المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شمائله الحميدة ، خصاله المجيدة

عبد الله سراج الدين

صفحة ٢٤ من ٣١

369 فنشأ صلى الله عليه وسلم في إيواء الله تعالى وكلاءته وحفظه ورعايته ، يُنبته الله تعالى نباتاً حسناً ، لما يريد به من كرامته ، ورفعة مكانته صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة . ولما بلغ صلى الله عليه وسلم ست 1 سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب بالأبواء ، بين مكة والمدينة ، وقيل : بشعب أبي ذئب بالحجون – جبل بمعلاة مكة 2 - روى ابن سعد عن ابن عباس ،وعن الزهري ، عن عاصم بن عمرو بن قتادة ، دخل حديث بعضهم في حديث بعضهم ، قالوا 3 :لما بلغ رسول صلى الله عليه وسلم ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم ، ومعه أم أيمن ، فنزلت به دار التبايعة ، فأقامت به عندهم شهراً – فكان صلى الله عليه وسلم يذكر أموراً كانت في مُقامه ذلك . ونظر صلى الله عليه وسلم إلى الدار وهو بالمدينة بعد الهجرة ، فقال : ( ها هنا نزلت بي أمي ، وأحسنتُ العَوم – اي : السباحة – في بئر بني عدي بن النجار ، وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إلي ، قالت أم أيمن : فسمعت أحدهم يقول : هو نبي هذه الأمة ، وهذه – المدينة – دار هجرته ، فوعيتُ ذلك كل ه من كلامهم ) ثم رجعت به أمه إلى مكة ، فلما كانت بالأبواء توفيت اهـ . وفي رواية أبي نعيم ، قال صلى الله عليه وسلم : ( فنظر إلي رجل من اليهود ، فقال : يا غلام ما اسمكَ ؟ قلت : أحمد . على أرجح الأقوال ، وقيل : أربع سنين ، وقيل أكثر انظر ( شرح المواهب ) قال الزرقاني : أرسله الثلاثة إلا أن مرسل ابن عباس في حكم الموصول ، لأنه مرسل صحابي اهـ

عدد الصفحات ٣٦٩

370 ونظر إلى ظهري فأسمعُه يقول: هذا نبي هذه الأم ة ، ثم راح إلى إخوانه من اليهود فأخبرهم ، فأخبروا أمي فخافت علي ، فخرجنا من المدينة .. )1 الحديث. فكانت أم أيمن – واسمها بركة الحبشية – هي حاضنةً للنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أمه ، وهي التي أعتقها أبو المصطفى ، وقيل : بل هو صلى الله عليه وسلم أعتقها ، وقد أسلمت ، وهاجرت الهجرتين ، ومناقبها كثيرة رضي الله عنها . قال ابن أم حنتمة : وكان صلى الله عليه وسلم يقول : ( أمُّ أيمن : أمي بعد أمي ) . وقال الحافظ في ( الإصابة ) : قال ابن سعد : أخبرنا أبو أمامة ، عن جرير بن حازم ، قال سمعت عثمان بن القاسم يحد ث ، قال : لما هاجرت أم أيمن – إلى المدينة – أمست بالمنصَرَف دون الر وحاء – اي : أقبل عليها المساء وهي في موضع بين الحرمين – فعطشت وليس معها ماء وهي صائمة ، فأجهدها العطش ، فدُ ل ي عليها من السماء دلو من ماء برِشاء أبيض ، فأخذته فشربته حتى رويت ، فكانت تقول : ما أصابني بعد ذلك عطش ، ولقد تعر ضتُ للصوم في الهواجر ، فما عطشت بعد تلك الشربة . وفي رواية ابن السكن : خرجت أم أيمن مهاجرةً من مكة إلى المدينة ، وهي ماشية ليس معها زاد ، قالت : فلما غابت الشمس ، إذا إناء معل ق عند رأسي ، قالت : ولقد كنت بعد ذلك أصوم في اليوم الحار ، ثم أطوف في الشمس كي أعطش ، فما عطشت بعد اهـ قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب – بعد وفاة أمه – فكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة ، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك ، حتى يخرج إليهم ، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي حتى يجلس عليه ، انظر ( البداية ) : 1 ، و( المواهب وشرحها )

عدد الصفحات ٣٧٠

371 فيأخذه أعمامه ليؤخ روه عنه ، فيقول لهم عبد المطلب: دعوا ابني ، فو الله إن له لشأناً ، ثم يُجلسه معه على فراشه ، ويمسح ظهره بيده ، ويسرُّه ما يراه يصنع صلى الله عليه وسلم 1 اهـ. فلما حضرت عبدَ المطلب الوفاةُ أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياطته ، وتوفي عبد المطلب وقد بلغ صلى الله عليه وسلم ثمان سنين . فكان أبو طالب يحوط رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكرمه ، وقد أسند الواقدي وغيره عن ابن عباس قال : كان أبو طالب يُحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً شديداً لا يحبه ولده ، وكان لا ينام إلا إلى جنبه ، ويخرج فيخرج معه ، وصُب به أبو طالب صَبابة لم يصب مثلها بشيء قط . قال : وكان أبو طالب يخص ه بالطعام ، وكان إذا أكل عيال أبي طالب جميعاً أو فرادى لم يشبعوا ، وإذا أكل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شبعوا ، فكان – أبو طالب – إذا أراد أن يغذ يهم قال – أبو طالب - : كما أنتم – أي : لا تأكلوا – حتى يأتي ولدي محمد ، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم ، فكانوا يُفضِلون من طعامهم . وإذا كان لبناً شرب أولَهم ثم يشربون فيروون كلُّهم من قعب – إناءٍ – واحد ، فيقول أبو طالب : إنك – يا محمد – لمبارك . وروى أبو نعيم وابن إسحاق وغيرهما ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان بنو أبي طالب يُصبحون رُمصاً شُعثاً ، ويصبح محمد صلى الله عليه وسلم صَقيلاً ، دهيناً ، كحيلاً ، وكان أبو طالب يحبه حباً شديداً اهـ 2 وهكذا نشأ صلى الله عليه وسلم في بيت عزٍ وشرفٍ ، عزيزاً مكرماً ، معظ ماً ، محفوفاً بعناية الله تعالى ، ومطي باً بعنايته سبحانه . انظر ( البداية ) : انظر جميع ذلك في ( البداية ) : و ( شرح المواهب ) : 1

عدد الصفحات ٣٧١

372 وقد ذكر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم نعمته عليه ، وإيواءه ، وعنايته به منذ صغره في جملة صنوف الإفضال والإكرام ، الذي امتن الله تعالى به عليه . فقال سبحانه : (وَالضُّحَى وَاللهيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدهعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْْخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُْولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًًّ فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًً فَأَغْنَى فَأَمها الْيَتِيمَ فَلًَ تَقْهَرْ وَأَمها السهائِلَ فَلًَ تَنْهَ رْ وَأَمها بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ). فإنه سبحانه ذكر في هذه السورة وجوهاً من عنايته برسوله صلى الله عليه وسلم وتول يه إياه في جميع أموره ، وتعه ده إياه ، وحسن تربيته ، ومواصلة بر ه صلى الله عليه وسلم وإكرامه ، أبدَ الآباد بلا انقطاع ولا نفاد . فأقسم سبحانه بالضحى الذي يسطع فيه نور الشمس ، وينتشر فيه ضياؤها وبهاؤها ، وبالليل إذا سجى ، أي : إذا أظلم وامتد سواده ، وفي ذلك تنبيه لكل ذي بصر إلى الفرق الكبير بينهما ، أي : بين رونق الضحى وضيائه ، وبين ظلام الليل وسواده ، فهذا هو القسَم ، والمقسَمُ عليه : هو عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم وإكرامه إي اه ، وإفضاله عليه ، وذلك كله يتضم ن تصديقه سبحانه وتأييده ، وشهادته سيدنا محمداً هو رسول الله حقاً . ووجه المناسبة بين القسَم والمقسَم عليه : هو تنبيه العقلاء إلى الفرق الكبير بين ما كان عليه الناس في الجاهلية الجهلاء ، والضلالة الظلماء ، وبين النور الساطع والضياء اللامع ، الذي جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وأن ذلك لا يخفى على كل ذي عقل وروي ة ، كما لا يخفى على ذوي الأبصار الحس ية الفرقُ بين الضحى وبين الليل إذا سجى . وكما وأن رحمته سبحانه اقتضت أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمداً ، بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم ، فكذلك اقتضت رحمته وحكمته أن لا يترك عباده في ظلمة الجهل وتِيه الغي والضلال ، بل يهديهم

عدد الصفحات ٣٧٢

373 بأنوار النبوة والرسالة المحمدية ، إلى ما فيه صلاح دنياهم وأخراهم ، وإلى ما فيه سعادتهم في الأولى والآخرة . قال تعالى : (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللههِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللههُ مَنِ اتهبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السهلًَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ثم قال سبحانه : ( ما ود عك ربك وما قلى ) فنفى سبحانه أن يكون ود ع نبيه وحبيبه ، أي : تركه ، ونفى أن يكون قلاه ، أي : أبغضه ، فإنه سبحانه كيف يتركه وقد عناه بعنايته الخاصة منذ بدء الأمر ، وكيف يَقليه – أي : كيف يُبغضه – وقد اتخذه حبيبه فهو صلى الله عليه وسلم غيرُ متروك ولا مَقلي ، بل هو في عناية الله تعالى ، كما قال : ( فإنك بأعيُننا ) وهو صلى الله عليه وسلم حبيب الله الأكرم ، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الدارمي وأحمد والترمذي : ( ألا وأنا حبيبُ الله ولا فخرَ ) . ثم قال سبحانه : ( وللآخرةُ خيرٌ لك من الأولى ) وفي هذا تعميم لجميع أحواله صلى الله عليه وسلم ، وأنه في الترقي الدائم ، وأن كل حالة يرقى لها ، هي خير له من الحال التي قبلها أبداً واستمراراً ، كما أن الدار الآخرة خير له صلى الله عليه وسلم مما قبلها ثم قال سبحانه : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) وفي هذا وعد محت م من الله تعالى ، بما تقرُّ به عينه صلى الله عليه وسلم ، وتفرح به نفسه ، أن يُعطيَه حتى يرضى ، وفي ذلك من الفضل الكبير ، والخير الكثير ما لا يعلمه إلا الله تعالى . ويدخل في جملة ذلك العطاءِ الإلهي : كثرةُ أتباعه فوق أتباع كل نبي ، ودخول الناس في دينه أفواجاً ، ورفع ذكره ، وإعلاء كلمته ، والنصر على أعدائه بإلقاء الرعب في قلوبهم ، وإظهار دينه على الأديان ، وظهور سلطانه وسطوع برهانه ، وإعطاؤه الحوض والكوثر والمقام المحمود ، وما في ذلك من الشفاعة العظمى والشفاعات الخاصة ،ومقام الوسيلة والفضيلة ، إلى ما

عدد الصفحات ٣٧٣

374 هنالك مما أعد الله تعالى له في الدار الآخرة من المقامات العالية ، والمرتبة الزلفى ، مما لا يحيط بعلمه إلا الله تعالى . ثم ذكر سبحانه عنايته بحبيبه صلى الله عليه وسلم منذ صغر سن ه ، وتعهُّده إياه ، ورعايته له – تنبيهاً إلى أن الله تعالى الذي تولا ه بعنايته منذ صغره ، وأتحفه بنعمه سبحانه ، سوف يواصل إليه بِر ه وإكرامه ، ويُديم عليه فضله وإنعامه ، ويُحق ق له ما وعده به ، ويحيطه بعنايته ويكلأه برعايته أبد الأبد ، فقال سبحانه : ( ألم يجدك يتيماً فآوى ) ؟ وذلك أن أباه عبد الله توفي وهو صلى الله عليه وسلم حمل في بطن أمه ، وقيل بعد ولادته صلى الله عليه وسلم ، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ستُّ سنين ، ثم جعله سبحانه في كفالة جده عبد المطلب ، إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين ، فكفله عمه أبو طالب ، ثم لم يزل صلى الله عليه وسلم يترب ى وينشأ في عناية من الله تعالى ، مُحاطاً محفوفاً محفوظاً موق راً ، إلى أن أكرمه الله تعالى بالنبوة والرسالة صلى الله عليه وسلم . ( ووجدك ضالاً فهدى ) إعلم أن الضلال قد يُراد منه ضلال المعصية ، وهو الضلال عن الحق والخير والصلاح ، وقد يطلق على غير ذلك من المعاني المختلفة ، حسب المناسبة التي جاء فيها ، كما سيتضح معنا قريباً إن شاء الله تعالى ، فأما الضلال عن الحق والصلاح فهو غير مراد في هذه الآية قطعاً ، لأن الله تعالى نفاه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : (وَالنهجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَله صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ) فنفى سبحانه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الضلالة التي هي ضدُّ الهدى ، والغواية التي هي ضد الرشاد ، ونز هه عن ذلك بعد التأكيد بالقسم ، وذلك يتضمن شهادة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهدى والرشاد في علمه وعمله ، وقاله وحاله صلى الله عليه وسلم ، فهو صلى الله عليه وسلم ليس بضال ، بل هو على هدى وعلمٍ بالحق ، وليس بغاوٍ بل هو راشد في علمه وقصده ، لم يلتفت لشيء سوى الهدى والحق . فإن الضال هو الجاهل الذي يمشي على غير علم ، فلا يهتدي السبيل ، والغاوي هو الذي علم الحق فكتمه وقصد غيره .

عدد الصفحات ٣٧٤

375 فالهدى والرشاد هما أصل الكمال في الإنسان. ولقد امتن الله تعالى على خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه أتاه رُشده من قبل النبوة ، قال تعالى : ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل ، وكنا به عالمين ) فإذا كان الخليل كذلك ، فالحبيب الأكرم أولى وأجدر بذلك ، فإن الله تعالى آتاه رشده من قبل النبوة ، ولذا نبه الله تعالى قومه الذين عاندوه فقال لهم : ( ما ضل صاحبكم ) أي : محمد صلى الله عليه وسلم الذي تربى بينكم ، ونشأ فيكم ، فأنتم أعرف به من غيركم ، لم تعثروا له على ضلالة ولا غواية بل أموره كلها سَداد ورَشاد . فليس الضلال الوارد في قوله تعالى : ( ووجدك ضالاً فهدى ) ليس هو الضلال عن الحق ، والميل إلى الفساد والشر ، فإنه منفي عنه صلى الله عليه وسلم نص اً في قوله تعالى : ( ما ضل صاحبكم وما غوى ) – ولذا قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم تكن له ضلالة معصية . إذاً : فقد يقول القائل : فما المراد بقوله تعالى : ( ووجدك ضالاً فهدى ) ؟ قلنا في الجواب : قد ذكر علماء السلف وجوهاً من المعاني لقوله تعالى : ( ووجدك ضالاً فهدى ) . الوجه الأول : إن معنى قوله تعالى : ( ووجدك ضالاً فهدى ) أي : وجدك غير عالم بالنبوة وعلومها ، والكتاب المبين وما حواه ، فهداك لذلك ، وعل مك جميع ما هنالك ، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى : (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنها أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًًا لَعَلهكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْ قَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ) فليست هذه الغفلة غفلةً مطلقة ، ولّ غفلةَ ضلًلة أو غواية ، وإنما هي عدم دراية بتفاصيل الكتاب وعلومه ، قال تعالى : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَّ الإِْيمَانُ ) الْية – أي : ما كنت تدري بتفاصيل الإيمان العملي وواجباته ، حتى علمناك يا رسول الله صلى الله عليه

عدد الصفحات ٣٧٥

376 وسلم ، قال تعالى: (وَأَنْزَلَ اللههُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلهمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللههِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) . الوجه الثاني : ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما 1 من أنه صلى عليه وسلم لما كان صغيراً عند جده عبد المطلب ، ضلً في شِعاب مكة ، فرآه أبو جهل منصرفاً من أغنامه ، فردًه إلى جدًه عبد المطلب ، وهو متعلق بأستار الكعبة يتضرع إلى الله تعالى أن يردً إليه محمداً صلى الله عليه وسلم 2 . ولذا قال بعضهم: إن إرجاعه صلى الله عليه وسلم إلى جدًه على يد أبي جهل ، فرعون هذه الأمة ، يُشبه إرجاع موسى إلى أمه على يد فرعون . وقيل : ضلً مرة أخرى في شِعاب مكة ، فطلبوه فلم يجدوه ، فطاف عبد المطلب سبعاً ، وتضرًع إلى الله تعالى ، فسمعوا منادياً : يا معشر الناس لّ تضِجًوا ، فإن لمحمدٍ ربًاً لّ يخذله ولّ يضيعه ، وإن محمداً بوادي تهامة ، عند شجرة السًمُر ، فسار عبد المطلب إليه فوجده قائماً تحت الشجرة . فيكون هذا من باب قولهم : ضلً فلًن في طريقه ، إذا سلك غير طريقه المقصودة ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في بيان حقوق الطريق : ( وأن تغيثوا الملهوف ،وأن تهدوا الضالً .. ) الحديث . وهذا القول حول الْية يتناسب مع سياق الْية التي قبلها ، وهي قوله تعالى : ( ألم يجدك يتيماً فآوى ) حيث إنه سبحانه يعدًد نعمَه على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعنايته به منذ حداثة سنه إلى ما وراء ذلك . رواه عنه البيهقي وابن عساكر وابن إسحاق ، كما في ( شرح ) الزرقاني وغيره انظر هذا القول في ( تفسير ) الرازي ، و ( تفسير ) ابن كثير ، و( المواهب ) للقسطلاني ، وغيرها

عدد الصفحات ٣٧٦

377 الوجه الثالث: أن قوله تعالى : ( ووجدك ضالًّ فهدى ) يشير إلى الحالة التي مرت عليه صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ، وهي همُّه بالسًمر ، كما يسمُر الشباب ، فحفظه الله تعالى من ذلك وألقى عليه النوم 1 . فعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين ، كلُّ ذلك يحول الله بيني وبين ذلك ، ثم ما هممتُ بعدها بشيء حتى أكرمني الله برسالته ) . قال الحافظ الهيثمي : رواه البزار ، ورجاله ثقات . اهـ وسيأتي هذا الحديث قريباً مفصلًً . في بحث : حفظه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة من الباطل . الوجه الرابع : أن معنى قوله تعالى : ( ووجدك ضالًّ فهدى ) أي : وجدك هائماً في محبته تعالى ، فهداك إلى نبوًته ورسالته ، فهو ضلًل الهيام والّستغراق في المحبة الإلهية . وقد أخبر الله تعالى عن أولّد يعقوب على نبينا وعليه الصلًة والسلًم ، حين قالوا لأبيهم : ( قالوا : تاللَّ إنك لفي ضلًلك القديم ) فإنهم أرادوا بضلًله : هُيامه في يوسف ، وشغفه به ، ولم يريدوا بذلك ضلًل الإثم والمعصية قطعاً ، لأن السياق ينفي ذلك ، ولأنهم لو أرادوا بذلك ضلًل المعصية أو الإثم لكفروا ، لأنه طعن في يعقوب – الذي هو نبيُّ الله ورسوله – بالفسق والمعصية وذلك يوجب الكفر . وهناك أجوبة أخرى عن معنى آية : ( ووجدك ضالًّ فهدى ) مذكورة في التفاسير ، و( شرح المواهب ) و ( شرح الشفا ) . وهذا القول عزاه القسطلاني إلى أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ، وذكره القاضي عياض في ( الشفا ) وانظره في ( شرح ) القاري والخفاجي .

عدد الصفحات ٣٧٧

378 وأما قوله تعالى: ( ووجدك عائلًً فأغنى ) فالمعنى : وجدك ذا عَيلة – أي : إقلًل – أو ذا عِيال ، فأغناك ربك عمن سواه ، وفتح عليك أبواب الرزق والخير الكثير . قال الإمام القسطلًني في ( المواهب ) : قال الحليمي في ( شُعب الإيمان ) : من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم أن لّ يوصَف بما هو عند الناس من أوصاف الضًعَة – أي : النقص – فلً يقال : كان فقيراً اهـ . لأنه يوهم النقص ، وأنه فقير قهراً لّ اختياراً . قال القسطلًني : وقد ذكر القاضي عياض في ( الشفا ) ، ونقله عنه الشيخ تقي الدين السبكي في كتاب : ( السيف المسلول ) ، أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل حاتم المتفقًه الطليطلي وصَلبه ، لّستخفافه بحقً النبي صلى الله عليه وسلم وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم ، وزعمه أن زهده صلى الله عليه وسلم لم يكن قصداً ، ولو قدر على الطيبات أكلها اهـ ، قال الشارح الزرقاني : وكلُّ واحدة من – هذه – الثلًث كافية في القتل بلً استتابة عند مالك رحمه الله تعالى اهـ . ونقل القسطلًني ، عن الشيخ تقي الدين السبكي ، أنه كان يقول : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فقيراً من المال قطً ولّ حاله حال فقير ، بل كان صلى الله عليه وسلم أغنى الناس ، فقد كفى أمر دنياه في نفسه وعياله . وكان الشيخ السبكي رحمه الله يقول في الحديث الذي رواه ابن ماجه والترمذي وغيرهما : ( اللهم أحيني مسكيناً ، وتوفني مسكيناً ، واحشُرني في زمرة المساكين ) : المراد به استكانة القلب . قال الزرقاني : أي : تواضع القلب وانكساره إلى الله تعالى ، لّ المسكنة التي هي أن لّ يجد ما يقع موقعاً من كفايته . وكان يشدًد النكير على من يعتقد خلًف ذلك . اهـ .

عدد الصفحات ٣٧٨

379 قال الزرقاني: وهو حسن نفيس . وحاصله أن المنفي سؤال مسكنة ترجع إلى القلة وعدم الكفاية اهـ . وقد سبق إلى ذلك الإمام البيهقي حيث قال : إنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل مسكنة ترجع إلى القلة ، بل إلى الإخبات والتواضع . قال العلًمة الزرقاني : ونحوه قول الغزالي رضي الله عنه : استعاذته صلى الله عليه وسلم من الفقر ، لّ تنافي المسكنة ، لأن الفقر بين معنيين : الأول : الّفتقار إلى الله تعالى ، والّعتراف بالذلً والمسكنة له . والثاني : فقر الّضطرار ، وهو فَقد المال المضطًر إليه ، كجائعٍ فقد الخبز ، فهذا الذي استعاذ منه صلى الله عليه وسلم ، والأول – أي : الّفتقار إلى الله تعالى – هو الذي سأله صلى الله عليه وسلم 1 اهـ. قال عبد الله : وكيف يكون صلى الله عليه وسلم فقيراً فقرَ اضطرارٍ وفقدَ مالٍ ، والحال قد عرض الله تعالى عليه أن يجعل له بطحاء مكة ذهباً فأبى ذلك ؟! وقد خيًره بين أن يكون نبياً ملِكاً ، أو نبياً عبداً ، فقال : ( بل نبياً عبداً ) . فعن أبي أمامة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عرَض عليً ربي ليجعل لي بطحاءَ مكة ذهباً . قلت : لّ يا ربً ، ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً ، فإذا جِعتُ تضرًعت إليك وذكرتك ، وإذا شبعتُ شكرتك وحمدتك ) . رواه الترمذي وقال حديث حسن ، ورواه الإمام أحمد . وتقدم في بحث تواضعه صلى الله عليه وسلم حديث الطبراني بإسناد حسن ، عن ابن عباس وفيه : ( فأتاه إسرافيل فقال : إن الله قد سمع ما ذكرتَ فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض ، وأمرني أن أعرِض عليك أسيًرُ معك جبال تِهامة زمرًداً وياقوتاً ، وذهباً وفضةً ، فإن رضيتَ فعلتُ – فإن شئتَ نبياً ملكاً انظر جميع تلك النقول في ( المواهب وشرحها ) للزرقاني .

عدد الصفحات ٣٧٩

380 ، وإن شئت نبياً عبداً ، فأومأ إليه جبريل : أن تواضع ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( بل نبياً عبداً ) قالها ثلًثاً ) . وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيتُ بمقاليد الدنيا على فرسٍ أبلق ، جاءني به جبريل ) رواه أحمد برجال الصحيح ، وصححه ابن حبان ، فقد ترفع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه عن حُطام الدنيا وأموالها وذهبها وفضتها ، ولم يكن يركن إلى نعيمها ، ولّ إلى ترف عيشها ، مع تيسُّر ذلك له ، بل كانت همًته أشرفَ من ذلك وأسمى ، وأمجدَ وأعلى . قال عبد الله بن مسعود : نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير ، فقام وقد أثًر في جنبه فقلنا : يا رسول الله لو اتخذنا لك وِطاء – أي : فراشاً وطيئاً ليًناً - . فقال صلى الله عليه وسلم : ( ما لي وللدنيا ؟ ما أنا في الدنيا إلّ كراكبٍ استظلً تحت شجرةٍ ، ثم راح وتركها ) . رواه ابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( دخلت عليً امرأة من الأنصار ، فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيفة مثنية ، فبعثت إليً بفراش حشوه صوف ، فدخل عليً رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما هذا يا عائشة ) . قالت : يا رسول الله فلًنة الأنصارية ، دخلت فرأت فراشك ، فذهبت فبعثت إليً بهذا . فقال صلى الله عليه وسلم : ( ردًيه يا عائشة ، فوالله لو شئتُ لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة ) ) رواه البيهقي .

عدد الصفحات ٣٨٠

381 ورواه أبو الشيخ بلفظ: ( أن امرأة قالت : دخلتُ على عائشة رضي الله عنها فمسِستُ فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو خشن ، فقلت : يا أم المؤمنين إن عندي فراشاً أحسن من هذا وألين .. ) الحديث . فليس فقره صلى الله عليه وسلم فقر اضطرار ، وإنما هو افتقار واختيار 1 . وليس غناه غنى جمع ومنع واستئثار ، بل غناه صلى الله عليه وسلم فياض بالعطاء والجود والإيثار ... فكان يأتيه السائلون ، ويقصده المحتاجون ، فيعطيهم ما يعطيهم ، ثم يأتيه السائلون ، فيعطيهم ما يعطيهم ، ثم يسألونه فيعطيهم ، حتى لّ يبقى عنده شيء من المال ، بل ولّ من الطعام قوت إنسان ، فيطوي هو صلى الله عليه وسلم وأهله وهم جياع ! . وكان صلى الله عليه وسلم يقول لهم : ( ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم .. ) الحديث – كما تقدم في كرمه صلى الله عليه وسلم . ثم إن الله تعالى علًم نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقابل تلك النعم السابق ذكرها في الْيات ، بما يليق بها من الحقوق والّعترافات والشكر للَّ تعالى ، فقال الله تعالى : ( فأما اليتيم فلً تقهر . وأما السائل فلً تنهر . وأما بنعمة ربك فحدًث ) . وفي هذه الْيات مع التي قبلها لف ونشر . فأما اليتيم فلً تذلًه ولّ تحقره ، بل أكرمه وبِرًه . وأما السائل – اي : سائل بغيته وحاجته ، علماً كان أو مالًّ ، فلً تزجره ، ولكن أكرمه بما سأله ، أو رُدًه بقول حسن جميل . ( وأما بنعمة ربك فحدًث ) لأن في التحدث بها شكراً للَّ تعالى الذي أنعم بها يعني أن ذلك افتقار إلى الله تعالى واستكانة له ، واختبار لعظيم الأجر ، ورفعة المقام عند الله تعالى .

عدد الصفحات ٣٨١

382 ومن ثَم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر نعم الله تعالى عليه ، ويتحدث بما أعطاه من المقامات ، وما خصه به من الخصوصيات ، شكراً غير فخر . فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولّ فخر ) . أي : يقول ذلك من باب الشكر لّ من باب الكبر . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( ألّ وأنا حبيب الله ولّ فخر ، آدم فمن دونه تحت لوائي ولّ فخر ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان يوم القيامة كنت أنا إمامَ النبيين ، وخطيبَهم ، وصاحب شفاعتهم غير فخر ) . إلى ما هنالك مما حدث به صلى الله عليه وسلم . فهذه السورة تدل على وجوهٍ من العنايات الإلهية برسوله صلى الله عليه وسلم ، وأنه سبحانه قد تولى رسوله صلى الله عليه وسلم وتعهًده في جميع أطواره ، وسائر أحواله . حفظ الله تعالى لرسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من مساوئ الجاهلية منذ حداثة سنه لقد حفظ الله تعالى رسوله الكريم في منشئه ومرباه ، فشبً سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على أشرف الأحوال ، وأكرم الخصال ، يكلؤه الله تعالى ويحوطه من أدناس الجاهلية ومعايبها ، ومن غلظتها وخشوناتها ، ويُعدُّه الله تعالى ويُمدُّه ، لما يريده سبحانه من إكرامه بالرسالة ، حتى إنه صلى الله عليه وسلم بلغ أن كان رجلًً ذا شأن عظيم ، ومقام كريم ، أفضلَ قومه مروءةً ، وأحسنهم خُلقاً ، وأكرمهم حسباً ، وأحسنهم جواراً ، وأعظمهم حلماً ، واصدقهم حديثاً ، وأعظمهم أمانة ، وأبعدهم من الفحش والأخلًق الدنيئة ، تنزهاً وتكرماً ، حتى سمًاه قومه : الصادق الأمين – وكانوا يقرُّون له بذلك ، ويعترفون له في مواقفهم الخاصة والعامة ، روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما

عدد الصفحات ٣٨٢

383 قال: لما نزلت : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) صعِد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا ، فجعل ينادي : يا بني فِهر ، يا بني عدي ، لبطون قريش ، حتى اجتمعوا – كلهم – فقال صلى الله عليه وسلم : ( أرأيتَكم لو أخبرتُكم أن خيلًً بالوادي تُريد أن تُغير عليكم ، أكنتم مصدقيً ؟ ) قالوا : نعم ، ما جرًبنا عليك إلّ صدقاً .. الحديث . فلقد أعلنوها أنهم ما جربوا عليه صلى الله عليه وسلم إلا الصدق منذ صغره ! ومن ذلك ما رواه ابن إسحاق ، أن النضر بن الحارث قال : يا معشر قريش ! إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعدُ ، قد كان محمد فيكم غلًماً حدَثَاً ، أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثاً ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صُدغيه الشيب ، وجاءكم بما جاءكم به . قلتم : ساحر !! لّ والله ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة ونَفثهم ، وعَقدهم . وقلتم : كاهن !! لّ والله ما هو بكاهن ، قد رأينا الكهنة وتخالجهم ، وسمعنا سجعهم . وقلتم : شاعر !! لّ والله ما هو بشاعر ، قد رأينا الشًعر وسمعنا أصنافه كلها ، وهزجَه ورَجَزَه . وقلتم : مجنون !! لّ والله ما هو مجنون ، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ، ولّ وسوسته ولّ تخليطه . يا معشر قريش فانظروا في شأنكم ، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم . قال ابن إسحاق : وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش ، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم 1 . انظر( سيرة ) ابن هشام :

عدد الصفحات ٣٨٣

384 ومن ذلك ما رواه ابن إسحاق وغيره ، عن المِسور بن مَخرمة أنه قال : قلت لأبي جهل – وكان خالي - : يا خال هل كنتم تتهمون محمداً بالكذب قبل أن يقول مقالته ؟ - أي : قبل أن يقول : إني نبي الله تعالى - . فقال أبو جهل : والله يا ابن أختي ، لقد كان محمد وهو شاب يُدعى فينا : الأمين ، فلما وخَطه الشيب – أي : بلغ الأربعين وقارب المشيب – لم يكن يكذب . قلت : يا خال ! فلمَ لّ تتبعونه ؟ فقال : يا ابن أختي ! تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف ، فأطعموا وأطعمنا ، وسقَوا وسقينا ، وأجاروا وأجرنا ، فلما تجاثينا على الرُّكَب وكنا – في المكارم والمفاخر – كفرسَي رِهان – أي : متساويين – قالوا – أي : بنو هاشم - : منا نبي ! فمتى نأتيهم بهذه ؟ ! أي : من أين نأتي بنبي ، حتى نكون مثل بني هاشم في الفضائل . ولما جدًدت قريش بناء الكعبة ، وتنازعوا في رفع الحجر الأسود ، فتركوا الحكم لأول داخل من باب بني شيبة ، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليهم ، فقالوا كلهم : هذا الأمين وكلًنا نقبله . وتقدم الحديث في ذلك البحث حول أرجحية عقله الشريف صلى الله عليه وسلم . فكان صلى الله عليه وسلم متصفاً منذ حداثة سِنه بالصدق والأمانة ، والعفة والحصانة ، بعيداً كل البعد عن الكذب والخيانة ، والمساوئ والأدناس . وكان يُبعد عن الأصنام والأوثان ، وعن تعظيمها ، وعن الحلف بها ، مجانباً لما عليه المشركون .

عدد الصفحات ٣٨٤