385 روى الإمام أحمد عن عروة بن الزبير قال: حدثني جار لخديجة بنت خويلد قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لخديجة : ( أي خديجة ! والله لّ أعبد اللًتَ أبداً ، والله لّ أعبد العُزًى أبداً )1 . وروى البزار وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( لستُ من دَدٍ ولّ الدًدُ مني ) . وفي رواية : ( ولست من الباطل ولّ الباطل مني )2 . وعن زيد بن حارثة قال: طِفتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم ، فمسِستُ بعض الأصنام ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لّ تمسًها .. ) الحديث 3 . وعن علي بن أبي طالب كرًم الله تعالى وجهه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين ، كلتاهما عصمني الله عز وجلً منهما . قلت لفتىً كان معي من قريش ، بأعلى مكة في غنم يرعاها : أبصر لي غنمي ، حتى أسمُر هذه الليلة بمكة ، كما يسمر الفتيان . قال : نعم . فخرجت ، فلما جئتُ أدنى دار من دور مكة ، س معت عزفاً بالغرابيل والمزامير . قلت : ما هذا ؟ قالوا : فُلًن يتزوج فلًنة . فجلست أنظر ، وضرب الله على أذني – أي : فنمت – فوالله ما أيقظني إلّ مسً الشمس ، فرجعت إلى صاحبي ، فقال : ما فعلت ؟ فقلت : ما فعلت شيئاً ، ثم أخبرته بالذي رأيت . قال الحافظ الهيثمي : رجاله رجال الصحيح . وتقدم الكلام على هذا الحديث قال الحافظ الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ، وأورده الحافظ ابن كثير في ( البداية ) معزواً للبيهقي
عدد الصفحات ٣٨٥386 ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي ، حتى أسمُر ، ففعل ، فلما جئت مكة ، سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة ، فسألت ؟ فقيل : تزوج فلًن فلًنة ، فجلست أنظر ، وضرب الله على أذنيً – أي : فنمت - فما أيقظني إلّ مسُّ الشمس ، فرجعت إلى صاحبي ، فقال : ما فعلت ؟ فقلت : لّ شيء ، ثم أخبرته عن الخير ، فوالله ما هممتُ ولّ عُدتُ بعدهما لشيء من ذلك ، حتى أكرمني الله عز وجل بنبوته ) ، وفي رواية : ( برسالته ) 1 . سفره صلى الله عليه وسلم إلى الشام لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة ، خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام ، حتى بلغ بُصرى - مدينة في حَوران – فرآه بَحيرا الراهب ، وكان عالماً بالنصرانية ، فعرف النبيً صلى الله عليه وسلم بصفاته التي وافقت ما أخبرت به الكتب السماوية السابقة ، فقال بحيرا : هذا سيد المرسلين ، هذا سيد العالمين . وقد ذكرنا الحديث الوارد في هذه السفرة ، في بحث خاتم النبوة المتقدم من رواية الترمذي . وعند ابن إسحاق : أن بحيرا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا غلًم أسألك بحقً اللًت والعُزًى إلّ ما أخبرتني – أي : إلّ أخبرتني – عما أسألك عنه . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لّ تسألني بهما شيئاً ، فو الله ما أبغضتُ شيئاً قط بغضهما ) فقال له بحيرا : فباللَّ إلّ ما أخبرتني عما أسألك عنه . فقال له صلى الله عليه وسلم : ( سلني عما بدا لك ) . انظر ص من ( موارد الظمآن ) ، تحت عنوان : باب في عصمته صلى الله عليه وسلم . وانظره في ( البداية ) لابن كثير : معزواً للبيهقي ، وانظره في ( تاريخ ) الذهبي : وأورده في ( مجمع الزوائد ) تحت عنوان : باب في عصمته صلى الله عليه وسلم من الباطل وقال : رواه البزار ورجاله ثقات اهـ
عدد الصفحات ٣٨٦387 فجعل يسأله عن أشياء من حاله ونومه وهيئته وأموره ، ويخبره صلى الله عليه وسلم ، فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته . قال في ( الشفا ) : وإنما سأله بحق اللًت والعزى اختباراً اهـ . أي لتتبين له صفاته صلى الله عليه وسلم المذكورة في الكتب السماوية السابقة ، ومن جملتها بغضه للأوثان والأصنام . ثم إنه صلى الله عليه وسلم خرج أيضاً إلى الشام مرةً ثانية ، في تجارةٍ للسيدة خديجة ، وله خمس وعشرون سنة . وذلك – كما قال الواقدي وابن السكن وغيرهما – أن السيدة خديجة كانت تاجرةً ذاتَ شرفٍ ومالٍ كثير ، وتجارةٍ تبعث بها إلى الشام ، فيكون عِيرها – في الكمية والعدد – كعامةِ عير قريش . وكانت تستأجر الرجال وتدفع إليهم مضاربةً ، وكانت قريش قوماً تجاراً – ومن لم يكن تاجراً فليس عنده شيء . فقال أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم : يا ابن أخي ! هذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام ، وخديجة تبعث رجالًّ من قومك يتًجرون في مالها ويصيبون منافع ، فلو جئتَها لفضًلتك على غيرك ، لما بلغها عنك من طهارتك ، وإن كنتُ أكره أن تأتي الشام ، وأخاف عليك من يهودها ، ولكن لّ نجد من ذلك بدًاً . فقال صلى الله عليه وسلم : ( لعلها تُرسل إليً في ذلك ) – وهذا مظهر من مظاهر عزة نفسه صلى الله عليه وسلم وعلوً همته وكرامته الأبية . فقال أبو طالب : إني أخاف أن تولًي غيرك ! . فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له ، وكان بلغها قبل ذاك صدق حديثه صلى الله عليه وسلم ، وعظم أمانته ، وكرم أخلًقه ، فقالت : ما علمتُ أنه يريد هذا .
عدد الصفحات ٣٨٧388 وأرسلت إليه وقالت: دعاني إلى البعثة إليكَ ، ما بلغني من صدق حديثك ، وعظم أمانتك ، وكرم أخلًقك ، وأنا أعطيك ضِعف ما أعطي رجالًّ من قومك فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذاك لعمه فقال : إن هذا لرزق ساقه الله إليك . فخرج صلى الله عليه وسلم ومعه ميسرة غلًم – أي : مملوك – خديجة ، وسار حتى بلغ بُصرى ، فنزل تحت ظل شجرة في سوق بصرى ، قريباً من صومعة نسطورا الراهب ، فاطلع الراهب إلى ميسرة ، وكان يعرفه . فقال نسطورا : يا ميسرة من هذا الذي تحت هذه الشجرة ؟ فقال : رجل من قريش من أهل الحرم . فقال له الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة إلّ نبيً – وفي رواية : بعد عيسى – ثم قال لميسرة : أفي عينيه حمرة ؟ فقال ميسرة : نعم . فقال : هو هو ، وهو آخر الأنبياء ، ويا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج – فوعَى ذلك ميسرة . ثم حضر صلى الله عليه وسلم سوق بُصرى ، فباع سلعته التي خرج بها واشترى ، وكان بينه وبين رجل اختلًف في سلعته . فقال الرجل : احلف باللًت والعزى . فقال صلى الله عليه وسلم : ( ما حلفتُ بهما قطً ) . فقال الرجل : القول قولك . ثم قال لميسرة – وخَلً به - : هذا نبي – إنه لهو الذي تجده أحبارنا منعوتاً في كتبهم – فوعى ذلك ميسرة . وانصرف أهل العير جميعاً .
عدد الصفحات ٣٨٨389 وكان ميسرة يرى في الهاجرة– الظهيرة – مَلَكين يُظلًًنه في الشمس . ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علًية – غرفة عالية – لها ، رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على البعير ، وملكان يظلًًن عليه ، فأرته نساءها ، فعجبن لذلك . ودخل عليها صلى الله عليه وسلم فأخبرها بما ربحوا ، فسُرًت . فلما دخل عليها ميسرة ، أخبرته بما رأت . فقال ميسرة : قد رأيت هذا منذ خروجنا من الشام ، وأخبرها بقول نسطورا ، وقول الرجل الذي خالفه في البيع . وقدم صلى الله عليه وسلم بتجارتها فربحت ضِعف ما كانت تربح ، وأضعفت له ما كانت سمًته له 1 . زواجه صلى الله عليه وسلم بخديجة بنت خويلد بن أسد رضي الله عنها كانت السيدة خديجة رضي الله عنها تُدعى في الجاهلية والإسلًم ( الطاهرة ) لشدة عفافها وصيانتها ، وكانت برًة نقيًة ذاتَ عقلٍ واسعٍ ، وذكاء لّمع ، وجمالٍ وكمالٍ ، وحسَب ومال ، وقد عرَضت السيدة خديجة رضي الله عنها نفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وله من العمر خمس وعشرون سنة عند أكثر العلماء ، ولها من العمر أربعون سنةً . فأرسلت إليه نفيسة بنت منية . كما روى ابن سعد من طريق الواقدي ، عن نفيسة بنت منية قالت : كانت خديجة امرأة حازمة جَلدة شريفة ، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير ، وهي يومئذ أوسط قريش نسباً ، وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالًّ ، وكلً قومها كان حريصاً على نكاحها لو قدر على ذلك ، وقد طلبوها وبذلوا لها الأموال انظر ( المواهب وشرحه ) ، معزواً إلى أبي نعيم والواقدي وابن السكن وانظر ( سيرة ) ابن هشام و( الروض الأنُف )
عدد الصفحات ٣٨٩390 قالت نفيسة: فأرسلتني دسيساً – أي : خفيةً – إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع في عيرها من الشام ، بالتجارات الرابحة . فقلت : يا محمد ما يمنعك أن تتزوج ؟ فقال : ( ما بيدي ما أتزوج به ) . قلت : فإن كُفيتَ ذلك ، ودُعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألّ تجيب ) قال : ( فمن هي ؟ ) . قلتُ : خديجة . قالت نفيسة : فذهبتُ فأخبرتُ خديجة فأرسلت إليه : أنِ ائتِ اهـ . وهكذا تعرض السيدة خديجة نفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة نفيسة لتعلم هل يرضى بها . فلما علمت منه الرضا عرضت نفسها وكلًمته بلً واسطة . كما روى ابن إسحاق ، أن خديجة رضي الله عنها عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا ابن عمً إني رغبتُ فيك ، لقرابتك ووساطتك في قومك ، وأمانتك وحسن خلقك ، وصدق حديثك . وسبب عرض نفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما حدثها به غلًمها ميسرة الذي ذهب معه في سفره للشام ، وما شاهده من الْيات ، وكذلك أيضاً ما شاهدته هي رضي الله عنها من الْيات ، حين أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من السفر ، وهي في غرفة مشرفة . وأيضاً من الأسباب التي حملتها على أن تعرض نفسها : ما ذكره ابن إسحاق في ( المبتدأ ) قال : كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه ، فاجتمعن يوماً فيه ، فجاءهنً يهودي فقال : يا معشر قريش إنه يوشك فيكن نبيً ، فأيتكنً استطاعت أن تكون فراشاً له فلتفعل .
عدد الصفحات ٣٩٠391 فحصبنَه– أي : رمينه بالحصباء والحجارة الصغيرة – وأغلظنَ له بالقول وأغضت خديجة – أي : سكتت – على قوله ، ولم تعرض فيما عرض فيه النساء – أي : لم تشترك مع أولئك النساء فيما تعرًضنَ له من مقابلة اليهودي بالإغلًظ – ووقر ذلك في نفسها ، فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الْيات ، وما رأته هي ، قالت : إن كان ما قال اليهودي حقاً فما ذاك – النبيُّ - إلّ هذا . اهـ1 ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لأعمامه، فأقرًوا له ذلك ، ورضوها زوجة له صلى الله عليه وسلم . خطبتُها من أهلها : خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عمه أبو طالب 2 وعمه حمزة ، حتى دخلوا على أبي خديجة: خويلد بن أسد ، وحضر المجلسَ رؤساءُ مضر ، فخطب فيهم أبو طالب وقال : الحمد للَّ الذي جعلنا من ذرية إبراهيم ، وزرع إسماعيل وضِئضئ3 معدً. وجعلنا حضَنَة بيته 4 ، وسُوًاس حرمه5 وجعل لنا بيتاً محجوناً ، وحرماً آمناً ، وجعلنا الحكًام على الناس ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله ، لّ يُوزن برجل إلّ رجح به شرفاً ونُبلًً ، وفضلًً وعقلًً ، فإن كان في المال قِل : فإن المال ظل زائل أو حائل ، وعارية مسترجعة ، ومحمد بين من قد عرفتم قرابته ، وقد خطب إليكم راغباً كريمتكم انظر جميع ذلك في ( المواهب وشرحها ) للزرقاني : وانظر بعضه في ( سيرة ) ابن هشام كما نقله السهيلي ، وعند ابن إسحاق أن الذاهب للخطبة هو حمزة . قال في (النور ) : فلعلهما خرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، والذي خطب خطبة النكاح هو أبو طالب ، لأنه أسن من حمزة اهـ من ( شرح ) الزرقاني الضئضئ : هو الأصل 4 حضنة البيت: الكافلون له ، القائمون بخدمته سواس حرمه : هم المتولون أمر الحرم
عدد الصفحات ٣٩١392 خديجة ، وقد بذل لها من الصداق ماحكم عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ذهباً ونشًاً – أي : نصفاً 1 - . وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم اهـ. فزوًجها أبوها ، وقيل زوًجها عمها عمرو بن أسد ، وقيل أخوها عمرو بن خويلد ، فولدت له صلى الله عليه وسلم جميع أولّده الكرام ، إلّ إبراهيم فإنه من مارية القبطية أولّده الكرام : وأولّده الكرام عليه الصلًة والسلًم : قد اختُلف في عددهم ، والأصح – كما قال القسطلًني وغيره – أنهم سبعة : ثلًثة ذكور : القاسم ، وعبد الله ويُلقًب بالطيب والطاهر 2 ، وإبراهيم. وأربع بنات : السيدة زينب وهي أكبرهنً ، والسيدة رُقيًة ، والسيدة أم كلثوم ، والسيدة فاطمة الزهراء البتول – على أبيهن وعليهن الصلًة والسلًم . وكلهن أدركن الإسلًم ، واجتمعن معه في المدينة بعد الهجرة . والسيدة زينب أكبر بناته صلى الله عليه وسلم والخلًف فيها وفي القاسم : أيُّهما وُلد أولًّ . والسيدة فاطمة الزهراء أحبُّ أهله إليه . وقال المحب الطبري : إن المصطفى صلى الله عليه وسلم أصدق خديجة عشرين بكرة أي : ناقة فتية ، قال الزرقاني : ولا تضاد بين هذا وبين ما يقال أبو طالب أصدقها – أي بما ذكره في خطبة النكاح – لجواز أنه صلى الله عليه وسلم زاد في صداقها ، فكان الكل صداقاً اهـ وقيل : إن هناك ولداً له صلى الله عليه وسلم يقال له الطيب والطاهر ، وهو غير ولده عبد الله ، وقيل : بل إن الطيب ولد آخر غير الولد الملقب بالطاهر
عدد الصفحات ٣٩٢393 فقد روى الترمذي وحسًنه ، والحاكم ، عن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أحبُّ أهلي إليً فاطمة ) . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت أحداً أشبه سَمتاً ودلًًّ ، وهَدياً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامها وقعودها ، من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت عائشة رضي الله عنها : وكانت فاطمة رضي الله عنها إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليها ، فقبًلها وأجلسها في مجلسه . وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت له فقبًلته ، وأجلسته في مجلسها . فلما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أتت فاطمة فأكبت عليه ، فقبًلته ثم رفعت رأسها فبكت ، ثم أكبت عليه ، ثم رفعت رأسها فضحكت . فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلتُ لها : رأيتُ حين أكببتِ على النبي صلى الله عليه وسلم ورفعتِ رأسك فبكيتِ ، ثم أكببتِ عليه فرفعتِ رأسكِ فضحكتِ ، ما حملك على ذلك ؟ فقالت : أخبرني أنه صلى الله عليه وسلم ميًت من وجعه هذا فبكيتُ ، ثم أخبرني أني أسرع أهله لحوقاً به ، فذلك حين ضحكتُ . أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي وقال الترمذي : حسن غريب 1 وروى الإمام أحمد عن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر : آخرُ عهده إتيان فاطمة ، وأوًل من يدخل عليه إذا قدم – من سفره – فاطمة رضي الله عنها . وروى الحافظ أبو عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من غزوٍ أو سفرٍ بدأ بالمسجد فصلًى فيه ركعتين ، ثم أتى فاطمة ، ثم أتى أزواجه . انظر ( شرح المرقاة على المشكاة )
عدد الصفحات ٣٩٣394 وقد بشًرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها سيدة نساء أهل الجنة. وفي رواية : سيًدة نساء العالمين . كما جاء في ( الصحيحين ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشيةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( مرحباً بابنتي ) ثم أجلسها عن يمينه ، ثم أسرً إليها حديثاً ، فبكت ، ثم أسرً إليها حديثاً ، فضحكت . فقلتُ : ما رأيتُ كاليوم أقربَ فرحاً من حزن ؟ قالت عائشة : فسألتُها عمً ا قال صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : ما كنتُ لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سرًه . فلما قُبض صلى الله عليه وسلم سألتُها ، فأخبرتني أنه قال : ( إن جبريل كان يُعارضني بالقرآن كلً سنةٍ مرةً ، وإنه عارضني العامَ مرتين ، وما أراه إلّ قد حضر أجلي ، وإنك أوً لُ أهل بيتي لحوقاً بي ، ونعم السلفُ أنا لكِ ) . قلت : فبكيتُ . فقال صلى الله عليه وسلم : ( ألّ ترضينَ أن تكوني سيدةَ نساء العالمين ) ؟ وفي رواية لهما : ( سيدة نساء أهل الجنة ) . وعند أحمد : ( ألّ ترضينَ أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين )؟ قالت : فضحكتُ لذلك ) . وروى النسائي والحاكم بسند جيد ، عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( هذا ملَك من الملًئكة استأذن ربًه ليسلًم عليً ، وبشًرني أن حسناً وحسيناً سيدا شباب أهل الجنة ، وأمًهما سيًدة نساء أهل الجنة ) 1 . انظر( شرح الزرقاني ) :
عدد الصفحات ٣٩٤395 بعثته صلى الله عليه وسلم وبدء نبوّته إن الله تعالى بعث سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسولًّ للعالمين ، على تمام أربعين سنة من عمره الشريف ، كما جاء ذلك في ( الصحيحين ) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة ، فمكث بمكة ثلًثَ عشرة سنة يوحى إليه ، ثم أمر بالهجرة ، فهاجر عشر سنين ، وتوفي وهو ابن ثلًث وستين سنة ) وعلى ذلك الجمهور . وقال الإمام السُّهيلي : هو الصحيح عند أهل السًير والعلم بالأثر . وقال الإمام النووي : هو الصواب اهـ . وتمام الأربعين إنما هو في شهر ربيع الأول ، وكان ذلك يوم الّثنين ، كما روى مسلم عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الّثنين ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( ذلك يوم ولدتُ فيه ، ويوم بُعثت فيه ) . وقال بعض العلماء : كان ذلك في شهر رمضان ، وذلك لأن بدء نزول القرآن كان في شهر رمضان ، قال الله تعالى : ( شهرُ رمضان الذي أنزل فيه القرآن .. ) الْية ، وكان ذلك في ليلة القدر من شهر رمضان ، كما دل عليه قوله تعالى : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) فيكون بدء نبوته صلى الله عليه وسلم على تمام أربعين سنة وستةِ أشهر . وقد جمع المحققون بين القولين – كما ذكره الزرقاني وغيره – بأنه صلى الله عليه وسلم نبًئ بالرؤيا – أي : بدأ الوحي إليه صلى الله عليه وسلم عن طريق الرؤيا – في شهر ربيع الأول على تمام أربعين سنة ، ثم أتاه جبريل عليه السلًم في رمضان . قال الحافظ الزرقاني : وحمل عليه بعضهم – حديث – ( الرؤيا جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوة ) لأن مدة الوحي كانت ثلًثاً وعشرين سنة ، فيها ستة أشهر منه ، وذلك جزء من ستة وأربعين اهـ .
عدد الصفحات ٣٩٥396 وقد روى الشيخان– واللفظ للبخاري – عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت : ( أوًل ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي : الرؤيا الصادقة في النوم . وفي رواية لهما : الرؤيا الصالحة1 ، فكان لّ يرى رؤيا إلّ جاءت مثل فلقِ الصبح . ثم حُبًب إليه 2 الخلًء ، وكان يخلو بغار حِراء ، فيتحنًث فيه3 - وهو التعبُّد – اللياليَ ذواتِ العدد 4 قبل أن ينزع إلى أهله ، ويتزوًد لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوًد لمثلها 5 ، حتى جاءهُ الحق6 وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال له : اقرأ 1 . قال الحافظ الزرقاني: الرؤيا الصادقة :هي التي لا كذب فيها ، أولا تحتاج لتعبير ، أو هي ما يقع بعينه – أي : كما رؤيت – أو ما يعبر في المنام اهـ وأما الرؤيا الصالحة : فهي أخص من الصادقة ، وهي ما تأتي بالبشرى – كما في ( شرح ) القسطلاني على البخاري . أي : ثم إن الله تعالى حبب إليه الخلاء – أي : الخلوة – قال الخطابي : وذلك لأن الخلوة فراغ القلب ، وهي معينة على التفكر ، وبها ينقطع الإنسان عن مألوفات البشر ، ويجتمع قلبه ، ويجمع هم ه اهـ وفي قولها : ( ثم حبب إليه الخلاء ) دليل على أن حبه للخلوة إنما هو بتحبيب من الله تعالى ، وليس ذلك عن أمر نفساني ، بل عن وحي إلهامي ، كما نبه على ذلك في ( الفتح ) التحنث : هو البعد عن الحنث ، وهو الإثم الذي كان عليه المشركون ، وذلك بالتعبد ، لأن التعبد سبب لإزالة الإثم . 4 هذا العدد المبهم وضحته رواية( الصحيحين ) عن جابر : أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( جاورت بحراء شهراً ) وفي رواية ابن إسحاق عينت ذلك الشهر الذي كان يخلو فيه صلى الله عليه وسلم ، وهو أنه شهر رمضان . وقد ذكر ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى حراء في كل عام شهراً ، وذلك الشهر هو رمضان قال الزرقاني : فكان صلى الله عليه وسلم يتزود لبعض ليالي الشهر ، فإذا نفد الزاد رجع إلى أهله ، فيتزود قدر ذلك . قال : وفيه أن الانقطاع الدائم عن الأهل ليس من السنة ، لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينقطع بالغار بالكلية ، بل كان يرجع إلى أهله ، لضروراتهم ، ثم يرجع لتحنثه . أي : الأمر الحق ، وهو الوحي ، وسمي حقاً : لمجيئه من عند الله
عدد الصفحات ٣٩٦397 قال: ( ما أنا بقارئ 2 )– قال: ( فأخذني فغطًني – وفي رواية الطبراني : فضمًني 3 - حتى بلغ مني الجَهد ، ثم أرسلني. فقال : اقرأ . قلت : ما أنا بقارئ – فأخذني فغطني الثالثة ، ثم أرسلني . فقال : ( اقرأ باسم ربكَ الذي خلق . خلق الإنسان من علَق . اقرأ وربُّك الأكرم . الذي علًم بالقلم . علًم الإنسان ما لم يعلم )) . فقال له الملك وهو جبريل اتفاقاً : اقرأ قال الحافظ الزرقاني : هذا الأمر لمجرد التنبيه والتيقظ لما سيلقي عليه – أي : ليتوجه إلى ما سيلقي عليه ثم يقرأ – أو على بابه من الطلب – أي : طلب منه القراءة – قال : فهو دليل على تكليف ما لا يطاق في الحال ، وإن قدر عليه بعد اهـ جاء في رواية ( قلت ) وفي رواية ( فقلت : ما أنا بقارئ ) قال الحافظ في ( الفتح ) : ( ما ) فيه – أي : في قوله : ( ما أنا بقارئ ) – نافية ، إذ لو كانت استفهامية لم يصلح دخولها على الباء ، وإن حكي عن الأخفش جوازه ، فهو شاذ ، والباء – في : بقارئ – زائدة لتأكيد النفي ، أي : ما أحسن القراءة فلما قال ذلك ثلاثاً قيل له : ( اقرأ باسم ربك ) – أي : لا تقرؤه بقوتك ولا بمعرفتك ، لكن بحول ربك وإعانته ، فهو يعلمك كما خلقك وكما نزع عنك علق الدم ، ومضمر الشيطان في الصغر ، وعلم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمية – ذكره السهيلي اهـ قال الزرقاني : وقيل : ( ما ) استفهامية ، وضعفه عياض وابن قرقول بدخول الباء في خبرها ، وهي لا تدخل على ما الاستفهامية قال : وأجيب بأن رواية أبي الأسود ، عن عروة : ( كيف أقرأ ) ؟ وابن إسحاق : عن عبيد بن عمير : ( ماذا أقرأ ) ؟ دلتا على أنها استفهامية ، وقد جوز الأخفش دخول الباء على الخبر المثبت ، وجزم به ابن مالك في – قولك : - بحسبك زيد ، فجعل الخبر حسبك ، والباء زائدة اهـ ومعنى غطني : ضمني وهذه الضمات فيها إفاضات وإفراغات أسرار وأنوار إلهية ، وعلوم ومعارف ربانية ، نزل بها جبريل عليه السلام من لدن حكيم عليم ، على وجه يعم النفس والقلب والروح . وقد قال ابن عباس : ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صدره الشريف صلى الله عليه وسلم وقال : ( اللهم علمه الكتاب ) وبذلك فتح على ابن عباس وأفيض عليه
عدد الصفحات ٣٩٧398 فرجع بها رسول الله صلى عليه وسلم يرجُف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : ( زمًلوني زمًلوني ) فزمً لوه حتى ذهب عنه الرًوع ، فقال لخديجة – وأخبرها الخبر - : ( لقد خشيتُ على نفسي ) 1 فقالت له خديجة: كلًً – والله – ما يُخزيك الله أبداً ، إنك لتصِلُ الرحم ، وتصدُق الحديثَ ، وتحمِل الكلً 2 ، وتُقري الضيفَ ، وتُعين على نوائب الحق 3 . فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقَة بن نوفل بنِ أسد ، ابن عمً خديجة ، وكان امرءاً تنصًر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب . - وفي رواية لمسلم : فكان يكتب الكتاب العربي . وفي رواية : ويكتب من الإنجيل بالعربية 4 - وكان شيخاً كبيراً قد عمي. فقالت له خديجة : يا ابنَ عم ! اسمع من ابن أخيك . فقال له ورقة : يا ابن أخي ! ماذا ترى ؟ أي : لقد خشيت على نفسي أن لا يتحمل جسمي ثقل الوحي ، وذلك لأن للوحي ثقلاً لا تقدر له الأقوياء ، إلا من أمده الله بمدد النبوة وقوتها ، وخصوصاً الوحي المحمدي ، فإنه من أعلى المراتب – قال الله تعالى : ( إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ) وروى البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( إن كان ليوحى إلى ىرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته فتضرب بجرانها من ثقل ما يوحى إليه ، وقد نزل عليه الوحي يوماً وهو على ناقته ، فقعدت به الناقة ) . أي : الضعيف الذي لا يستقل بأمره أي : تعين على دفع الحوادث والكوارث الجارية على الخلق ، بتقدير الحق ، وقيل : النوائب جمع نائبة ، وهي الحادثة ، وإنما أضيفت إلى الحق ، لأن النائبة قد تكون في الخير وقد تكون في الشر اهـ ( مرقاة ) . 4 قال الحافظ: والجميع صحيح ، لأن ورقة تعلم اللسان العبراني ، والكتابة العبرانية ، فكان يكتب الكتاب العبراني ، كما كان يكتب الكتاب العربي ، لتمكنه من الكتابين واللسانين . اهـ أ
عدد الصفحات ٣٩٨399 فأخبره صلىالله عليه وسلم خبرَ ما رأى . فقال له ورقة : هذا الناموس 1 الذي نزهل الله على موسى ، يا ليتني فيها جَذَعاً! ليتني أكونُ حيًاً إذ يخرجك قومك ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أوَ مخرجيً هم ؟ ) . قال : نعم ، لم يأتِ رجل قطُّ بمثل ما جئت به إلّ عودي ، وإن يُدركني يومك أنصرك نصراً مؤزًراً . ثم لن ينشَب – أي : لم يلبث – ورقة أن توفي . وفتر الوحي : أي انقطع الوحي مدة من الزمن ، مقدرة بسنتين ونصف ، وقيل ثلًث سنوات . ثم أنزل الله تعالى عليه بعد فترة الوحي أوائل سورة المدثر . كما جاء في ( الصحيحين ) عن جابر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( جاورتُ 2 بحراء شهراً3 فلما قضيت جواري هبطت ، فنوديت ، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئاً ، ونظرتُ عن شمالي فلم أرَ شيئاً ، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئاً ، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً – أي : جبريل – فلم أثبت له ) . وفي رواية : ( فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء ، جالس على كرسيً بين السماء والأرض ، فرعبت منه – فرجعت ) . الناموس : صاحب السر – والمراد به جبريل عليه السلام ، لأنه صاحب سر وحي الله تعالى إلى رسله وأنبيائه ، ويسمى الناموس الأكبر . أي : أقام فيه – والفرق بين الجوار والاعتكاف – كما قال ابن عبد البر وغيره - : أن الاعتكاف لا يكون إلا داخل المسجد ، وأما الجوار فإنه قد يكون خارجه ، وذلك لم يسمه صلى الله عليه وسلم اعتكافاً ، لأن حراء ليس من المسجد . أي : في مدة الفترة ، غير الشهر الذي نزل عليه فيه جبريل بأوائل سورة اقرأ ، ففي مرسل عبيد بن عمير عند البيهقي ، أنه كان يجاور في كل سنة شهراً ، وهو رمضان . اهـ
عدد الصفحات ٣٩٩400 وفي رواية: ( فجئت – إلى أهلي ، فقلت : زمًلوني زملوني – فأنزل الله تعالى : ( يا أيها المدثًر . قم فأنذر . وربك فكبر . وثيابك فطهًر . والرُّجز فاهجر )) فقام صلى الله عليه وسلم ينذر الناس ويدعوهم إلى الله تعالى . وقد جرت عادة الله تعالى مع حبيبه الأكرم صلى الله عليه وسلم أنه يناديه في القرآن الكريم بالصفات الكريمة التي تؤذن بالرتبة العظيمة : كقوله تعالى : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً .. ) الْية . وقوله تعالى : ( يا أيها الرسول لّ يحزُنك الذين يسارعون في الكفر .. ) الْية كما أنه سبحانه يناديه بالصفات المشتقة من الحال التي هو عليها ، تلطيفاً وتأنيساً له صلى الله عليه وسلم : ومن ذلك قوله تعالى : ( يا أيها المزمًل ) وقوله : ( يا أيها المدثر ) – وفي ذلك إعلًن بفضل هذا الرسول الكريم على سائر العالمين صلى الله عليه وسلم . ولم يناده باسمه ، كما نادى الأنبياء والرسل بأسمائهم ، حيث قال سبحانه : ( قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم .. ) الْية . وقال تعالى : ( قلنا يا نوح اهبِط بسلًمٍ منا .. ) الْية . وقال تعالى : ( يا إبراهيمُ أعرِض عن هذا .. ) الْية . وقال تعالى : ( يا موسى لّ تَخف .. ) الْية . وقال تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليً .. ) الْية . حفظ الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم من شر القرين الجني روى الإمام مسلم وأحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما منكم من أحد إلّ وقد وكًل به قرينه من الجنً ، وقرينه من الملًئكة ) .
عدد الصفحات ٤٠٠