433 ثم مرتين على يديه ثم بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سُرًة أبي محذورة ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بارك الله فيك ). قال أبو محذورة : فقلت : يا رسول الله مُرني بالتأذين بمكة ! فقال : ( قد أمرتك به ) . قال أبو محذورة : فذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية ، وعاد ذلك محبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. الحديث . وجاء في رواية أخرى : وكان أبو محذورة لّ يجزُّ ناصيته ولّ يفرِقُها ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح عليها . أي : فهو يريد بقاء بركتها . فانظر في أثر هذه المسحة المحمدية كيف حَولت المبغض اللدود إلى عاشق ودود . ومن ذلك : قصة حرملة بن زيد رضي الله عنه - يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرف لسانه ويدعو له ، فيذهب النفاق من صدره : روى الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء حرملة بن زيد فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله الإيمان ها هنا – وأشار إلى لسانه – والنفاقُ ها هنا – وأشار إلى صدره – ولّ يذكر الله إلّ قليلًً . فسكتَ عنه النبي صلى الله عليه وسلم فردًد ذلك عليه حرملة – أي : يشكو أمره إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
عدد الصفحات ٤٣٣434 فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بطرف لسان حرملة فقال: ( اللهم اجعل له لساناً صادقاً ، وقلباً شاكراً ، وارزقه حبًي وحبً من يحبُّني ، وصَيًر أمره إلى الخير ) . فقال حرملة : يا رسول الله إن لي إخواناً منافقين كنت فيهم رأساً ألّ أدلُّك عليهم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَن جاءنا كما جئتنا استغفرنا له كما استغفرنا لك ، ومن أصرً على ذنبه فاللَّ أولى به ، ولّ نخرق على أحدٍ سِتراً )1 . رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح وجه قتادة بن ملحان فيصير كالمرآة عن أبي العلًء بن عمير قال : ( كنت عند قتادة بن ملحان حيث حضر فمرً الرجل في أقصى الدار قال : فأبصرته في وجه قتادة ! . قال : وكنت إذا رأيته كأن على وجهه الدهان – كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح وجهه ) رواه الإمام أحمد ، وقال في ( مجمع الزوائد ) : ورجاله رجال الصحيح . قال في ( الإصابة ) : وأخرج ابن شاهين عن حيان بن عمير قال : ( مسح النبي صلى الله عليه وسلم وجه قتادة بن ملحان ثم كبًر فبليَ منه كل شيء غير وجهه ) قال : ( فحضرته عند الوفاة فمرًت امرأة فرأيتُها في وجهه كما أراها في المرآة) اهـ . رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد عين قتادة بن النعمان بعد سقوطها روى الطبراني والبيهقي في ( الدلّئل ) عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه أن عينه ذهبت يوم أحد ، فجاء النبيً صلى الله عليه وسلم فردًها فاستقامت . قال في ( مجمع الزوائد ) : ورجاله رجال الصحيح اهـ وأورده في ( الإصابة ) وعزاه أيضاً إلى ابن منده وغيره .
عدد الصفحات ٤٣٤435 وروى الطبراني وابن شاهين عن ( قتادة بن النعمان رضي الله عنه أنه أصيبت عينه يوم أحد ، فجاء النبيً صلى الله عليه وسلم فردًها فاستقامت . وروى الطبراني وابن شاهين عن ( قتادة بن النعمان رضي الله عنه أنه أصيبت عينه يوم أحد ، فوقعت على وجنته ، فردًها النبي صلى الله عليه وسلم فكانت أصحً عينيه 1 . وجاء في رواية الطبراني وأبي نعيم عن قتادة قال: كنت أتًقي السًهام بوجهي دون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان آخرها سهماً ندرت – أي : سقطت – منه حدقتي ، فأخذتها بيدي وسعيتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما رآها في كفًي دمعت عيناه فقال : ( اللهمً قِ قتادةَ كما وقى وجه نبيك ، فاجعلها أحسنَ عينيه وأحدًهما نظراً ) . فكانت أحسنَ عينيه وأحدًهما نظراً . وفي رواية : وكانت لّ ترمد إذا رمدت الأخرى 2 . وكان صلى الله عليه وسلم يمسح ضرعَ الشاة فيدرّ اللبن منها: فمن ذلك : حديث أبي قِرصافة قال : كان بدءُ إسلًمي أني كنتُ يتيماً بين أمي وخالتي ، وكان أكثر ميلي إلى خالتي ، وكنت أرعى شُويهاتٍ لي . فكانت خالتي كثيراً ما تقول لي : يا بني لّ تمُرً إلى هذا الرجل – تعني النبي صلى الله عليه وسلم – فيُغويَك ويُضلًك . فكنت أخرج حتى آتي المرعى ، وأترك شويهاتي وآتي النبي صلى الله عليه وسلم ، فلً أزالُ أسمع منه ، ثم أروًح غنمي ضُمراً يابساتِ الضروع . انظر ( الإصابة ) كما في ( شرح المواهب )
عدد الصفحات ٤٣٥436 وقالت لي خالتي: ما لغنمكَ يابسات الضروع ؟ . قلت : ما أدري . ثم عدت إليه اليوم الثاني ، ففعل كما فعل في اليوم الأول ، غير أني سمعته يقول : ( يا أيها الناس ! هاجروا ، وتمسًكوا بالإسلًم ، فإن الهجرة لّ تنقطع ما دام الجهاد ) . ثم إني رحتُ بغنمي كما رحت في اليوم الأول ، ثم عدت إليه في اليوم الثالث ، فلم أزل عنده أسمع منه ، حتى أسلمت وبايعته ، وصافحتُه وشكوت إليه أمر خالتي وأمر غنمي . فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( جئني بالشياه ) . فجئته بهنً ، فمسح ظهورهنً وضروعهنً ، ودعا فيهن بالبركة ، فامتلأن شحماً ولبناً . فلما دخلتُ على خالتي بهنً – أي : بالشياه – قالت : يا بنيً هكذا فارعَ ! قلت : يا خالة ما رعيتُ إلّ حيث أرعى كل يوم ، ولكن أخبركِ بقصتي – وأخبرتها بالقصة ، وإتياني النبيً صلى الله عليه وسلم ، وأخبرتها بسيرته وبكلًمه . فقالت أمي وخالتي : إذهب بنا إليه . فذهبت أنا وأمي وخالتي ، فأسلمن وبايعن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم 1 . وقد تقدم حديث أم معبد الخزاعية في أول الكتاب لما مرّ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك مسحه صلى الله عليه وسلم على شاة لم يَنزُ عليها الفحل ، لمًا مرً على ابن مسعود وهو يرعى غنماً لعقبة . قال في ( مجمع الزوائد ) : رواه الطبراني ورجاله ثقات اهـ وتقدم آخر هذا الحديث في بحث كلامه صلى الله عليه وسلم وحلاوة منطقه .
عدد الصفحات ٤٣٦437 كما جاء في( مسند ) الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ( كنتُ أرعى غنماً لعقبة بن أبي مُعيط ، فمرً بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر . فقال صلى الله عليه وسلم : ( يا غلًم هل من لبن ) ؟ . قال ابن مسعود فقلت : نعم ، ولكني مؤتمن . قال : ( فهل من شاة لم ينزُ عليها الفحل ؟ ) . فأتيته بشاةٍ ، فمسح صلى الله عليه وسلم ضرعها فنزل لبن ، فحلبه في إناء فشرب وسقى أبا بكر وفي رواية : ( فشرب وشرب أبو بكر ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : للضرع : ( أقلص ) – أي : أمسك – فقلص ) . قال ابن مسعود : ثم أتيته بعد هذا فقلت : يا رسول الله علًمني من هذا القول ) وفي رواية : ( علمني من هذا القرآن ) . فمسح رأسي وقال : ( يرحمك الله فإنًك غُليًم معلهم ) . قال : ( فأخذتُ من فيه صلى الله عليه وسلم سبعين سورة ) . تقبيل الصحابة يد النبي صلى الله عليه وسلم وأطرافه تعظيماً وتبركاً به واقتباساً من أنواره صلى الله عليه وسلم عن أسامة بن شَريك قال : ( أتيتُ ر سول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابُه كأنهم على رؤوسهم الطير ، فسَلًمتُ ثم قعدتُ ، فلما قاموا من عنده جعلوا يقبًلون يده قال شريك : فضممتُ يده إليً ، فإذا هي أطيبُ من ريح المسك ) رواه ابن خزيمة والحاكم .
عدد الصفحات ٤٣٧438 وعن كعب بن مالك: ( أنه لما نزل عذرُه أتى النبيً صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده فقبًلها ) رواه الطبراني . تقبيل الصحابة يد النبي صلى الله عليه وسلم وقدميه الشريفتين عن حصن بن وَحوح الأنصاري ، أن طلحة بن البراء رضي الله عنه ، لما لقي النبيً صلى الله عليه وسلم جعل يدنو منه ويَلصَق برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقبل قدميه . وقال : يا رسول الله مُرني بما أحببتَ ، ولّ أعصي لك أمراً . فعجب لذلك النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلًم – أي : شاب حدَث – فقال له عند ذلك : ( اذهب فاقتل أباك ) . فخرج مولًياً ليفعل فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ( أقبِل ، فإني لم أبعث بقطيعةِ رحم ) الحديث 1 . وروى البيهقي والطبراني وأبو يعلى بسند جيد عن مزيدة بن مالك قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يحدًث أصحابه قال لهم : ( سيطلع عليكم من ها هنا ركبٌ هم من خير أهل المشرق ) . فقام عمر بن الخطاب نحوهم ، فلقي ثلًثةَ عشرَ راكباً فقال لهم : مَن القوم ؟ . قالوا : من بني عبد القيس . قال : مَن أقدمَكم هذه البلًد ؟ التجارة ؟ . قالوا : لّ . قال : أما إنً النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكركم آنفاً – أي : الْن - . عزاه في ( الإصابة ) بهذا اللفظ إلى البغوي وابن أبي خيثمة ، وابن أبي عاصم ، والطبراني ، وابن شاهين ، وابن السكن – ثم قال : وغيرهم .
عدد الصفحات ٤٣٨439 ثم مشى معهم حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر للقوم : هذا صاحبكم الذي تريدون فرموا بأنفسهم عن ركائبهم ، فمنهم من مشى إليه ، ومنهم من هرول ، ومنهم من سعى ، حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم . وفي حديث الزراع بن عامر ، عند أبي داود والبيهقي ، وكان من وفد عبد القيس ، قال : لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا ، نقبًل يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجله 1 . وانتظر الأشجُّ حتى أتى عيبَته– صندوق صغير – فلبس ثويبه – الأبيضين – ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبًلها . فقال له صلى الله عليه وسلم : ( إن فيك خَصلتين – وفي رواية : خلًتين – يُحبهما الله ورسوله : الحلم والأناة ) . فقال : يا رسول الله أخلتين تخلًقتُ بهما أم جبلني الله عليهما ؟ قال : ( بل جَبَلَك الله عليهما ) . فقال : الحمد للَّ الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله ورسوله . وعند أبي يعلى 2 :قديماً كانا فيً أم حديثاً ؟. فقال صلى الله عليه وسلم : ( بل قديماً ) . فقال : الحمد للَّ الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله . ومن ذلك : تبرُّك عمرو بن أبي عمرو المزني بقَدَم النبي صلى الله عليه وسلم . انظر ( سنن ) أبي داود : باب في قبلة الرجل 4 :4 انظر( شرح ) الزرقاني على ( المواهب ) 4 : ، وانظر( مجمع الزوائد ) : 4
عدد الصفحات ٤٣٩440 قال في( الإصابة ) : أخرج حديثه النسائي والبغوي وابن السكن وابن منده بعلًوٍ من طريق هلًل بن عامر عن رافع بن عمرو المزني قال : إني لفي حجة الوداع خماسِ أو سداسِ ، فأخذ أبي بيدي حتى انتهينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر ، فرأيته صلى الله عليه وسلم يخطب على بغلة شهباء . فقلت لأبي : من هذا ؟ . فقالَ : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فدنوتُ حتى أخذتُ بساقه ثم مسحتُها حتى أدخلتُ كفًي فيما بين أخمص قدمه والنعل – فكأني أجِدُ بَردها على كفًي . فهو يتمسًح متبرًكاً بقدم النبي صلى الله عليه وسلم . ومن ذلك : تقبيل عبد الله بن أبي سبقة – ويقال سبقه – ساق النبي صلى الله عليه وسلم ورجله : روى الإمام البغوي عن عبد الله بن أبي سبقة رضي الله عنه قال : ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على بعيره – زاد ابن منده في روايته : في حجة الوداع – وكأن رجله في غرزةٍ لحماره ، فاحتضنتها ، ففزَعني بالسوط . فقلت : يا رسول الله القصاصَ . قال : فناولني النبي صلى الله عليه وسلم السوط ، فقبًلتُ ساقه ورجله صلى الله عليه وسلم ) . كما في الإصابة . تقبيل الصحابة مواضع من جسده الشريف صلى الله عليه وسلم قال أبو داود في ( سننه ) : باب في قُبلة الجسد . ثم أسند إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أسيد بن حُضير ، بينما هو يحدث القوم – وكان فيه مزاح – بينا يُضحكهم ، فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في خاصرته بعود .
عدد الصفحات ٤٤٠441 فقال: اصبِرني – أي : أقدنِي - . فقال : ( اصطَبِر ) . فقال أسيد : إن عليك قميصاً وليس عليً قميص . فرفع النبي صلى الله عليه وسلم عن قميصه ، فاحتضنه وأخذ يقبًل كَشحه وقال : إنما أردتُ هذا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى البيهقي في ( سننه ) بإسناد قوي – كما قال الذهبي – عن ابن أبي ليلى قال : كان أسيد بن حضير رجلًً صالحاً ضاحكاً مليحاً ، فبينا هو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدًث القومَ ويُضحكهم ، فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصبعه في خاصرته . فقال أسيد : أوجعتني يا رسول الله ! . فقال له صلى الله عليه وسلم : ( فاقتصً ) . قال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عليك قميصاً ، ولم يكن عليً – لما طعنتني – قميص ؟ قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ، قال : فاحتضنه أسيد ، ثم جعل يقبًل كشحه – وقال : بأبي وأمي يا رسول الله أردتُ هذا 1 . وروى ابن إسحاق عن حَبان بن واسع ، عن أشياخ من قومه : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدًل الصفوف يوم بدر ، وفي يده قِدح – سهم – يعدًل به القوم ، فمرً بسَواد بن غزية رضي الله عنه ، فطعن في بطنه . فقال : أوجعتني فأقِدني . فكشف له صلى الله عليه وسلم عن بطنه ، فاعتنقه سواد وقبًل بطنه . فقال له صلى الله عليه وسلم : ( ما حملَكَ على هذا يا سواد ؟ ) . انظر ( كشف الخفاء ) : 4
عدد الصفحات ٤٤١442 فقال: يا رسول الله حضر ما ترى – يعني : القتال – فأردتُ أن يكون آخر العهد بك أن يمسً جلدي جلدَك . فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير )1 . وقال الحافظ في( الإصابة ) : قال ابن عبد البر : وهذه القصة لسواد بن عمرو ، قال ابن حجر : قلت : لّ يمتنع التعدد لّسيما مع اختلًف السبب ، ثم قال الحافظ ابن حجر : وأخرج البغوي من طريق عمرو بن سليط ، عن الحسن ، عن سواد بن عمرو وكان يصيب في الخَلوق 2 فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم . وفيها : ( فلقيه ذات يوم ومعه جريدة ، فطعنه في بطنه . فقال : أقِدني يا رسول الله ! فكشف له عن بطنه فقال : ( اقتصً ) فألقى الجريدة وطفق يقبًله ) – أي : يقبًل بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم . تبرك الصحابة بأجزاء النبي صلى الله عليه وسلم وآثاره في حياته وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتبرًكون بأجزاء النبي صلى الله عليه وسلم وآثاره ، وثيابه وطعامه وشرابه ، وذلك لإيمانهم بأن أجزاءه الشريفة ، وآثاره الكريمة ، هي مليئة بالخيرات والبركات ، لأنها أجزاؤه وآثاره صلى الله عليه وسلم . تبرّك الصحابة بشَعر النبي صلى الله عليه وسلم وتكريمهم له وحرصهم عليه : انظر ( البداية ) لابن كثير و ( الإصابة ) 4 :14 الخلوق: طيب مركب من الزعفران أو غيره ، وتغلب عليه الحمرة والصفرة ، وإنما نهي عنه لأنه من طيب النساء اهـ ( نهاية )
عدد الصفحات ٤٤٢443 روى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلًًق يحلقه ، وأطاف به أصحابه ، فما يريدون أن تقع شعرة إلّ في يد رجل ) . أي : تعظيماً لها وتبركاً بها . وفي ( الإصابة ) جُعشُم الخير بايَع تحت الشجرة وكساه النبي صلى الله عليه وسلم قميصه ونعليه وأعطاه من شعره صلى الله عليه وسلم . وفي ( الصحيحين ) وغيرهما ، عن أنس رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الجمرة فرماها ، ثم أتى منزله بمنىً ، ونحر ، ثم قال للحلًق : ( خذ ) وأشار إلى جانبه الأيمن ، ثم الأيسر ، ثم جعل صلى الله عليه وسلم يعطيه – أي : يعطي شعره – الناس ) . وذلك – كما قال الحافظ الزرقاني – للتبرك به ، واستشفاعاً إلى الله تعالى بما هو منه صلى الله عليه وسلم وتقرباً بذلك إليه اهـ . وفي رواية : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحلًق : ( ها ) وأشار بيده إلى الجانب الأيمن ، فحلق ، فقسم شعره صلى الله عليه وسلم بين من يَديه – من الصحابة – ثم أشار إلى الحلًق إلى الجانب الأيسر ، فحلق ، فأعطاه لأم سُليم بنت مِلحان والدة أنس ) . وعند الإمام أحمد زيادة : ( وقلًم صلى الله عليه وسلم أظفاره ، وقسمها بين الناس ) . وفي رواية لهما : ( أنه صلى الله عليه وسلم دفع الأيسر إلى أبي طلحة وقال له : ( اقسمه بين الناس ) . وفي رواية : ( أنه صلى الله عليه وسلم أعطى شعر الجانب الأيمن ، ثم أعطى الجانب الأيسر ، وقال : ( اقسمه بين الناس )) . قال الإمام النووي : وفيه التبرك – اي : دليل التبرك – بشعر النبي صلى الله عليه وسلم وجواز اقتنائه اهـ .
عدد الصفحات ٤٤٣444 وقالأبو عبد الله الأبًيً : إعطاؤه صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة ليس بمخالف لقوله : ( اقسمه بين الناس ) لّحتمال أن يكون أعطاه لأبي طلحة ليفرقه . ويبقى النظر في اختلًف الروايات في شعر الجانب الأيسر : ففي الرواية الأولى أنه صلى الله عليه وسلم فرقه كالأيمن . وفي الرواية الثانية أنه أعطاه أم سليم . وفي الثالثة أنه أعطاه أبا طلحة . وفي الرواية الرابعة أنه صلى الله عليه وسلم أعطى الشقين لأبي طلحة . قال : فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أعطاه أم سليم لتعطيه لزوجها أبي طلحة ليفرقه ، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أعطى الشعر لأبي طلحة على أن يعطيه أبو طلحة لأم سليم زوجته ، لتفرقه على النساء اهـ . أي : فيكون شعر الأيمن للرجال ، وشعر الأيسر للنساء . قال الحافظ الزرقاني : إنما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم شعره في أصحابه ، ليكون بركةً باقية بينهم ، وتذكرةً لهم ، وكأنه صلى الله عليه وسلم أشار بذلك إلى اقتراب الأجل ، وخَصً أبا طلحة بالقسمة ، التفاتاً إلى هذا المعنى ، لأنه هو الذي حفر القبر الشريف ولَحَد له وبنى فيه اللًبِن اهـ . وروى البخاري عن محمد بن سيرين قال : قلتُ لعَبيدة السلماني : عندنا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم أصبناه – أي : حصل لنا – من قِبَل – أي : من جهة – أنس ، أو من قِبل أهل أنس . فقال عبيدة : لأن تكون عندي شعرة منه ، أحبُّ إليً من الدنيا وما فيها . وفي رواية الإسماعيلي : أحبُّ إليً من كل صفراء وبيضاء – يعني : الذهب والفضة .
عدد الصفحات ٤٤٤445 وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: ( لما حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه – أي : يوم حجة الوداع – كان أبو طلحة أوًل من أخذ من شعره صلى الله عليه وسلم ) . وفي تقسيمه صلى الله عليه وسلم شعره الشريف يوم حجة الوداع ، بيانٌ منه وإعلًم بما أودع الله تعالى في جسمه وأجزائه الشريفة ، من الخيرات والبركات ، وبما خصًه به من الأسرار والأنوار ، وأن ذلك من باب الحقيقة والواقع وليس من باب الظنً أو التخيُّل . انتصار خالد بن الوليد واستفتاحه في حروبه بشعر النبي صلى الله عليه وسلم : عن جعفر بن عبد الله بن الحكم أن خالد بن الوليد فقدَ قلنسوةً له يوم اليرموك فقال : اطلبوها – فلم يجدوها . فقال : اطلبوها – فوجدوها ، فإذا هي قلنسوة خَلِقة – أي : ليست بجديدة . فقال خالد : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه ، فابتدر الناس جوانب شعره ، فسبقتهم إلى ناصيته ، فجعلتها في هذه القلنسوة ، فلم أشهد قتالًّ وهي معي إلّ رزقتُ النصر . قال الحافظ الهيثمي : رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه ، ورجالهما رجال الصحيح ، وجعفر سمع من جماعة من الصحابة ، فلً أدري سمع من خالد أم لّ ، وروى الإمام أحمد عن محمد بن عبد الله بن زيد ، أن أباه حدًثه أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم على المنحر ، هو ورجل من الأنصار ، وهو يقسم الأضاحي ، فلم يُصبه شيء منها ولّ صاحبه ، فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في ثوبه ، فأعطاه – اي : بعضاً – لعبد الله بن زيد . وقلًم أظفاره ، فأعطاه صاحبه .
عدد الصفحات ٤٤٥446 قال: فإنه لعندنا – يعني : أن الشعر الشريف عند عبد الله ، وقُلًمة أظفاره عند صاحبه . تبرّك الصحابة بموضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم : روى الإمام أحمد عن جابر بن سَمُرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتي بطعام فأكل منه ، بعث بفضله إلى أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، وكان أبو أيوب يضع أصابعه حيث يرى أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بقصعة – أي : إناء فيه طعام – فوجد صلى الله عليه وسلم فيها ريحَ ثوم ، فلم يذقها النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعث بها إلى أبي أيوب ، فنظر أبو أيوب فيها فلم يرَ فيها أثر أصابع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يذقها . فأتاه فقال : يا رسول الله لم أرَ فيها أثر أصابعك ؟ ! . فقال صلى الله عليه وسلم : ( إني وجدتُ فيها ريح ثوم ) . فقال أبو أيوب : تبعث إليً ما لم تأكل ؟ . فقال صلى الله عليه وسلم : ( إني يأتيني الملك ) . قال الحافظ الهيثمي : رجاله رجال الصحيح اهـ ورواه مسلم في ( الصحيح ) تبرك الصحابة بسؤر النبي صلى الله عليه وسلم روى الشيخان عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : ( أتي النبي صلى الله عليه وسلم بشراب ، فشرب ، وعن يمينه غلًم ، وعن يساره الأشياخ . فقال صلى الله عليه وسلم للغلًم : ( أتأذنُ لي أن أعطي هؤلّء ؟ ) . فقال الغلًم : والله يا رسول الله لّ أوثِرُ بنصيبي منك أحداً ، فتلًه – أعطاه – رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في يده – أي : فشرب الغلًم – وهو عبد الله بن عباس رضي الله عنه .
عدد الصفحات ٤٤٦447 تبرك الصحابة بإناء مسه فم النبي صلى الله عليه وسلم روى الإمام أحمد وغيره ، عن أنس رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أمً سُليم وفي البيت قِربة معلًقة ، فشرب من فيها – أي من فم القربة – وهو قائم ، قال أنس : فقَطعَت أمُّ سليم فمَ القِربة ، فهو عندنا ) . والمعنى : أن أم سليم قطعت فم القربة الذي هو موضع شربه صلى الله عليه وسلم واحتفظت به في بيتها ، للتبرك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم . وتقدم الكلًم على تطيُّب الصحابة بعرق النبي صلى الله عليه وسلم وتبركهم به ، واستشفاؤهم بريقه الشريف صلى الله عليه وسلم . تبرك الصحابة بثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشفاؤهم بها روة مسلم عن عبد الله مولى أسماء ، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ، أنها أخرجت إلينا جُبةً طيالسة كسروانية 1 ، لها لِبنةُ2 ديباجٍ ، وفرجاها مكفوفان بالديباج 3 وقالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عند عائشة ، فلما قُبضت رضي الله عنها قبضتُها – أي : أخذت الجبة – وكان النبي صلى الله عليه و سلم يلبسها ، فنحن نغسلها للمرضى . وفي رواية : نغسلها للمريض منا إذا اشتكى ، نستشفي بها . أي : لمخالطتها لعرقه الشريف وملًبستها لبدنه الطيًب المبارك صلى الله عليه وسلم . وروى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : أتت امرأة ببردة منسوجة فيها حاشيتها ، فقالت : يا رسول الله أكسوك هذه . نوع من الثياب لها علم وحاشية بكسر اللام وسكون الباء : رقعة – أي : قطعة – في جيب القميص قال الزرقاني : أي : عمل على جيبها وكمها كفاف من حرير ، وكفة كل شيء : طرفه وحاشيته
عدد الصفحات ٤٤٧448 فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها فلبسها– وفي رواية ابن ماجه : فخرج إلينا فيها – فرآها عليه رجل من الصحابة ، فقال : يا رسول الله ما أحسن هذه البردة فأكسُ نيها ! فقال له صلى الله عليه وسلم : ( نعم ) . وفي رواية للبخاري : فجلس ما شاء الله في المجلس ، ثم رجع فطواها ، وأرسل بها إليه . فلما قام صلى الله عليه وسلم لّمه – أي : لّم السائلَ – أصحابُه وقالوا للسائل : ما أحسنتَ حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم لبسها محتاجاً إليها ، ثم سألته إياها ، وقد عرفت أنه لّ يُسأل شيئاً فيمنعه ؟! – وفي رواية : لّ يرد سائلًً . فقال الرجل : رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لعلًي أكفًن فيها . تبرك الصحابة بنخامة النبي صلى الله عليه وسلم وبماء وضوئه جاء في ( الصحيحين ) – واللفظ للبخاري – من حديث صلح الحديبية قال : ثم إن عروة بن مسعود – الذي جاء وقتئذ وسيطاً عن المشركين في مكة – جعل يرمقُ النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه ، قال : فو الله ما تنخًم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلّ وقعت في كف رجل منهم – اي : من الصحابة – فدلك بها وجهه وجلده . وإذا أمرهم – رسول الله صلى الله عليه وسلم – بأمر ابتدروا أمره . وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه . وإذا تكلًم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يُحدًون النظر إليه تعظيماً له صلى الله عليه وسلم . فرجع عروة بن مسعود إلى أصحابه – في مكة – فقال : أي قوم ! والله لقد وفدتُ على الملوك ، ووفدتُ على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت – أي : ما رأيت – ملِكاً قطُّ يعظمه أصحابه مثلَ ما يعظم أصحابُ محمدٍ محمداً !
عدد الصفحات ٤٤٨