417 أتي بطعامٍ: خبزٍ ولحمٍ ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( ناولني الذراع ) فنُوِول ذراعاً فأكله . ثم قال : ( ناولني الذراع ) فنُوِول ذراعاً فأكله . ثم قال : ( ناولني الذراع ) فقال : يا رسول الله إنما هما ذراعان ! فقال : ( وأبيك لو سكتً ما زلتُ أناوَل منها ذراعاً ما دعوتُ به ) . قال : ورواه أحمد وفيه راوٍ لم يسمً . فقوله صلى الله عليه وسلم : ( ناولني الذراع ) في المرة الثالثة – مع العلم أن الشاة لها ذراعان – إنما أراد أن يظهر أمراً معجزاً فيه الإكرام ، وفيه البرهان ، وفيه الإشهاد بالعيان ، ولكن لما لم يجد محلًً قابلًً ، لم تظهر تلك المعجزة . ولذلك قال الحافظ الزرقاني عند قوله صلى الله عليه وسلم : ( أما إنك لو سكتً لناولتني ذراعاً فذراعاً ما سكتً ) – أي : مدة سكوتك ، لأنه سبحانه يخلق فيها ذراعاً فذراعاً ، معجزةً له صلى الله عليه وسلم ، فحملتِ المناوِلَ عجلتُه المركبةُ في الإنسان على قوله : إنما للشاة ذراعان ، فانقطع المدد ، لأنه إنما كان من مدد الكريم سبحانه ، إكراماً لخلًصة خلقه صلى الله عليه وسلم ، فلو تلقاه المناوِلُ بالأدب ، ساكتاً مُصغياً إلى ذاك العجب : لكان شكراً منه مقتضياً لتشريفه بإجراء هذا المدد على يديه ، ولكنًه تلقًاه بصورة الإنكار ، فرجَع الكرم مولًياً ، لما لم يجد قابلًً ، إذ لّ يليق لمشاهدة هذه المعجزة العظيمة – إذ في شهودها نوع تشريف للمطلع عليها – إلّ لمن كمل تسليمه ولم يبقَ فيه أدنى حظً ولّ إرادة اهـ . وهكذا في حادثة تأبير النخل ، لما مرً صلى الله عليه وسلم بقوم يؤبًرون النخل ، أراد أن يُكرمهم ويُتحِفهم ، وأن يظهر لهم معجزة خارقة للعادة المطردة في إصلًح النخيل بالتأبير ، فيكرمهم خاصة بصلًحه دون تأبير ، إذ هو صلى الله عليه وسلم ممن يعلم بموجب العادة حاجة النخيل إلى تأبير كما يعلمون ، لأنه صلى الله عليه وسلم بينهم مطلع على أمورهم .
عدد الصفحات ٤١٧418 ولكن لمًا لم تقبل قلوب بعض أولئك النفر ، ولم تستسلم كل الّستسلًم إلى قوله صلى الله عليه وسلم : ( لو لم تفعلوا – أي : التأبير – لصلح ) بل وقفوا عند معلوماتهم الدنيوية المطردة من فنً زراعة النخيل ، وأن صلًحه موقوف على التأبير ، فلم يلق الكرم محلًً قابلًً فرجع . ولذلك ردًهم صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلى الأسباب المعتادة لديهم ، المعلومة عندهم التي وقفوا عندها ولم يجاوزوها فقال لهم : ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) – أي : فارجعوا إلى العمل بموجب علمكم بأمور دنياكم . ويشهد لصحة ما قلناه ، وصواب ما فهمناه ، من أنه صلى الله عليه وسلم لم يخطئ في ذلك ، قولُ الشيخ العارف باللَّ تعالى ، صاحب ( الإبريز ) نفعنا الله تعالى بمعارفه ، حين سئل عن حديث تأبير النخل ؟ فقال رضي الله عنه : قوله صلى الله عليه وسلم : ( لو لم تفعلوا لصلحت ) كلًم حق ، وقول صدق ، وقد خرج منه هذا الكلًم على ما عنده من الجزم واليقين بأنه تعالى هو الفاعل بالإطلًق ، وذلك الجزم مبني على مشاهدة سَريان فعله تعالى في سائر الممكنات مباشرة بلً واسطة ولّ سبب ، بحيث إنه لّ تسكن ذرة ، ولّ تتحرك شعرة ،ولّ يخفق قلب ، ولّ يضرب عرق ، ولّ تطرف عين ، ولّ يومئ حاجب ، إلّ وهو تعالى فاعله مباشرة من غير واسطة وهذا أمر يشاهده النبي صلى الله عليه وسلم كما يشاهد غيره وسائر المحسوسات ، ولّ يغيب ذلك عن نظره لّ في اليقظة ولّ في المنام ، لأنه صلى الله عليه وسلم لّ ينام قلبه الذي فيه هذه المشاهدة ، ولّ شكً أن صاحب هذه المشاهدة تطيح الأسباب من نظره ، ويترقًى عن الإيمان بالغيب إلى الشهود والعيان ، فعنده من قوله تعالى : ( والله خلقكم وما تعملون ) مشاهدة دائمة لّ تغيب ، ويقين يناسب هذه المشاهدة وهو أن يجزم بمعنى الْية جزماً لّ يخطر معه بالبال نسبة الفعل إلى غيره تعالى ، ولو كان هذا الخاطر قدر رأس النملة .
عدد الصفحات ٤١٨419 قال: ولّ شك أن هذا الجزم الذي يكون على هذه الصفة ، تُخرق به العوائد ، وتنفعل به الأشياء ، وهو سرً الله تعالى الذي لّ يبقى معه سبب ولّ واسطة . فصاحب هذا المقام إذا أشار إلى سقوط الأسباب ، ونسبةِ الفعل إلى ربً الأرباب كان قوله حقاً ، وكلًمه صدقاً . قال : وأما صاحب الإيمان بالغيب فليس عنده في قوله تعالى : ( والله خلقكم وما تعملون ) مشاهدة ، بل إنما يشاهد نسبة الأفعال إلى من ظهرت على يده ، ولّ يجذبه إلى معنى الْية ونسبة الفعل إليه تعالى إلّ الإيمان الذي وهبه الله تعالى ، فعنده جاذبان : أحدهما : من ربه وهو الإيمان الذي يجذبه إلى الحق . وثانيهما : من طبعه وهو مشاهدة الفعل من الغير الذي يجذبه إلى الباطل . فهو بين هذين الأمرين دائماً ، لكن تارة يقوى الجاذب الإيماني ، فتجده يستحضر معنى الْية السابقة ساعة وساعتين ، وتارة يقوى الجاذب الطبيعي فتجده يغفل عن معناه اليوم واليومين ، وفي أوقات الغفلة ينتفي اليقين الخارق للعادة ، فلهذا لم يقع ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم لأن – أولئك النفر – من الصحابة رضي الله عنهم فاتهم اليقين الخارق وقتئذٍ ، الذي اشتمل عليه باطنه صلى الله عليه وسلم ، وبحسبه خرج كلًمه الحق ، وقوله الصدق صلى الله عليه وسلم . ولمًا علم صلى الله عليه وسلم العلًة في عدم وقوع ما ذكره – لهم – وعلم أن زوال تلك العلًة ليس من طوقهم رضي الله عنهم – وقتئذٍ – أبقاهم على حالتهم ، وقال : ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) اهـ كلًم ( الإبريز ) . وعلى كل حال فإنه لّ يقال : أخطأ صلى الله عليه وسلم في قصة تأبير النخل ، كما لّ يقال : إنه صلى الله عليه وسلم أخطأ في قوله لأبي عبيد : ( ناولني الذراع ) في المرة الثالثة ، فإن ذلك ليس من باب الخطأ ، بل من باب الصواب
عدد الصفحات ٤١٩420 ، وإرادة الإكرام والإتحاف لأولئك النفر ، بأمر فيه اليمن والبركة على وجه خارق للعادة ، ولكن تخلًف ذلك لوجود المانع والعارض . ونظير هذا : انقطاع مدد الإكرام والبركة من ظرف السمن ، الذي بارك فيه النبي صلى الله عليه وسلم لما عصرته أم مالك ، كما جاء في ( صحيح ) مسلم وغيره ، عن جابر رضي الله عنه ، أن أم مالك الأنصارية كانت تُهدي النبي صلى الله عليه وسلم من عكًةٍ لها سمناً ، فيأتيها بنوها فيسألونها الأدُم – وفي رواية : فيسألون السمن – وليس عندهم شيء ، فتعمد – أي : تقصد – إلى الظرف الذي كانت تُهدي فيه ، فتجد فيه سمناً ، فما زال يُقيم لها أدُم بيتها حتى عصرته – أي : عصرت الظرف فنفد السمن – فأتت النبي صلى الله عليه وسلم - أي : ذكرت له ذلك - . فقال صلى الله عليه وسلم : ( عصرتيها ؟ ) ، قالت : نعم . فقال صلى الله عليه وسلم : ( لو تركتيها ما زال – أي : السمن – قائماً ) . وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه ، أن رجلًً من أهل البادية ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم يَستطعمه ، فأطعمهُ شطرَ وسقٍ من شعير ، فما زال يأكل منه وامرأتُه وضيفُهما – أي : أضيافهما الذين ينزلون عندهما – حتى كاله – أي : فنقص – فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره . فقال له : ( لو لم تكله لأكلتم منه – أي : دائماً يكفيكم – وأقام لكم ) أي : مدة الحياة من غير نقص . فالكيل العارض منع المدد الفائض . وقد بيًن الإمام النووي حكمة ذلك كله حيث قال : قال العلماء : الحكمة في ذلك أن عصرها وكيلَه ، مضادًة للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى ، ويتضمن التدبير والأخذ بالحول والقوة ، وتكلًف الإحاطة بأسرار حكم الله تعالى وفضله فعوقب فاعله بزواله . اهـ .1 انظر( شرح ) مسلم : 4
عدد الصفحات ٤٢٠421 قال الحافظ الزرقاني: ولّ يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( كِيلوا طعامكم يبارك لكم فيه ) لأنه فيمن يخشى الخيانة ، أو كيلوا ما تخرجونه للنفقة لئلً يخرج أكثر من الحاجة أو أقل ، بشرط بقاء الباقي مجهولًّ ، أو كيلوا عند الشراء ، أو عند إدخاله المنزل اهـ . أما قضيةُ الحُباب بن المنذر يوم بدر : فهي كما روى ابن إسحاق 1 أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يُبادرهم إلى الماء ، حتى جاء إلى ماءٍ في بدر ، فنزل به . فقال الحُباب بن المنذر : يا رسول الله هذا منزلٌ أنزلكه الله ، لّ تتقدمه ولّ تتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ . فقال صلى الله عليه وسلم : ( بل هو الرأي والحرب والمكيدة ) . فقال الحباب : فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس ، حتى تأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزل ، ثم نغوًر 2 ما وراءه من الطلب ، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤها ماءً ، فنشرب ولّ يشربون – أي : المشركون - . فقال صلى الله عليه وسلم : ( أشرتَ بالرأي ) . وعند ابن سعد : فنزل جبريل فقال : ( الرأي ما أشار به الحباب ) . فليس في هذا الحديث ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مخطئاً في رأيه ، لأن هذه الواقعة ليست من باب إلزام القضية أو التزامها ، إنما هي من باب عرض القضية ، لإبداء رأي أهل الرأي والخبرة في ذلك ، على عادته صلى الله عليه وسلم من عرضه أمثال هذه الأمور على أهل الرأي من الصحابة ، ومشاورتهم فيها . انظر ( سيرة ) ابن هشام وغيرها . بالغين المعجمة وشد الواو أي : ندفنها ونذهبها – كما في ( شرح المواهب )
عدد الصفحات ٤٢١422 وليس ذلك من باب أنه رأي رآه صلى الله عليه وسلم واستحسنه والتزمه ، ورواح يحمل الناسَ عليه ويُلزمهم به ! بل من باب عرض القضية للرأي والمشاورة فيها . ويدل على ذلك صريح قوله صلى الله عليه وسلم للحباب : ( أشرتَ بالرأي ) فكان موقفه صلى الله عليه وسلم موقفَ المستشير الذي عرض القضية ولم يلتزمها ، ولو أنه صلى الله عليه وسلم رأى ذلك أو التزم ذلك لحمل الصحابة على ذلك ولّستمرً على ذلك صلى الله عليه وسلم . إفاضته صلى الله عليه وسلم بالبركات والخيرات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فياضاً بالخيرات والبركات ، والأسرار والأنوار ، على القوابل المستعدة ، والمتوجًهة المستمدة . روى البخاري ، وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ضمً ني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال : ( اللهم علًمه الكتاب ) . فقد نال ابن عباس بهذه الضمًة والدعوة فهماً عظيماً في كتاب الله تعالى . وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله إني لأسمعُ منك حديثاً كثيراً أنساه ! . فقال : ( ابسُط رداءك ) . فبسطتُه ، فغرف بيديه ثم قال : ( ضُمًه ) فضممته فما نسيت شيئاً بعدُ . هذا لفظ البخاري . وعند غيره : ثم قال : ( ضُمًه إلى صدرك ) فضممتُه ، فما نسيتُ حديثاً بعدُ . وروى أبو نعيم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : ( ألّ تسألني من هذه الغنائم ؟ ) . قلت : أسألك أن تعلًمني مما علًمك الله .
عدد الصفحات ٤٢٢423 قال: فنزع نمِرةً على ظهري ووسًطها بيني وبينه ، فحدًثني ، حتى إذا استوعبتُ حديثه قال : ( اجمعها فصُرها إليك ) . قال أبو هريرة : فأصبحتُ لّ أسقِط حرفاً مما حدثني 1 . وفي هذا إفاضةُ الحفظِ على أبي هريرة رضي الله عنه ، حتى إنه ما نسي حديثاً بعدُ . ومن ذلك إفاضته صلى الله عليه وسلم العلمَ بالقضاء على سيدنا علي كرم الله تعالى وجهه حين أرسله إلى اليمن : ففي ( المسند ) و ( السنن ) وكذلك روى البيهقي والحاكم وصححه عن علي رضي الله عنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقلت : ( يا رسول الله تبعثني وأنا شابٌ أقضي بينهم ولّ أدري ما القضاء ؟ فضرب صلى الله عليه وسلم بيده في صدري وقال : ( اللهم اهد قلبه وثبًت لسانه ) . فو الذي فلق الحبًة ، ما شككتُ في قضاءٍ بين اثنين بعدُ ) . وأورده الحافظ ابن كثير في ( البداية ) من طريق أبي يعلى . وقال جرير بن عبد الله : ( يا رسول الله إني لّ أثبُتُ على الخيل ، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدري حتى رأيتُ أثر أصابعه في صدري وقال : ( اللهم ثبًته ، واجعله هادياً مَهدياً ) كما في ( المسند ) . ومن ذلك إفاضته صلى الله عليه وسلم القوة على سفينة وسمًاه سفينة حيث قال له : ( احمل فإنما أنت سفينة ) . انظر ( الإصابة ) ، وما فيها من أنواع الروايات في ذلك
عدد الصفحات ٤٢٣424 قال: ( فلو حملت يومئذٍ وقر بعير أو بعيرين أو ثلًثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل عليً ) . كما في ( مسند ) أحمد وغيره . رسول الله صلى الله عليه وسلم يغمسُ يده في الماء ، لتحلّ فيه البركة والشفاء : روى الإمام مسلم وغيره عن أنس رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خَدَم المدينة بآنيتهم ، فيها ماء ، فلً يأتونه بإناء إلّ غمس فيه يدَه ، وربما جاؤوه بالغداة الباردة فيغمس يدَه فيها ) . فكانوا يتبركون بذلك الماء ويستشفون به . رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل يديه ووجهه ، ويمجُّ في الماء ، ويأمر بالشرب منه والإفراغ على الوجه : روى الشيخان – واللفظ لمسلم – عن أبي موسى الأشعري قال : ( كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجِعرانة ، بين مكة والمدينة ، ومعه بلًل ، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال : ألّ تنجزني يا محمد ما وعدتني ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبشر ) . فقال الأعرابي : أكثرتَ عليً من : أبشِر ! . فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي موسى وبلًل كهيئة الغضبان فقال لهما : ( إنً هذا قد ردً البشرى فاقبلً أنتما ) . فقالّ : قبلنا يا رسول الله . ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء ، فغسل يديه ووجهه ومجً فيه ، ثم قال : ( اشربا منه ، وأفرِغا على وجوهكما ونحوركما ، وأبشِرا ) .
عدد الصفحات ٤٢٤425 فأخذا القدح ، ففعلً ما أمرهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنادتهما أمً سلمة من وراء السًتر : أفضِلً لأمًكما في إنائكما – فأفضَلً منه طائفةً ) . وفي هذا تكريم لأبي موسى وبلًل رضي الله عنهما ، لأن في غُسالة أطرافه أسراراً وأنواراً ، وبركات ورحَمات . وروى البخاري عن جابر رضي الله عنه قال : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض لّ أعقل – وفي رواية : فوجدني قد أغمي عليً – فتوضأ وصبً عليً من وَضوئه ، فعقلتُ – أي : أفقتُ من الإغماء – فقلت : يا رسول الله لمن الميراثُ ؟ إنما يرثني كلًلة ! فنزلت آية الفرائض . وفي ( الصحيحين ) عن أبي جُحَيفة رضي الله عنه أنه قال : ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة – أي : الظهيرة – فأتي بوَ ضوءٍ ، فتوضأ ، فجعل الناسُ يأخذون من فضل وضوئه فيتمسًحون به ، وصلًى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ) الحديث . وروى الإمام أحمد عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال : ( رأيتُ قُبًةً حمراء من أدَم – أي : جلد – لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيتُ بلًلًّ خرج بوَضوئه صلى الله عليه وسلم ليصبًه – أي : ليُريقه – فابتدره الناس ، فمن أخذ منه شيئاً تمسًح به ، ومن لم يجد منه شيئاً أخذ من بلل يد صاحبه ) . وروى الطبراني عن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي مرداس السلمي قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بطَهور ، فغمس يده فتوضأ فتتبًعناه – أي : ماء الوضوء – فحسوناه – أي : شربناه - . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما حملكم على ما فعلتم به ؟ ) . قلنا : حبُّ الله ورسوله ! . قال : ( فإن أحببتم أن يُحبًكم الله ورسوله : فأدًوا إذا ائتُمنتُم ، واصدُقوا إذ حدًثتُم ، وأحسِنوا جِوار من جاورَكم ) .
عدد الصفحات ٤٢٥426 فكانت الصحابة يحرصون على غُسالة أطرافه صلى الله عليه وسلم ، وعلى ماء وضوئه ، حباً في الله ورسوله ، وإيماناً منهم بما يعلمون من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي خصًه الله تعالى بها ، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُقرُّهم على ذلك دون إنكار . مسحاته الشريفة صلى الله عليه وسلم وآثاره الطيبة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مسح على وجِع ذهب وجَعه بإذن الله تعالى . وإذا مسح على مريض أو جريح برئ بإذن الله تعالى . وإذا مسح على صدر ضعيف أو خائف قَويَ وأمِنَ بإذن الله تعالى . وإذا مسح على وجه مسلم بقيت نَضارة الشباب في وجهه مهما كبِرت سِنُّه . روى البخاري عن السائب بن يزيد قال : ( ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن ابن أختي وَجِعٌ – فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسي ودعا لي بالبركة وتوضأ ، فشربتُ من وَضوئه صلى الله عليه وسلم ) . وروى الطبراني عن أبيض بن حمًال : ( أنه كان بوجهه حزازة – يعني القُوباء – فالتقمت أنفه ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على وجهه فلم يُمس ذلك اليوم وفي أنفه أثر )1 . وعن عطاء مولى السائب بن يزيد قال: ( رأيتُ مولّي السائب بن يزيد لحيته بيضاء ورأسه أسود . فقلت : يا مولّي ما لرأسكَ لّ يبيضُّ ؟ ! . قال في ( مجمع الزوائد ) : رواه الطبراني ورجاله ثقات ، وثقهم ابن حبان اهـ .
عدد الصفحات ٤٢٦427 فقال له: لّ يبيضً رأسي أبداً ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مضى – أي : مرً – وأنا غلًم ألعب مع الغلمان ، فسلًم وأنا فيهم ، فرددتُ عليه السلًم ، فدعاني فقال لي : ( ما اسمُكَ ؟ ) فقلت : السائب بن يزيد ابن أخت النًمِر . فوضع يده صلى الله عليه وسلم على رأسي وقال : ( بارك الله فيك ) . قال السائب : فلً يبيضُّ موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً )1 . وعن حنظلة بن حِذيَم قال: ( وفدتُ مع جدي حِذيَم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدناني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح رأسي وقال : ( بارك الله فيك )) . قال الراوي عن حنظلة : فلقد رأيت حنظلة يؤتى بالرجل الوارمِ وجههُ ، أو الشاةِ الوارمِ ضرعُها فيقول : ( بسم الله ، على موضع كفً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيمسحه ، ثم يمسح الوارم فيذهب الورم 2 . ) وعن عائذ بن عمرو رضي الله عنه قال: ( أصابتني رمية – وأنا أقاتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين – في وجهي ، فلما سالت الدماء على وجهي وصدري إلى ثُندوَتي ، وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده ثم دعا لي ) . قال حَشرج : فكان عائذ يخبرنا بذلك كلًه في حياته ، فلما مات وغسلناه ، نظرنا إلى ما كان يصف لنا من أثر يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي مسًها ما كان يقول قال في ( مجمع الزوائد ) : رواه الطبراني في الثلاثة ثم قال : ورجال ( الصغير ) و ( الأوسط ) ثقات . قال في ( مجمع الزوائد ) : رواه الطبراني في ( الأوسط ) وأحمد ورجاله ثقات وقال الزرقاني : ورواه البخاري في ( تاريخه ) وأبو يعلى وغيرهم .
عدد الصفحات ٤٢٧428 لنا من صدره ، فإذا غرًةٌ– أي : بياض – سائلة كغُرة الفرس . رواه الطبراني والحاكم وغيرهما . وعن عمرو بن ثعلبة الجهني قال : ( لقيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمتُ ، فمسَحَ رأسي ) . قال الراوي : فأتَت على عمرو مائة سنة وما شاب موضعُ يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأسه 1 . وعن عبد الله بن هلًل الأنصاري رضي الله عنه قال: ( ذهب بي أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله اُدع الله له . قال عبد الله : فما أنسى وَضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسي ، حتى وجدتُ بَردها ، فدعا لي وبارك عليً ) . قال الراوي عنه : فرأيت عبد الله بن هلًل يصوم النهار ويقوم الليل وقد كبِرت سنُّه 2 أي: بقيت فيه قوة الشباب وعزيمتهم . وعن عمرو بن أخطب الأنصاري قال : ( مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي ولحيتي ثم قال : ( اللهم جَمًله ) قال الراوي عنه : فبلغ عمرو بضعاً ومائة سنة وما في لحيته بياض – ولقد كان منبسطَ الوجه ولم ينقبض وجهه حتى مات 3 وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( مسح النبي صلى الله عليه وسلم رأسي ودعا لي بالحكمة ) . وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه كما في ( المسند ) أيضاً أنه قال : ( قلت : يا رسول الله علمني من هذا القول . قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله إلى أبي نعيم ثقات رواه الطبراني وإسناده حسن رواه الترمذي وحسنه ، والحاكم وابن حبان ، كما في ( شرح المواهب ) و ( مجمع الزوائد ) .
عدد الصفحات ٤٢٨429 قال: فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسي وقال : يرحمك الله فإنك غُلَيًم معلهم .. )) الحديث . فلقد نال ابن عباس وابن مسعود بتلك المسحة المحمدية على رؤوسهما خيراً كبيراً وعلماً كثيراً . وعن أبي عطية البكري رضي الله عنه قال : ( انطلق بي أهلي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلًم شاب فمسح على رأسي ) . قال الراوي عنه : فلقد رأيت أبا عطية أسود الرأس واللحيةِ وقد أتت عليه مائة سنة – أي : فلم يشب شعره ببركة تلك المسحة المحمدية صلى الله عليه وسلم . وعن الحارث بن عمرو السهمي : ( أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو على ناقته العَضباء ، وكان الحارث رجلًً جسيماً ، فدنا من النبي صلى الله عليه وسلم حتى حاذَى وجهَه بركبة النبي صلى الله عليه وسلم فأهوى نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم فمسح وجهَ الحارث ) . فما زالت النضرة على وجه الحارث حتى هلك – أي : مات رواه الطبراني ورجاله ثقات ، كما في ( الإصابة ) . وعن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه قال : ( وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً – يده على رأسي وقال : ( يعيش هذا الغلًم قرناً ) فعاش مائة سنة ) . وكان في وجهه ثُؤلول فقال صلى الله عليه وسلم : ( لّ يموت حتى يذهب الثُؤلول من وجهه ) قال الراوي : فلم يمت حتى ذهب الثؤلول من وجهه 1 . قال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني ، والبزار باختصار الثؤلول ، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير الحسن بن أيوب الحضرمي وهو ثقة اهـ .
عدد الصفحات ٤٢٩430 وعن يحيى بن أبي الهيثم قال: سمعتُ يوسف بن عبد الله بن سلًم يقول : ( أجلسني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره ومسح على رأسي وسمًاني : يوسف ) رواه أحمد ورواته ثقات . وأخرج البغوي من طريق ابن وهب قال : حدثني يعقوب بن عبد الرحمن القارًي قال : ( أتى أبي بعبد الرحمن وعبد الله ابني عبدٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرًك عليهما ومسح برؤوسهما ، وقال لعبد الله ( هذا عائذ ) فكانا إذا حلقا رؤوسهما نبتَ موضعُ يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الباقي ) . كما في ( الإصابة ) . وروى الطبراني وابن السكن عن مالك ابن عمير : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه ووجهه ، فعُمًر – أي : طال عمره – حتى شاب رأسه ولحيته وما شاب موضع يد النبي صلى الله عليه وسلم من رأسه ولحيته ) . وروى الزبير بن بكار في ( أخبار المدينة ) عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأس عبادة بن سعد بن عثمان الزٌّرقي ودعا له فمات وهو ابن ثمانين سنة وما شاب ) . ولو تتبعنا ما ورد في ذلك لعجز القلم عن إحصاء ذلك ، وإن هذه الأحاديث التي أوردناها عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم – لهي أكبر دليل قاطع على إيمان الصحابة رضي الله عنهم كبارهم وصغارهم وقوة اعتقادهم بأن سيدنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فيًاض بالخيرات والبركات ، والأسرار والأنوار ، ولذا كانوا يحرصون كل الحرص على أن يمنحهم رسول الله مسحةً على وجوههم أو رؤوسهم أو صدورهم ، أو يكرمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفلة من تفلًته الشريفة الفيًاضة بالبركات من الله تعالى ،
عدد الصفحات ٤٣٠431 أو يكرمهم بسؤره الشريف ، أو ماء وضوئه المبارك ، أو مجًةٍ يمجُّها في فمهم ، وذلك لتسري بركاتها في ذواتهم وذراتهم . وهم يعلمون كلً العلم أن ذلك كلًه من فضل الله تعالى على حبيبه الأكرم صلى الله عليه وسلم ومن إكرامه تعالى وإنعامه عليه صلى الله عليه وسلم . قال الله تعالى : ( وكان فضل الله عليك عظيماً ) . وقال : ( وأما بنعمة ربك فحدًث ) . وقال له : ( إنا أعطيناك الكوثر ) . قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي : أعطيناك الخير الكثير ، ومن ذلك الخير الكثير : نهرُ الكوثر في الجنة ، والحوض في الموقف – إلى ما وراء ذلك . مسحاته الشريفة صلى الله عليه وسلم على الصدور ليثبت الإيمان في قلوب أصحابها فمن ذلك قصةُ شيبةَ بن عثمان الأوقصي الذي أسلم يوم الفتح : قال في ( الإصابة ) : وكان شيبة ممن ثبت يوم حنين بعد أن كان أراد أن يغتال النبي صلى الله عليه وسلم فقذف الله في قلبه الرعب ، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره ، فثبت الإيمان في قلبه ، وقاتل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم . رواه ابن أبي خيثمة . قال في ( الإصابة ) وذكره ابن إسحاق في ( المغازي ) بمعناه ، وأخرجه ابن سعد عن الواقدي ، وكذا ساق البغوي بإسناد آخر عن شيبة ، وفيه : قال شيبة : فجئتُ النبيً صلى الله عليه وسلم من خلفه ، فدنوتُ ثم دنوت حتى إذا لم يبق إلّ
عدد الصفحات ٤٣١432 أن أتِرَه– أقتُله – بالسيف وقع لي شهاب من نارٍ كالبرق ، فرجعتُ القهقرى – أي : إلى الوراء فَزعاً – فالتفتَ إليً النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال : ( تعالَ يا شيبة ) فوضع يده صلى الله عليه وسلم على صدري ، فرفعتُ إليه بصري وهو أحبُّ إليً من سمعي وبصري .. الحديث . أي : فصار النبي صلى الله عليه وسلم أحبُّ من سمعه وبصره بعدما وضع يده الشريفة على صدره ، وقد كان قبلُ شديد البغض يحاول أن يغتال النبي صلى الله عليه وسلم ! . فانظر في أثر هذه المسحة المحمدية كيف حوًلته من حَال إلى حال ! . ومن ذلك : قصة أبي محذورة التي جاءت في ( السنن ) و ( مسند ) أحمد وفيه : أنا أبا محذورة قال : خرجتُ في نفرٍ فكنا ببعض طريق حنين ، فقَفَل رسول الله صلى الله عليه وسلم – أي : رجع – من حنين ، فلقينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأذًن مؤذنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلًة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعتُ صوت المؤذًن ونحن متنكًبون – فصرخنا نحكيه ونستهزئ به . فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوت ، فأرسل إلينا ، إلى أن وقفنا بين يديه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيُّكم الذي سمعتُ صوته قد ارتفع ؟ ) . فأشار القوم كلُّهم إليً – وصدقوا – فأرسلهم كلًهم وحبسني ، فقال : ( قم فأذًن بالصلًة ) . فقمتُ ولّ شيء أكره إليً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولّ مما يأمرني به ، فقمتُ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى إليً رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذينَ هو نفسُه فقال : ( الله أكبر الله أكبر .. ) إلى آخر الأذان . ثم دعاني حين قضيتُ التأذين فأعطاني صرًةً فيها شيء من فضًة ، ثم وضع صلى الله عليه وسلم يده على ناصية أبي محذورة ، ثم أمرً على وجهه مرتين ،
عدد الصفحات ٤٣٢