المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شمائله الحميدة ، خصاله المجيدة

عبد الله سراج الدين

صفحة ١٩ من ٣١

289 والمعنى: دُم على العبادات ما دمت حياً من غير إخلًل بها لحظةً . ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت : قوله تعالى : (إِلّه أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنهاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَ كُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنها نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنها نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتهى أَتَانَا الْيَقِينُ ) أي : الموت . وجاء في الحديث الذي رواه البخاري وأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون – وقد توفي – فقال صلى الله عليه وسلم ( أمًا هو – أي : عثمان – فقد جاءه اليقين من ربه ، وإني لأرجو له الخير ) فأراد صلى الله عليه وسلم باليقين الموت . وقوله تعالى : (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) معناه : واعبد ربك مدة حياتك كلًها ، دائماً دائباً . وهذه الْية نظير قوله سبحانه إخباراً عن رسوله عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلًة والسلًم : ( وأوصاني بالصلًة والزكاة ما دمتُ حياً ) . وفي ( شرح السنة ) للحافظ البغوي ، عن جبير بن نُفير مرسلًً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما أوحيَ إليً أن أجمعَ المال وأكونَ من التاجرين ولكن أوحيَ إليً أن (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السهاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبهكَ حَتهى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) ) فالعابد مهما ارتفع مقامه في العبادات ، لّ يستغني عن عبادة ربه تعالى ، ولّ يسقط عنه الأمر التكليفيً بالعبادة ما دام حياً عاقلًً . قال الله تعالى : (رَبُّ السهمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًًا ) ؟! أي : مثيلًً مسامياً له ومشابهاً ؟ لّ : بل هو سبحانه كما قال : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) . والمعنى : أنه سبحانه لّ مِثل له أصلًً ، وجيء بـ ( مثل ) هنا تأكيداً لنفي المثلية من كل الوجوه والّعتبارات . وهذا له شواهد كثيرة في القرآن الكريم ، وفي لغة العرب ، وقد نزل القرآن بلسان عربي مبين ، قال تعالى : ( ولم يكن له كفواً أحد ) أي : ليس له شبيه ولّ عديل . والمقصود : أن الله تعالى أمر عباده بعبادته ، وأمرهم بالّصطبار لها ، وذلك بالمحافظة عليها في أوقاتها ، والمواظبة الدائمة عليها في الأيام والليالي ، وذلك بإعطاء كل وقتٍ حقًه وحظًه من العبادة ليل نهار .

عدد الصفحات ٢٨٩

290 ولذلك كانت عبادات النبي صلى الله عليه وسلم دائمةً مستمرةً متواصلة في الليل والنهار : روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها : أنها سُئلت : كيف كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ هل كان يخصُّ شيئاً من الأيام – اي : ويترك العمل في أيام - ؟ . فقالت : ( لّ – كان عمله دِيمةً ،وأيُّكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع ؟ ! ) . ولم يدع رسول الله صلى الله عليه وسلم نوافله وتطوعاته طِيلة عمره ، كما جاء عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : ( ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان أكثر صلًته – أي : التطوع – وهو جالس ، وكان أحبُّ العمل إليه ما داوم عليه العبد ، وإن كان شيئاً يسيراً ) . رواه ابن حبان في ( صحيحه ) 1 . حقيقة العبادة العبادة هي : التقرب إلى الله تعالى بأقصى غايات الخضوع والتذلل له سبحانه ، فيما شرعه لعباده من الأقوال والأعمال : القلبية والبدنية والحالية . وللعبادة لذة وحلًوة ، ونعيم وطلًوة ، فمن طعِم حلًوتها ،وذاق لذًتها ، تعلًق بها وعشقها ، فهو لّ ينفك عنها أبداً ، لأنها تصير راحته وريحانه . وإن أعظم ذائق ذاق حلًوتها ،وأكبر من نعِم بها ، وشهد أسرارها وأنوارها ، هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إمام العبًاد وسيد الصالحين ، وأتقى الأولين والْخرين بنص قوله سبحانه : ( إن وليًي الله الذي نزًل الكتاب وهو يتولى الصالحين ) . فلقد أخبر سبحانه أن توليته لعباده على نسبة صلًحهم ، وأن له سبحانه وتعالى توليةً خاصة لحبيبه صلى الله عليه وسلم لم ينلها غيره ، أشار إليها بقوله : ( إن وليًي الله ) أي : إن وليًي المتولًي لأمري كله على وجه الخصوص ، هو الله تعالى ، والتولية الإلهية : تكون على نسبة الصلًح ، كما دلً عليه آخر الْية ، فينتج من ذلك أن له في الصلًح مقاماً خاصاً به ، لم ينله غيره صلى الله عليه وسلم . ولذلك كان له صلى الله عليه وسلم أكملُ ذوقٍ لحلًوة العبادات ، وألذُّ راحة ونعيم بها : كما في ( الترغيب ) للحافظ المنذري .

عدد الصفحات ٢٩٠

291 كما جاء في( المسند ) وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( قُم يا بلًل أرِحنا بالصلًة ) وكما في ( المسند ) وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وجُعلت قرًة عيني في الصلًة ) والمتًبعون المحمًديون نالوا نصيبهم من لذًة العبادات ، ونعيم الطاعات ، على حسب مراتبهم : كما ورد عن الشيخ الكبير العارف إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أنه قال : لو يعلم الملوك ما نحن عليه من اللذًة لجالدونا عليه بالسيوف . وقال العارف الكبير الشيخ أبو سليمان الداراني رضي الله عنه : أهل الليل في ليلهم : ألذُّ من أهل اللهو في لهوهم ، ولولّ الليلُ ما أحببتُ البقاء في الدنيا . وكما قال بعضهم رضي الله عنهم : إذا كان أهل الجنة على ما نحن عليه : فهم في عيشٍ طيًبٍ . ولذلك كلِف أهل الجنة عبادة ربهم سبحانه في الجنة كلَفاً بغير تكلُّف ، فهم يعبدون الله تعالى في الجنة ، أكثر من عباداتهم له في الدنيا . كما ورد في ( الصحيحين ) من حديث أبي هريرة ، أن الله تعالى يقول للملًئكة الذين يطوفون في الطُّرق يلتمسون أهل الذكر : ( ما يقول عبادي ؟ يقولون : يسبًحونك ويكبًرونك ، ويحمدونك ويمجًدونك . فيقول : هل رأوني ؟ فيقولون : لّ والله يا ربً ما رأوك . فيقول : كيف لو رأوني ؟ فيقولون : لو رأوك كانوا أشدً لك عبادةً ، وأشدً لك تمجيداً ، وأكثر لك تسبيحاً .. ) الحديث . فأهل الجنة أكثر عبادةً منهم في الدنيا ، لأنهم يرون ربهم سبحانه ، ولكن عبادتهم كلَف بلً مشقة ، وإنما هي راحتهم ونعيمهم ، كما دل عليه ما جاء في ( صحيح ) مسلم عن جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أهل الجنة : ( يُلهَمون التسبيح والتحميد والتقديس ، كما تُلهمون النَفَس ) وللعبادات آثار في نفس العابد : تهذًبها من الرعونات والحماقات والدعاوي والأنانيًات ، حتى تصفوَ نفس العابد ، وتدخل في دائرة العبودية ، لسلطان مقام الربوبية ، وقد قال صلى الله عليه وسلم لربيعة بن كعب الأسلمي لما قال له : أسألك مرافقتكَ في الجنة ، قال له صلى الله عليه وسلم : ( فأعنًي على نفسك بكثرة السجود ) .

عدد الصفحات ٢٩١

292 وللعبادات صبغة نورانية: ينصبغ بها قلب العابد وعقله ، وجميع حواسًه ، بالنور الإلهي ، حتى إنه ليشرق في وجه العابد إشراقاً ، قال الله تعالى : ( صبغةَ الله ومن أحسنُ من الله صبغةً ونحن له عابدو ن ) . والمعنى : إلزموا صبغة الله ، فإنها صبغةُ نورٍ ثابت ، ولّ أحسن منها صبغة ،وذلك بعبادتكم لربكم سبحانه كما شرع لكم ، قال صلى الله عليه وسلم : ( والصلًة نور ، والصبر ضياء ) . وبالعبادات صفاء القلب وجِلاؤه : ونقاؤه وضياؤه ، حتى إنه لتتجلًى فيه أنوار الحق ، قال الله تعالى : ( الله نور السماوات والأرض مثلُ نوره كمِشكاة .. ) الْية . أي : مثل نوره سبحانه في قلب عبده المؤمن ، كمشكاةٍ أي : كُوًة فيها مصباح يتوقًد بالنور . والمشكاة تشير إلى الصدر ، والمصباح هو قلب المؤمن المشرق بنور الإيمان باللَّ تعالى . وقد أنشِد لبعض العارفين في ذلك : إذا سكنَ الغديرُ على صفاءٍ وجنًب أن يحرًكه النسيمُ بدت فيه السماءُ بلً امتراءٍ كذاك الشمسُ تبدو والنجومُ كذاك قلوبُ أرباب التجلًي يُرى في صفوها الله العظيمُ وذلك كلًه من باب التجلًي في المجالي ، وظهور النور في مرايا القلوب ، وليس ذلك من باب التجزًؤ أو الحلول – تعالى الله عن ذلك علُّواً كبيراً . وبالعبادات يكون التقرُّب والاقتراب إلى رب الأرباب : قال الله تعالى : ( واسجُد واقترب ) . وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي : ( وما يزال عبدي يتقرًب إليً بالنوافل حتى أحبًه .. ) الحديث . انظر في كتابنا : ( الصلًة في الإسلًم ) ، وكتابنا : ( التقرب إلى الله تعالى ) وفيه جمع لطرقه وبيان لمعانيه . وليس هذا موضعَ تفصيل البحث ، حول آثار العبادة وأسرارها ، وإنما ألمحنا لمحات يعتبر بها المعتبر ، فيعلم أن للعبادة أثراً في العابد كبيراً ، وسراً عظيماً ، وإشراقاً وضياءً ، ورفعةً ومقاماً ، وقرباً وحباً . فماذا تتصور أيها العاقل من عظمة آثار عبادة سيًد العُبًاد والمقربين ، وإمام الأنبياء والمرسلين ؟ وماذا تقدًر من قوة إشراقات عباداته صلى الله عليه وسلم وضيائها ، وأنوارها وأسرارها ، ومدى مكانتها وقربها ؟

عدد الصفحات ٢٩٢

293 نعم إنه لّ يحيط علماً بذلك إلّ الله تعالى الذي اصطفاه على جميع المصطفين الأخيار . المنهاج الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم للعابدين إن منهاجه صلى الله عليه وسلم الذي انتهجه في العبادة ، والذي رسمهُ للعُباد ، هو أقوم المناهج وأقواها ، وأفضلها عند الله تعالى وأهداها ، وأعدلها في أداء الحقوق وأكملها ، وهو أبين طرق التقرب إلى الله تعالى وأقربها ، ومهما جاء العابد بمشاقً التعبدات ، وأتى بعظائمَ من الطاعات ، لّ يقرًبه ذلك إلى الله تعالى زلفى ، كما تقرًبه السنة المحمدية التي سنًها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعات والعبادات . روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال : ( جاء ثلًثةُ رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته ، فلما أخبِروا كأنهم تقالًوها 1 . قالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غُفر له ما تقدًم من ذنبه وما تأخًر2؟ فقال أحدهم : أما أنا فأصلًي الليلَ . وقال الْخر : وأنا أصوم الدهر ولّ أفطر . وقال الْخر : وأنا أعتزل النساء ولّ أتزوًج أبداً . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟أما والله إني لأخشاكم للَّ وأتقاكم له ، ولكن : أصوم وأفطر ، وأصلًي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني )3 . أي: رأوها قليلة بالنسبة لما ينبغي لهم . أي : بيننا وبينه صلى الله عليه وسلم بون بعيد ، ومسافة طويلة – فإننا معرضون للذنوب وسوء العاقبة ، ولم تضمن لنا المغفرة ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فهو المعصوم والمضمون له الغفران اهـ كما في ( شرح ابن علان ) على ( رياض الصالحين ) وغيره . نقل العلامة محمد بن علان في ( شرح رياض الصالحين ) عن المطرزي في ( شرح المصابيح ) أنه قال عند قوله صلى الله عليه وسلم : ( فمن رغب عن سنتي فليس مني ) يعني : من ترك ما أمرت به من أحكام الدين : فرضاً أو سنةً ، على سبيل الاستخفاف بي ، وعدم الالتفات إلي فليس مني ، لأنه كافر ، أما من تركه لا عن استخفاف بل عن الكسل ، لم يكن كافراً وحينئذ فقوله : ( ليس مني ) أي : من المقتدين بي والعاملين بسنتي اهـ .

عدد الصفحات ٢٩٣

294 وكان منهاجه صلى الله عليه وسلم في العبادة: أنه إذا عمل عملًً أثبته وداوم عليه : روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اكلَفوا من العمل ما تطيقون ، فإن الله لّ يملُّ حتى تملُّوا ، وإنً أحبً العمل إلى الله أدومُه وإن قلً ) . وكان صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملًً أثبته . ومن إرشاداته صلى الله عليه وسلم للعِباد والعُبًاد : أن يقوموا بأداء جميع الحقوق التي عليهم ، دون أن يشغلهم حق عن أداء حقً ، ولّ يحملهم أداء واجب على إهمال واجب آخر : ففي ( سنن ) أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : بعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن مظعون : ( أرغبةً عن سنًتي ؟ ) . فقال عثمان : لّ والله يا رسول الله ولكن سنًتك أطلب . فقال صلى الله عليه وسلم : ( فإني أنام وأصلًي ، وأصوم وأفطر ، وأنكح النساء ، فاتقِ الله يا عثمان ، فإن لأهلك عليك حقاً ، وإن لضيفك عليك حقاً ، وإن لنفسك عليك حقاً ، فقم وأفطر ، وصلً ونم ) . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : أخبِر النبي صلى الله عليه وسلم أني أقول : والله لأصومنً النهار ، ولأقومنً الليل ما عشتُ – أي : مدة حياتي كلًها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنتَ الذي تقول ذلك ) ؟ . فقلت له : قد قلتُه بأبي وأمي يا رسول الله . قال : ( فإنك لّ تستطيع ذلك ، فقُم وأفطر ، ونم وقم وصم من الشهر ثلًثة أيام ، فإن الحسنة بعشر أمثالها ،وذلك مثل صيام الدهر ) . أي : لأن صيام اليوم مقابَل بعشرٍ ، فصيام ثلًثة أيام من الشهر يعطي ثلًثين حسنة . قال عبد الله بن عمرو : قلت : فإني أطيقُ أفضلَ من ذلك . وفي رواية لمسلم : إني أطيق أكثر من ذلك . قال صلى الله عليه وسلم : ( فصم يوماً وأفطر يومين ) . قلت : فإني أطيق أفضل من ذلك .

عدد الصفحات ٢٩٤

295 قال: ( فصم يوماً وأفطر يوماً ، فذلك صيام داود صلى الله عليه وسلم ، وهو أعدلُ الصيام ) . وفي رواية : ( هو أفضل الصيام ) . أي : أفضل أنواع صيام التطوع . قال عبد الله بن عمرو قلت : فإني أطيق أفضل من ذلك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لّ أفضل من ذلك ) . قال ابن عمرو : ولأن أكونَ قبلتُ الثلًثة أيام التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبُّ إليً من أهلي ومالي . وفي رواية : ( ألم أخبرَ أنك تصوم النهار وتقوم الليل ؟ ) . قلت : بلى يا رسول الله . قال : ( فلً تفعل ، صم وأفطر ، ونم وقم ، فإن لجسدك عليك حقاً ، وإن لعينك عليك حقاً ، وإن لزوجك عليك حقاً ، وإن لزورك عليك حقاً ، وإن بحسبك أن تصوم في كل شهر ثلًثة أيام ، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها ، فإذاً ذلك صيام الدهر ) . قال ابن عمرو : فشدًدتُ – اي : شددت على نفسي ولم أقبل رخصة النبي صلى الله عليه وسلم – فشُدًد عليً ، قلت : يا رسول الله إني أجدُ قوة . قال صلى الله عليه وسلم : ( صم صيام نبي الله داود ، ولّ تزد عليه ) قلت : وما كان صيام داود ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ( نصف الدهر ) . فكان عبد الله بن عمرو يقول بعدما كبر – أي : في السن وثقل عليه ذلك العمل - : يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي رواية : ( ألم أخبرَ أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة ؟ ) . فقلت : بلى يا رسول الله ، ولم أرِد بذلك إلّ الخير . قال صلى الله عليه وسلم : ( فصم صوم نبي الله داود ، فإنه كان أعبدَ الناس ، واقرأ القرآن في كل شهر ) . قلت : يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك . قال : ( فاقرأه في كل عشر ) . قلت : يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك . قال : ( فاقرأه في كل سبع ، ولّ تزد على ذلك ) . قال ابن عمرو : فشدًدتُ فشُدًد عليً ، وقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنك لّ تدري لعلك يطول بك عُمُر ) .

عدد الصفحات ٢٩٥

296 قال ابن عمرو: فصِرتُ إلى الذي قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما كبرتُ وددتُ أني كنتُ ق بلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم . وفي رواية : ( وإن لولدك عليك حقاً ) . وفي رواية : ( لّ صام من صام الأبد ) . وفي رواية : ( أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود ، وأحب الصلًة – أي : قيام الليل – صلًة داود : كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه وينام سدسه ، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، ولّ يفرُّ – أي : في الحرب – إذا لّقى ) أي : لقي العدو . وزاد النسائي : ( وإذا وعد لم يخلف ) . وفي رواية : قال ابن عمرو : أنكحَني – اي : زوًجني – أبي امرأة ذات حسَب ، وكان يتعهًد كنًته – اي : امراة ولده – فيسألها عن بعلها – أي : عن حال زوجها معها – فتقول : نِعم الرجلُ من رجل لم يطأ لنا فراشاً ولم يفتًش لنا كَنَفاً أي : لم يكشف لنا ستراً ، وكنًت بذلك عن عدم إتيانه لها . فلما طال ذلك عليه – أي : على أبيه – ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( إلقني به ) . قال ابن عمرو : فلقيتُه صلى الله عليه وسلم فقال : ( كيف تصوم ؟ ) . قلت : كل يوم . قال : ( وكيف تختم ؟ ) . قلت : كل ليلة ، وذكر نحو ما سبق . قال الإمام النووي رضي الله عنه : وجميع هذه الروايات صحيحة ، معظمها في ( الصحيحين ) وقليل منها في أحدهما اهـ . والمقصود : أنه صلى الله عليه وسلم كان يرغًب في المداومة على الأعمال والتطوًعات وإن قلًت ، ويحذًر من الإكثار المؤدي إلى الّنقطاع أو نفرة النفس وكراهتها لذلك كما وأنه صلى الله عليه وسلم كان يحرًض على تأدية جميع الحقوق المترتبة على المكلًف ، والقيام بها كاملة ، دون أن يشتغل ببعض الحقوق ، فإن ذلك يكون إفراطاً فيما اشتغل به ، وتفريطاً فيما أهمله وشُغل عنه . ومن إرشاداته صلى الله عليه وسلم : أنه كان يأمر بالعمل الدائم وإن قلً ، ويحذًر من العمل الكثير المنقطع : جاء في ( الصحيحين ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصير وكان يحجزه بالليل فيصلي عليه ، ويبسطه في

عدد الصفحات ٢٩٦

297 النهار ويجلس عليه ، فجعل الناس يثوبون1 إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيصلون بصلًته حتى كثروا . فأقبل عليهم فقال : ( يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله لّ يمل حتى تملُّوا ، وإنً أحبً الأعمال إلى الله ما دام وإن قلً )) . وفي رواية : ( وكان آل محمد صلى الله عليه وسلم إذا عملوا عملًً أثبتوه ) . وفي رواية : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( سدًدوا وقاربوا واعلموا أنه لن يُدخل أحدَكم عملُه الجنة ، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلً ) . كما في ( الصحيحين ) . وكان صلى الله عليه وسلم يحذّر من المشادّة في الدين : روى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الدين يُسر ، ولن يُشادً 2 الدينَ أحد إلّ غلبه ، فسدًدوا وقاربوا 3 ، وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والرًوحة وشيء من الدُّلجة ، والقصدَ القصدَ تبلغوا ) . والمعنى : الزموا القصد أي : التوسط في الأمر تبلغوا المقصود وهو فضل الله تعالى ورضوانه . قال الإمام النووي : الغدوة : سير أول النهار ، والروحة : سير آخر النهار ، والدلجة : سير آخر الليل ، وهذا استعارة وتمثيل ، ومعناه : استعينوا على طاعة الله عز وجلً بالأعمال في وقت نشاطكم وفراغ قلوبكم ، تستلذًون العبادة ولّ تسأمون ، وتبلغون مقصودكم ، كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات ويستريح هو ودابته في غيرها فيصل المقصودَ بغير تعب – والله أعلم اهـ ، وروى الإمام أحمد بسند حسن عن بريدة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عليكم هدياً قاصداً ، فإن من يشاد هذا الدين يغلبه ) . أي : يرجعون إليه ويجتمعون عنده . قال في ( الفتح ) : والمشادة المغالبة . والمعنى : لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز أو انقطع فينقلب اهـ قال الإمام النووي : السداد : الاستقامة والإصابة ، والمقاربة : القصد – أي : التوسط – الذي لا غلو فيه – أي : تجاوز المأمور به والزيادة فيه – ولا تقصير – أي : إخلال بشيء منه – اهـ

عدد الصفحات ٢٩٧

298 قال العلًمة ابن منير: في هذا الحديث علَم من أعلًم النبوة ، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطًع – أي : مفرط ومتشدد – في الدين ينقطع ، وليس المراد منع طلب الكمال في العبادة فإنه من الأمور المحمودة ، بل المراد منع الإفراط المؤدي إلى الملًل ، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل ، أو إخراج الفرض عن وقته ، كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلًة الصبح في الجماعة ، أو إلى أن خرج وقت الصلًة المختار ، أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة . وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد : ( لن تنالوا هذا الأمر بالمبالغة وخير دينكم أيسره .. ) الحديث . وقد يستفاد من هذه الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية ، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطًع ، كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء – لضرر يصيبه – فيفضي استعماله الماء إلى حصول الضرر اهـ كلًم ابن المنير . ومن إرشاداته صلى الله عليه وسلم : أنه كان يكره للإنسان أن يتكلف من العبادات نوافل فوق طاقته ، خوف القطيعة ، وتحذيراً من الترك : روى الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن هذا الدين متين ، فأوغِلوا فيه برفق )1. وجاء في رواية البيهقي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، ولّ تبغًض إلى نفسك عبادة الله ، فإن المنبته 2 ، لّ أرضاً قطع ، ولّ ظهراً أبقى ) 3 . قال الإمام الغزالي رضي الله عنه: أراد بهذا الحديث أن يكلًف نفسَه أعمالَ الدين بتلطًف وتدريج ، فلً ينتقل دفعة واحدة إلى أقصاها ، إذ الطبعُ نَفورٌ لّ يمكن نقله عن أخلًقه الرديئة إلّ شيئاً فشيئاً ، فمن لم يراع التدريج ، وتوغًل أي : ادخلوا فيه برفق . فالمنبت : هو المنقطع ، وهو الراكب الذي حمل دابته على الإسراع فوق طاقتها ، رجاء الوصول لمقصوده ، فإذا بدابته أعيت وانقطعت عن متابعة السير ، فلا هو قطع مسافة الأرض ، ولا هو أبقى ظهر دابته ينتفع به ، فكذلك من تكلف من العبادة ما لا يطيق فإنه ينتهي أمره إلى القطيعة والترك . وقد روى هذا الحديث بتمامه البيهقي في ( سننه ) ، والبزار والحاكم في ( علومه ) ، وأبو نعيم والقضاعي ، والعسكري والخطابي في ( العزلة ) – كذا في ( المواهب وشرحها ) للحافظ الزرقاني .

عدد الصفحات ٢٩٨

299 دفعة واحدة ، ترقً إلى حالة تشقً عليه ، فتنعكس أموره ، فيصير ما كان محبوباً عنده ممقوتاً ، وما كان مكروهاً عنده – يصير – مشرباً هيناً لّ ينفر عنه ، وهذا لّ يُعرف إلّ بالتجربة والذوق . ونظيره في العادات : الصبي يُحمل على التعلًم ابتداءً قهراً ، فيشق عليه الصبر عن اللعب ، والصبر مع المعلم ، حتى إذا انفتحت بصيرته ، وأنِس بالعلم ، انقلب الأمر ، فصار يشق عليه الصبر عن العلم اهـ . ومن إرشاداته صلى الله عليه وسلم : أنه كان يحذًر من الدخول في العبادات على كراهية أو كسل ، بل يدخلها على جد ونشاط في العمل : جاء في ( الصحيحين ) عن أنس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين . فقال : ( ما هذا الحبلُ ؟ ) . قالوا : هذا حبل زينب ، فإذا فترَت – وفي رواية مسلم : فإذا كسلت أو فترَت – تعلًقت به . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( حلًوه ، ليصلً أحدُكم نشاطه ، فإذا فتر فليرقُد ) . فمن اعتراه الفتور في حال تطوعاته أو قيامه في الليل ، بسبب تعب شديد أو نوم ثقيل ، فعليه أن يقف عن ذلك ، ريثما يذهب عنه ذلك الفتور والكسل ، ثم يتابع سيره في العبادة . وفي ( الصحيحين ) عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقُد ، حتى يذهب عنه النوم ، فإن أحدكم إذا صلًى وهو ناعس – أي : نعاساً ثقيلًً كما يدل عليه قوله : - لّ يدري لعله يذهبُ يستغفرُ فيسبً نفسَه ) أي : يدعو على نفسه وهو لّ يشعر ، لثقل نعاسه . ومن إرشاداته صلى الله عليه وسلم : تحذيرُه من الإكثار والنشاط للعبادات والنوافل ، ثم التقاعس عنها ، والفتور على وجه يقصر عن حد السنة التي سنًها صلى الله عليه وسلم في ذلك العمل . كما أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يرضى أن يُمدح الرجلُ بعباداته حال هجمته الأولى وشِرتًه ونشاطه في بادئ الأمر ، حتى تمضي عليه مدة ويستقرً أمره فإن انتهى إلى حد السنة مُدح ،وإن قصر عنها فلً يُمدح :

عدد الصفحات ٢٩٩

300 روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لكل شيء شِرًةً ، ولكل شِرة فترة ، فإن صاحبها سدًد وقارَبَ فارجوه ، وإن أشير إليه بالأصابع فلً تعدًوه )1 . وقد رواه ابن حبان في( صحيحه ) أيضاً من حديث أبي هريرة ولكن بلفظ : ( لكل عمل شرًة .. ) الحديث . كما في ( الترغيب ) للمنذري ، قال : والشرًة : بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء ، وبعدها تاء تأنيث ، هي : النشاط والهمًة . وأخرجه الحافظ المنذري أيضاً من رواية ابن أبي عاصم وابن حبان في ( صحيحه ) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لكل عملٍ شرًة ، ولكل شرًة فترة ، فمن كانت فترته إلى سنًتي فقد اهتدى ، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك ) . وقد أورد الحافظ ابن حجر في ( المطالب العالية ) عن ابن فاختة أنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن ابن أخي قد اجتهد في العبادة ، وأجهد نفسه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تلك شرًة الإسلًم ، لكل شيء شرًة ، ولكل شرًة فترة ، فارقبه عند فترته ، فإن قارب فلعلًه ، وإن هلك فتبًاً له )2 وفي هذه الأحاديث النبوية تنبيهات وإرشادات للمسلمين ، إلى الّستمرار على التقوى والعبادات ، والتزام الطاعات والقربات ، على وجه دائم ، دون أن يُقبل أحدهم على العبادة بهمة ونشاط ، ويحمًل نفسه من النوافل فوق طاقته ، ثم إنه بعد ذلك يفتر ويملُّ ، ويترك أو يقصًر عن حدً السنة . حول تهجّده صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : (وَمِنَ اللهيْلِ فَتَهَجهدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) . قال علماء اللغة : الهجود هو النوم ، والتهجُّد ترك النوم بسبب الّشتغال بالصلًة . والمعنى : ومن الليل فتهجد بالصلًة المشتملة على القرآن الكريم وعلى هذا تكون صيغة التهجد من صيغ السلب ، كالتأثُّم بمعنى ترك الإثم ، والتحرُّج وهو البعد عن الحرج ، وهكذا .. قال في ( التيسير ) : رواه الترمذي وصححه . انظر الجزء الثالث ص

عدد الصفحات ٣٠٠

301 ومعنى: ( نافلة لك ) أي : عبادة زائدة لك على بقية فرائض الصلوات : إما : على طريق الفريضة ،بناءً على أنً التهجًد كان فرضاً عليه صلى الله عليه وسلم دون أمته – قال الحافظ الزرقاني : وهو قول الأكثر وقول الإمام مالك . وإما : على طريق التطوع ، ويكون تخصيصه صلى الله عليه وسلم بكون التهجد نافلة له ، باعتبار أن تطوعاته صلى الله عليه وسلم هي خالصةٌ له في رفعة درجاته ، وكثرة حسناته ، وعلو مقامه ، لكونه لّ ذنب عليه ، فالتهجد في حقه هو نافلة له خالصة بخلًف الأمة فإن لهم ذنوباً ، وهي تحتاج إلى كفارات ، ولهم تقصيرات ، وهي تحتاج إلى مكملًت ، فتطوعاتهم الزائدة على فرائضهم يحتاجونها لتكفير ذنوبهم ، أو لتكميل ما انتقصوا من فرائضهم ،كما جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( .. وإن انتقص – أي : العبد – من فريضته شيئاً قال الله تعالى للملًئكة : انظروا هل لعبدي من تطوع ؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة .. ) الحديث كما في ( السنن ) . فصاحب مقام النفل الأكمل والفضل الأول ، هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أعطاه الله تعالى أعلى رتبة في النافلة ، ورتب على ذلك المقام المحمود الذي تحمده عليه الخلًئق كلهم : الأولون والْخرون ، وهو مقام الشفاعة العامة العظمى : كما جاء في ( صحيح ) البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثاً ـ كلُّ أمة تتبع نبيًها – يقولون : يا فلًن اشفع لنا ، حتى تنتهي الشفاعة إليً ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود ) . وروى مسلم عن سعد بن هشام أنه قال : ( قلت لعائشة رضي الله عنها : يا أمً المؤمنين أنبئيني عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : ألستَ تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى . قالت : فإن خُلق نبيً الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن 1 . قال: فهمَمت أن أقومَ ولّ أسأل أحداً عن شيء حتى أموت – ثم بدا لي فقلت : أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : ألستَ تقرأ ( يا أيًها المزًمل ) ؟ أي : كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن في العمل بأحكامه ، والتأدب بآدابه ، والاعتبار بأمثاله وقصصه وحسن تلاوته والتحقق بجميع مطالبه .

عدد الصفحات ٣٠١

302 قلت: بلى ؟ قالت : فإن الله عز وجلً افترض قيام الليل من أول هذه السورة ، فقام نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًّ ، وأمسك الله خاتمتها – اي : آخر سورة المزمل – اثني عشر شهراً في السماء ، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة بالتخفيف – أي : في قوله تعالى : ( فاقرؤوا ما تيسًر منه ) – فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة ) الحديث . وقد نقل الحافظ الزرقاني الإجماع على نسخ وجوب قيام الليل في حق الأمة . قال : وشذً بعض التابعين فأوجبه ولو قدرَ حلب شاة . واختلف في نسخ وجوبه في حقه صلى الله عليه وسلم على قولين للعلماء في ذلك . وقت قيامه صلى الله عليه وسلم متهجداً روى الشيخان عن مسروق قال : سألتُ عائشة رضي الله عنها أيُّ العمل كان أحبً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : الدائم . قلت : متى كان يقوم ؟ - وعند مسلم : أيُّ : حينٍ كان يصلي ؟ - قالت : إذا سمع الصارخ . قال الحافظ في ( الفتح ) : الصارخ : الديك ، وقد جاء في ( مسند ) الطيالسي في هذا الحديث : الصارخ : الديك .. والصرخة الصيحة الشديدة ، وجرت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل غالباً . قاله محمد بن نصر ، قال ابن التين : وهو موافق لقول ابن عباس : نصف الليل ، أو قبله بقليل ، أو بعده بقليل . اهـ . وقد روى الإمام أحمد وابو داود وابن ماجه بإسناد جيد ، عن زيد بن خالد الجهني مرفوعاً : ( لّ تسبًوا الديك ، فإنه يوقظ للصلًة ) . وفي رواية : ( فإنه يدعو إلى الصلًة ) كذا في ( شرح المواهب ) . وهذا القيام على هذا الوجه ، حكم له النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحب القيام ، كما جاء في ( الصحيحين ) عن ابن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( أحبُّ الصلًة إلى الله صلًة داود عليه السلًم ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود ، كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، ويصوم يوماً ويفطر يوماً ) – وقد تقدم . وذلك ليستريح من نصَب القيام ، فإنه بعد القيام يريح البدن ، ويذهب ضرر السهر ، وذبول الجسم ، بخلًف السهر إلى الصباح .

عدد الصفحات ٣٠٢

303 وفيه من الحكمة أيضاً: استقبالُ صلًة الصبح وأذكار النهار بنشاط وإقبال وهذا بالنسبة للصلًة أيضاً أقرب إلى عدم الرياء ، لأن من نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون ، سليم الصدر ، فهذا أقرب إلى إخفاء عمله في الليل ، كما ذكر ذلك الحافظ في ( الفتح ) . وبذلك يكون المتهجد قد نال فضائل تجليات الرب عزًوجل في الثلث الثاني والثلث الأخير ، كما ورد في ( الصحيحين ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا ، حين يبقى ثلث الليل الْخر ، يقول : من يدعوني فأستجيبَ له ؟ من يسألني فأعطيَه ؟ من يستغفرني فأغفرَ له حتى ينفجر الفجر ) كما في رواية مسلم . قال في ( الفتح ) : زاد سعيد عن أبي هريرة : ( هل من تائب فأتوبَ عليه ؟ ) وزاد أبو جعفر عنه : ( من ذا الذي يسترزقني فأرزقَه ؟ من ذا الذي يستكشف الضرً فأكشف عنه ؟ ) . وزاد عطاء عنه : ( ألّ سقيمٌ يستشفي فيشفى ؟ ) وزاد سعيد بن مرجانة عنه : ( من يُقرض غيرَ عديم ولّ ظلوم ؟ ) . وقال في ( الفتح أيضاً ) : وفي هذا الحديث من الفوائد : تفضيل صلًة آخر الليل على أوله ، وتفضيل تأخير الوتر ، لكن في حق من طمع أن ينتبه ، وأن آخر الليل أفضل للدعاء والّستغفار ، يشهد له قوله تعالى : ( والمستغفرين بالّسحار ) ، وأن الدعاء في ذلك الوقت مجاب اهـ . فكان أغلب قيامه صلى الله عليه وسلم لصلًة الليل في أول النصف الثاني من الليل ، كما روى الشيخان وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام أول الليل ، ويحيي آخره . والمراد بأول الليل ههنا : الأولية النسبية ، وهي ما بعد صلًة العشاء ، وما يتصل بها من أوراد وقراءات مطلوبة بعد الصلًة وقبل النوم 1 - فإنه قد صحً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها . وكانت له صلى الله عليه وسلم أوراد وقراءات قبل أن ينام : كما روى الإمام أحمد والترمذي وصححه عن عائشة رضي الله عنها : انظر شرح الزرقاني على المواهب :

عدد الصفحات ٣٠٣

304 (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لّ ينام حتى يقرأ بني إسرائيل– أي : سورة الإسراء – والزمر ) . وأخرج الترمذي والنسائي عن جابر رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لّ ينام حتى يقرأ : آلم تنزيل السجدة ، وتبارك الذي بيده الملك ) . وعن العِرباض بن سارية رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ المسبًحات قبل أن يرقُد ، وقال : ( فيهنً آ يةٌ أفضل من ألف آية ) رواه أحمد وأصحاب السنن . ورواه ابن الضًريس عن يحيى بن أبي كثير مرسلًً ، وزاد : قال يحيى : فنراها الْية التي في آخر الحشر – أي : الْيات الثلًثة في آخر سورة الحشر وقال الحافظ ابن كثير : الْية هي قوله تعالى : ( هو الأول والْخر ، والظاهر والباطن ، وهو بكل شيء عليم ) . والمسبًحات ستً : ( الحديد ، والحشر ، والصف ، والجمعة ، والتغابن ، وسبح اسم ربك الأعلى ) . أذكاره صلى الله عليه وسلم حين يستيقظ لصلاة الليل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ من منامه لصلًة الليل ، يمسح النوم عن وجهه بيده ، ويرفع رأسه إلى السماء ، ثم يكبر عشراً ، ويحمد عشراً ، ويقول : ( سبحان الله وبحمده ) عشراً ، ويقول : ( سبحان الملك القدُّوس ) عشراً . وفي رواية ابن مردُويه : ثم استوى على فراشه قاعداً ، ورفع رأسه إلى السماء ، فقال : ( سبحان الملك القدوس ) ثلًث مرات ، ثم قرأ الْيات من آخر سورة آل عمران ، ثم قام إلى شنً معلقةٍ ، فتوضأ منها فأحسن وضوءه ، ثم قام يصلي وعند مسلم : فتسوًك وتوضًأ . قال ابن عباس رضي الله عنهما : فقمت فصنعت مثل ما صنع ، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه ، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي ، وأخذ بأذني اليمنى ففَتَلها ، فصلى ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم أوتر ، ثم اضطجع ، حتى جاء المؤذن ، فقام فصلى ركعتين خفيفتين ، ثم خرج فصلى الصبح . وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبً من الليل واستيقظ كبًر عشراً ، وحمد الله عشراً – أي : من المرات – وقال : ( سبحان الله وبحمده ) عشراً ، وقال : ( سبحان الملك

عدد الصفحات ٣٠٤