257 إلى منزله جز أ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءاً لله 1 وجزءاً لأهله2 وجزءاً لنفسه . ثم جز أ جزأه بينه وبين الناس ، فيردُّ ذلك بالخاص ة على العام ة3 .ولا يد خر عنهم شيئاً 4 . وكان من سيرته في جزء الأمة إيثارُ أهل الفضل بإذنه ، وقسمُه على قدرِ فضلهم في الد ين : فمنهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ، ومنهم ذو الحوائج 5 ، فيتشاغل بهم ، ويشغلهم فيما يصلحهم والأمةَ : من مسألتهم عنه ، وإخبارهم بالذي ينبغي أي : لعبادة الله تعالى بأنواع العبادات ، من صلوات وتلاوات ودعوات ، وتذكُّر وتفكُّر ، وغير ذلك . لمؤانستهم وحسن معاشرتهم ، والقيام بمهماتهم وحاجاتهم . يعني أن جزأه صلى الله عليه وسلم الذي هو لنفسه ، يجعله بينه وبين الناس ، فيردُّ ذلك الجزء الذي جعله للناس ، بالخاصة على العامة ، وخاصة الرجل : هم قرابته الذين يختصون به ، والمقر بون من أصحابه وذويه ، والعامة : من ليسوا بذلك . وفي معنى رد ذلك الجزء بالخاصة على العامة أقوال : الأول : أن الخاصة تدخل عليه في ذلك الوقت دون العامة ، فتستفيد منه صلى الله عليه وسلم ثم تخبر العامة بما سمعت من العلوم والمعارف والفوائد . الثاني : أن الباء بمعنى ( من ) أي : يرد على العامة من جزء الخاصة . الثالث : أن يجعل العامة مكان الخاصة ، فيرد ذلك على العامة بدلاً من الخاصة . 4 والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم لا يُخفي ولا يمنع عن الناس : عامتهم وخاصتهم ، شيئاً مما ينفعهم في دينهم ودنياهم ، بل يقد م جميع ذلك لهم ، في جميع أحواله صلى الله عليه وسلم . يعني أن سيرته صلى الله عليه وسلم في الجزء الذي جعله للأمة ، إيثارُ أهل الفضل ، وهم أهل العلم والصلاح والشرف ، فيقد مهم في الدخول عليه صلى الله عليه وسلم ، والتوجهِ والإقبال ، والإفادةِ وما هنالك . كما وأن من سيرته صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي جز أه للأمة أنه قسمه بين الأمة على قدر فضلهم في الدين من جهة الصلاح والتقوى وعلى قدر حاجتهم في الدين ، فمِن أهل الفضل ومن بقية الناس : من هو ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ، ومنهم ذو
عدد الصفحات ٢٥٧258 لهم ، ويقول : ( ليبلغ الشاهد منك الغائب ، وأبلغوني حاجةَ من لا يستطيع إبلاغها ، فإنه من أبلغ سلطاناً حاجةَ من لا يستطيع إبلاغها ، ثب ت الله قدميه يوم القيامة ) . لا يذكر عنده إلا ذلك ، ولا يَقبل من أحد غيرَه . يدخلون رو اداً ، ولا يفترقون إلا عن ذَواق 1 ، ويخرجون أدل ة) – يعني على الخير - . الحوائج ، فيتشاغل بهم ، أي : يكون مشغولاً بإجابة طلباتهم وأسئلتهم ، وقضاء حاجاتهم . كما وأنه صلى الله عليه وسلم يُشغلهم : بضم أوله من الاشغال ، وبفتحه من : شَغَله ، كما نبه عليه العلماء الشر اح ، والمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم يشغلهم فيما يُصلحهم وينفعهم ، ويصلح الأمة وينفعها ، إما : بأن يفتح لهم باب الأسئلة ، ليفيض عليهم الأجوبة ، أو يبتدئهم بالاخبار عما ينفعهم ، وبيان الذي ينبغي لهم أن يعلموه من الأحكام والمواعظ ، والنصيحة والوصية بما يُصلح شأنهم ويسعدهم في دينهم ودنياهم . فما كان صلى الله عليه وسلم يترك جزءاً من الزمن فارغاً عما ينفع الأمة ويصلح أمرها ، وما كان يترك أصحابه في فراغ من الوقت وبطالة من العمل ، بل كان صلى الله عليه وسلم يشغلهم بما يصلحهم وينفعهم ، ويصلح الأمة وينفعها وذلك لأن الله تعالى قال له : ( فإذا فرغتَ فانصب وإلى ربك فارغب ) أي : فإذا فرغتَ من عمل فانصب لغيره ، وليكن القصد والرغباء في جميع ذل ك إليه سبحانه . ومن هنا يُعلم أن دين الإسلام دين جِد وعمل ، لا هزل فيه ولا كسل . ، وهو الطالب ، وهو في الأصل من يتقد م أمام القوم ، لينظر لهم الكلأ ومساقط الغيث . الرواد : بضم الراء وتشديدها ، جمع رائد ، وهو الطالب ، وهو في الأصل من يتقد م أمام القوم ، لينظر لهم الكلأ ومساقط الغيث . والمراد أن الناس يدخلون عليه صلى الله عليه وسلم طالبين نفعهم في دينهم ودنياهم ، وصلاح نفوسهم ، وتعلمهم ما فيه سعادتهم ، فلا يخرجون من عنده صلى الله عليه وسلم إلا وهم مكرمون ظفِرون ، أكرمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمَذوق من الطعام ، ضيافة لهم ، وأفاض عليهم بما ينفعهم من العلوم والمعارف ، وبيان ما يحتاجونه من أمور الدنيا والآخرة ، فيخرجون من عنده صلى الله عليه وسلم أدل ة وهداة للناس إلى ما فيه الخير والسعادة .
عدد الصفحات ٢٥٨259 سيرته وآدابه صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزله وبرز للناس قال الحسين رضي الله عنه : فسألت أبي – علياً رضي الله عنه – عن مخرجه ، كيف كان يصنع فيه ؟ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزُنُ لسانَه إلا فيما يعنيه 1 ، ويؤل فهم ولا ينف رهم2 ، ويُكرِم كريم كل قوم ويول يه عليهم 3 ويحذرُ الناس ويحترسُ منهم من غير أن يطويَ عن أحدٍ منهم بِشرَه وخُلقه4 . فلا يتكل م صلى الله عليه وسلم إلا فيما يعنيه ، اي: يهمه وينفع في الدنيا أو الدين ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) فمن حسُن إسلامه اشتغل بما يعنيه ، وترك ما لا يعنيه . قال العلامة ابن رجب في شرح حديث : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) : ومعنى يعنيه : أنه تتعل ق عنايته به ، ويكون من مقصِده ومطلوبه ، والعنايةُ : شدة الاهتمام بالشيء ، يقال : عناه يعنيه : إذا اهتم به وطلبه ، وليس المرادُ : أنه يتركُ ما لا عناية له به ، بحكم الهوى وطلب النفس ، بل بحكم الشرع والإسلام اهـ وهذه غفلة كبيرة وقع فيها كثير من الناس وهو اشتغالهم بما لا يعنيهم . وفي حديث الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال : توفي رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل : أبشر بالجنة . فقال صلى الله عليه وسلم : ( أولا تدري ؟ فلعل ه تكل م فيما لا يعنيه ، أو بخل بما لا يُنقصه ) قال الترمذي : حسن غريب ، وقال المنذري رواته ثقات . اهـ وقد روى معنى هذا الحديث من وجوه متعددة كما في ( الترغيب ) . فكان صلى الله عليه وسلم يؤل ف الناس بكريم معاشرته ، وحسن مقابلته ، ولا ينفرهم عنه بغلظة أو فظاظة ، أو كلمات مؤذية ، كما وأنه صلى الله عليه وسلم يؤلف الناس على بعضهم ، ويحببهم في بعضهم ، ولا ينفرهم من بعضهم . وهذا من كريم خلقه صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه يكرم كريم القوم بما يناسبه من التكريم والحفاوة ، ويجعله والياً عليهم ، وأميراً مديراً لأمورهم . وهذا من تمام حسن نظره صلى الله عليه وسلم وحكمة تدبيره وتنظيمه وإعطائه المراتب حق ها . 4 وهذا مما يدل على عظيم عقله وسعة فكره ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يحذَر الناس الذين هم حديثو عهدٍ بالإسلام ، ولم يخبرهُم ولم يجر بهم في مهام الأمور ،
عدد الصفحات ٢٥٩260 ويتفق د أصحابَه1 ، ويسأل الناس عم ا في الناس2 . ويحس ن الحسن ويقو يه ، ويقب ح القبيح ويوهيه 3 معتدلَ الأمرِ غيرَ مختلف 4 ، لا يغفلُ مخافةَ أن يغفلوا أو يميلوا 5 ، لكل حالٍ عنده عتاد6 ، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه 7 . ويحترس منهم ، ولكنه لا يطوي عنهم بِشره وحسن مقابلته وطلاقة وجهه صلى عليه وسلم . يطلبهم ويسأل عنهم حال غيبتهم . والمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم كان يتفق د أصحابه خاص ة ، كما وأنه يبحث عن أحوال الأمة عام ة ، فيسأل الناسَ الذين عندهم معرفة بأحوال الناس ، عم ا في الناس من الأحوال السار ة أو المكروهة ، وعم ا في الناس من سعةٍ وضيق ، وشدو ورخاء ، وفرح وترح ، فيفرح لفرحهم ، ويُسر لما يسر هم ، ويحزن لما يُحزنهم ، ويسعى في رفع المكاره والمساوئ عنهم . كما وأنه يسأل عما في الناس من سيرهم في أمورهم ومعاملاتهم ، أهم على صلاح واستقامة ؟ أم هم على فساد واعوجاج ؟ وليس هذا من باب التجسس المنهي عنه ، ولكنه من باب التعر ف إلى الفاضل من الفضول ، والكامل من الناقص ، والاستطلاع على أمور الناس ، ليُصلح الاعوجاج ، ولتنبيه الغافل ، وتذكير الناسي ، ونصح الأمة ومعالجة أمراضها النفسية ، فيضع الدواء حيث الداء فإذا أتى إنسان بفعل حسن ، أو برأيٍ حسن : حس نه صلى الله عليه وسلم وقو اه ، وقو ى همة فاعله ونهض بعزيمته ، وإن صدر من إنسان فعل قبيح : ذكر صلى الله عليه وسلم قُبح ذلك الفعل ومحاذيره ، وسوء عواقبه ، ليباعد الناسَ من الوقوع فيه . 4 يعني: أن جميع أفعاله صلى الله عليه وسلم وأقواله على غاية من الاعتدال ، محفوظ من أن يصدُر عنه أمور متخالفة ، أو يعارض بعضها بعضاً ، وهذا دليل على كمال عقله وإحكام أمره صلى الله عليه وسلم . أي : لا يغفل صلى الله عليه وسلم عم ا فيه مصالح أتباعه من تذكيرهم وإرشادهم ، ونصيحتهم وتعليمهم ، مخافة أن يغفلوا فيزل وا ، أو يميلوا إلى الراحة والكسل ، ويبطئوا عن العمل ، فهو صلى الله عليه وسلم يشدُّ عزمهم ويتعه دهم بالتذكير والنصح . لكل حال من الأحوال عنده عدة أعد ها لتلك الحالة ، وهي أ لكل أمرٍ من الأمور ما يحتاجه وما تتطلبه المصلحة . فهو صلى الله عليه وسلم على الحق المستقيم : لا إفراط ولا تفريط ، ولا تقصير عن الحق ، ولا مجاوزة للحق ، وذلك في جميع أموره وقضاياه .
عدد الصفحات ٢٦٠261 الذين يلونه من الناس خيارهم ، أفضلهم عنده أعم هم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة 1 آدابه صلى الله عليه وسلم في مجالسه قال الحسين : فسألته – أي : علياً رضي الله عنه – عن مجلسه صلى الله عليه وسلم كيف كان ؟ فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله تعالى 2 . ولا يوط ن الأماكن ، وينهى عن إيطانها ، وإذا انتهى إلى قوم : جلس حيث ينتهي به المجلس ، ويأمر بذلك 3 . المقربون عنده صلى الله عليه وسلم من الناس خيارُ الناس ، وأفضلهم عنده أعمُّهم نصيحة ، وأكثرهم خيراً ونفعاً للأمة في دينها ودنياها ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنُهم مواساة للناس بالنفس والمال ، ومؤازرة – أي : معاونة – لهم في مهمات أمورهم ، وتخفيف الأثقال عنهم ، وتنفيس كرباتهم ، وقضاء حوائجهم . وهذا كما قالت عائشة رضي الله عنها : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه ) أي : في قيامه وقعوده وعلى جنبه ، كما قال تعالى : ( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم .. ) الآية . وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه : كان عليه تِرة – أي : تَبعة وحق يطالبه الله تعالى به يوم القيامة – ومن اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه : كانت عليه من الله تره ، وما مشى أحد ممشىً لا يذكر الله فيه إلا كان عليه من الله تره ) وفي هذا كله دليل على أنه ينبغي للمسلم أن يكون على ذكر الله تعالى في جميع أحواله . والمعنى كما قال العلامة المناوي : أنه صلى الله عليه وسلم كان يجلس في أي مكان يلقاه – في المجلس – خالياً ، ولا يترف ع على أصحابه لمزيد تواضعه ، ومكارم أخلاقه . اهـ على أن شرف المكان إنما هو بالمكين ، فالمكان الذي يجلس فيه صلى الله عليه وسلم هو أشرف الأمكنة . كما وأنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر الناس بالجلوس حيث ينتهي بهم المجلس ، إبعاداً للنفس عن الكبر والترفُّع على بقية أهل المجلس .
عدد الصفحات ٢٦١262 يعطي كل جلسائه نصيبه ، لا يحسَبُ جليسُه أن أحداً أكرمَ عليه منه1 . من جالسَه أو فاوضه في حاجة: صابَرَه حتى يكونَ هو المنصرف 2 ، ومن سأله حاجةً لم يرد ه لا بها ، أو بميسورٍ من القول 3 . قدوسعَ الناسَ منه بسطُهُ وخُلُقُه ، فصار لهم أباً ، وصاروا عنده في الحق سواء4 . مجلسه مجلسُ : علم5 ، وحياء ، وصبرٍ ، وأمانة 1 ، لا ترفع فيه الأصوات2 قال في( جمع الوسائل وغيره ) : وقد روى الطبراني والبيهقي عن شيبة بن عثمان مرفوعاً : ( إذا انتهى أحدكم إلى المجلس : فإن وس ع له فليجلس ، وإلا فلينظر إلى أوسع مكان يراه ، فليجلس فيه ) فكان صلى الله عليه وسلم يُعطي كل واحد من جلسائه حظ ه اللائق به من البِشر وطلاقة الوجه ، والحفاوة والتكريم ، حتى إن جليسه ليظن أنه لا أحد أكرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، وذلك لما يجد من اللطف ولين الجانب . والمعنى : أن من جالسَ النبي صلى الله عليه وسلم أو فاوضه في حاجة : صبر عليه صلى الله عليه وسلم ، بل صابره ، أي : غالبَ جليسَه ومفاوضه في الصبر على المجالسة ، مهما طالت المكالمة ، ولا يعاجله صلى الله عليه وسلم بالقيام عن المجلس أو بقطع كلامه ، ولا يُظهر له الملال والسآمة ، بل يستمر معه مقبلاً عليه ، حتى يكون الذي جالسه هو المنصرفَ عنه . وفي هذا دليل سعةِ خُلُقه وحسن معاشرته وشد ة تحم له صلى الله عليه وسلم . فمن سأله صلى الله عليه وسلم حاجةً لم يرده إلا بتلك الحاجة ، أو بميسور من القول ، ولطيف من الكلام ، وذلك كوعده له بنيل تلك الحاجة ، ونحو ذلك . 4 قد عم الناس كل هم بِشرَه وطلاقة وجهه صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه ، فصار لهم أباً : من الشفقة عليهم ، والرحمة لهم والحرص على نفعهم ، بل هو أعظم من الأب شفقةً ورحمةً ، وحناناً وعطفاً ، وفضلاً ولطفاً ، لأنه صاحب مقام : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم .. ) الآية ، كما سيأتي بعد إن شاء الله تعالى . يعني أن مجالسه صلى الله عليه وسلم ومجتمعاته عامرةٌ بنور العلم الذي يُفيضه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويبث ه فيهم ، فكان صلى الله عليه وسلم يعل مهم الكتاب – أي القرآن – ويبين لهم معانيه ، ويوضح لهم أحكامه ويبرز لهم حِكمه ، ويأتي لهم بأنواع من الحكمة المشتملة على الوعظ والآداب الفاضلة ، والأخلاق الكاملة ، ويأتيهم بأنواع من قصص الأمم السابقة ، لما في ذلك من العبرة . والبحث في مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم سيأتي بعد إن شاء الله تعالى .
عدد الصفحات ٢٦٢263 ولا تؤبَن فيه الحُرَم3 ، ولا تُنثنى فَلَتاتُه4 ، متعادلين ، بل كانوا يتفاضلون فيه بالتقوى 1 . وهكذا مجلسه صلى الله عليه وسلم مظل ل بالحياء والوقار ، فكان جلساؤه معه صلى الله عليه وسلم على غايةٍ من الحياء والأدب والسكينة . كما وأن مجلسه صلى الله عليه وسلم مجلس صبر على جفوة البادي ، وإلحاح السائل وإلحافه ، وإكثار السائل عما يهمه من الأمور ، كما تقدم في حديث ضمام لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إني سائلُك فمشد د عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك ، فقال له صلى الله عليه وسلم : ( سَل عما بدا لك .. ) الحديث . وكان مجلسه صلى الله عليه وسلم مجلسَ أمانة على أسرارٍ أسر ه ا الجلساء إلى بعضهم ، أو كان مقتضى الحال كتمانها أو خفاؤها إلى حين آخر . وذلك للوعيد الشديد الذي هد د الله تعالى به المؤمنين ، حيث قال سبحانه : (يَا أَيُّهَا الهذِينَ آمَنُوا لَّ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النهبِيِّ وَلَّ تَجْهَرُوا لَهُ بِ الْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَّ تَشْعُرُونَ ) ولما نزلت هذه الْية الكريمة خاف الصحابة من الوقوع في هذا النهي ، فالتزموا في مجلسه صلى الله عليه وسلم خفض الصوت ، وكثرة الصمت ، وكانوا يتواصون بذلك ، ويعلًمون الجاهل ، ويذكًرون الغافل . ففي الحديث الذي رواه الترمذي وابن حبان وغيرهما عن صفوان بن عسًال رضي الله عنه أن رجلًً من أهل البادية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يناديه بصوت له جهوري : يا محمد يا محمد – صلى الله عليه وسلم - . فقلنا : ويحَكَ ، اخفض من صوتك ، فإنك قد نُهيتَ عن هذا . قال : لّ والله حتى أسمِعَه . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( هاؤم ) . فقال الرجل : أرأيت رجلًً يحبُّ قوماً ولم يلحق بهم ؟ - أي : يحبهم ولكن لّ يستطيع أن يعمل مثلهم فهل تنفعه محبته - . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( المرءُ مع من أحبً ) . الأبن : بفتح الهمزة هو : العيب ، والحرم : جمع حرمة ، وهي : ما يحترم ولا يحلُّ انتهاكه ، وما يحميه الرجل من الأهل ، وما يصونه ويحفظه . والمعنى : أن مجلسه صلى الله عليه وسلم لا تعاب فيه حرم الناس ، ولا تنتهك بقذف أو غيبة ونحوهما ، بل مجلسه صلى الله عليه وسلم مصونٌ عن كل قول قبيح ، وعن كل فعل سيء . 4 الفلَتات: جمع فلتة ، وهي : ما يبدرُ من الرجل من سَقطة أو هفوة ، أو زل ة ، ومعنى : لا تنثى أي : لا تُشاع ولا تذاع ، من قولهم : نثا الحديث : إذا حد ث به وأشاعه .
عدد الصفحات ٢٦٣264 متواضعين ، يوق رون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ، ويحفظون الغريب 2 . سيرته صلى الله عليه وسلم مع جلسائه وآدابه معهم قال الحسين رضي الله عنه : وسألت أبي – علياً رضي الله عنه – عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائه ؟ فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائمَ البِشر 3 ، سهلَ الخُلُق4 ، لي ن الجانب5 ، ليس بفظ 6 ، ولا غليظ7 ، ولا صخ اب1 ، ولا فح اش2 ، ولا عي اب3 والمعنى: كما قال العلماء في شرح هذه الجملة : أنه لا فلتاتَ في مجلسه صلى الله عليه وسلم أصلاً ، فلا يصدرُ من جلسائه صلى الله عليه وسلم زلا ت في مجلسه حتى تذاعَ ، بل المجلس حصينٌ بالأدب والكمال ، وعلى هذا فالنفي منصبُّ على الفلَتَات . أو المعنى : إن صدرت هفوةٌ من أحد الجلساء ، فلا تذاع ولا تنقل عن المجلس ، بل ينب ه إليها صاحبُها ، وتستر عليه فلا تعاد أصلاً . أي : متساوين بينهم ومتوافقين مع بعضهم ، فلا يتكب ر بعضهم على بعض ، ولا يفخر أحد من الجلساء على أحد بحسَب أو نسَب ، بل كانوا يتفاضلون في مجلسه صلى الله عليه وسلم بالتقوى ، فأيُّهم أتقى فهو الأفضل عندهم . وفي رواية : يتعاطفون ، بدلاً من : يتفاضلون ، والمعنى كما قال العلامة الخفاجي : يعطِف بعضهم على بعض ، ويُشفق عليه ويرحمه بسبب تقوى الله ، لا رياءً ولا سُمعةً ، ولا خوفاً واتقاء شر . يؤثرون ذا الحاجة فيقد مونه على أنفسهم في تقريبه من النبي صلى الله عليه وسلم ، ليقضي له حاجته ، أو يجيبه عن مسألته ، كما أنهم يؤثرونه بقضائها له ، وإعانته عليها ، ولو كانوا في الحاجة مثله ، ويحفظون حق الغريب وكرامته . أي : طلاقة الوجه والبشاشة . 4 سجيته صلى الله عليه وسلم السهولةُ وعدم الشدة في اقواله وأفعاله ، فهو صلى الله عليه وسلم ليس بالص عب . كثير اللطف ، سريع العطف . أي : ليس هو صلى الله عليه وسلم بسيء الخُلُق . ليس بالجافي الطبع ، الشديد القاسي .
عدد الصفحات ٢٦٤265 ولا مُشاح– وفي نسخة صحيحة : ولا مد اح ، ولا مز اح 4 - يتغافلُ عم ا يشتهي 5 ، ولا يُؤيس منه راجيه6 ، ولا يخيب7 فيه. قد تركَ نفسه من ثلاث : المراء ، والإكثار ، وما لا يعنيه 8 . وترك الناسَ من ثلاث : كان لا يذمُّ أحداً ولا يعيبه ، ولا يطلب عورته 9 ، أي : ولا يرفع صوته بالصياح . لا يتكلم بكلام قبيح . أي : لا يعيب إنساناً ولا حيواناً ولا طعاماً ، كما جاء في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم ما عاب ذواقاً قط ، ولا عاب طعاماً قط ، إن اشتهى أكله ، وإلا تركه . 4 ليس بمشاح ، والمشاحة: هي المضايقة في الأشياء ، وعدم التساهل فيها ، شحاً بها وبخلاً ، ولا مد اح : أي : ليس مبالغاً في مدح شيء من مباحات الدنيا ، لأن ذلك يدل على شرَه النفس ، وشدة تعلقها به ، ولا كثير المزاح . يُظهر الغفلة والاعراض عما لا يستحسنه من الأقوال والأفعال التي تصدر من بعض الجلساء ، تلطُّفاً ورفقاً بالجلساء . أي : من رجاه في أمرٍ لم يقطع رجاءه ، ولم يجعله آيساً . إما ثلاثي مشتق من الخيبة ، وهو الحرمان ، بمعنى : أن راجيه لا يخيب فيما رجاه ، وإما بتشديد الياء المكسورة ، بمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم لا يجعل من رجاه محروماً فلا يخيبه . وفي نسخة : ولا يجيب فيه : بالجيم ، من الإجابة ، والضمير في ( فيه ) راجع إلى ما لا يشتهي ، والمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم لا يجيب أحداً فيما لا يشتهي ، بل يسكت عنه عفواً وتكرماً – كما فص ل ذلك في ( جمع الوسائل ) . والمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم قد باعد نفسه ، فبعدت عن ثلاث : المراء والجدال كله ، إلا ما كان فيه نصرة لدين الله تعالى ، وإقامة حجة على المعاندين أو المعارضين ، فإن ذلك من الجهاد الكبير ، قال تعالى : ( وجادلهم بالتي هي أحسن .. ) الآية . وقال تعالى : ( فلا تطعِ الكافرين وجاهدهم به – أي : بالقرآن الكريم – جهاداً كبيراً ) . وترك الإكثار من الكلام ، وفي نسخة مصححة : ( الإكبار ) بكسر فسكون فموحدة ، أي : ترك استعظام نفسه في الجلوس والمشي ، وأمثال ذلك في معاشرته مع الناس ، كما في ( جمع الوسائل ) . 1 العورة هي: ما يُستحيا منه أن يظهر ، والمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يطلبُ الاطلاعَ على عورة أحد ، أي زلا ته وهناتِه ، ولا يظهر ما يريد الإنسان ستره ، ولا يتتبع عورات الناس وذنوبهم .
عدد الصفحات ٢٦٥266 ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه1 . وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير2 ، فإذا سكت تكلموا3 لا يتنازعون عنده الحديث ، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرُغ4 ، حديثُهم حديثُهم عنده حديثُ أولهم 5 . يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه6 . ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته ، حتى إن كان أصحابُه ليستجلبونهم 7 ، ويقول: ( إذا رأيتم طالب حاجة فأرفِدوه )8 فهو صلى الله عليه وسلم طويلُ الصمت ، لا يتكلم إلا فيما يتوقع ثوابه عند تعالى ، لكونه مطلوباً شرعاً ، أما الكلام الذي لا ثواب فيه فهو صلى الله عليه وسلم بمعزل عنه . أي : مالوا رؤوسهم وأقبلوا بأبصارهم إلى صدورهم ، وسكتوا وسكنوا ، إجلالاً له صلى الله عليه وسلم وأدباً معه ، فكانت صفتهم في ذلك صفة من على رأسه طائر يريد أن يصيدَ ه ، فهو يخاف أن يتحرك فيذهب الطائر . وهذا من كمال الأدب معه صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنهم لا يبتدرونه بالكلام ، ولا يتكلمون مع كلامه صلى الله عليه وسلم . 4 وفي هذا أيضاً دليل على كمال أدب الصحابة رضي الله عنهم ، واهتمامهم بآداب المجلس ، وذلك أنهم لا يختصمون عنده صلى الله عليه وسلم في الحديث ، ولا ينازع أحدهم الآخر في تناول الحديث ، فلا يتكلم اثنان معاً ، ولا يقطع بعضهم على بعضٍ كلامَه ، بل من تكلم منهم أنصتوا له حتى يفرغ من كلامه . يعني : أن الذي يتقدم في الكلام أولاً من أهل المجلس ، هو أولهم مجيئاً ، ثم وثم على الترتيب . وقال بعضهم : معناه أن حديثهم كل هم أولهم وآخرهم عند النبي صلى الله عليه وسلم ، هو كحديث أولهم في عدم الملال منه ، وفي الإصغاء التام إليه . وقيل : معناه : حديثهم عنده صلى الله عليه وسلم حديث أولهم ، أي : أفضلهم ديناً ، وأعظمهم تقوى . ويفعل ذلك صلى الله عليه وسلم تأنيساً لهم ، وجبراً لقلوبهم ، وحسنَ معاشرةٍ لهم . أي : إنه كان الصحابة ليستجلبون الغرباء ، ويرغبون في حضورهم مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، ليستفيدوا بسبب أسئلتهم . أي : فأعينوا صاحب الحاجة على حاجته حتى يصل إليها .
عدد الصفحات ٢٦٦267 ولا يقبل الثناء إلا من مكافئٍ1 . ولا يقطعُ على أحدٍ حديثَه حتى يجوز: فيقطعه بنهيٍ أو قيام 2 . سيرته صلى الله عليه وسلم في سكوته وفي رواية الطبراني وغيره : قال الحسين رضي الله عنه : فسألت أبي علياً رضي الله عنه : كيف كان سكوته صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : كان سكوته على أربع : الحِلم ، والحذَر ، والتقدير ، والتفكير . وفي رواية : الحكم ، والحذر ، والتدبُّر ، والتفكر . فأما تقديره صلى الله عليه وسلم : ففي تسوية النظر ، والاستماع بين الناس . وأما تذكُّره – أو قال تفكُّره – : ففيما يبقى ويفنى . قيل : المراد لا يقبل المدح إلا من مكافئ ، أي : مقارب في مدحه ، غير مفرط ولا مفر ط ، أي : لا مجاوز ولا مقص ر ، والمجاوزة للحد هي ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تطروني كما أطرتِ النصارى عيسى بن مريم : جعلوه ابن الله ، ولكن قولوا : عبد الله ورسوله ) . وقيل : المعنى : لا يقبل الثناء عليه صلى الله عليه وسلم إلا من رجل يعرفُ حقيقة إسلامه من المخلصين الذين طابق لسانُهم جنانهم ، ليس من المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، فيمدحون بالظاهر ، ويقدحون بالباطن . وقيل : المعنى : أنه صلى الله عليه وسلم لا يقبل المدح من أحد إلا من مكافئ على إنعامٍ ناله المادحُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون مدحه من باب المكافأة وإلا لم يقبله منه ، بل يُعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، لأن الله تعالى ذم من يُحب أن يُحمد بما لم يفعل ، في قوله تعالى : ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا .. ) الآية . وقد أورد هذه الوجوه من المعاني العلامة الشيخ علي القاري والعلامة المناوي في ( شرحهما على الشمائل ) ، وكذلك العلامة الخفاجي وغيره في ( شرح الشفا ) من تواضعه صلى الله عليه وسلم وإكرامه جليسه : أنه لا يقطع على أحد كلامه بل يستمع له حتى يفرغ من كلامه ، إلا أن يتجاوز حد الحق الذي شرعه الله تعالى ، فيقطع عليه كلامه بنهيه عن استمراره في الكلام ، أو بقيام من المجلس .
عدد الصفحات ٢٦٧268 وجُمع له صلى الله عليه وسلم الحلم والصبر1 ، فكان لا يُغضبُه شيء و يستفز ه . وجُمع له الحذر في أربع : أخذُه بالحسن ، والقيام لهم فيما جمع لهم الدنيا والآخرة . صلى الله عليه وسلم . وفي رواية للطبراني – كما في ( مجمع الزوائد ) - : وجُمع له الحذر صلى الله عليه وسلم في أربع : أخذُه بالحسن ليُقتدى به ، وتركُه القبيح ليُتناهى عنه ، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته ، والقيام فيما جمَع لهم الدنيا والآخرة 2 وإن كل عاقل إذا تدب ر هذهالأوصاف الكاملة ، والأخلاقَ الفاضلة ، والخصالَ الحميدة ، والمزايا الرشيدة ، التي تأص لت في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم واجتمعت كلها فيه على أكمل وجوهِها ، وأعلى مستوياتها – إذا تدب ر ذلك : علم يقيناً أن سيدنا محمداً الذي ات صف بتلك الصفات ، ليس هو إنساناً كغيره من بني الإنسان ، وإنما هو إنسان مخص ص من رب العالمين ، بخصائص أكرمَه الله بها ، وممي ز على غيره بمزايا منحه الله إياها ، وأن قضي ته إنما هو نبي الله ورسوله ، ليس ذلك من باب أدب الأدباء ، ولا من باب حكمة الحكماء ، ولا نجابة النجباء ، ولكن من باب أنه : رسول الله وخاتم الأنبياء ، صلوات الله عليه وعليهم وسلامه – آمين . من آدابه العامة صلى الله عليه وسلم وقاره العظيم صلى الله عليه وسلم وفي نسخة : جُمع له الحلم في الصبر – قال الخفاجي : أي مع الصبر على أمور الناس والأمة ، فكان صلى الله عليه وسلم مع حلمه صابراً لا يضجر ولا يقلق اهـ يعني أنه صلى الله عليه وسلم كان يبذلُ جهده فيما يُصلح الأمة ، ويجمع لهم خير الدنيا والآخرة وسعادتهما . وهذا الحديث – كما قال العلامة الزبيدي في ( شرح الإحياء ) - : أخرجه الترمذي في ( الشمائل ) والبغوي ، والطبراني ، والبيهقي في ( الدلائل ) من طرق – قال : وأخرجه ابن منده اهـ وقد أورده الحافظ الذهبي في ( تاريخ الإسلام ) بروايات ، والحافظ ابن كثير في ( البداية ) أيضاً معزواً للطبراني وغيره .
عدد الصفحات ٢٦٨269 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس وقاراً ، وأعظمهم أدباً ، وأرفعَهم فخامةً وكرامةً روى أبو داود في ( مراسيله ) عن خارجة بن زيد الأنصاري رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقرَ الناس في مجلسه ، لا يكاد يُخرج شيئاً من أطرافه ، قال كثير من العلماء : يعني أنه صلى الله عليه وسلم لا يُظهر شيئاً من أطراف جسمه الشريف ، وقاراً منه . وقال العلامة القاري في معنى : لا يكاد يُخرج شيئاً من أطرافه : أي : من بُزاق فمه ، أو مخاط أنفه ، أو قطع ظفره اهـ وروى ابن ماجه عن إسماعيل قال : دخلنا على الحسن – أي : البصري – نعوده حتى ملأنا البيت ، فقبض رجليه ثم قال : دخلنا على أبي هريرة نعوده حتى ملأنا البيت ، فقبض رجليه ثم قال – أبو هريرة - : دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ملأنا البيت وهو صلى الله عليه وسلم مضطجع لجنبه ، فلما رآنا قبض رجليه ثم قال : ( إنه سيأتيكم أقوام من بعدي يطلبون العلم ، فرح بوا بهم وحي وهم وعل موهم )1 . تقديمه صلى الله عليه وسلم كبير القوم في الكلام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقد م كبير القوم في الكلام والسؤال ، وذلك من باب التكريم وحفظ المراتب وتنزيله الناسَ منازلهم : روى البخاري عن سهل بن أبي حثمة أن نفراً انطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم – وفي رواية – جاء عبد الرحمن بن سهل وحوي صة ومحي صة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم – فقالوا : يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر ، فوجدنا أحدنا قتيلاً – وفي رواية : فبدأ عبد الرحمن يتكلم ، وكان أصغرَ القوم . فقال صلى الله عليه وسلم : ( كب ر الكِبرَ ) . انظر مقدمة ( سنن ) ابن ماجه في فضل العلم وقال في ( الزوائد ) : إسناده ضعيف .
عدد الصفحات ٢٦٩270 وفي رواية : ( يبدأ الأكبر ) . وفي رواية : ( الكبرَ الكبرَ )1 . وفي رواية: ( كب ر كب ر ) يريد السن .. الحديث في باب القَسامة . والمعنى قد م للكلام من هو أكبر منك سن اً ليعرِض القضية . وفي ( مسند ) أحمد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس منا من لم يوق ر الكبير ، ويرحم الصغير ، ويأمر بالمعروف وينهَ عن المنكر ) . تكريمه صلى الله عليه وسلم أهل الفضل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( البركة مع أكابركم 2 )وفي رواية البزار: ( الخير مع أكابركم ) . والمعنى : أن البركة مع أكابركم في الدين والعلم . كما دل عليه حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حق ه )3 فمن ذلك: إكرامه صلى الله عليه وسلم لعمه العباس رضي الله عنه ومُباهاتُ ه به ، وإعلانه صلى الله عليه وسلم ذلك أمام الصحابة ، ليقتدوا به في تكريم عمه العباس رضي الله عنه : بالنصب على الإغراء ، كما في ( الفتح ) ، أي قدموا الأكبر . عزاه في ( الجامع الصغير ) إلى ابن حبان قال : وصححه ابن حبان ، و( الحلية ) والبيهقي والحاكم في ( المستدرك ) وقال : صحيح على شرط مسلم كما في ( الترغيب ) من كتاب الأدب ، ورواه البزار والطبراني وفي إسناد البزار حماد ، وثقه جماعة ، وفيه ضعف ، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ قال في ( مجمع الزوائد ) : رواه أحمد والطبراني وإسناده حسن .
عدد الصفحات ٢٧٠271 روى الطبراني بسند حسن عن ابن عباس ، عن أمه أم الفضل ، أن العباس أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه قام إليه وقب ل ما بين عينيه ، ثم أقعده عن يمينه صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : ( هذا عمي ، فمن شاء فليُباهِ بعمه ) . فقال العباس : نِعمَ القولُ يا رسول الله .. الحديث . وروى الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : استسقى عمر عام الرم ادة – أي : عام القحط – بالعباس فقال : ( اللهم هذا عمُّ نبيك نتوج ه إليك به ، فاسقِنا ) . فما برِحوا حتى سُقوا . فخطب عمر فقال : ( يا أيها الناس ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده : يعظ مه ، ويفخ مه ، ويبرُّ قسَمه ، فاقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس وات خذوه وسيلةً إلى الله فيما نزل بكم ) . وبعض هذا الحديث في صحيح البخاري . وكان الصحابة رضي الله عنهم يعظمون العباس ويكرمونه ، ات باعاً للنبي صلى الله عليه وسلم : فقد روى الحافظ ابن عبد البر عن ابن شهاب أنه قال : كان الصحابة يعرفون للعباس فضله ، فيقد مونه ويشاورونه ، ويأخذون برأيه . وروى أيضاً عن أبي الز ناد أنه قال : لم يمر العباس بعمر وعثمان وهما راكبان ، إلا نزلا عن داب تهما ، حتى يجوز العباس ، إجلالاً له ويقولان : عم رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن لطائف أدب العباس مع النبي صلى الله عليه وسلم : ما رواه ابن أبي عاصم عن أبي رزين ، والبغوي في ( معجمه ) عن ابن عمر ، أنه قيل للعباس : أنت أكبرُ أو النبي صلى الله عليه وسلم ؟
عدد الصفحات ٢٧١272 فقال: هو أكبرُ مني ، وأنا ولدتُ قبله . انظر ( الإصابة ) وشرح الزرقاني على ( المواهب ) . وفي ( الإصابة ) نقلاً عن الشعبي أنه قال : ذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه ليركب ، فأمسك ابن عباس رضي الله عنهما بالركاب . فقال : تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : لا ، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء 1 . وروى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح في نفرٍ من أصحابه ، إذا أتي بقدَح فيه شراب . فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة ، فقال أبو عبيدة : أنت أولى به يا نبي الله . قال : ( خذ ) فأخذ أبو عبيدة القدح ، وقال قبل أن يشرب : خذ يا نبي الله فقال صلى الله عليه وسلم : ( اشرب فإن البركة مع أكابرنا ، فمن لم يرحم صغيرنا ، ويجل كبيرنا : فليس من ا )2 . فأراد صلى الله عليه وسلم أن يكرم أبا عبيدة فناوله القدح ، وأثنى عليه بقوله : ( البركة مع أكابرنا ) ، وروى أبو داود عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن من إجلال الله : إكرامَ ذي الشيبة المسلم ، وحاملِ القرآن غيرِ الغالي فيه ولا الجافي عنه ، وإكرامَ ذي السلطان المُقسِطِ ) . تحسينه صلى الله عليه وسلم الحسن وتنشيطه على إتقان العمل وحسّنه قال في ( مجمع الزوائد ) 1 : 4 :رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير رزين الرماني وهو ثقة اهـ قال في ( مجمع الزوائد ) : رواه الطبراني وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف اهـ من كتاب الأدب .
عدد الصفحات ٢٧٢