337 وكان صلى الله عليه وسلم يقول أيضاً إذا فرغ من طعامه : ( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا ، وجعلنا من المسلمين )2 وكان صلى الله عليه وسلم يقول أيضاً إذا فرغ من طعامه: ( اللهم لك الحمد أطعمتَ وسقيتَ ، وأشبعتَ وأرويتَ ، فلك الحمد غيرَ مكفور ولا مود ع ، ولا مستغنىً عنك )3 وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال : ( الحمد لله الذي أطعم وسقى ، وسو غه ، وجعل له مخرجاً ) . رواه أبو داود وغيره . وكان صلى الله عليه وسلم إذا أفطر – أي : من صومه – قال : ( اللهم لك صُمتُ ، وعلى رزقك أفطرتُ ، فتقب ل مني ، إنك أنت السميع العليم )4 . وكانصلى الله عليه وسلم يقول أيضاً إذا أفطر : ( ذهب الظمأ ، وابتل ت العروق ، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى )5 وكان صلى الله عليه وسلم إذا أفطر عند قوم قال– في دعائه لهم - : ( أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامكم الأبرار ، وتنز لت عليكم الملائكة ) رواه أحمد والضياء في ( المختارة ) عت أبي سعيد ، وقد رمز في ( الجامع الصغير ) لحسنه رواه أحمد والضياء في ( المختارة ) عن أبي سعيد ، وقد رمز في ( الجامع الصغير ) لحسنه . عزاه في ( الجامع الصغير ) إلى الإمام أحمد رامزاً لحسنه 4 رواه ابو داود إلى قوله: ( أفطرت ) والطبراني وابن السني بالزيادة كما في ( الجامع الصغير ) رواه ابو داود والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنه
عدد الصفحات ٣٣٧338 أي: بالرحمة والخير الإلهي . وفي رواية : ( وصل ت عليكم الملائكة ) بدلاً من ( وتنز لت )1 وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكل عند قوم دعا لهم فقال: ( أكل طعامكم الأبرارُ ، وصل ت عليكم الملائكة ، وأفطر عندكم الصائمون ) رواه أحمد والبزار . وكان صلى الله عليه وسلم إذا رفّأ الإنسان إذا تزوّج قال له : ( بارك الله لك ، وبارك عليك ، وجمع بينكما في خير )2 وقد كانوا في الجاهلية يقولون للرجل إذا تزو ج : بالرفاء والبنين ، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، لأنه ليس فيه حمد ولا ثناء ، ولا ذكر لله تعالى ، ولما فيه من الإشارة إلى بغض البنات ، لتخصيص البنين بالذكر ، وغير ذلك . وعل مهم أن يقولوا لمن تزو ج : ( بارك الله لك ) أي : في هذه الزواج ( وبارك عليك ) بالأولاد والنسل المبارك ( وجمع بينكما في خير ) وذلك بحسن المعاشرة ، وتمام الموافقة والمود ة بين الزوجين . وكان صلى الله عليه وسلم يعل م الرجل إذا تزو ج امرأة أن يقول : ( اللهم إني أسألك خيرها ، وخيرَ ما جبلتَها عليه ، وأعوذ بك من شر ها ، وشر ما جبلتَها عليه )1 عزاه في( الجامع الصغير ) للإمام أحمد والبيهقي عن أنس رضي الله عنه رامزاً لحسنه ، قال في ( فيض القدير ) : رواه أيضاً عنه أبو داود رواه أصحاب السنن وابن حبان ، وقال الترمذي فيه : حسن صحيح . انظر ( فيض القدير ) و( تحفة الذاكرين ) وغيرهما .
عدد الصفحات ٣٣٨339 وفي رواية: ( وأن يأخذ بناصيتها ، ويدعو بالبركة في المرأة ) وكان صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب : ( لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم ، لا إله إلا الله ربُّ السموات وربُّ الارض ، ورب العرش الكريم )2 وفي رواية للبخاري : ( لا إله إلا الله الحليم الكريم ) . وفي رواية لمسلم : كان صلى الله عليه وسلم إذا حزَبه أمر قال ذلك . وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا كرَبه أمر : ( يا حيُّ يا قيومُ ، برحمتك أستغيث ) رواه الترمذي . وكان صلى الله عليه وسلم إذا خاف قوماً – أي : خاف من شر هم – قال : ( اللهم إنا نجعلكَ في نحورهم ، ونعوذ بك من شرورهم )3 . وقال أنس: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ فلقي العدو ، فسمعتُه يقول : ( يا مالكَ يوم الد ين ، إي اك نعبد وإياك نستعين ) فلقد رأيت الرجال – الأعداء – تُقرَع – تَ ضربها الملائكة – من بين أيديها ومن خلفها 4 . وكان صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضاً يمسح بيده اليمنى ويقول: رواه أبو داود وأبو يعلى ، كما في ( الحصن ) وشرحه متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه 4 رواه ابن السني ، قال النووي: ويستحب أن يقول ما قدمناه في الباب السابق من حديث أبي موسى اهـ
عدد الصفحات ٣٣٩340 (اللهم رب الناس ، أذهب البأس ، اشفِ أنت الشافي ، لا شفاءَ إلا شفاؤك ، شفاءً لا يغادر – أي : لا يترك – سقماً ) 1 . وقال أنس رضي الله عنه لثابت البناني رحمه الله تعالى: ألا أرقيكَ رُقية رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : بلى ، قال : ( اللهم رب الناس ، مُذهب البأس ، اشفِ أنت الشافي ، لا شافيَ إلا أنتَ ، شفاءً لا يغادر سقماً )2 وكان صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضاًجلس عند رأسه ثم قال سبعَ مرات : ( أسأل الله العظيم ، رب العرش العظيم ، أن يشفيَك ) . رواه ابن حبان وصححه ، والنسائي بهذا اللفظ . ورواه أبو داود والترمذي وحسنه ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من عادَ مريضاً لم يحضُر أجلُه ، فقال عنده سبع مرات : أسأل الله العظيم ، رب العرش العظيم ، أن يشفيك ، إلا عافاه الله تعالى من ذلك المرض )3 وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل على من يعوده قال : ( لا بأسَ طهورٌ إن شاء الله ) رواه البخاري . وكان صلى الله عليه وسلم يعلّم الذي يفزع بالليل ، أو يعتريه الأرَق أن يقول : ( أعوذ بكلمات الله التام ات ، من غضبه وعقابه ، وشر عباده ، ومن همزَات الشياطين ، وأن يحضُرونِ ) . متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما . رواه البخاري انظر ( شرح رياض الصالحين ) و ( نزل الأبرار )
عدد الصفحات ٣٤٠341 وكان ابن عمرو يلق نها من عقَل من ولده ، ومن لم يعقِل كتبها له في صك ، ثم عل قها في عنقه 1 . وعل م رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدَ بن الوليد حين اعتراه الأرَق أن يقول : ( اللهم رب السموات السبع وما أظل ت ، ورب الأرضينَ وما أقل ت ، ورب الشياطين وما أضل ت ، كن لي جاراً من شر خلقك كلهم جميعاً ، أن يفرط علي أحد منهم ، أو أن يطغى ، عز جارُك ، وجل ثناؤك ) . وفي رواية : ( وتبارك اسمك ، ولا إله إلا أنت ) . رواه الترمذي والطبراني كما في ( الترغيب ) . وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يقوم من المجلس يقول : ( سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ) فقال رجل : يا رسول الله إنك لتقول قولاً ما كنتَ تقوله فيما مضى ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( ذلك كفارةٌ لما يكون في المجلس )2 وقال ابن عمر رضي الله عنهما: قل ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلسٍ حتى يدعو بهؤلاء الدعوات : ( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبل غنا به جن تك ، ومن اليقين ما تهو ن علينا مصائب الدنيا . اللهم مت عنا بأسماعنا وأبصارنا ، وقو تنا ما أحييتنا ، واجعله الوارثَ منا . رواه أبو داود ، والترمذي واللفظ له ، وقال : حسن غريب . ورواه النسائي والحاكم وليس عنده تخصيصها بالنوم ، كما في ( الترغيب ) للمنذري ، فهي تستعمل لكل من يعتريه الوحشة والفزع والخوف . ويقول ذلك ثلاث مرات كما جاء في رواية رواه أبو داود والنسائي في ( عمل اليوم والليلة ) ، عن أبي برزة رضي الله عنه .
عدد الصفحات ٣٤١342 واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ، ولا تجعل الدنيا أكبرَ هم نا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسل ط علينا من لا يرحمنا )1 ومن آداب المجلس الواردة عن النبي صلىعليه وسلم : ما رواه الترمذي وحس نه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما جلس قوم مجلساً ، لم يذكروا الله تعالى فيه ، ولم يصل وا على نبي هم فيه : إلا كان عليهم تِرَة 2 فإن شاء عذ بهم ، وإن شاء غفر لهم ) . قال الإمام النووي : وروينا في ( حلية الأولياء ) عن علي كر م الله وجهه أنه قال : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى ، فليقل في آخر مجلسه أو حين يقوم : ( سبحان رب ك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ) . وكان صلى الله عليه وسلم إذا ودّع رجلاً قال له : ( أستودعُ الله دينَك وأمانتك ، وخواتيم عملك3 وأقرأ عليك السلام) . وقال أنس رضي الله عنه : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إني أريد سفراً فزو دني . فقال صلى الله عليه وسلم : ( زو دك الله التقوى ) . قال : زدني ، قال : ( وغفر ذنبَك ) . قال : زدني بأبي أنت وأمي . رواه الترمذي وقال : حديث حسن قال الإمام النووي : الترة بكسر التاء المثناة من فوق وهي النقص ، وقيل : التبعة وهي ما نطلب من ظلامة ونحوها . رواه أبو داود إلى هنا عن ابن عمر ، والزيادة عند النسائي ، ورواه الترمذي أيضاً ، والأمانة هنا ، كما قال الخطابي : الأهل ومن يخلفه ، وماله الذي عند أمينه ، قال : وذكر الدين هنا لأن السفر مظنة المشقة ، فربما كان سبباً لإهمال بعض أمور الدين .
عدد الصفحات ٣٤٢343 قال: ( ويس ر لك الخيرَ حيثما كنتَ )1 . وكان صلى الله عليه وسلم إذا استوى على بعيره ، خارجاً إلى السفر ، كب ر ثلاثاً ، ثم قال : ( سبحان الذي سخ ر لنا هذا ، وما كنا له مقرِنين 2 ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم إنا نسألكَ في سفرنا هذا البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى . اللهم هو ن علينا سفرنا هذا ، واطوِ عنا بُعده . اللهم أنت الصاحب في السفر . اللهم إني أعوذ بك من وَعثاء 3 السفر ، وكآبة المنظر4 ، وسوء المنقَلب5 في المال والأهل) . وإذا رجع – من سفره – قالهن وزاد فيهن : ( آيبون تائبون ، عابدون ، لربنا حامدون )6 . وكان صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى المقبرة قال: ( السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون )7 رواه الترمذي وقال: حسن غريب ، ورواه النسائي والحاكم . أي : ما كنا مطيقين له ، ولا قادرين عليه . الوعثاء : الشدة والمشقة . 4 الكآبة: تغير النفس بسبب حزن ونحوه المنقلب : المرجع رواه مسلم آخر كتاب الحج ، وانظر ( رياض الصالحين ) رواه مسلم . والمعنى : وإنا إن شاء الله بكم لاحقون في الوفاة على الإيمان كما في ( فيض القدير ) قالوا : والتقييد بالمشيئة هنا لقصد التبرك ، وامتثال أمر الله تعالى ، وكثيراً ما يستعمل التقييد بالمشيئة لقصد تأكيد ما تقدمه ، وأنه واقع على كل حال ، ولكن بمشيئته تعالى .
عدد الصفحات ٣٤٣344 وقال ابن عباس رضي الله عنهما: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة ، فأقبل عليهم بوجهه فقال : السلام عليكم يا أهل القبور ، يغفر الله لنا ولكم ، أنت سلفُنا ونحن بالأثر )1 وقال بُريدة رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعل مهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم : ( السلام عليكم أهلَ الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، أسأل الله لنا ولكم العافية 2 ، أنتم لنا فرَط ، ونحن لكم تبَع) . ومن دعائه صلى الله عليه وسلم للحاجّ ، ما رواه البيهقي في ( سننه ) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اغفِر للحاج ، ولمن يستغفر له الحاج )3 وروى ابن السني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أريد الحج ، فمشى معه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( يا غلام ، زو دك الله التقوى ، ووج هك في الخير ، وكفاكَ الهم ) . فلما رجع الغلام سل م على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ( يا غلام قبِل الله حج تك ، وغفر ذنبك ، وأخلف عليك نفقتك ) . حول تسبيحه وتحميده صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ( فسب ح بحمد ربك وكن من الساجدين ) . رواه الترمذي وحسنه . وفي هذا الحديث دليل على أن السلام على الأموات مطلوب من زائرهم ومن المار بهم . رواه مسلم والنسائي ، والزيادة بعده من رواية ابن ماجه قال الحاكم : وهو صحيح على شرط مسلم
عدد الصفحات ٣٤٤345 كان صلى الله عليه وسلم يُكثر من التسبيح والحمد لله تعالى ، على وجه المحبة والشغف الشديد بذلك ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( لأن أقول : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر : أحب إلي مما طلعت عليه الشمس )1 فليفك ر المفك ر ، وليتدب ر المتدب ر ، في شغف هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وحب ه التسبيح والتحميد ، والتهليل والتكبير لله تعالى ، وأن مرة واحدةً من هذه الصيغة الجامعة للتسبيح والحمد والتهليل والتكبير يقولها ، هي أحبُّ إليه من جميع ما طلعت عليه الشمس من كائنات علوي ة وسفلي ة ، وبري ة وبحري ة . وقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه : ( ألا أخبركَ بأحب الكلام إلى الله تعالى ؟ ) قال : قلت : يا رسول الله ، أخبرني بأحب الكلام إلى الله تعالى . فقال : ( إن أحب الكلام إلى الله تعالى : سبحان الله وبحمده )2 رواه مسلم وفي رواية له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل : أيُّ الكلام أفضل ؟ قال : ( ما اصطفى الله لملائكته – أو لعباده - : سبحان الله وبحمده ) . وكان صلى الله عليه وسلم يُكثر من التسبيح في الليل والنهار : روى الطبراني عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال : كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم نهاري ، فإذا كان الليل أويتُ إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبتُّ عنده ، فلا أزال أسمعه يقول : ( سبحان الله ، سبحان الله ، سبحان ربي ) حتى تغلبني عيني فأنام . رواه مسلم والترمذي من حديث أبي هريرة يعني : أن ذلك أحب الكلام إلى الله تعالى بعد القرآن ، فإنه كلامه تعالى
عدد الصفحات ٣٤٥346 فقال صلى الله عليه وسلم: ( يا ربيعة ، سلني فأعطيَك ؟ ) فقلت : أنظرني يا رسول الله حتى أنظُر – وتذك رتُ أن الدنيا فانية منقطعة . فقلت : يا رسول الله أسألك أن تدعوَ الله أن يُنجيني من النار ، ويدخلني الجنة .وفي رواية لمسلم قال : أسألك مرافقتك في الجنة . فقال : ( أو غيرَ ذلك ) قال : هو ذاك . قال صلى الله عليه وسلم : ( فأعن ي على نفسك بكثرة السجود ) . وكان صلى الله عليه وسلم يستحبُّ الجوامع من التسبيح والحمد : ومن ذلك ما ورد في تسبيحه وحمده في الضحى : روى الإمام مسلم وأصحاب ( السنن ) عن جُويرية زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ، ثم رجع بعد أن أضحى النهار – وعند الترمذي : رجع قريباً من نصف النهار – وهي جالسة تسب ح . فقال صلى الله عليه وسلم : ( ما زلتِ على الحال التي فارقتك عليها ؟ ) . قالت : نعم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد قلتُ بعدكِ أربع كلمات ، ثلاث مرات ، لو وُزنَت بما قلتِ من اليوم – أي : من أول النهار – لوزنتهن : سبحان الله وبحمده ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، عدد خلقه ، ورضاء نفسه ، وزنة عرشه ومداد كلماته )1 . كما في( الترغيب ) للمنذري .
عدد الصفحات ٣٤٦347 وروى الترمذي والحاكم عن صفي ة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها ، وبين يديها أربعةُ آلاف نواةٍ تسب ح بهن – أي : بعددهن – فقال صلى الله عليه وسلم : ( ألا أعل مك بأكثرَ مما سب حت به ؟ ) . فقالت : بلى عل مني . فقال : ( قولي : سبحان الله عددَ خلقه ) . وفي رواية الحاكم : ( قولي : سبحان الله عدد ما خلق من شيءٍ )1 وكان صلى الله عليه وسلم يعل م الصحابة جوامع من التسبيح والحمد – ويحث هم على ذلك . جاء عن أبي أمامة رضي الله عنه ، أنه قال : رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أحر ك شفتي ، فقال : ( بأي شيءٍ تحر ك شفتيك يا أبا أمامة ؟ ) . فقلت : أذكر الله يا رسول الله . فقال : ( ألا أخبركَ بأكثر وأفضلَ من ذكرك بالليل والنهار ؟ ) . قلت : بلى يا رسول الله . قال : ( تقول : سبحان الله عدد ما خلق ، سبحان الله ملء ما خلق ، سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء ، سبحان الله ملء ما في الأرض والسماء ، سبحان الله عدد ما أحصى كتابه ، سبحان الله ملء ما أحصى كتابه ، سبحان الله عدد كل شيء ، سبحان الله ملء كل شيء . الحمد لله عدد ما خلق ، والحمد لله ملء ما خلق ، والحمد لله عدد ما في الأرض والسماء ، والحمد لله ملء ما في الأرض والسماء ، والحمد لله عدد انظر ( ترغيب ) المنذري
عدد الصفحات ٣٤٧348 ما أحصى كتابه ، والحمد لله ملء ما أحصى كتابه ، والحمد لله عدد كل شيء ، والحمد لله ملء كل شيء )1 . حول استغفاره صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ( واستغفرِ الله ، إن الله كان غفوراً رحيماً ) . وقال تعالى : ( فسب ح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً ) . الاستغفار : هو طلب المغفرة من الله تعالى . فكان صلى الله عليه وسلم يُكثر من الاستغفار في الليل والنهار ، في الصلوات ووراء الصلوات ، وفي سائر مجالسه وأحواله . وكان مكحول يُكثر من الاستغفار ، ويقول : كان أبو هريرة يكثر من الاستغفار ، ويقول : ما رأيت أحداً أكثر استغفاراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده . ( اللهم اغفر لي ذنبي كل ه ، دِق ه وجِل ه ، أو له وآخره ، سر ه وعلانيته ) . رواه مسلم ، وعن ثوبان رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً ، وقال : ( اللهم أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ) . رواه مسلم . وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه ، في اليوم أكثر من سبعين مر ة ) . قال الحافظ المنذري : رواه أحمد وابن أبي الدنيا واللفظ له ، والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ( صحيحهما ) باختصار ، والحاكم وقال : صحيح على شرطهما اهـ
عدد الصفحات ٣٤٨349 قال العلماء: وقوله صلى الله عليه وسلم : ( أكثر من سبعين مرة ) يحتمل الكثرة ، فإن العرب تضع السبع والسبعين والسبعمائة موضع الكثرة . وقد قال الأعرابي لمن أعطاهُ شيئاً : سب ع الله لك الأجر – أي : كث ره . ويحتمل أن يراد به العدد بعينه ، ويكون لفظ ( أكثر ) مبهماً ، فس رته الرواية الأخرى : ( إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ) . روى مسلم عن الأغر المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنه ليُغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ) . وأصل الغين في اللغة : الغيم الرقيق الذي يكون في السماء ، والمراد بالغين هنا : غين أنوارٍ لا غين أغيار . وفي ( الصحيحين ) عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ، فاغفر لي ما قدمت ، وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، أنت المقد م ، وأنت المؤخ ر ، لا إله إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ) . وكان صلى الله عليه وسلم يُكثر من الاستغفار في مجالسه مع أصحابه : فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : إن كنا – أي : إنا كنا – لنعدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد : ( رب اغفر لي ، وتب علي ، إنك أنت التواب الرحيم ) مائة مرة . رواه أبو داود وابن حبان وصححه . ورواه الترمذي – وقال : حسن صحيح غريب – بلفظ ( إنك أنت التواب الغفور ) وأخرج النسائي بسند جيد من طريق مجاهد ، عن ابن عمر ، أنه
عدد الصفحات ٣٤٩350 سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ) في المجلس قبل أن يقوم ، مائة مرة 1 . فإن قيل: لمَ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر من الاستغفار ، مع أنه صلى الله عليه وسلم غُفر له ما تقد م من ذنبه وما تأخ ر ، بنص قوله تعالى : ( ليغفرَ لك الله ما تقد م من ذنبك وما تأخر .. ) الآية ؟ فالجواب عن ذلك من عدة وجوه – كما أوضحها العلماء العرفاء 2 . أولاً: إن في استغفاره صلى الله عليه وسلم عبادة لله تعالى ، وتحققاً بالعبودية ، وافتقاراً لكرم الربوبية . ثانياً : إن في ذلك تعليماً لأمته أن يكثروا من الاستغفار ، لشدة حاجتهم . ثالثاً : إن في ذلك تواضعاً لرب العالمين ، وهضماً للنفس . وثمة أجوبة أخرى نأتي عليها في موضعها إن شاء الله تعالى . وكان صلى الله عليه وسلم يبين للصحابة صيغاً من الاستغفار جامعة ، ويرغ بهم فيها ، لعظيم فضلها : روى البخاري وغيره عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سي د الاستغفار3 أن يقول العبد: اللهم أنتَ ربي لا إله إلا أنت ، خلقتني ، وأنا عبدُك ، وأنا على عهدك ووعدك 4 ما استطعتُ ، أعوذ بك من شر ما صنعتُ ، أبوءُ 1 لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبي ، فاغفر لي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . انظر ( المواهب وشرحه ) . انظر ( شرح الزرقاني على المواهب ) وغيره قال العلامة الطيبي : لما كان هذا الدعاء جامعاً لمعاني التوبة كلها ، استعير له اسم السيد ، وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج ، ويرجع له في الأمور اهـ 4 أي: أنا على عهدي الذي عاهدتك عليه منذ أخذت العهد على العباد وأخرجتهم أمثال الذر ، وأشهدتهم على أنفسهم ، وقلت لهم : ( ألست بربكم ؟ ) فأقروا وقالوا : بلى . وأنا على وعدك في الإيمان بك وبرسلك والعمل بطاعتك .
عدد الصفحات ٣٥٠351 من قالها في النهار موقناً بها ، فمات قبل أن يُمسي: فهو من أهل الجنة ومن قالها في الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح : فهو من أهل الجنة ) وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال : أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ، غُفرت ذنوبه ، وإن كان قد فر من الزحف )2 . وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يقول قبل موته صلى الله عليه وسلم : ( سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله وأتوب إليه ) رواه الشيخان . وكان صلى الله عليه وسلم يرغ ب في الإكثار من الاستغفار ، لشدة حاجة العبد إليه في الآخرة : فعن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( طوبى لمن وُجد في صحيفته استغ فار كثير )3 كما بي ن صلى الله عليه وسلم أن في الاستغفار جِلاء للقلوب من الصدأ: كما روى البيهقي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن للقلوب صدأ كصدأ النحاس ، وجِلاؤها الاستغفار ) . كما بي ن صلى الله عليه وسلم أن كثرة الاستغفار تفر ج الهموم ، وتخرج من المضايق ، وتسه ل الرزق : فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال أي : أقر وأعترف قال الإمام النووي في ( الرياض ) : رواه أبو داود والترمذي والحاكم وقال : حديث صحيح على شرطهما رواه ابن ماجه بإسناد صحيح والبيهقي ، كما في ( الترغيب ) .
عدد الصفحات ٣٥١352 رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من لزم الاستغفار : جعل الله له من كل هم فرجاً ، ومن كل ضيق مخرجاً ، ورزقه من حيثُ لا يحتسب ) رواه أبو داود والنسائي وغيرهما . نسبه الشريف وأصله المنيف صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ( الله أعلم حيثُ يجعل رسالته .. ) الآية . وقال تعالى : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ). وقد ذكر الإمام البخاري في صحيحه عمود نسبِه الرفيع صلى الله عليه وسلم فقال : ( هو محمد صلى الله عليه وسلم 1 بنُ عبد الله بن عبد المطًلب 1 بن فهو صلى الله عليه وسلم سيدنا محمد ، وهذا الاسم الكريم – كما قال في ( الفتح ) – منقول من صفة الحمد ، وفيه المبالغة – أي : الكثرة – والمحمد : الذي حُمد مرة بعد مرة ، والذي تكاملت فيه الخصال المحمودة اهـ وذلك أن من كثرت فيه الصفات المحمودة ، وكملت له : كثر حمد الناس له ، وثناؤهم عليه ، وإن أعظم خلق الله تعالى كمالاً ، وأكرمهم خصالاً ، وأجملهم فعالاً ، وأعمهم نوالاً ، هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . وفي ( الفتح ) ، نقلاً عن البيهقي في ( الدلائل ) بإسناد مرسل أن عبد المطلب لما ولد النبي صلى الله عليه وسلم ، عمل له مأدبة ، فلما أكلوا سألوا : ما سميته ؟ قال : محمداً ، قالوا : فما رغبت به عن أسماء أهل بيته ؟ قال : أردت أن يحمده الله في السماء ، وخلقه في الأرض . وقال بعض العلماء : بل سمته أمه قبل ذلك محمداً لما رأته ، وقيل لها في شأنه صلى الله عليه وسلم . كما روى أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس أنه قال : كانت آمنة تحدث وتقول : أتاني آت حين مر بي من حملي ستة أشهر – في المنام ، وقال لي : يا آمنة قد حملت بخير العالمين ، فإذا ولدته فسميه محمداً صلى الله عليه وسلم . ولا منافاة بين ذلك ، كما قال الحافظ الزرقاني ، فإن آمنة لما نقلت ما رأته لعبد المطلب ، سماه محمداً صلى الله عليه وسلم فوقعت التسمية منه بسببها ، وإذا كان بسببها صح
عدد الصفحات ٣٥٢