273 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحس ن الأمر الحسن ويمدح على ذلك ، تكريماً لمن أحسن فيه ، وتنشيطاً لهمته ، ويقب ح الأمر القبيح ويردُّه . روى الإمام أحمد عن يحيى بن الجزار قال : دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة رضي الله عنها فقالوا : يا أم المؤمنين حد ثينا عن سر رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : ( كان سرُّ ه وعلانيته سواءً ، ثم ندمت قالت : أفشيتُ سر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرتُه ، فقال : أحسنتِ )) . قال في ( مجمع الزوائد ) : رواه أحمد والطبراني وقال : يحيى عن أم سلمة ، ورجالهما رجال الصحيح اهـ . وروى ابن حبان في ( صحيحه ) عن طَلق بن علي الحنفي – نسبة لبني حنيفة – قال : بنيتُ المسجدَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذتُ المِسحاة بمِخلطة الطين ، فكأنه أعجبه فقال : ( دعوا الحنفي والطينَ ، فإنه أضبطُكم للطين ) . وفي ( طبقات ) ابن سعد عن طلق قال : قدمتُ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني مسجده ، والمسلمون يعملون فيه معه ، وكنتُ صاحبَ علاجٍ وخلطِ طينٍ ، فأخذتُ المِسحاة أخلط الطين – ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلي ، ويقول : ( إن هذا الحنفي لصاحبُ طين ) 1 . وكان صلى الله عليه وسلم يحثُّ على إتقان العمل وإحسانه: كذا في (التراتيب ) .
عدد الصفحات ٢٧٣274 فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليهوسلم قال : ( إن الله تعالى يحبُّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يُتقنه )1 . وروى البيهقي عن كُليب بن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله تعالى يُحب من العامل إذا عمل عمل أن يُحسن )2 . مشاورته صلى الله عليه وسلم لأصحابه قال الله تعالى : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكهلْ عَلَى اللههِ إِنه اللههَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) . فقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة في الأمر الذي يحتاجُ بعدُ إلى المشاورة ، فإذا عزم قلبه على الفعل وعلى إمضائه بعد المشاورة – كما تدل عليه الفاء الدالة على الترتيب والتفريع – فليمضِ وليتوكل على الله تعالى . وإنما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه أهلَ الرأي والتدبير في الأمور التي تتطلًب ذلك ، مع أن عقلهم بالنسبة إلى عقله الشريف صلى الله عليه وسلم كالسُّها بالنسبة إلى شمس الضحى ، ورأيه فوق الْراء كلها – لحكم : أولاً - تطييب نفوسهم ، حتى إذا دخلوا في ذلك الأمر ومضوا فيه – كالحرب وأمثالها – يكون ذلك عن طيب نفوسهم واختيارهم . وذلك كما قال قتادة : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه ، وهو يأتيه وحي السماء ، لأنه أطيب لأنفس القوم . ثانياً – الّستظهار برأيهم ، بمعنى أن رأيهم الموافق لرأيه صلى الله عليه وسلم يزداد به صلى الله عليه وسلم قوة ذكره في ( الجامع الصغير ) معزواً للبيهقي ، وقال العلامة المناوي : ورواه أبو يعلى وابن عساكر وغيرهما . كذا في ( الجامع الصغير ) رامزاً لضعفه .
عدد الصفحات ٢٧٤275 كما روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غَنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر : ( لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما ) . ثالثاً – أن يكون ذلك سنةً بعده صلى الله عليه وسلم لأمته . فقد أخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه أنه قال في هذه الْية : قد علم الله تعالى ما برسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة إليهم ، ولكن أراد أن يستنً به من بعده وروى ابن عدي والبيهقي في ( الشُّعب ) بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت : ( وشاورهم في الأمر ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما إن الله ورسوله لغنيًان عنها ، ولكن جعلها الله تعالى رحمةً لأمتي ، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً ، ومن تركها لم يعدم غيًاً )1 . رابعاً – أن في المشاورة تقديراً للمستشار واعتباراً لمنزلته وإعطاءه حرية الرأي والنظر ، وبها يشعر المستشار أن له اعتباراً وشأناً ، وأن عليه مسؤولية ينبغي أن يؤديها حقها ، ناصحاً صادقاً ، بخلًف الّستبداد في الرأي في مواضع الّستشارة ، فإنه يجعل الموجودين من عقلًء الرجال كالمفقودين ، ويجعل المختارين كالمكرهين . ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يشاور أصحابه ، فقد روى الشافعي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ما رأيتُ أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من النبي صلى الله عليه وسلم . خامساً – أن في المشاورة استعراضَ الْراء ، وشح ذَ العقول والأفكار ، وبها يعرف مقادير الرجال ، وخبرتهم في الأمور ، ومدى تجاربهم فيها . حثّه صلى الله عليه وسلم على الاستشارة كان صلى الله عليه وسلم يحث على الّستشارة ويرغًب فيها : انظر جميع ذلك في ( تفسير ) الآلوسي .
عدد الصفحات ٢٧٥276 فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المستشير مُعان ، والمستشار مؤتَمَن ، فإذا استُشير أحدُكم فليُشر بما هو صانع لنفسه )1 والمشورة– كما قال العلماء – أن تستخلص حلًوة الرأي وخالصه من خبايا الصدور ، كما يشور العسلَ جانيه . وفي بعض الْثار : ( نقًحوا عقولكم بالمذاكرة ، واستعينوا على أموركم بالمشاورة ) . وقد بيًن العلماء أن المستشار يجب أن يكون : أميناً محترماً ، ناصحاً ثابت الجأش ، غيرَ معجَب بنفسه ، ولّ متلوًن في رأيه ، ولّ كاذبٍ في مقاله . وزاد بعضهم : ولّ محباً – أي : متغالياً في محبة الأمر المستشار فيه – لغلبة هوى محبوبه عليه ، ولّ متجرًداً عن الدنيا ، فإنه لّ يُستشار في أمر الدنيا ، لعدم معرفته ، ولّ منهمكاً في حبها ، لّستيلًئها عليه – وذلك مما يُفسد رأيه ، ولّ بخيلًً 2 . وعن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المستشار مؤتَمَن ، وهو بالخيار3 ، إن شاء تكلم ، وإن شاء سكت ، فإن تكلم فليجتهد رأيه )4 . وروى الطبراني عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما خاب من استخار ، ولّ ندم من استشار )5 . رواه العسكري وأصله في( السنن ) انظر جميع ذلك في ( شرح المواهب ) من الجزء الرابع – قال : ويستحب تقديم الاستشارة على الاستخارة ، كما في ( المدخل ) اهـ ما لم يعين عليه ، بأن كان يلحق المستشير ضرر إذا لم يشر عليه . 4 رواه الإمام أحمد ،وأصله في( السنن ) الأربعة . رواه الطبراني في ( الأوسط ) بإسناد ضعيف جداً ، لكن له شواهد كثيرة ، كما في مجمع الزوائد ) ، و( الجامع الصغير ) و( شرح المواهب )
عدد الصفحات ٢٧٦277 تصويبه صلى الله عليه وسلم الرأي الحسن وعمله بمقتضاه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوًب رأي من تقدًم برأي حسن صائب ، ويعلن ذلك تكريماً لصاحب الرأي الحسن ، وتنشيطاً لهمًته ، وتقديراً لموقعه في مواضع الخبرة . وفي ذلك دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان أوعى لحكمة الْراء ومراميها ، ومدى أثرها وعواقب أمرها ، فلذا كان يصوًب حسنها ، ويردً سيئها . ففي ( طبقات ) ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار يوم قريظة والنضير ، فقام الحُباب بن المنذر فقال : أرى أن ننزل بين القصور فنقطع خبر هؤلّء عن هؤلّء ، وخبر هؤلّء عن هؤلّء ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله 1 . وروى الطبراني عن نُبيشة الخير أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أسارى ، فقال : يا رسول إما أن تمنً عليهم ، وإما أن تفاديهم . فقال صلى الله عليه وسلم : ( أمرتَ بخير ، أنت نبيشة الخير )2 . وروى الطبراني وسعيد بن منصور عن طلحة مرفوعاً: ( يا عمرو إنك لذو رأي رشيد في الإسلًم ) . حبه صلى الله عليه وسلم حسن الأسماء وكراهته قبيحها كان صلى الله عليه وسلم يحبُّ للمسلم صالح الأسماء وحَسَنها ، ويكره له سيء الأسماء وقبيحها ، وفي ذلك تكريم المسلم أن يُعرف باسم قبيح ، أو ينادى باسم قبيح أو يُوضع عليه عَلَم قبيح : اسماً أو لقباً أو كنية . انظر ( الطبقات ) المجلد الثالث ص قال في ( مجمع الزوائد ) : رواه الطبراني وإسناده حسن اهـ
عدد الصفحات ٢٧٧278 روى الطبراني وأبو يعلى عن حنظلة بن حِزيَم رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يعجبه أن يُدعى الرجل بأحب اسمائه إليه ، وأحب كُناه )1 . وذلك لما فيه من التكريم والتحابُب والتواصل ، وإدخال السرور عليه. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحسين الأسماء : فروى أبو داود وابن حبان في ( صحيحه ) عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنكم تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم ، فحسًنوا أسماءكم )2 . قال العلًمة المناوي: ولّ يعارض هذا الحديثَ خبرُ الطبراني : أنهم يُدعون بأسماء أمهاتهم ، ستراً منه سبحانه على عباده ، لإمكان الجمع بأنَ من صحً نسبه يُدعى بالأب ، وغيره يُدعى بالأم – كذا جمع البعض . وأقول : هو غير جيد ، إذ دعاءُ الأول – أي : الذي صح نسبه – بالأب ، والثاني – أي : الذي لم يصح نسبه – بالأم ، يُعرف به ولد الزنا من غيره ، فيفوت المقصود ، وهو الستر ، ويحصل الّفتضاح – فالأولى أن يقال : خبر دعائهم بالأمهات ضعيف ، فلً يُعارض به الصحيح اهـ . وعن أبي وهب الجُشمي – وكانت له صحبة – رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تسمًوا بأسماء الأنبياء ، وأحبُّ الأسماء إلى الله : عبد الله وعبد الرحمن ، وأصدقُها : حارث وهمًام ، وأقبحها حربٌ ومُرًة ) . انظر ( الجامع الصغير ) رامزاً لحسنه ، وقال : رواه الطبراني وأبو يعلى وابن قانع في ( معجم الصحابة ) والبارودي ، وقال المناوي : قال الهيثمي : ورجال الطبراني ثقات اهـ ورواه الإمام أحمد أيضاً ، وقال النووي في ( الأذكار ) : إسناده جيد ، قال المناوي : وتبعه الزين العراقي .
عدد الصفحات ٢٧٨279 قال الحافظ المنذري: رواه أبو داود – واللفظ له – والنسائي . وإنما كان حارث وهمام أصدقَ الأسماء : لأن الحارث هو الكاسبُ ، والهمام هو الذي يهم مرة بعد أخرى ، وكل إنسان لّ ينفك عن هذين . اهـ . يعني : أن هذين الّسمين مطابقان لمعناها ، إذ كل إنسان يهمُّ أولًّ – والهمُّ مبدأ الإرادة – ثم يتحرك للعمل ، وهو الكسب المعبًر عنه بالحارث ، فهو حارث همام ، والّسم الكريم يُشعر بكرامة المسمًى ، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يغيًر الّسم القبيح إلى اسم حسن : فعن عائشة رضي الله عنها : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغيًر الّسم القبيح ) . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن ابنةً لعمر كان يقال لها عاصية ، فسمًاها رسول الله صلى الله عليه وسلم جميلة . رواه الترمذي وقال : حديث حسن ، ورواه مسلم باختصار . حبه صلى الله عليه وسلم الفأل الصالح وكراهته التطير روى البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لّ عدوى ولّ طِيَرة ، ويُعجبني الفأل الصالح : الكلمة الحسنة ) . قال في ( النهاية ) : الطًيرة : بكسر الطاء وفتح الياء ، وقد تسكًن : هي التشاؤم بالشيء ، وهو مصدر تطيًر ، يقال : تطير طِيرة ، وتخيًر خِيرة . قال : وأصله فيما يقال : التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما 1 ، وكان ذلك يقيًدهم– أي : يمنعهم في عهد الجاهلية – عن قال الأزهري : إن العرب كانت تزجر الطير ، فتتشاءم بالبارح ، وتتيمن بالسانح . قال أبو عبيدة : سأل يونس رؤية – وأنا شاهد – عن السانح والبارح ؟ فقال : السانح ما ولاك ميامنه ، والبارح ما ولاك مياسره . وقيل : البارح ما يأتي من جهة الشمال ، والسانح ما يأتي من جهة اليمين .
عدد الصفحات ٢٧٩280 مقاصدهم ، فنفاه الشرع وأبطله ، ونهى عنه ، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضُرً . وقال أيضاً : الفأل – مهموز – فيما يسرً ويسوء ، والطيرة لّ تكون إلّ فيما يسوء ، وربما استعملت فيما يسرً . وقال أيضاً : وقد جاءت الطيرة بمعنى الجنس ، والفأل بمعنى النوع . وأشار بذلك إلى ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لّ طيرة ، وخيرها الفأل ) . قالوا : وما الفأل يا رسول الله ؟ قال : ( الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم ) . ولذا قال في ( المرقاة ) يشرح قوله صلى الله عليه وسلم : ( وخيرها الفأل ) أي : خير أنواع الطيرة بالمعنى اللغوي الأعم من المأخذ الأصلي اهـ . والخلًصة : أنه صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفأل الصالح ، أي : الكلمة الحسنة المبشًرة بخير ، كما روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع : يا راشد يا نجيح ) . فالتفاؤل والّستبشار بالخير محمود شرعاً ، كأن يسمع طالبُ ضالة : يا واجد ، وأن يسمع التاجر : يا رازق ، والمسافر : يا سالم ، وقاصد الحاجة : يا نجيح ، والغازي : يا منصور ، والحاجُّ : يا مبرور ، والزائر : يا مقبول ، وأمثال ذلك ، كما في ( المرقاة ) وغيرها . وأما التطيُّر بمعنى التشاؤم : فهو منهي عنه شرعاً : ثم إنهم سموا الشؤم طيراً وطائراً ، والتشاؤم تطي راً ، وقد يطلقون الطائر على الحظ والنصيب : خيراً أو شراً – كذا في ( تفسير ) الآلوسي : سورة الأعراف .
عدد الصفحات ٢٨٠281 روى الإمام أحمد في( مسنده ) بسند حسن ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولّ يتطير ، وكان يحب الّسم الحسن ) . وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لّ عدوى ، ولّ طِيرة ، ولّ هامة ، ولّ صَفَر ، وفِرً من المجذوم فِرارك من الأسد ) . فنفى رسول الله صلى الله عليه وسلم تأثير العدوى من ذاتها ، وأنها لّ محالة مؤثرة ، كما كانوا يعتقدونه في الجاهلية وإنما هي سبب من الأسباب ، والفعًال المؤثر بالأسباب هو الله تعالى وحده . روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لّ عدوى ، ولّ هامَة ولّ صفَر ) . فقال أعرابي : يا رسول الله فما بالُ الإبل تكون في الرمل لكأنها الظًباء ، فيخالطها البعير الأجرب فيُجربُها ؟ ! فقال صلى الله عليه وسلم : ( فمن أعدى الأول ) ؟ . فالعدوى سبب ، ولكنها لّ تؤثر من ذاتها ، وإنما تؤثر بإذن الله تعالى ومشيئته ، وقدرته وإرادته ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم : ( وفِرً من المجذوم فرارك من الأسد ) أي : حذراً من أن تؤثر فيك العدوى بإذن الله تعالى وقدرته . وقد قال العارفون : الأسباب حُجًاب بين يدي رب الأرباب ، يتصرًف فيها بقدرته ومشيئته وحكمته ، وهو المؤثر الفعًال . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( ولّ طيرة ) أي :لّ اعتبار للتطير في الشؤم . وقال بعضهم : هو نفي معناه النهي ، أي : لّ تتطيروا ولّ تتشاءموا .
عدد الصفحات ٢٨١282 (ولّ هامة) قال في ( المرقاة ) : هي اسم طير يتشاءم به الناس ، وهي الصًدى ، وهو طير يضعف بصره في النهار ، ويطير في الليل ، ويصوًت ، ويسكن الخراب ، ويقال له : بوم ، وهذا أحد قولين حكاهما الإمام النووي . وثانيهما " كانت العرب تزعم أن عظام الميت – وقيل : روحه – تنقلب هامة تطير – قال : وهذا تفسير أكثر العلماء ، وهو المشهور ، ويجوز أن يكون المراد النوعين معاً ، فإنهما باطلًن اهـ . ( ولّ صفر ) قال أبو داود : سئل مالك عن قوله : ( ولّ صفر ) ؟ فقال : إنً أهل الجاهلية كانوا يحلًون صفر : يُحلونه عاماً ، ويحرمونه عاماً – فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولّ صفر ) . وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الرجلَ الذي يرى ما يكرهه ، وربما دخل عليه التشاؤم منه ، أن يقول : ( اللهم لّ يأتي بالحسنات إلّ أنت ، ولّ يدفع السيئات إلّ أنت ، ولّ حول ولّ قوة إلّ بك ) كما في ( سنن ) أبي داود . وروى الإمام أحمد عن ابن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ردًته الطِيرة – أي : منعته – من حاجته ، فقد أشرك ) قالوا : وما كفارة ذلك يا رسول الله ؟ فقال : ( يقول : اللهم لّ خيرَ إلّ خيرك ولّ طيرَ إلّ طيرك ، ولّ إله غيرك )1 حبه صلى الله عليه وسلم التيمن في شأنه كله روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعجبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله ، وفي طُهوره وفي شأنه كله ) . قال في ( مجمع الزوائد ) : أخرجه أحمد والطبراني ، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف ، وبقية رجاله ثقات اهـ
عدد الصفحات ٢٨٢283 وفيرواية لمسلم : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ التيمُّن ما استطاع : في طهوره وتنعُّله وترجُّله ، وفي شأنه كل ه ) . والتيمُّن : هو الابتداء في الأفعال باليد اليمنى ، إن كان الفعل منوطاً باليد ، وبالرجل اليمنى إن كان منوطاً بالرجل ، وبالجانب الأيمن إن كان الفعل متعلقاً بالجوانب . والحكمة في ذلك كما أوضحه العلماء والعرفاء : هو أنه من باب تكريم اليمين ، والتفاؤل الحسن ، فإن أصحاب اليمين هم أهل الجنة ، ويؤتَون كتبهم بأيمانهم ، ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم . وفي هذا يتجلى تمام تنظيمه صلى الله عليه وسلم وهديه في مباشرة الأعمال ، وذلك أنه لابد من تقديم أحدِ طرفي اليمين أو الشمال في مباشرة الأعمال ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفوضى في ذلك ، وسن البدء باليمين ، ورج حها على الشمال – لما تقد م . فكان صلى الله عليه وسلم يبدأ باليمين في طهوره – أي : تطهره ، وهذا شامل للوضوء والغسل والتيمم ، وفي ترجُّله – أي : تمشيط شعر رأسه الشريف ولحيته صلى الله عليه وسلم 1 وفي تنعُّله– أي : لبس نعله . وزاد أبو داود في روايته : وفي سواكه صلى الله عليه وسلم ، وفي شأنه كله . وجاء في رواية النسائي : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ التيمُّن : يأخذ بيمينه ويعطي بيمينه ، ويحبُّ التيمُّن في جميع أمره ) . وهذا العموم الوارد في تيامنه صلى الله عليه وسلم في جميع أمره هو – كما قال الإمام النووي وغيره – محمول على ما كان من باب التكريم والتزيين : كالأخذ والعطاء ، ودخول المسجد والبيت ، وحلق الرأس وقص الشارب ، كذا في ( جمع الوسائل ) .
عدد الصفحات ٢٨٣284 وتقليم الأظفار ، ونتف الإبط ، والاكتحال ، والاضطجاع ، والأكل والشرب1 . وأما ما لا تكريم فيه ولا تزيين ، بل هو من باب الإزالة ، فإنه يؤخذ باليسار ، إكراماً لليمين أيضاً ، كما دل عليه ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطُهوره وطعامه ، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذىً ) . وروى أيضاً عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا بال أحدكم فلا يمس ذكَره بيمينه ، وإذا أتى الخلاءَ فلا يتمس ح بيمينه ، وإذا شربَ فلا يشرب نفَسَاً واحداً ) وكان صلى الله عليه وسلم يأمر باستعمال اليمين في الطعام والشراب ، والأخذ والعطاء ، وينهى عن استعمال الشمال في ذلك : روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليأكل أحدكم بيمينه ويشرب بيمينه ، وليأخذ بيمينه ،وليعطِ بيمينِه ، فإن الشيطان يأكلُ بشماله ، ويشرب بشماله ، ويعطي بشماله ويأخذ بشماله ) . وروى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بشماله ، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها ) وكان صلى الله عليه وسلم يقد م الأيمن فالأيمن ، ويقول : ( الأيمنَ فالأيمن ) . روى الشيخان واللفظ للبخاري عن أنس رضي الله عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبناً وأتى داره 2 فحلبتُ شاةً فشِبتُ لرسول صلى الله عليه وسلم من البئر ، فتناول القدحَ فشرب ، وعن يساره أبو بكر ، كما في ( جمع الوسائل ) وغيره . أي : والحال قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم دار أنس .
عدد الصفحات ٢٨٤285 وعن يمينه أعرابيٌ ، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعرابي فضلَه ، ثم قال : ( الأيمنَ فالأيمنَ )1 . وفي رواية: ( الأيمنون فالأيمنون ) وفي رواية : ( ألا فيم نوا ) . قال الحافظ في ( الفتح ) : أي : يقد م من على يمين الشارب في الشرب ، ثم الذي عن يمين الثاني ، وهل م جراً ، وهذا مستحب عند الجميع . وقال ابن حزم : يجب اهـ .2 فيُبدأ بكبير القوم أو مقد مهم في الفضل ، أو رئيسهم ، ثم بمن على يمينه. كراهيته صلى الله عليه وسلم إطلاق بعض الكلمات مخافة إيهامها جاء في ( الصحيحين ) عن عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقولن أحدكم : خبُثت نفسي ، ولكن ليقل : لقِست نفسي ) . وفي ( سنن ) أبي داود عن عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقولن أحدكم : جأشت نفسي ، ولكن ليقل : لقِسَت نفسي ) . قال الإمام النووي : قال العلماء : معنى لقِست وجأشت : غثت3 . قالوا: وإنما كره خبثت ، للفظ الخبث والخبيث . وقال الإمام أبو سليمان الخطابي : لقِست وخبثت : معناهما واحد ، وإنما كره خبثت ، للفظ الخبث وبشاعة الاسم منه ، وعل مهم الأدب في استعمال الحسن منه ، وهجران القبيح اهـ يعني : أنه صلى الله عليه وسلم كره أن يضيف المسلم لنفسه كلمةً فيها خبث وبشاعة ، فإن المسلم أكرم من ذلك . أي : قدموا الأيمن فالأيمن . ( فتح الباري ) : : يقال : غثت النفس ، تغثي ، غثياً ، وغثياناً : إذا اضطربت ، حتى كادت تتقيأ .
عدد الصفحات ٢٨٥286 ومن ذلك: نهيه صلى الله عليه وسلم أن يقول العبد لسيّده : ربي ، بل يقول : سيدي ومولاي ، ونهيه أن يقول السيد ، عبدي وأمَتي ، ولكن ليقل : غلامي ، وجاريتي ،وفتاي ، وفتاتي . روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقل أحدكم – أي : لغيره من المخلوقات - : ربي ، وليقل : سيدي ومولاي ) . وفي رواية له أيضاً : ( لا يقولن أحدكم : عبدي وأمَتي ، كلكم عبيد الله ، وكلُّ نسائكم إماءُ الله ، ولكن ليقل : غلامي وجاريتي ، وفتاي وفتاتي ) . والحكمة في هذا النهي : إغلاقُ باب الموهمات سد اً للذريعة ، وإيقافُ نفوس أصحاب الغلمان والجواري عن التطاول والغطرسة والترفع والكبر . وفي ذلك أيضاً : تكريم للغلمان والجواري ، وإحسان إليهم ، وجبر لقلوبهم . ومن ذلك : تحذيره صلى الله عليه وسلم الرجلَ من أن يقول : هلكَ الناس – وهو يريد بذلك انتقاصَهم واحتقارهم ، وتنزيه نفسه وتفضيلها عليهم : روى الإمام مسلم في ( صحيحه ) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال الرجل : هلَكَ الناسُ فهو أهلكُهم ) . قال الإمام النووي : قلتُ : روي أهلكهم برفع الكاف وفتحها : والمشهور الرفع ، واستدل على ذلك برواية في ( الحلية ) : ( فهو من أهلكهم ) – ثم قال : قال الحميدي : والأشهر الرفع – أي : أشدُّهم هلاكاً ،وذلك إذا قال ذلك على سبيل الإزراء عليهم ، والاحتقار لهم ، وتفضيل نفسه عليهم ، لأنه لا يدري سر الله تعالى في خلقه اهـ . يعني أن المحتقِر لغيره ربما ساء عمله ، وختم له بسوء العاقبة ، وأن المحتقَر ربما صلح أمره ، وختم له بحسن العاقبة . اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة
عدد الصفحات ٢٨٦287 وقال الإمام النووي: قال الخطابي : معناه : لا يزال الرجل يَعيب الناسَ ، ويذكر مساوئهم ، ويقول : فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك ، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم – أي : أسوأ حالاً فيما يلحقه من الإثم في عيبهم ، والوقيعة فيهم ، وربما أد اه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أن له فضلاً عليهم ، وأنه خير منهم فيهلك اهـ . ثم أورد الإمام النووي سند هذا الحديث عند أبي داود وأنه قال : قال مالك : إذا قال ذلك تحزُّناً لما يرى في الناس – قال : يعني من أمر دينهم – فلا أرى به بأساً . وإذا قال ذلك عجباً بنفسه ، وتصاغراً للناس ، فهو المكروه الذي يُنهى عنه . قال النووي : قلت : فهذا تفسير بإسنادٍ في نهايةٍ من الصحة ، وأحسنُ ما قيل في معناه – أي : معنى هذا الحديث – وأوجز ، ولاسيما إذا كان عن الإمام مالك رضي الله عنه اهـ كما في ( الأذكار ) . فليحذر المسلم أن يزكي نفسه ، ويحتقر غيره ، أو أن يكرم نفسه ، ويُزري بغيره من المسلمين المخل طين ، ولكن ليأسف عليهم وليحزن عليهم ، وليدعُ الله تعالى لهم . وجاء في ( بلاغات الإمام مالك التي أوردها في الموطأ ) : ( أن عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام كان يقول : لا تُكثروا الكلام بغير ذكر الله ، فتقسوَ قلوبكم ، فإن القلب القاسي بعيدٌ من الله ، ولكن لا تعلمون ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب ، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد 1 فإنما الناسُ : مبتلىً ومُعافىً ، فارحموا أهل البلاء ، واحمَدوا الله على العافية1 ). فلا ينظر المسلم إلى ذنوب الناس كأنه رب منز ه عن الذنوب والعيوب ،وأن الناس عبيد محتقرون ، مهينون بذنوبهم وعيوبهم ، ولكن ينبغي أن ينظر المسلم إلى عيوب
عدد الصفحات ٢٨٧288 حول عباداته صلى الله عليه وسلم إن سيدنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نال أشرف مقامات العبادة وأقربها إلى الله تعالى زلفى ، فهو صلى الله عليه وسلم سيد العِباد ، وإمام العُب اد . قال الله تعالى : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنهكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السهاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبهكَ حَتهى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) فأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الْية بأربعة أشياء : التسبيح ، والتحميد ، والسجود ، والعبادة حتى الموت . أما التسبيح : فهو تنزيه الله تعالى عما لّ يليق به . وأما التحميد : فهو إثبات المحامد له والكمالّت اللًئقة به . ثم قال سبحانه : ( وكن من الساجدين ) أي : المصلين ، فأطلق الجزءَ – وهو السجود – وأراد الكلً – وهو الصلًة – وفي هذا الأمر وهو قوله تعالى : ( وكن من الساجدين ) : فيه التنبيه إلى أفضلية السجود ، كما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربه عز وجلً وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء ) رواه مسلم . وجاءت هذه الأوامر بعدما ذكر سبحانه ما يعتري رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من ضيق صدره الشريف ، والغم الذي يجده بسبب ما يقوله الكفار من كلمات الكفر والّستهزاء والسخرية بما جاءهم به من عند الله تعالى . فجاء قوله تعالى : (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السهاجِدِينَ ) بعد ذلك إرشاداً إلى ما يكشف الله تعالى من الغمً ، ويزيل به ذلك الهمً ، ويشرح به الصدر ، ويذهب ذلك الضيق ، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلًة . ثم قال سبحانه : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) أي : الموت ، وسُمي بذلك لأنه متيقًن اللحوق بكل حيً مخلوق . نفسه وذنوبها كأنه عبد يخشى أن يطلع عليه سيده ، فإن الإنسان لا يخلو عن ذنوب وعيوب ، ظاهرة أو باطنة ، كبيرة أو صغيرة. ارحموا أهل البلاء – أي : المذنبين – بالموعظة الحسنة ، والرفق في أمرهم وعدم احتقارهم ، وبالستر عليهم ، واحمدوا الله على العافية من الذنوب ليديم ذلك عليكم – كذا في ( شرح الزرقاني على الموطأ ) .
عدد الصفحات ٢٨٨