241 ومن ذلك: حياء المرء من نفسه : وهو حياء صاحب النفس الشريفة الكريمة ، من النقص وفعل القبيح ، والقناعة بالدون ، فيجد نفسه مستحيياً من نفسه ، حتى كأن له نفسين يستحيي بإحداهما من الأخرى . ومن ذلك : حياء الحشمة : وهو حياءٌ سببه الاحتشام ، وتوقي إبداء ما يُطلب فيه الإخفاء . روى ابن ماجه عن بلال بن الحارث رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة أبعَدَ ) – أي : قصد مكاناً بعيداً منعزلاً 1 . وروى الترمذي وأبو داود عن أنس رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنوَ من الارض ) . وروى ابن سعد عن سعد بن صالح مرسلاً : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المرفق 2 لبس حذاءه ، وغطى رأسه صلى الله عليه وسلم) . وروى الإمام الترمذي في ( الشمائل ) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ( ما نظرتُ إلى فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قالت : ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وذلك لشدة حيائه وكمال وقاره صلى الله عليه وسلم وتستُّره كل التستُّر . وفي ( شرح الشمائل ) للشيخ القاري والشيخ محمد بن قاسم جسوس : روى أبو صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( قالت عائشة رضي الله عنها : ما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً من نسائه إلا مقن عاً ، يُرخي الثوب على رأسه ، وما رأيتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رأى مني ) أورده ابن الجوزي في كتاب ( الوفاء ) نقلاً عن الخطيب اهـ . ورواه الإمام أحمد والنسائي ، كما في ( الجامع الصغير ) ، رامزاً لصحته لكثرة طرقه . قال المناوي : المرفق بكسر الميم وفتح الفاء : الكنيف اهـ . والحذاء : النعل – وهذا الحديث فيه ضعف .
عدد الصفحات ٢٤١242 وأخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من وراء الحجرات ، وما رأى أحد عورته قطُّ ) . وإسناده حسن 1 .وبهذا الذي ذكرناه فيما تقدم ، يعلم العاقل يقيناً أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم قد نال أكمل مراتب الحياء وأعلاها . مهابته العظيمة صلى الله عليه وسلم وفخامته الكريمة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيمَ المهابة ، قد تو جه الله تعالى تاج العز ة والكرامة ، وكساه حل ة الفخامة : روى الترمذي وغيره من حديث بن أبي هالة ، يصف النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخماً مفخ ماً يتلألأ وجهه صلى الله عليه وسلم تلألؤ القمر ليلة البدر ) . وقال سيدنا علي رضي الله عنه في وصفه للنبي صلى الله عليه وسلم : ( من رآه بديهةً هابه ، ومن خالطه معرفةً أحب ه ) . وقد كان الصحابة رضي الله عنهم لا يستطيعون إمعان النظر فيه ، لقوة مهابته ومزيد وقاره ، ومن ثم لم يصِفه إلا صغارهم ، أو من كان في تربيته قبل النبوة ، كهند بن أبي هالة ، وسيدنا علي رضي الله عنه . ويدلُّك على ذلك ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : ( صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة طويلة ، وسمعت منه أحاديث كثيرة ، وحفظت عنه ألف مثَلٍ ، ومع ذلك ما ملأتُ عيني منه قط ، حياءً منه وتعظيماً له ، ولو قيل لي صفهُ : لما قدرتُ ) . ومن عظيم مهابته وكمال وقاره : كانَ من جلس إليه صلى الله عليه وسلم هابه ، وربما أخذته رِعدة شديدة ، من قوة الهيبة المحمدية ، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يُباسطهم ويلاطفهم ليسكن رَوعهم : كذا في ( جمع الوسائل ) للشيخ علي القاري .
عدد الصفحات ٢٤٢243 روى ابن ماجه والحاكم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: جاء رجل فقام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذته رعدة شديدة ومهابة . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( هو ن عليك ، فأنا لستُ بملك ولا جبار ، وإنما أنا ابن امرأة من قريش ، كانت تأكل القديد بمكة )1 . فنطق الرجل بحاجته2 فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( يا أيها الناس إني أوحي إلي أن تواضَعوا ، ألا فتواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ، ولا يفخر أحد ، وكونوا – عبادَ الله – إخواناً ) . وعن قَيلة بنت مَخرمة أنها قالت : لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متخش عاً في الجِلسة وهو قاعد القُرفُصاء ، أرعدتُ من الفَرَق – أي : الخوف – فقال رجل : يا رسول الله أرعِدت المسكينة ! . قالت قَيلة : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولم ينظر إلي وأنا عند ظهره - : ( يا مسكينة عليكِ السكينة ) . فلما قالها أذهب الله ما كان دخل قلبي من الرعب . وفي هذه الوقائع مع بعض الصحابة دليل ظاهر على قوة مهابته صلى الله عليه وسلم . ومن ذلك ما جاء عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال : إني لأضربُ غلاماً لي – أي : يضرب عبداً مملوكاً له بسبب أنه أذنب معه – إذ سمعتُ صوتاً من خلفي ، ( اعلم أبا مسعود ) قال : فجعلتُ لا ألتفت إليه من الغضب حتى غشيني ، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم . القديد هو اللحم يقطع ويجعل في الشمس حتى يجف ، وكانت عادة العرب أكله ، فكنى صلى الله عليه وسلم بذلك عن عدم تكبره وتجبره . أي : نطق بحاجته حين رأى تواضع النبي صلى الله عليه وسلم ، وسكن روعه .
عدد الصفحات ٢٤٣244 قال أبو مسعود: فلما رأيته صلى الله عليه وسلم وقع السوط من يدي ، من هيبته صلى الله عليه وسلم ! فقال لي : ( والله : الله أقدرُ عليك منك على هذا ) . فقلتُ : والله يا رسول الله لا أضرب غلاماً لي بعدها أبداً . وفي رواية : فقلت يا رسول الله هو حر لوجه الله تعالى . فقال : ( أما لو لم تفعل للفحتكَ النار – أو : لمس تك النار ) ، رواه مسلم وأبو داود والترمذي . وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها وعنه قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تصد قنَ يا معشر النساء ولو من حلي كن ) . قالت : فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت له : إنك رجل خفيفُ ذاتِ اليد – أي : قليل المال – وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة ، فأتِه فاسأله ، فإن كان ذلك يجزئ عني – أي : دفعتُها لكم – وإلا صرفتُها إلى غيركم ، فقال ابن مسعود : بل ائتيه أنتِ . قالت : فانطلقتُ فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتي حاجتها – وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة – فخرج علينا بلال فقلنا له : ائتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك : أتجزئ الصدقةُ عنهما على أزواجهما ، وعلى أيتام في حُجورهما ؟ - أي : في تربيتهما – ولا تخبره مَن نحن . فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من هما ؟ ) . فقال : امرأة من الأنصار وزينب . فقال صلى الله عليه وسلم : ( أيُّ الزيانب هي ؟ ) قال : امرأة عبد الله .
عدد الصفحات ٢٤٤245 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لهما أجران : أجرُ القرابة ، وأجر الصدقة ) متفق عليه خشيته صلى الله عليه وسلم من الله تعالى وخوفه منه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس خشيةً من الله تعالى ، وذلك لأنه أعلمهم بالله تعالى ، والخشية من الله تعالى تكون على حسب العلم به تعالى ، قال الله تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماءُ .. ) الآية . وفي ( الصحيحين ) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ترخ ص فيه ، وتنز ه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما بالُ أقوامٍ يتنز هون عن الشيء أصنعه ؟! فوالله إني لأعلمهُم بالله ، وأشدُّهم له خشية ) . – وفي هذا الحديث : الحث الشديد على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والنهي عن التعمُّق . – وفيه ذمُّ التنزُّه عن المباح شكاً في إباحته ، وأن العلم بالله تعالى يوجب اشتدادَ الخشية منه سبحانه ، دون أن يكون هناك إفراط أو تشدُّد في الأعمال - كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى . – وفي هذا الحديث : بيان منه صلى الله عليه وسلم وإعلان أفضليتِه على جميع العباد ، بالعلم بالله تعالى ، والخشية من الله تعالى ، وأن الله تعالى قد أعطاه أفضل وأكمل مقام في المعرفة والخشية . وقد قال العارفون رضي الله عنهم إن مقام المعرفة بالله تعالى والخشية من الله تعالى إذا أكملا لصاحبهما ، وانتهى إلى درجة المعرفة حق المعرفة ، والخشية حق الخشية : ظهرت عليه آثارهما ، وصحت له أحكامهما ، كما روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً : ( لو خِفتم الله تعالى حق
عدد الصفحات ٢٤٥246 خيفته ، لعلمتم العلم الذي لا جهل معه ، ولو عرفتم الله تعالى حق معرفته لزالت لدعائكم الجبال )1 . فما ظنُّك بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي نال أعلى مقام في المعرفة بالله تعالى ، وأرفع مقام في الخشية من الله تعالى ؟! ومهما تصو رت وقد رت من آثارهما وأحكامهما فالأمر أعظم من ذلك ، ولا غرو في ذلك وقد قال الله تعالى : ( وكان فضلُ الله عليك عظيماً ) . وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبةً ما سمعتُ مثلها قط ، فقال : ( لو تعلمون ما أعلم : لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيراً ) . فغط ى أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين . وفي رواية : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شيءٌ ، فخطب فقال : ( عُرضت علي الجنة والنار ، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر ، ولو تعلمون ما أعلم : لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيراً ) .فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومٌ أشدُّ منه ، غط وا رؤوسهم ولهم خنين 2 . وفي هذا الحديث دليل على عظيم خوفه من الله تعالى ، وكثرة بكائه من خشية الله تعالى . ومما جاء في عظيم خوفه من الله تعالى : عزاه في ( الجامع الصغير ) إلى الحكيم الترمذي رامزاً لضعفه . قال الحافظ المنذري بعد ما أورد تلك الأحاديث : الخنين بفتح الخاء المعجمة بعدها نون هو البكاء مع غُنة بانتشار الصوت من الأنف اهـ
عدد الصفحات ٢٤٦247 ما ورد عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي ، وكان بيده سواك ، فدعا وصيفة1 - له أو لها– حتى استبان الغضب في وجهه2 وخرجت أم سلمة إلى الحُجُرات فوجدت الوصيفة تلعب ببَهمة3 فقالت أم سلمة: ألا أراكِ تلعبين بهذه البهمة ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدعوكِ ؟ فقالت : والذي بعثكَ بالحق ما سمعتكَ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لولا خشيةُ القَوَد – أي : القصاص يوم القيامة – لأوجعتكِ بهذا السواك )4 . خشوعه صلى الله عليه وسلم لله تعالى وبكاؤه من خشية الله تعالى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائمَ الخشوع والانكسار والتواضع لربه تعالى ، في سائر مواقفه الكريمة ومشاهده العظيمة ، في صلواته وسائر عباداته ، وسائر شؤوناته وقضاياه : من الخطب والمواعظ والفتوحات ، وسائر أحواله صلى الله عليه وسلم ، وقد بلغ من خشوعه صلى الله عليه وسلم في صلاته أنه سُمع لجوفه أزير كأزير المِرجَل : كما روى النسائي عن مطر ف عن أبيه رضي الله عنه قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ولجوفه أزيرٌ كأزير المرجل )1 . امرأة مملوكة. لاشتغالها في اللعب ، ولم تجب دعوته صلى الله عليه وسلم ولد الضأن الصغير . 4 قال في( الترغيب ) : رواه أحمد بأسانيد أحدها جيد – واللفظ له – ورواه الطبراني بنحوه .
عدد الصفحات ٢٤٧248 وفي رواية ابن خزيمة: قال : ( ولصدره صلى الله عليه وسلم أزير الرحى ) . وفي رواية أبي داود عن مطر ف عن أبيه قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزير كأزير الرحى من البكاء ) . وروى ابن خزيمة في ( صحيحه ) عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : ( ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي ، حتى أصبح صلى الله عليه وسلم ) . ولما دخل مكة يوم الفتح دخلها خاشعاً لربه تعالى ، وكان على مشهد عظيم من الملأ الحاضر : وروى أبو يعلى والحاكم بسند جيد قوي عن أنس رضي الله عنه قال : ( لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح استشرفه الناس ، فوضع رأسَه على رَحله متخش عاً ) . وفي رواية البيهقي عن أنس قال : ( دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وذقنُه على راحلته متخش عاً ) . وفي رواية الواقدي عن أبي هريرة رضي الله عنه : ( دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح حتى وقف بذي طوى وتوس ط الناس ، وإن عُثنونه – العثنون : اللحية – ليمسُّ وسط رحله أو يقرب منها ، تواضعاً لله تعالى حين رأى ما رأى من فتح الله وكثرة المسلمين – ثم قال : ( اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخرة ) ) . المرجل هو القِدر ، والأزير هو الصوت ، قال الحافظ المنذري : يعني أن لجوفه خنيناً كصوت غليان القدر إذا اشتد اهـ
عدد الصفحات ٢٤٨249 ومن ذلك: خشوعه صلى الله عليه وسلم وبكاؤه في توج هه إلى الله تعالى ، ملح اً بالدعاء ، مستغرقاً في الرجاء : روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : ( تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : (رَبِّ إِنه هُنه أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النهاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنههُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنهكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وقوله تعالى : (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنههُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنهكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) . فرفع صلى الله عليه وسلم يديه وقال : ( اللهم أمتي أمتي ) وبكى . فقال الله عز وجل : يا جبريل إذهب إلى محمد – وربُّك أعلم – فاسأله : ما يبكيه ؟ فأتاه جبريل فسأله ، فأخبره بما قال – وهو أعلم – فقال الله تعالى : يا جبريل إذهب إلى محمد فقل له : إنا سنُ رضيك في أمتك ولّ نسوؤك ) جوامع من أوصافه الكريمة صلى الله عليه وسلم المشتملة على محاسن خَلقه ، وكمال خُلقه وآدابه الخاصة والعامة إن من أجمع الأحاديث الواردة في بيان أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم الخَلقية والخُلقية ، وما يتعلق بآدابه الخاصة والعامة ، ومن أوضح تلك الأحاديث المعربة عن شمائله صلى الله عليه وسلم حديثَ هند بن أبي هالة . روى الترمذي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال : سألت خالي هند بن أبي هالة – وكان وص افاً – عن حِلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا أشتهي أن يصِفَ لي منها شيئاً أتعل ق به 1 فقال: أي : أحفظه وأتمسك به
عدد الصفحات ٢٤٩250 (كانرسول الله صلى الله عليه وسلم فَخماً مُفخ ماً 1 يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلةَ البدر ، أطولَ من المربوع ، وأقصرَ من المشذ ب 2 ، عظيمَ الهامة3 ، رجِل الش عر4 ، إذا انفرقت عقيقتُه فَرَقها ، وإلا ف5 ، يجاوز شعره شحمَة أذُنيه إذا هو وف ره 6 أزهرَ اللون7 ، واسع الجبين8 ، أزج الحواجب9 ، سوابغ في غير قرن10 قال العلماء: وإنما قال الحسن ذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو صغير السن ، فأراد أن يستعيد إلى ذاكرته تلك الأوصاف المحمدية ويجعلها محفوظة في خزانة قلبه ، ولوح خياله .. أي : عظيماً في نفسه ، معظ ماً في الصدور والعيون عند كل من رآه صلى الله عليه وسلم . الربعة والمربوع : هو الوسط ، بين القصير والطويل على حد سواء ، والمشذ ب : هو الطويل البائن الطويل ، والمراد : أنه صلى الله عليه وسلم أطول من المربوع عند إمعان النظر ، وأما في بادئ النظر يُرى ربعة ، كما تقدم في حديث علي كرم الله وجهه – كما وضح ذلك في ( جمع الوسائل ) وغيره . الهامة بتخفيف الميم هي : الرأس ، وعظم الرأس المتناسب مع الجسم : دليل قوة العقل والمدارك . 4 أي في شعره صلى الله عليه وسلم شيء من الجعودة. المراد بالعقيقة هنا : شعر الرأس ، والمعنى : أن شعر رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم إن قبِل أن يفرق بسهولة فرقه ، أي : جعل شعره نصفاً عن اليمين ، ونصفاً عن اليسار ، وإلا بأن لم ينفرق : فلا ، أي : فلا يفرق شعره بل يتركه على حاله . أي : إذا جعل شعره وافراً وأعفاه من الفرق صلى الله عليه وسلم . أي : هو صلى الله عليه وسلم أبيض اللون بياضاً ني راً مُشرباً بحمرة . أي : واضح الجبين وممتده طولاً وعرضاً ، وهو معنى رواية : صلت الجبين ، وعظيم الجبهة . 1 الز جج: تقو س في الحاجب مع طولٍ من طرفه ، ويلزم من ذلك دقة الحاجبين وسبوغهما . القرَن – بالتحريك – هو : اقتران الحاجبين ، والتقاء أطرافهما ، وهو من البلج ، والمعنى : أن حاجبيه صلى الله عليه وسلم لم يتصلا ببعضهما ، فهو أبلج ، وأما ما ورد في حديث أم معبد المتقدم ( كان أزج أقرن ) فالمراد كان كذلك فيما يبدو للناظر من بعيد ومن غير تأمل ، وأما القريب المتأم ل فيرى أنه صلى الله عليه وسلم أبلج في الواقع .
عدد الصفحات ٢٥٠251 ، بينهما عِرق يدِرُّه الغضب1 ، أقنى العرنين2 ، له نورٌ يعلوه ، يحسَبه من لم يتأم له أشَم 3 ، كث اللحية4، سهل الخد ين5 ، ضليعَ الفم6 ، مفل ج الأسنان الأسنان 7 ، دقيقَ المسرُبة 8 ، كأن عنقَه جِيدُ دُميةٍ في صفاء الفضة9 ، معتدلَ معتدلَ الخَلق 10 ، بادنٌ ، متماسك11 ، سواء البطن والصدر12 ، عريضُ الصدر ، بعيدُ ما بين المنكبين ، ضخم الكراديس13 . أي: بين حاجبيه صلى الله عليه وسلم عِرق إذا غضب تحرك وظهر جلياً . قال العلامة المناوي في ( شرح الشمائل ) : أقنى : من القنا ، وهو ارتفاع أعلى الأنف واحديداب الوسط اهـ أي : للعرنين – وهو ما صلب من عظم الأنف – نورٌ يعلوه ، يحسبه من لم يتأمله أشم : من الشمم ، وهو ارتفاع قصبة الأنف ، مع استواء أعلاه وإشراف الأرنبة . 4 أي: عظيم اللحية صلى الله عليه وسلم وفي رواية البيهقي : ( أسهل الخدين ) أي : غير مرتفع الخدين ، وهو أكمل وأجمل . أي : عظيم الفم ، وليس بضي ق الفم ، فإن سعة الفم تُعطي فصاحة في الكلام ، وبياناً لمخارج الألفاظ ، ولاشك أن جميع ذلك على تناسب كامل بين أعضاء جسمه الشريف كلها صلى الله عليه وسلم . يعني : أن أسنانه الشريفة صلى الله عليه وسلم منتظمة ومنفرجة ، وليست متراص ة ومتضايقة فوق بعضها . المسرُبة : هي الشعر بين الصدر والسر ة ، والمعنى : أن تلك المسربة هي دقيقة . 1 الجيد: هو العنق ، والمراد : كأن عنقه صلى الله عليه وسلم في استوائه واعتداله وحسن هيئته وجماله ، كأنه عنق صورة ، ولكن من حيث اللون هو في صفاء الفضة وبياضها البهيج اللامع . يعني : أن جميع أعضاء جسمه الشريفة صلى الله عليه وسلم خلقها الله تعالى كاملة متناسبة مع بعضها غير متنافرة . والمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم ممتلئ الجسم ، ليس بالنحيل ولا بالهزيل ، وأن أعضاءه الشريفة متماسكة بقواها ، وليست متراخية . والمعنى : أن بطنه وصدره الشريفين مستويان ، لا ينتأ أحدهما عن الآخر . الكراديس جمع كُردوس ، وهو رأس العظام ومجمعها ، كالركبة والمنكب ونحوهما ، والمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم كان عظيم رؤوس العظام ومجامعها وقوي ها ، ويدل ذلك على كمال قواه صلى الله عليه وسلم .
عدد الصفحات ٢٥١252 أنور المتجر د1 ، موصول ما بين الل ب ة والس رة بشعر يجري كالخط2 ، عاري عاري الثَّديين والبطن مم ا سوى ذلك 3 ، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الص در 4 . طويل الزندين ، رحب الراحة5 ، شثن الكفين والقدمين6 ، سائل الأطراف أو قال : شائل الأطراف 7 . خُمصان الأخمصينِ8 ، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء9 . إذا زال زال قِلَعا 1 ، يخطو تكف ياً2 ويمشي هوناً3 ، ذريع المشيَة4 ، إذا مشى كأنما ينحط ً من صَبَب 5 وإذا التفتَ التفت جميعاً 6 . يعني: أنه صلى الله عليه وسلم أنور العضو المتجر د عن الثوب وشديد بياضه . اللب ة : هي النقرة فوق الصدر ، والسُّرة ما بقي بعد القطع ، وأما الذي يقطع عند الولادة فهو السُّرُّ . أي : خالي الثديين والبطن من الشعر . 4 أي: كثير شعر هذه المواضع الثلاثة . أي : واسع الكف أي : ضخم الكفين والقدمين ، كما جاء في رواية ، والمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم ممتلئ الكفين والقدمين وليس بالضعيف النحيل . الشك من الراوي ، والمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم كان مرتفع الأطراف بلا احديداب ولا انقباض . تثنية أخمص ، وأخمص القدم هو الموضع الذي لا يمس الأرض عند وطئها من وسط القدم ، ومعنى ( خمصان الأخمصين ) : أنه صلى الله عليه وسلم شديد تجافي الأخمصين عن الأرض ، لكن على وجهٍ لا يُخرجه عن حد الاعتدال والجمال . 1 أي: أملس القدمين ومستويُّهما بلا تكس ر ، ولذلك ينبو عنهما الماء ، أي : يتباعد عنهما الماء ، يعني أنه صلى الله عليه وسلم إذا صب عليهما الماء مر سريعاً ، لأنهما مستويتان .
عدد الصفحات ٢٥٢253 خافض الط رف7 ، نظرهُ إلى الأرض أطولُ من نظره إلى السماء8 جُلُّ نظره الملاحظة9 ، يسوق أصحَابه10 ، ويبدرُ من لقي بالسلام1 ) يعني: أنه صلى الله عليه وسلم إذا مشى رفع رجليه بقوة ، كأنه يقلع شيئاً ، و لا يجرهما على الأرض ، ولا يمشي مِشية المختال الذي يقارب خطاه تبختراً . يمشي مائلاً إلى سَنَن المشي ، وهو ما بين يديه . الهَون : الرفق واللين ، والمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى يرفع رجليه عن الأرض بقوة ، كما دل عليه قول ابن أبي هالة : ( إذا زال زال قِلعاً ) وإذا وضعهما على الأرض وضعهما برفق وتُؤدة ، وهذا معنى : ( يمشي هوناً ) ، فهو يشير إلى كيفية وضع رجليه على الأرض ، وأنه صلى الله عليه وسلم يمشي بسكينة ووقار ، وحلم وأناة ، دون أن يضرب برجله الأرض ، أو أن يخفق بنعله . وقد أثنى الله تعالى على الذين يمشون هذه المشية ، ويسلكون هذه الخط ة ، فقال : ( وعبادُ الرحمن الذين يمشون على الأرض هَوناً ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) . 4 أي: واسع الخطوة خلقةً بلا تكلُّف . أي : كأنما ينزل في موضع منحدر . أي : لا يُسارق النظر ، ولا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة ، كما يفعل ذلك الطائش الخفيف . المراد بالطرف هنا : العين ، والمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم إذا لم ينظر إلى شيء يخفض بصره ، وهذا شأن المتأم ل المفك ر . والمعنى : أن نظره صلى الله عليه وسلم إلى الأرض حالَ السكوت وعدم التحدث ، أطولُ من نظره إلى السماء ، وأما في حال التحدُّث فإنه يكثر النظر إلى السماء ، وكما وردَ في ( سنن ) أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس يتحد ث ، يُ كثر أن يرفع طرفه إلى السماء . 1 قال العلامة المناوي في( شرحه ) : والمراد أن أكثر نظره صلى الله عليه وسلم في غير أوانِ الخطابِ الملاحظةُ اهـ والملاحظة : هي النظر بلَحاظ العين ، وهو شق العين مما يلي الصدغ ، وأما الذي يلي الأنف فالمُوق والماق . والمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم يُقد م أصحابه بين يديه ويمشي خلفهم ليرعاهم ويختبر حالهم ، ويعين ضعفائهم ، وليترك ظهره للملائكة خلفه ، كما روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يمشون أمامه ويدَعون ظهره للملائكة – كذا في ( جمع الوسائل )
عدد الصفحات ٢٥٣254 صفات آدابه صلى الله عليه وسلم في منطقه وسكوته قال الحسن رضي الله عنه : فقلت : صِف لي منطق 2 رسول الله صلى عليه وسلم . فقال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان 3 ، دائم الفكرة ، ليست له راحة 1 .طويل الس كت ـ ولا يتكل م في غير حاجة2 ، يفتتحُ الكلامَ ويختتمه باسم الله تعالى 3 ، ويتكل م بجوامع الكلِم4 ، كلامه فَصل لا فضولَ و قال الإمام النووي : وإنما تقد مهم – أي : تقدم أصحابه في قصة جابر يوم الخندق – لأنه صلى الله عليه وسلم دعاهم إليه ، فجاؤوا تبعاً له ، كصاحب الطعام إذا دعا طائفة يمشي أمامهم . - وفي رواية : ( ويبدأ ) والمعنى : أنه صلى الله عليه وسلم يبادر ويسبِ ق من لقيه من أمته بتسليم التحية . أي : اذكر لي آدابه في منطقه ، وآدابه في سكوته صلى الله عليه وسلم ، كما دل عليه الجواب الآتي . لم يكن حزنه صلى الله عليه وسلم من أجل أمور الدنيا ، وإنما كانت تتوارد الأحزان لأسباب متعددة ، ترجع إلى دين الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى ، ولذا كانت الآيات تنزل في تسليته صلى الله عليه وسلم وتخفيف شدة الأسى عنه : فمن ذلك : حزنه على الذين لم يؤمنوا بما جاء به من الهدى – وقد تبي ن لهم الحق – معاندين ومعارضين ، فكان ذلك مما يشقُّ عليه ويُحزنه ، حتى أنزل الله تعالى في ذلك قوله : (لَعَلهكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلّه يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السهمَاءِ آيَةً فَظَلهتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) ، وقوله تعالى : ( ومن كفر فلً يحزُنك كفرُه ، إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا .. ) الْية . وقوله تعالى : ( فلً تذهب نفسكَ عليهم حَسَرات ، إن الله عليم بما يصنعون ) ، وقوله تعالى : ( ولّ تحزن عليهم ولّ تكُ في ضَيق مما يمكرون ) ومن ذلك : حزنه صلى الله عليه وسلم بسبب خداع المنافقين وإظهارهم الإسلًم ، وإبطانهم الكفر ، ومسارعتهم في الكفر ، كما قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الرهسُولُ لَّ يَحْزُنْكَ الهذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الهذِينَ قَالُوا آمَنها بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ) الْية . ومن ذلك : حزنه صلى الله عليه وسلم لما يقول فيه أعداؤه من الأقوال الباطلة المتناقضة ، والأكاذيب المختلفة ، من أنه صلى الله عليه وسلم ساحرٌ أو شاعر أو مجنون ! وفي ذلك نزل قوله تعالى : ( قد نعلم إنه ليحزُنك الذي يقولون ) الْية ، وقوله تعالى : ( فلً يحزُنك قولُهم ، إنا نعلم ما يُسرًون وما يعلنون ) ، وقوله تعالى : ( ولّ يحزنك قولهم ، إن العزًة للَّ جميعاً ) الْية .
عدد الصفحات ٢٥٤255 تقصير5 ، ليس بالجافي ولا المهين6 ، يُعظ م النعمَةَ وإن دق ت ، لا يذمُّ منها شيئاً ، غير أنه لم يكن يذمُّ ذواقاً ولا يمدحُه7 . ولا تُغضبه الدنيا ولا ما كان لها ، فإذا تُعد ي الحقُّ لم يُقم لغضبه شيءٌ حتى ينتصر له 8 ، ولا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لها. إذا أشارَ أشارَ بكف ه كل ها ، وإذا تعج ب قلبَها 9 ، وإذا تحد ث ات صلَ بها وضربَ براحته اليمنى بطنَ إبهامه اليسرى 1. والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم كان دائم التفك ر في أمور الأمة وما يصلح شؤونهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة ، ومن ثم ليست له راحة . يعني : أنه صلى الله عليه وسلم كان طويلَ الصمت ، لا يتكلم إلا في حاجة دينية أو دنيوية ، فيتحر ز عن الكلام الذي لا فائدة منه ، لقوله تعالى : ( والذين هم عن اللغو معرضون ) وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) رواه الترمذي . والمعنى : أن كلامه صلى الله عليه وسلم كان محفوفاً بذكر الله تعالى بدأً وانتهاءً . 4 أي: بكلمات قليلة الحروف ، جامعة لمعانٍ كثيرة . يعني : أن كلامه صلى الله عليه وسلم فاصل بين الحق والباطل ، ومفص ل لا يتداخل في بعضه ، بحيث يتلقاه السامع بوضوح دون التباس ، لا يكثر فيمل ، ولا يقص ر فيخل . أي : ليس هو صلى الله عليه وسلم بالجافي الغليظ الطبع ، السيء الخُلُق ، ولا بالمُهين لخلق الله تعالى ، ولا بالمَهين أي : المبتذَل الذليل ، بل هو الفخم المفخ م الموق ر المعظ م صلى الله عليه وسلم . فهو صلى الله عليه وسلم يعظ م نعم الله تعالى الكبيرة والصغيرة ، الظاهرة والباطنة ، ، ولا يذم منها شيئاً ، كما وأنه صلى الله عليه وسلم لا يذم ذواقاً – اي : مذوقاً – من المأكولات أو المشروبات التي أباحها الله تعالى ، لأن في الذم كفرانَ النعمة ، وهو شأن المترفين المتكبرين ، كما وأنه صلى الله عليه وسلم لا يمدحُ ذواقاً ، لأن ذلك شأن ذوي الش ره والنهمة المذمومة . أي : فإذا تعد ى أحدٌ الحق وجاوزه إلى الباطل ، غضب صلى الله عليه وسلم غضباً لا يقاومه شيء ، ولا يدفع غضبه شيء حتى ينتصر للحق بالحق . 1 والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أشار إلى شيء : - إنسان أو غيره - ، أشار بكفه كلها ، ولا يقتصر على الإشارة ببعض الأصابع ، لأنه شأن المتكبرين
عدد الصفحات ٢٥٥256 وإذا غضِب أعرَض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه2 ، جُل ضحكِه التبسُّم ، يفترُّ عن مثل حَب الغَمام 3 . ) قال الحسن رضي الله عنه: فكتمتها الحسين بن علي زماناً ثم حد ثته فوجدتُه قد سبقني إليه فسأله عما سألته عنه ، ووجدته قد سأله عن مدخله صلى الله عليه وسلم ومخرجه ، ومجلسه وشكله ، فلم يدَع منه شيئاً 4 . آدابه صلى الله عليه وسلم إذا دخل منزله قال الحسين رضي الله عنه : فسألت – علياً رضي الله عنه – عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ( كان صلى الله عليه وسلم إذا أوى والمحتقرين لغيرهم ، وإذا تعجب صلى الله عليه وسلم من أمر ، قلب كف ه ، كما هو شأن كل متعجب . يعني : أنه صلى الله عليه وسلم إذا تحد ث اتصل حديثه بكفه اليمنى ، وذلك لتأكيد الكلام وتقويته في النفوس ، وزيادةِ إيضاحه بإشارات الكف ، وضربَ براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى ، اعتناءً بذلك الحديث ، ودفعاً لما يعرض لنفس السامع من الفتور أو الغفلة عن الحديث . أي : إذا غضب من أحد أعرض عنه ، فلا يقابله بما يقتضيه الغضب ، امتثالاً لقوله تعالى : ( وأعرض عن الجاهلين ) . وأشاح : أي : بالغ في الإعراض وعدل عنه بوجهه صلى الله عليه وسلم . وإذا فرح صلى الله عليه وسلم من شيء ، غض طرفه ، ولا ينظر إليه نظر شره وحرص . أي : معظم ضحكه صلى الله عليه وسلم إنما هو التبسُّم ، ويفترُّ : أي يضحك ضحكاً حسناً كاشفاً عن سن مثل حب الغمام في البياض والصفاء . وحب الغمام هو البَرَد – بفتحتين – الذي يشبه اللؤلؤ . فكان صلى الله عليه وسلم إذا تبس م بدت أسنانه الشريفة كاللؤلؤ اللامع . 4 قال العلامة البيجوري: فقد روى الحسن عن أخيه الحسين ما رواه الحسين عن أبيه علي ، فصار الحسن راوياً ما تقدم عن خاله هند بلا واسطة ، وما سيأتي عن أبيه علي بواسطة أخيه الحسين اهـ
عدد الصفحات ٢٥٦