المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شمائله الحميدة ، خصاله المجيدة

عبد الله سراج الدين

صفحة ٣٠ من ٣١

465 يقع سهمه ، ويرفع أبو طلحة صدرَه ويقول : هكذا بأمي أنت وأبي يا رسول الله لّ يصيبك سهم ! نحري دون نحرك ! وكان أبو طلحة يسوًر نفسه – أي : يجعل نفسه سوراً – بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول : إني جَلد – أي : شديد – يا رسول الله ، فوجًهني في حوائجك ، ومُرني بما شئت ) . ومن ذلك : ما رواه البيهقي وابن إسحاق – كما حكاه في ( الشفا ) وغيره – أن امرأة من الأنصار قد قتل أبوها وأخوها وزوجها ، شهداءَ يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالت : لما أخبرت بذلك : ما فعلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وأرادت بذلك السؤال عن سلًمته وبقائه ، وعبًرت بذلك تأدباً ، لأن الفعل يستلزم الحياة – وفي بعض النسخ : قالت : ما فُعل برسول الله صلى الله عليه وسلم - قالوا : خيراً هو بحمد الله كما تحبًين . أي : هو سالم منصور مظفًر . فقالت : أرونيه حتى أنظر إليه . فلما رأته صلى الله عليه وسلم قالت : كل مصيبة بعدك – أي : بعد سلًمتك ورؤيتك - جَلَل – أي : هيًن حقير ، كما في ( النهاية ) . ثانياً – شغَفُهم به صلى الله عليه وسلم وتعشُّقهم إيًاه ، فلً صبر لهم ، إذا لم يشهدوا محيًاه ، فإذا شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قرًت أعينهم ، وطابت نفوسهم ، وانشرحت صدورهم روى الطبراني عن عائشة رضي الله عنها ، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن رجلًً – هو ثوبان أو عبد الله بن زيد صاحب قصة الأذان – أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله لأنت – أي : والله لأنت – أحبُّ إليً من أهلي ومالي ، وإني لأذ كرك فما أصبر حتى أجيء إليك

عدد الصفحات ٤٦٥

466 – أي: فيطمئن قلبي وتقرً عيني – وإني ذكرت موتي وموتك فعرفتُ أنك إذا دخلت الجنة رُفعت مع النبيين ، وإن دخلتُها لّ أراك – أي : لأنك في مقام لّ يصل إليه غيرك - . فأنزل الله تعالى : (وَمَنْ يُطِعِ اللههَ وَالرهسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الهذِينَ أَنْعَمَ اللههُ عَلَيْهِمْ مِنَ النهبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصهالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) فدعا به النبيُّ صلى الله عليه وسلم – أي : طلب حضوره – فقرأ الْية عليه . قال الحافظ الزرقاني : والمراد بالمعيًة والمرافقة : كونُه في الجنة يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم ، والحضور معهم متى شاء ، وليس المراد التسوية في المنزلة اهـ . وروى الإمام البغوي عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي : اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقه – وكان شديد الحبً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قليلَ الصبر عنه ، فأتاه ذات يوم وقد تغيًر لونه . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما غيًر لونك ؟ ) . فقال : يا رسول الله ما بي مرض ولّ وَجَع ، غير أني إذا لم أرَكَ استوحشتُ وحشةً شديدة حتى ألقاك ، ثم ذكرت الْخرة فأخاف أن لّ أراك ، لأنك ترفع مع النبيين ، وإني إن دخلتُ الجنة فأنا في منزلة أدنى من منزلتك – أي : فتقل رؤيتي لك ولّ أطيق ذلك – وإن لم أدخل الجنة لّ أراك أبداً – فالأمر أهمُّ وأعظم - . فنزلت : (وَمَنْ يُطِعِ اللههَ وَالرهسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الهذِينَ أَنْعَمَ اللههُ عَ لَيْهِمْ .. ) الْية . فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لّ تطيب نفوسهم ولّ تقر أعينهم إلّ بمشاهدته صلى الله عليه وسلم حباً فيه وإيماناً به ! وفي ذلك يقول أبو هريرة رضي الله عنه ، كما رواه عنه الإمام أحمد ، أنه قال : قلت : يا رسول الله إذا رأيتك طابت نفسي وقرًت عيني – فأنبئني عن كل

عدد الصفحات ٤٦٦

467 شيء ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ( كلُّ شيء خُلق من ماء ) أي : ماء الحياة المذكور في الْية : ( وكان عرشه على الماء ) وهو الماء المشتمل على جميع عناصر الحياة – غير الماء المعروف ، فإنه أحد العناصر . فقال أبو هريرة : قلت : يا رسول الله أنبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة ؟ فقال : ( أفشِ السلًم ، وأطعم الطعام ، وصِل الأرحام ، وقم بالليل والناس نيام ، ثم ادخل الجنةَ بسلًم ) . ثالثاً – رضاهم بمعيًتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومرافقتِه ، فإذا حصل ذلك لهم فسلًمهم على الدنيا وما فيها من ذهبها وفضتها وسائر أموالها ! . روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه ، أن أناساً من الأنصار قالوا حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء – أي : أعطاه الله تعالى غنائم كثيرة – فطفِق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة ، يعطي رجالًّ من قريش المائَة من الإبل . فقالوا : يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ! يعطي قريشاً ويدَعُنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ؟! أي : تقطر من دماء كفار قريش بمحاربتنا إياهم حتى يدخلوا في الإسلًم . فحُدًث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدَم – أي : جلد – ولم يدعُ معهم أحداً غيرهم . فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما حديثٌ بلغني عنكم ؟ ) . فقال فقهاؤهم – أي : علماؤهم وعقلًهم – أمًا ذَووا رأينا – أي : أصحاب العقول والفهم منا – يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً ، وأما ناس منا حديثةٌ أسنانهم قالوا : يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يُعطي قريشاً ويدعُ الأنصار ، وسيوفُنا تقطر من دمائهم ؟! .

عدد الصفحات ٤٦٧

468 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إني أعطي رجالًّ حديثي عهد بكفر أتألًفهم ، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال ، وترجعون إلى رحالكم – أي : منازلكم في المدينة – برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فوالله لما تنقلبون به – أي : أي : ترجعون به – خير مما ينقلبون به ) . قالوا : يا رسول الله قد رضينا . فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( فستجدون أثَرةً شديدة ، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ، فإني على الحوض ) . وفي رواية لهما أيضاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن قريشاً حديثو عهدٍ بجاهلية ومصيبة ، وإني أردت أن أجبرهم وأتألًفهم ، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا ، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم ؟ ) . قالوا : بلى – أي : رضينا - . فقال صلى الله عليه وسلم : ( لو سلك الناس وادياً ، وسلكتِ الأنصار شِعباً ، لسلكتُ واديَ الأنصار أو شعب الأنصار ) . وفي رواية ( مسند ) أحمد : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يا معشر الأنصار ألَم آتكم ضُلًلًّ فهداكم الله ؟! وعالةً فأغناكم الله ؟! وأعداءً فألف الله بين قلوبكم ؟ ! ) قالوا : بلى يا رسول الله . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألّ تجيبون يا معشر الأنصار ؟ ) . قالوا : وما نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك ؟ المنُّ للَّ ولرسوله ! . قال : ( والله لو شئتم لقلتم فصَدقتم وصدًقتكم:

عدد الصفحات ٤٦٨

469 جئتنا طريداً فآويناك ، وعائلًً فأغنيناك ، وخائفاً فأمًناك ) . فقالوا : الحق للَّ ولرسوله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لُعاعة 1 من الدنيا تألًفت بها قوماً أسلموا ، ووكلتكمإلى ما قسم الله لكم من الإسلًم ؟ . من الدنيا تألفت بها قوماً أسلموا ، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلًم ؟ أفلً ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير ، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم ؟! . فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شِعباً ، وسلكتِ الأنصار شعباً ، لسلكتُ شعب الأنصار . ولولّ الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار . اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ) . قال : فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم – من الدموع - . وقالوا : رضينا باللَّ رباً ، ورسوله قَسماً – ثم انصرف وتفرًقوا . رابعاً – حرصهم الشديد على مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في جميع العوالم ، واهتمامُهم بذلك في دعائهم أوقات الإجابة . روى ابن جرير بإسناده عن الربيع ، أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن اتبعه فصدًقه ، وكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضاً – أي : يروا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم - . اللعاعة : بضم اللام ، معناها هنا الشيء اليسير

عدد الصفحات ٤٦٩

470 فأنزل الله تعالى هذه الْية: ( ومن يطعِ الله والرسولَ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم .. ) الْية . وهذا السبب الوارد في نزول الْية لّ يتنافى مع ما تقدم من الأسباب ، فإن الْية الواحدة قد تنزل في عدة أسباب ، على أن هذه الأسباب كلها من باب واحد ، وهو سؤال الصحابة عامة وخاصة ، عمًا يجمعهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في عوالم الْخرة ، بحيث يكونون معه لّ ينقطعون عنه أبداً . ومن ذلك : ما رواه مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه ، أنه قال : كنتُ أبيتُ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيتُه بوَضوئه وحاجته . فقال لي : ( سَل ) . فقلت : يا رسول الله أسألك مرافقتَك في الجنة . فقال صلى الله عليه وسلم : ( أو غير ذلك ) . قلت : هو ذاك . قال صلى الله عليه وسلم : ( فأعني على نفسك بكثرة السجود ) . ومن ذلك : ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة قال : سئل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ما الدعاءُ الذي دعوتَ به ليلةَ قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سَل تُعطَه ؟ ) . قال ابن مسعود : قلت : ( اللهم إني أسألك إيماناً لّ يرتدُّ ، ونعيماً لّ ينفد ، ومرافقة نبيًك صلى الله عليه وسلم في أعلى درجة الجنةِ جنةِ الخلد ) . وروى أبو نعيم عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود قال : ( بينما أنا أصلي ذاتَ ليلةٍ ، إذ مرً بي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( سَل تعطه ) . قال عمر : ثم انطلقت إليه – إلى ابن مسعود – فسألته : ما دعوتَ به ؟

عدد الصفحات ٤٧٠

471 فقال: إن لي دعاءً ما أكاد أن أدعه – أي : لّ أكاد أتركه - . اللهم إني أسألك إيماناً لا يبيد ، ونعيماً لا ينفد ، وقرة عين لا تنقطع ، ومرافقة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى الجنة جنة الخلد ) . ولما احتُضر بلًل رضي الله عنه نادت امرأته : ( واحزناه ! فقال لها : واطرباه ! غداً ألقى الأحبة : محمداً وصحبه ) . خامساً – بكاء الصحابة رضي الله عنهم لألم فراقه صلى الله عليه وسلم ، وبكاؤهم لتذكُّر مجالسه ، وبكاؤهم عند ذكره صلى الله عليه وسلم وتذكُّره والوحيُ ينزل عليه ، وما ينعكس عليهم من أسراره وأنواره ، وبكاؤهم لتذكُّر عهودهم معه صلى الله عليه وسلم ، وبكاؤهم الشديد لوفاته صلى الله عليه وسلم ، وبكاؤهم عند قبره الشريف صلى الله عليه وسلم - وذلك كله دليل على شدة محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وشغفهم به . ونحن نذكر من ذلك أطرافاً موجزة : أ – بكاؤهم لألم مفارقته صلى الله عليه وسلم : فمن ذلك ما جاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ، لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، خرج يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في ظل راحلته ، فلما فرغ من وصيته قال : ( يا معاذ إنك عسى أن لّ تلقاني بعد عامي هذا ، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري ) . فبكى معاذ جَشَعاً – اي : جزعاً – لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم التفت صلى الله عليه وسلم فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال : ( إن أولى الناس بي المتقون ، من كانوا وحيث كانوا ) . قال الزرقاني : رواه أحمد وأبو يعلى برجال ثقات . وقال الهيثمي : رواه أحمد بإسنادين ، ورجال الإسنادين رجال الصحيح ، غير راشد بن سعد وعاصم بن حميد ، وهما ثقتان اهـ .

عدد الصفحات ٤٧١

472 ب– بكاؤهم لتذكرهم مجالسه صلى الله عليه وسلم : روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال : ( مرً أبو بكر والعباس بمجلسٍ من مجالس الأنصار ، وهم يبكون – أي : وذلك في حال مرضه صلى الله عليه وسلم - . فقال – أحدهما - : ما يبكيكم ؟ فقالوا : ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا . فدخل أحدهما على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك . فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية بُرد ، فصعِد المنبر – ولم يصعده بعد ذلك اليوم . فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ( أوصيكم بالأنصار ، فإنهم كرِشي وعيبتي – أي : هم موضع سرًي وهم بطانتي – وقد قضَوا الذي عليهم ، وبقي الذي لهم ، فاقبلوا من محسنهم ، وتجاوزا عن مسيئهم )) . جـ - بكاؤهم عند ذكره صلى الله عليه وسلم وتذكره صلى الله عليه وسلم والوحيُ ينزل عليه : روى الإمام مسلم عن أنس رضي الله عنه قال : ( قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم : انطلق بنا إلى أم أيمن رضي الله عنها نزورها ، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها . فلما انتهيا إليها بكت . فقالّ لها : ما يُبكيك ؟ أما تعلمين أن ما عند الله خيرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! .

عدد الصفحات ٤٧٢

473 فقالت: إني لأعلم أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء ، فهيًجتهُما على البكاء ، فجعلً يبكيان معها – أي : لتذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزول الوحي عليه ، وتوارد تلك الأسرار والأنوار. وأخرج ابن سعد عن عاصم بن محمد ، عن أبيه ، قال : ما سمعت ابن عمر ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلّ ابتدرات عيناه تبكيان . وروى ابن سعد أيضاً عن أنس رضي الله عنه قال : ما من ليلة إلّ وأنا أرى فيها حبيبي صلى الله عليه وسلم – ثم يبكي . ومن ذلك : ما رواه ابن عساكر بسند جيد – كما نص عليه الحافظ الزرقاني – عن بلًل رضي الله عنه ، أنه لما نزل بدارَيًا – اسم مكان قريب من الشام – رأى النبي صلى الله عليه وسلم - أي : بعد وفاته صلى الله عليه وسلم - وهو يقول : ( ما هذه الجفوة يا بلًل ؟ أما آن لك أن تزورني ) ؟ فانتبه بلًل حزيناً خائفاً ، فركب راحلته وقصد المدينة ، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يبكي ويمرغ وجهه عليه . فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما ، فجعل بلًل يضُمُّهما ويقبًلُهما . فقالّ له : نتمنى نسمعُ أذانك الذي تؤذن به لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد . فعَلً سطح المسجد ووقف موقفه الذي كان يقف فيه ، فلما قال : الله أكبر الله أكبر : ارتجًت المدينة . فلما قال : أشهد أن لّ إله إلّ الله : ازدادت رجًتها . فلما قال : أشهد أن محمداً رسول الله : خرَجت العواتق – النساء – من خدورهنً وقالوا : أبُعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ! .

عدد الصفحات ٤٧٣

474 فما رؤي يوم أكثر باكياً ولّ باكية بالمدينة بعده صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك اليوم . وذلك لتذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب سماع الأذان من مؤذنه صلى الله عليه وسلم . وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم قال : خرج عمر بن الخطاب ليلة يحرس ، فرأى مصباحاً في بيت ، فدنا ، فإذا عجوز تطرق شعراً لها – أي : تنفشه – لتغزله وهي تقول : على محمد صلًة الأبرار صلى عليك المصطفون الأخيار قد كنتَ قوًاماً بكى الأسحار يا ليت ش عري والمنايا أطوار هل تجمعني وحبيبي الدار . تعني : النبي صلى الله عليه وسلم . فجلس عمر يبكي ، فما زال يبكي حتى قرع الباب عليها . فقالت : من هذا ؟ فقال : عمرُ بن الخطاب . قالت : مالي ولعمر ؟ وما يأتي بعمر في هذه الساعة ؟ فقال : افتحي رحمكِ الله فلً بأس عليك . ففتحت له فدخل . فقال لها : ردًدي عليً الكلمات التي قلت آنفاً ، فرددت عليه فلما بلغت آخرها قال : أسألك أن تُدخليني معكما – أي : في الدعاء – قالت : وعمر فاغفر له يا غفار .

عدد الصفحات ٤٧٤

475 فرضي ورجع– كما في ( المواهب وشرحها ) . وعلى هذا جرى خيار التابعين وأتباعهم رضي الله عنهم . قال مصعب بن عبد الله : كان الإمام مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه حتى يصعب على جلسائه . فقيل له في ذلك ؟ فقال – مالك - : لو رأيتم ما رأيتُ لما أنكرتم عليً ما ترون ! لقد رأيت محمد بن المنذر – وهو سيًد القرًاء – لّ نكاد نسأله عن حديث إلّ يبكي حتى نرحمه ! ولقد كنت أرى السيد جعفراً الصادق بن السيد محمد الباقر كثير التبسم ، ولكن إذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفرً لونه ، مهابةً وإجلًلًّ ! . قال مالك : وما رأيت جعفراً الصادق يحدًث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلّ على طهارة قال مالك : ولقد اختلفتُ زماناً – أي : ترددت إليه كثيراً – وما كنت أراه إلّ على ثلًثِ خصال : إما مصلياً ، وإما صامتاً – أي : مستغرقاً بالتفكير في آيات الله تعالى – وإما يقرأ القرآن . قال : وكان السيد جعفر من العبًاد الذين يخشون الله تعالى اهـ . وقال مالك : ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير ، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لّ يبقى في عينيه دموع اهـ . وكان الزهري من أهنأ الناس – أي : أشدهم هناءة وسهولة وليناً – فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فكأنك ما عرفته ولّ عرفك . أي : من إجلًله ومهابته النبي صلى الله عليه وسلم .

عدد الصفحات ٤٧٥

476 وكان قتادة المفسر إذا سمع الحديث يُقرأ عنده ، أخذه العويل– أي : البكاء – والزويل – أي : القلق – والّنزعاج من سلطان المحبة والمهابة . كما ذكر ذلك كلًه القاضي عياض في ( الشفا ) ونقله القسطلًني في ( المواهب ) وكان عبد الرحمن بن القاسم إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يُنظر إلى لونه كأنه قد نزف منه الدم وقد جفً لسانه في فمه . د – بكاؤهم لتذكُّرهم عهودَهم معه صلى الله عليه وسلم : ومن ذلك : ما جاء عن يحيى بن جعدة قال : عاد خبًاباً ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أبشر يا أبا عبد الله تَرِد على محمد صلى الله عليه وسلم الحوضَ ! فقال : كيف بهذا ؟ وأشار إلى أعلى البيت وأسفله – وفي البيت قليل من الأمتعة والوسائد – وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما يكفي أحدَكم كزاد الراكب) يعني : أنه بكى خوفاً من أن يكون قد توسًع في حطام الدنيا ومتاعها ، فوق زاد الراكب ، كما عهد إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الحافظ المنذري : رواه أبو يعلى والطبراني بإسناد جيد . وعن عامر بن عبد الله أن سلمان الخير رضي الله عنه حين حضرته الوفاة عرفوا منه بعض الجزع . فقالوا : ما يجزعك – أي : ما يخيفك – يا أبا عبد الله وقد كانت لك سابقة في الخير ؟ شهدتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغازي حسنة ، وفتوحاً عظاماً ! فقال : يُجزعني أن حبيبنا صلى الله عليه وسلم حين فارقنا عَهِد إلينا : ( ليكفِ المرءَ منكم كزاد الراكب ) فهذا الذي أجزعني – جعلني في خوف - .

عدد الصفحات ٤٧٦

477 قال: فجمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر درهماً . رواه ابن حبان في ( صحيحه ) كما في ( الترغيب ) . فخاف سلمان أن يكون خالفَ عهد حبيبه صلى الله عليه وسلم بأن جمع من المال فوق زاد الراكب . هـ - ضجيج بكاء الصحابة لوفاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : قال في ( المواهب وشرحها ) : أخرج ابن منده وابن عساكر – واللفظ له – عن أبي ذؤيب الهذلي أنه قال : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم مريض ، فأوجس أهل الحيً خيفة على النبي صلى الله عليه وسلم وبتُّ بليلة طويلة ، حتى إذا كان قرب السحر نمت ، فهتف بي هاتف يقول : خطبٌ أجلُّ أناخ بالإسلًم بين النخيل ومقعد الْطام قُبِض النبي محمدٌ فقلوبنا تذري الدموعَ عليه بالتًجسام قال : فانتبهت من نومي فزِعاً ، وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض ، فقدمت المدينة ولأهلها ضجيجٌ بالبكاء كضجيج الحجيج أهلُّوا جميعاً بالإحرام . فقلت : مَه – أي : ما السببُ في هذا البكاء ؟ - . فقالوا : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال القسطلًني رحمه الله : وقد كانت وفاته صلى الله عليه وسلم يوم الّثنين بلً خلًف ، وقتَ دخوله المدينة في هجرته ، حين اشتدً الضًحاء . ودفن صلى الله عليه وسلم يوم الثلًثاء ، وقيل : ليلة الأربعاء ، وقيل : يوم الأربعاء اهـ .

عدد الصفحات ٤٧٧

478 وقال في( لطائف المعارف ) : وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم في يوم الّثنين في شهر ربيع الأول بلً خلًف . واختلفوا في تعيين ذلك اليوم من الشهر ، فقيل : كانت وفاته صلى الله عليه وسلم أول الشهر ، وقيل ثانيه ، وقيل ثاني عشره ، وقيل ثالثَ عشره ، وقيل خامسَ عشره ، والمشهور أنه كان ثاني عشر ربيع الأول اهـ . وقد روى ابن إسحاق وغيره أن وفاته صلى الله عليه وسلم كانت ثاني عشر ربيع الأول – وعليه الجمهور . وأخرج الواقدي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : بينا نحن مجتمعون نبكي لوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ننم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتنا ، ونحن نتسلًى برؤيته على السرير ، إذ سمعنا صوت الكرازين – أي : صوت الفؤوس يُحفر بها – في السحر . قالت أم سلمة : فصحنا وصاح أهل المدينة ، فارتجت المدينة صيحة واحدة وأذن بلًل بالفجر ، فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم - بقوله : أشهد أن محمداً رسول الله – بكى بلًل وانتحب ، فزادنا حزناً وعالج الناس الدخول – أي : الوصول إلى قبره صلى الله عليه وسلم - فغلق دونهم – أي : منعوا من الهجوم إلى القبر الشريف وقت الدفن الشريف – قالت : فيا لها من مصيبة ما أصبنا بعدها بمصيبة إلّ هانت ، إذا ذكرنا مصيبتنا به صلى الله عليه وسلم . وجاء بعض هذا الحديث في ( طبقات ) ابن سعد . ولّشك أن المصيبة بوفاته صلى الله عليه وسلم هي أعظم المصائب . وقد روى مالك في ( الموطأ ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليُعَزً المسلمين في مصائبهم المصيبةُ بي ) . وروى ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي توفي فيه : ( يا أيها الناس أيُّما أحدٍ من المؤمنين أصيب

عدد الصفحات ٤٧٨

479 بمصيبة ، فليتعزً بمصيبته بي ، عن المصيبة التي تصيبه بغيري ، فإن أحداً من أمتي لن يُصاب بمصيبة : بعد أشدً عليه من مصيبتي ) أي : المصيبة بوفاته صلى الله عليه وسلم . وأخرج مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : ( بكى الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات ، وقالوا : والله ودِدنا أنا متنا قبله ، ونخشى أن نفتن بعده ) انظر ذلك في ( البداية ) . وأخرج الطبراني عن عائشة رضي الله عنها قالت : قالت صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها ، ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألّ يا رسولَ الله كنتَ رجاءنا وكنت بنا برًاً ولم تكُ جافيا وكنت رحيماً هادياً ومعلًماً ليبكِ عليكَ اليوم من كان باكياً لعَمري ما أبكي النبيً لموته ولكن لهرجٍ كان بعدك آتيا كأن على قلبي لفقد محمدٍ ومن حبًه من بعد ذلك المكاويا أفاطمُ صلى الله ربُ محمدٍ على جدثٍ أمسى بيثرب ثاوياً أرى حسناً أيتمتَه وتركتَه يبكي ويدعو جدًه اليوم نائياً فِدى لرسول الله أمي وخالتي وعمي وخالي ثم نفسي وماليا صبرتَ وبلغتَ الرسالة صادقاً ومتً قويً الدين أبلجَ صافيا فلو أن ربً العرش أبقاك بيننا سعِدنا ، ولكن أمره كان ماضيا عليك من الله السلًم تحيةً وأدخلتَ جناتٍ من العدن راضياً

عدد الصفحات ٤٧٩

480 قال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن اهـ وانظره في ( المواهب وشرحها ) . و – بكاء الصحابة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم متذكرين مواعظه ووصاياه : ومن ذلك : ما جاء عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، أن عمر رضي الله عنه خرج إلى المسجد ، فوجد معاذاً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يبكي . فقال له عمر : ما يبكيك ؟ فقال معاذ : حديث سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اليسير من الرياء شرك ، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة . إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء ، الذين إن غابوا لم يُفتَقدوا ، وإن حضروا لم يُعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل غبراءَ مظلمة ) قال في ( الترغيب ) : رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي في ( الزهد ) وقال الحاكم صحيح ولّ علة له اهـ . وروى البيهقي عن ابن أبي فُديك قال : سمعت بعض من أدركت من العلماء يقول : بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلً هذه الْية : ( إن الله وملًئكته يصلون على النبي ) إلى ( تسليماً ) ثم قال : صلى الله عليك يا رسول الله سبعين مرةً ناداه ملك : صلى الله عليك يا فلًن ، ولم تسقط له حاجة – اي : لّ ترد حاجته ، ولّ يخيب دعاؤه بوجاهة الحبيب صلى الله عليه وسلم القريب المجيب . إفاضة القبر الشريف بالأسرار والأنوار ، والخيرات والبركات على صاحبه أفضل الصلوات والتسليمات

عدد الصفحات ٤٨٠