ٢٩ من ٣١

449 والله إن تنخًم– أي : ما تنخم – نخامةً إلّ وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ! ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضًأ كادوا يقتتلون على وَضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ! وما يحدًون النظر إليه تعظيماً له ! وإنه قد عرض عليكم خطةَ رشدٍ فاقبلوها . الحديث . مداواة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ببصاقه الشريف واستشفاؤهم بذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا بصق على مريض أو نفث أو تفل على موضع مرضه برئ المريض وشفي بإذن الله تعالى ، وقد وقع من ذلك أمور كثيرة شهيرة ، ولذا كان الصحابة رضي الله عنهم يحرصون كلً الحرص على الّستشفاء بريقه صلى الله عليه وسلم فمن ذلك : تفله صلى الله عليه وسلم في عينيً علي كرم الله تعالى وجهه وقد أصابه الرمد الشديد ، حتى إنه لّ يستطيع أن يمشي وحده إلّ مع رجل يأخذ بيده ، فيبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه فيبرأ من ساعته : روى الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : ( قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر : ( لأعطينً الرايةَ غداً رجلًً يفتح الله على يديه ، يحبُّ الله ورسولَه ، ويحبُّه الله ورسولُه ) . فلما أصبح الناس غدَوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلُّهم يرجو أن يُعطاها . فقال صلى الله عليه وسلم : ( أين عليُّ بن أبي طالب ؟ ) . فقالوا : هو يا رسول الله يشتكي عينيه . قال : ( فأرسلوا إليه ) فأتي به . وفي رواية لمسلم : قال سلمة : فأرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عليً ، فجئتُ به أقوده أرمد .

عدد الصفحات ٤٤٩

450 فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ، فبرئ كأنه لم يكن به وجع.. ) الحديث ، كما تقدم . ومن ذلك : نفثاته صلى الله عليه وسلم على ساق سلمة وقد أصيبت يوم خيبر فيبرأ من ساعته : روى أبو داود وغيره عن يزيد بن عبد الرحمن قال : ( رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلتُ : ما هذه ؟ فقال أصابتني يوم خيبر ضربة – فقال الناس : أصيبَ سلمة ، فأتى بي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنفثَ فيً ثلًث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة ) . وفي ( الإصابة ) : أخرج ابن حبان في ( صحيحه ) والضياء في ( المختارة ) وقال : قال ابن منده : عمرو بن معاذ الأنصاري كان تفل النبي صلى الله عليه وسلم على رجله حين قُطِعت حتى برأت . ومن ذلك : نفثه صلى الله عليه وسلم في فم بشير بن عقربة الجهني فتنحلُّ عقدة لسانه : روى إسحاق بن إبراهيم الرملي في ( فوائده ) عن بشير بن عقربة الجهني : ( أن أباه أتى به النبيً صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : ( من هذا معك يا عقربة ؟ ) . فقال : ابني بحير . فقال صلى الله عليه وسلم له : ( ادنُ ) . فدنوتُ حتى قعدتُ على يمينه ، فمسح صلى الله عليه وسلم على رأسي بيده فقال : ( ما اسمك ؟) قلتُ : بحير يا رسول الله . فقال صلى الله عليه وسلم : ( لّ – ولكن اسمك بشير ) .

عدد الصفحات ٤٥٠

451 وكانت في لساني عقدة فنفث النبي صلى الله عليه وسلم في فيً ، فانحلًت العقدة من لساني وابيضً كل شيء في رأسي – أي : بعد كبر سنه – ما خلً ما وضع صلى الله عليه وسلم يده عليه ، فكان أسود ) كما في ( الإصابة ) . وروى الطبراني عن محمد بن حاطب قال : ( لما قدمت بي أمي من أرض الحبشة حين مات أبي حاطبٌ ، فجاءت أمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أصاب إحدى يديً حريق من نار . فقالت : يا رسول الله هذا محمد بن حاطب ابن أخيك ، وقد أصابه هذا الحريق من النار . قال محمد بن حاطب : فلً أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلً أدري أنفثَ أم مسح على رأسي ، ودعا لي بالبركة وفي ذريتي ) ، كما في ( مجمع الزوائد ) . قال في ( الإصابة ) بعد نقله صدرَ هذا الحديث : ورواه أيضاً عبد الرحمن بن عثمان بن محمد الحاطبي عن أبيه عن جده ، أخرجه أحمد وابن أبي خيثمة والبغوي وفيه : ( أن أمه قالت : يا رسول الله هذا محمد بن حاطب وهو أول من سُمًي بك – أي : في الحبشة – قالت : فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسك وتفل في فيك ودعا لك بالبركة ) . ومن ذلك : ذهاب بذاءة اللسان ببركة ريقه الشريف صلى الله عليه وسلم : أخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه : ( أن امرأة بذيًة اللسان ، جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل قديداً فقالت : ألّ تطعمني ؟ فناولها مما بين يديه . قالت : لّ إلّ الذي في فيك .

عدد الصفحات ٤٥١

452 فأخرجه صلى الله عليه وسلم فأعطاها ، فألقته في فمها ، فأكلته فلم يُعلَم من تلك المرأة بعد ذلك الأمرُ الذي كانت عليه من البذاءة والذًرابة ) . الماء يطيب ويحلو بريقه الشريف صلى الله عليه وسلم : أخرج الإمام أحمد وابن ماجه والبيهقي وأبو نعيم عن وائل بن حُجر قال : ( أتي النبي صلى الله عليه وسلم بدلوِ ماء فشرب من الدلو ، ثم صُبً في البئر – أو قال : ثم مجً في البئر – ففاح منها مثل رائحة المسك ) . وروى أبو نعيم عن أنس رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم بزق في بئرٍ في دار أنس فلم يكن بالمدينة بئر أعذب منها ) . وروى البيهقي عن أنس رضي الله عنه أنه سئل عن بئر قباء فقال : ( لقد كانت هذه البئر وإن الرجل لينضح على حماره فتنزح . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بذَنوب – أي : دلو عظيمة – فسُقي ، فإما أن يكون توضأ منه أو تفل فيه ، ثم أمر به فأعيد في البئر ، فما نزحت بعدُ ) . وقد أخرج ابن سعد عن أنس أيضاً نحو ذلك . وأخرج ابن السكن عن همام بن نفيل السعدي قال : ( قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله حفر لنا بئر فخرجت مالحة فدفع إليً إداوةً فيها ماء فقال : ( صُبًه فيها ) فصبًه فيها فعذبت فهي أعذب ماءٍ باليمن ) . الصحابة يتبركون بريقه الشريف صلى الله عليه وسلم روى البغوي في ( معجمه ) بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب كان يقرًب ابن عباس ويقول له : إني رأيتُ رسول الله صلى الله عليه

عدد الصفحات ٤٥٢

453 وسلم دعاك فمسح رأسك وتفل في فيك ، وقال: ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) . أورد ذلك في ( الإصابة ) ثم قال : ورواه ابن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بالمرفوع نحوه اهـ . وكان الصحابة رضي الله عنهم يأتون بأولّدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليُحنًكهم فيمصُّون ريقه الشريف صلى الله عليه وسلم - وهذا باب واسع جداً . ومن ذلك : ما جاء في ( الصحيحين ) عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وعن أبيها أنها حَملت بعبد الله بن الزبير بمكة . قالت : فخرجتُ وأنا مُتم – أي : قد دنا وِلّدُها – فقدمت المدينة فنزلت بقباء فولدته ، ثم أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه في حِجره ، ثم دعا بتمرةٍ فمضغها ثم تفَل في فيه – فكان أوًلَ شيءٍ دخل جوفه ريقُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حنًكه بالتمرة ، ثم دعا له وبرًك عليه فكان أوًل مولودٍ وُلِد في الإسلًم ) – أي : أول مولود بالمدينة من المهاجرين . وفي ( الصحيحين ) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : ( وُلِد لي غلًم فأتيتُ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمًاه إبراهيم ، وحنًكه بتمرةٍ ، ودعا له بالبركة ، ودفعه إليً ) – وكان أكبرَ ولد أبي موسى . وفي ( الصحيحين ) عن أنس رضي الله عنه أنه انطلق بابن لأبي طلحة رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أنس : فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لعلً أم سُليم وَلَدت ؟ ) . قلت : نعم .

عدد الصفحات ٤٥٣

454 قال: فوضعته في حِجره صلى الله عليه وسلم ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعجوةٍ من عجو المدينة – أي : تمرها – فلًكها في فيه صلى الله عليه وسلم حتى ذابت ثم قذفها في فيً الصبيً – فجعل الصبيُّ يتلمًظُها – أي : يتطعًمُها – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انظروا حبً الأنصار التمر ) فمسح وجهه وسمًاه عبد الله .. ) الحديث . وروى الزبير بن بكار قال : حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز قال : ( وُلد عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، فكان ألطف من وُلد ، فأخذه جده أبو لبابة في خرقة فأحضره عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ما رأيتُ مولوداً أصغر خِلقةً منه فحنًكه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح رأسه ودعا له البركة . قال : فما رؤي عبد الرحمن في قوم إلّ فرعهم طولًّ ، وزوًجه عمر بنته فاطمة ) . كما جاء في ( الإصابة ) وغيرها . تبرك الصحابة بدم النبي صلى الله عليه وسلم أخرج الطبراني والبزار والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في ( الحلية ) من حديث عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عبد الله بن الزبير قال : ( احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني الدم بعد فراغه من الحجامة وقال : ( اذهب يا عبد الله فغيًبه ) وفي رواية : ( اذهب بهذا الدم فوارِهِ – أي : أخفه – حيث لّ يراه أحد ) قال عبد الله : فذهبت به فشربته ، ثم أتيته صلى الله عليه وسلم . فقال : ما صنعتَ ؟ ) – أي : بالدم - . قلتُ : غيبتُه .

عدد الصفحات ٤٥٤

455 قال: ( لعلك شربتَه ؟ ) قال : نعم . قال : ( ويل لك من الناس ، وويل للناس منك )) . وفي رواية : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فما حملكَ على ذلك ؟ ) . فقال : علمتُ أن دمَكَ لّ تُصيبه نارُ جهنم ، فشربته لذلك . فقال صلى الله عليه وسلم : ( ويل لك من الناس ، وويل للناس منك ) . وروى الدارقطني في ( سننه ) عن أسماء قالت : ( احتجم صلى الله عليه وسلم فدفع دمَه لّبني عبد الله ، فشربه ، فأتاه جبريلُ فأخبر النبيً صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما صنعتَ ؟ ) . قال : كرهتُ أن أصبً دمك ! . فقال صلى الله عليه وسلم : ( لّ تمسُّه النار ) ومسح على رأسه وقال : ( ويل للناس منك ، وويل لك من الناس )) . وفي ( سنن ) سعيد بن منصور من طريق عمرو بن السائب ، أنه بلغه أن مالكَ بن سنان والدَ أبي سعيد الخدري : ( لما جُرح النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه الشريف يوم أحد ، مصً جرحه حتى أنقاه ، ولّح – أي : ظهر محل الجرح بعد المصً – أبيض . فقال له صلى الله عليه وسلم : ( مُجًه ) . فقال : والله لّ أمجًه أبداً ! ثم ازدرده – أي : ابتلعه - . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أرادَ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ) فاستشهد – أي : بأحد - . ورواه الطبراني أيضاً ، وفيه : قال صلى الله عليه وسلم : ( من خالط دمي دمَه لّ تمسُّه النار )

عدد الصفحات ٤٥٥

456 قال الهيثمي : لم أرَ في إسناده من أجمع على ضعفه . اهـ . وروى سعيد بن منصور أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( من سرًه أن ينظر إلى رجل خالط دمي دمه فلينظر إلى مالك بن سنان )1 . قال العلًمة القسطلًني: وفي كتاب ( الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون ) أن ابن الزبير لما شرب دم حجامة النبي صلى الله عليه وسلم تضوًع – أي : فاح – فمه مسكاً ، وبقيت رائحته موجودة في فمه ، إلى ان قتل رضي الله عنه . وأخرج الطبراني عن سفينة رضي الله عنه قال : ( احتجم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( خذ هذا الدمَ فادفِنه ) حفظاً من الدواب والطير والناس . قال : فتغيًبتُ فشربته ، ثم ذكرت ذلك له صلى الله عليه وسلم فضحك ) . قال الهيثمي بعدما أورده : رجال الطبراني ثقات اهـ . تبرك الصحابة بدراهم مسّتها يد النبي صلى الله عليه وسلم قال الحافظ ابن حجر في ( الجزء الثالث من المطالب العالية ) : باب التبرك بآثار الصالحين : ثم أورد الأحاديث التالية : عن محمد بن سوقة عن أبيه قال : أتيت عمرو بن حُريث أتكارى منه بيتاً في داره . فقال : تكارَ – أي : استأجِر – فإنها مباركة على من هي له ، مباركة على من سكنَها . فقلت : من أيً شيء ذلك ؟ انظر ( المواهب وشرحه ) للزرقاني 4 :

عدد الصفحات ٤٥٦

457 قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نُحِرت جَزور ، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بقسمتها . فقال للذي يقسِمها : ( أعطِ عَمراً منها قسماً ) . قال عمرو : فلم يعطني وأغفلني . فلما كان الغد أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يديه دراهم . فقال صلى الله عليه وسلم : ( أخذت القسم الذي أمرت لك به ؟ ) – أي : من لحم الجزور - . قلت : يا رسول الله ما أعطاني شيئاً . قال عمرو : فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدراهم فأعطاني ، فجئت بها إلى أمي فقلت : خذي هذه الدراهم التي أخذها رسول الله بيده ثم أعطانيها ، أمسكيها حتى ننظر في أي شيء نضعها ، ثم ضرب الدهر ضرباته – أي : مضى زمن طويل – حتى اشتريتُ هذه الدار – أي : بتلك الدراهم المباركة . ثم أورد حديث خالد بن الوليد المتقدم وقوله فيه : ( فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستبق الناس إلى شعره ، فاستبقتُ إلى الناصية فأخذتها ، فاتخذت قلنسوة فجعلتها في مقدًم القلنسوة ، فما وجهتها في وجهٍ إلّ فتح عليً ) . ثم أورد الحديث عن ابن سيرين قال : ( استوهبتُ من أم سُليم من المسك الذي كانت تعجنه بعرَق النبي صلى الله عليه وسلم ، فوهَبت لي منه – فلما مات ابن سيرين حُنًط بذلك المسك ) . تبرك الصحابة بعصا النبي صلى الله عليه وسلم عن محمد بن سيرين ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أنه كان عنده عُصيًة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمات – أنس – فدُفنت معه بين جنبيه وقميصه .

عدد الصفحات ٤٥٧

458 ذكر ذلك صاحب( التراتيب الإدارية ) نقلًً عن ( جمع الجوامع ) معزوًاً للبيهقي ، وابن عساكر ، ونقلًً عن ( كنز العمال ) . روى الإمام أحمد في ( مسنده ) عن ابن عبد الله بن أنيس عن أبيه عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال : ( دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نُبيح يجمع ليَ الناس ليغزوني وهو بعُرنة – موضع قريب من مكة – فأتِه فاقتله ) . قال : قلت : يا رسول الله انعته لي حتى أعرفه . قال : ( إذا رأيته وجدتَ له إقشعريرة )1 . قال: فخرجتُ متوشًحاً سيفي حتى وقفتُ عليه وهو بعُرنة مع ظعن يرتاد لهنً منزلًّ ، وحين كان وقت العصر ، فلما رأيتُه وجدتُ ما وصف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإقشعريرة . قال عبد الله : فأقبلتُ نحوه وخشيتُ أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلًة فصليت وأنا أمشي نحوه : أومئ برأسي للركوع والسجود ، فلما انتهيتُ إليه قال : من الرجل ؟ قلتُ : من العرب سمع بك ، وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لهذا . قال : أجل أنا في ذلك . قال عبد الله : فمشيتُ معه شيئاً حتى إذا أمكنني حملتُ عليه السيف حتى قتلته – ثم خرجت وتركتُ ظعائنه مكبًاتٍ عليه . فلما قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني قال : ( أفلح الوجه ) . قال عبد الله : قلت قتلته يا رسول الله . في ( مجمع الزوائد ) نقلاً عن ( المسند ) بلفظ : ( قُشعريرة ) ، وهي : تقبض في الجلد وتجمع وتخشن كالأرض المقشعرة من القحط

عدد الصفحات ٤٥٨

459 قال: ( صدقت ) . قال : ثم قام معي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيته فأعطاني عصاً فقال صلى الله عليه وسلم : ( أمسِك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس ) . قال : فخرجتُ بها على الناس . فقالوا : ما هذه العصا ؟ قلتُ : أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرني أن أمسكها . قالوا : أولّ ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتسأله عن ذلك ؟ قال : فرجعتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلتُ يا رسول الله لِمَ أعطيتني هذه العصا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( آيةٌ – أي : هي علًمة – بيني وبينك يوم القيامة ، إن أقل الناس المتخصًرون يومئذٍ ) . قال : فقرنها عبد الله بن أنيس بسيفه ، فلم تزل معه ، حتى إذا مات أمر بها فضُمًت معه في كفنه ، ثم دُفنا جميعاً ) .ورواه أبو يعلى والبيهقي . ورواه الطبراني من طريق محمد بن كعب القرظي وفيه : ( فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم مِخصَرة – أي : عصاً – كان يتخصًر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لعبد الله : ( تخصًر بها حتى تلقاني بها يوم القيامة ) فوضعت على بطنه وكُفًن عليها ودفنت معه ) ورجاله ثقات . الصحابة يستضيئون بعصا أعطاها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه قال : ( خرجتُ ليل ةً من الليالي مظلمةً فقلتُ : لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدتُ معه الصلًة وآنسته

عدد الصفحات ٤٥٩

460 بنفسي ، ففعلتُ ، فلما دخلتُ المسجد برقت السماء ، فرآني رسول الله صلى عليه وسلم فقال : ( يا قتادة ما هاج عليك ؟ ) . قلت : أردت – بأبي وأمي – أن أؤنسك يا رسول الله . فقال : ( خذ هذا العُرجون – عصاً – فتحصًن له ، فإنك إذا خرجتَ أضاء لك عشراً أمامك وعشراً خلفك ) . ثم قال لي : ( إذا دخلت بيتك رأيت مثل الحجر الأخشن ) . قال : فضربتهُ حتى خرج من بيتي ) . رواه الإمام أحمد والطبراني ، كما في ( مجمع الزوائد ) . وفي رواية : ( فاضربه قبل أن يتكلم فإنه شيطان ) . تبرك الصحابة بنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم روى البخاري والترمذي في ( الشمائل ) عن عيسى بن طَهمان قال : أخرج إلينا أنس بن مالك نعلين جَرداوين – أي : صقيلتين لّ شعر عليهما – لهما قِبالّن – تثنية قِبال ، وهو زمام النعل - . قال ابن طهمان : فحدثني ثابت البُناني بعدُ عن أنس ، أنهما كانتا نعلَي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنس بن مالك يحتفظ بنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده للبركة ، ويعرضها على زواره ، ليكرمهم ببركتها . وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه خادمَ نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادم السواك والوِساد . وقد روى الحارث وابن أبي عمر ، من مرسل القاسم بن عبد الرحمن ، أن عبد الله بن مسعود كان إذا قام النبي صلى الله عليه وسلم ألبسه نعليه ، وإذا جلس صلى الله عليه وسلم جعلهما – ابن مسعود – في ذراعيه – أي : كل فردة في ذراع – حتى يقوم صلى الله عليه وسلم ، فإذا قام ألبسه نعليه في رجليه .

عدد الصفحات ٤٦٠

461 وفي حمل ابن مسعود نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يجلس ، في ذراعيه ، معنى التكريم والتبرك . تبرك الصحابة بموضع جلوس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر أخرج ابن سعد في ( الجزء الأول من الطبقات ) عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبدٍ المعروف بالقاري ، أنه نظر إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وضع يده على موضع قعود النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ، ثم وضعها على وجهه . وروى ابن سعد أيضاً بإسناده ، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط قال : ( رأيت ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلً المسجدُ أخذوا برمانة المنبر الصلعاء التي تلي القبر ، بميامنهم ، ثم استقبلوا القبلة يَدعون ) . وقد أورد ابن سعد ذلك تحت عنوان : ذكر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرك التابعين بأيدي الصحابة رضوان الله عليهم لأنها مست يد النبي صلى الله عليه وسلم روى الإمام أحمد في ( مسنده ) عن ثابت البُناني أنه قال لأنس بن مالك رضي الله عنه : ( يا أنس مسستَ يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدك ؟ فقال أنس : نعم . قال ثابت : أرني أقبًلها – أي : لأنها مسًت يد النبي صلى الله عليه وسلم - ) . وروى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن رزين : ( أنه نزل الرًبذَة – بلدة قريبة من الشام – هو وأصحابه يريدون الحج . قيل لهم : ها هنا سلمة بن الأكوع صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فأتيناه ، فسلًمنا عليه ، ثم سألناه .

عدد الصفحات ٤٦١

462 فقال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هذه ، وأخرج لنا كفًه – كفًه ضخمة . قال : فقمنا إليه ، فقبًلنا كفًيه جميعاً – أي : تبركاً بأثر يد النبي صلى الله عليه وسلم ) . ورواه البخاري في ( الأدب المفرد ) بلفظ : ( فأخرج سلمة يديه وقال : بايعت بهاتين النبي صلى الله عليه وسلم .. ) الحديث . وروى أبو نعيم في ( الحلية ) عن يونس بن ميسرة أنه قال : دخلنا على يزيد بن الأسود عائدين ، فدخل عليه واثلة بن الأسقع الصحابي رضي الله عنه ، فلما نظر إليه مدً يده فأخذ يده فمسح – ابن الأسود – بها – أي : بيد واثلة – وجهه وصدره ، لأنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له واثلة بن الأسقع : يا يزيد بن الأسود كيف ظنُّك بربك ؟ فقال : حسن . فقال واثلة : أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله تعالى يقول : أنا عند ظن عبدي بي ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر ) يعني أنه إن ظن باللَّ خيراً عامله بظنه ، وإن ظن باللَّ شراً عاد سوء ظنه عليه اللهم إنا نسألك حسن الظن بك . كما أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يكرمون أياديهم التي صافحوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد روى الطبراني عن الحكم بن الأعرج أن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : ( ما مسستُ ذكري بيميني منذ بايعتُ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم

عدد الصفحات ٤٦٢

463 قال الله تعالى: ( قُلْ : إِنْ كَانَ آبَاؤُ كُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبه إِلَيْكُمْ مِنَ اللههِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبهصُوا حَتهى يَأْتِيَ اللههُ بِأَمْرِهِ وَاللههُ لَّ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) . فقد توعًد الله عباده بالعقاب ، وحكم عليهم بالفسق ، فيما إذا كان أحدُ هذه الأصناف المرغوبةِ المحبوبةِ ، أحبُّ إليهم من الله ورسوله ، وجهادٍ في سبيله ! بل الواجب عليهم أن يكون الله ورسوله أحبُّ إليهم من جميع ذلك كله ! وأعظمُ صورة واقعية لمن كان الله ورسوله أحبُّ إليهم مما سواهما ، وأجلى مظهر ظهرت فيه تلك الحقيقة الأحبًية للَّ تعالى ولرسوله : هم أصحابُ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما قال أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه ، وقد سئل : كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبه إلينا من أموالنا وأولّدنا ، وآبائنا وأمهاتنا ، وأحبً إلينا من الماء البارد على الظمأ ) . وتحققوا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لّ يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبً إليه من والده وولده ، والناس أجمعين ) . وبقوله صلى الله عليه وسلم : ( ثلًث من كنً فيه وجد بهنً حلًوةَ الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحبً إليه مما سواهما .. ) الحديث . وقد بذلوا نفوسهم إيماناً به صلى الله عليه وسلم وحبًاً فيه ، وقدًموه على نفوسهم ، فهم كما أمر الله تعالى وشرع لهم بقوله : ( ولّ يرغبون بأنفسهم عن نفسه .. ) الْية . بل رغبتهم بنفسه هي المقدًمة على رغبتهم بأنفسهم ، وحبًهم لنفسه صلى الله عليه وسلم أعظم من حبهم لأنفسهم ، كما دلت على ذلك الوقائع ، وشهدت لهم الشواهد .

عدد الصفحات ٤٦٣

464 ونذكر من ذلك أطرافاً موجزة: أولًّ – إيثارهم محبةَ النبي صلى الله عليه وسلم على محبتهم لأنفسهم ، وتقديمهم له على نفوسهم : ومن ذلك : قصة زيد بن الدًثنة ، كما رواه أصحاب ( السير )، ورواها البيهقي عن عروة قال : ( لما أخرج المشركون في مكة زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه بالتنعيم – لأنهم كانوا لّ يقتلون في الحرم تعظيماً له – وقد اجتمع في الطريق خُبيب وزيد بن الدثنة ، فتواصيا بالصبر والثبات على ما يلحقهما من المكاره . قال أبو سفيان بن حرب – وهو يومئذ مشرك – قال لزيد بن الدًثِنة : أنشدك باللَّ – أي : أسألك باللَّ – يا زيد : أتحبُّ أن محمداً الْن عندنا مكا نك ، تُضرب عنقه ، وأنك في أهلك – أي : آمناً من القتل - . فقال له زيد : والله ما أحبُّ أن محمداً الْن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة ، وأني جالس في أهلي ! . فقال أبو سفيان : ما رأيت أحداً من الناس يحب أحداً كحبً أصحاب محمدٍ محمداً ! ) . فقد آثر زيد أن يقتل ، ولّ يصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقلً شيء من الأذى . قال الحافظ الزرقاني : وفي رواية : أنهم ناشدوا بذلك خُبيباً . فقال : والله ما أحب أن يفديني رسول الله صلى الله عليه وسلم بشوكة في قدمه ! . ولّ تنافي بين ذلك ، كأنهم قالوا ذلك لكل من خُبيب وزيد بن الدثنة . وفي ( المسند ) عن أنس رضي الله عنه : ( أن أبا طلحة كان يرمي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، والنبي صلى الله عليه وسلم خلفه يتترًسُ به ، وكان رامياً ، وكان إذا رمى رفع صلى الله عليه وسلم شخصه ينظر أين

عدد الصفحات ٤٦٤