225 البيتَ وإنه ليُدخًنُ – أي : يعلو منه الدخان – وكان ظِئره قَيناً ، فيأخذُه – أي : فيأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم المسترضع – فيقبًله ثم يرجع . قال عمرو : فلمًا توفي إبراهيم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ( إنً إبراهيمَ ابني ، وإنًه مات في الثًدي ، - أي : في سنً رضاع الثًدي – وإنً له لظئرين – أي : مرضعتين – تُكمًلًن رضَاعه في الجنًة ) أي : يتمًان له رضاع سنتين ، فإنه توفي وله ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً اهـ من شرح النووي . وفسًر القين في ( النهاية ) بأنه : الحدًاد والصائغ . ومن رحمتِه بأهله صلى الله عليه وسلم : أنه كان يعاونهم في الأمور البيتية ، كما تقدًم أن الأسود قال سألتُ عائشة رضي الله عنها : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في أهلِه ؟ فقالت : ( كان في مهنة أهلِه ، فإذا حضرت الصلًةُ قام إلى الصلًة ) . فما كان صلى الله عليه وسلم من جبابرة الرجال ، بل كثيراً ما كان يخدِم نفسَه بنفسِه صلى الله عليه وسلم : ففي ( مسند ) أحمد وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يخيطُ ثوبَه ، ويخصِف نعلَه ، ويعمل ما يعمل الرجالُ في بيوتهم ) . رحمته صلى الله عليه وسلم بالصبيان روى الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه أنً النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إني لأدخلُ في الصلًة أريد إطالتَها ، فأسمع بكاءَ الصبيً فأتجوًز في صلًتي ، مما أعلم من شدة وَجد أمه ) ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بالصبيان : أنه كان يمسح رؤوسهم ويُقبًلُهم :
عدد الصفحات ٢٢٥226 كما جاء في( الصحيحين ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : قبًل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين ابني عليً ، وعنده الأقرع بن حابس التميميُّ . فقال الأقرع : إنً لي عشرةً ما قبًلتُ منهم أحداً قط ! . فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( مَن لّ يَرحم لّ يُرحَم ) . وفي ( الصحيحين ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إنًكم تقبًلون الصبيان وما نقبًلهم ! . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أوَ أملِكُ لك أن نزع الله الرحمةَ من قلبك ؟! ) . يعني : أنً من كان في قلبه رحمةٌ للصبيان حملته ع لى أن يقبًلهم ، ومن نُزعت الرحمةُ من قلبه أمسكَ عن تقبيلِهم . وروى الشيخان والترمذي عن البراء رضي الله عنه قال : رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن على عاتقه يقول صلى الله عليه وسلم : ( اللهمً إني أحبُّه فأحبهه ) . وروى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أيُّ أهلِ بيتِك أحبً إليك ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ( الحسن والحسين ) . وكان يقول لفاطمة عليها السلًم : ( ادعي لي ابنيً ) ويضمُّهما إليه رضي الله عنهما . ومن رحمته بالصبيان وحبّه لإدخال السرور عليهم : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أتي بأول ما يدرك من الفاكهة يعطيه لمن يكون في المجلس من الصبيان : كما روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيً صلى الله عليه وسلم كان إذا أتي بباكورة الثمرة – أي : أولها – وضعها على عينيه ثم على
عدد الصفحات ٢٢٦227 شفتيه وقال: ( اللهمً كما أريتَنا أوله فأرِنا آخرَه ) ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان . رواه ابن السني عن أبي هريرة ، وقال الحافظ الهيثمي : رواه الطبراني في ( الكبير ، والصغير ) ورجال الصغير رجال الصحيح اهـ ومن رحمته : دمعُ عينيه صلى الله عليه وسلم لفراق ولده إبراهيم رضي الله عنه : فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ابنه إبراهيم رضي الله عنه ، وهو يجودُ بنفسِه – اي : في حالة الّحتضار – فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرِفان – تدمعان - . فقال له عبد الرحمن بن عوف : وأنت يا رسول الله ! فقال : ( يا ابن عوف إنها رحمةٌ ) ثم أتبعها بأخرى فقال : ( إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولّ نقول إلّ ما يرضي ربًنا ، وإنًا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) رواه البخاري ، وروى بعضه مسلم . وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما ، أنً رسول الله صلى الله عليه وسلم رُفِع إليه ابن ابنتِ ه وهو في الموت ، ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له سعد : ما هذا يا رسول الله ! . قال : ( هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده ، وإنما يرحمُ الله من عباده الرحماءَ ) متفق عليه . ومن رحمته صلى الله عليه وسلم : بكاؤه لثقل مرض بعض أصحابه : كما ورد في ( الصحيحين ) عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عاد سعد بن عبَادة ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم ، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى القومُ بكاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَكَوا ، فقال :
عدد الصفحات ٢٢٧228 (ألّ تسمعون ؟ إنً الله لّ يعذًب بدمعِ العين ، ولّ بحزنِ القلب ، ولكن يعذًب بهذا أو يرحم ) وأشار إلى لسانِه ومن رحمته صلى الله عليه وسلم : بكاؤه لموت صاحب من أصحابه : ومن ذلك ما رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبًل عثمان بن مظعون وهو ميت ، وهو صلى الله عليه وسلم يبكي . وفي رواية ابن سعد في ( الطبقات ) عن عائشة رضي الله عنها : ( قب ل عثمانَ بن مظعون وهو ميت ، قالت : فرأيتُ دموع النبي صلى الله عليه وسلم تسيل على خد عثمان ) . وعند ابن الجوزي في كتاب ( الوفاء ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : لم ا مات عثمان بن مظعون كف النبيُّ صلى الله عليه وسلم الثوبَ عن وجهه ، وقب ل بين عينيه ، ثم بكى طويلاً ، فلم ا رُفع على السرير قال : ( طوبى لك يا عثمان ، لم تلبَسك الدُّنيا ولم تلبَسها ) كذا في ( جمع الوسائل ) . وأمّا رحمته صلى الله عليه وسلم بالمساكين والضعفاء : فقد تقد م ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال : ( إن كانت الأمة – أي : المملوكة – لتأخذُ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت ) . وفي رواية أحمد : ( فتنطلق به في حاجتها ) – أي : ليقضي لها حاجتها من شراء طعام أو متاع ونحو ذلك . وروى النسائي عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأنف – أي : لا يتكب ر – أن يمشي مع الأرملة والمسكين ، فيقضي لهما الحاجة ) وعن سهل بن حُنيف رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ، ويعودُ مرضاهم ، ويشهدُ جنائزهم ) رواه أبو يعلى والطبراني والحاكم .
عدد الصفحات ٢٢٨229 رحمته صلى الله عليه وسلم باليتيم قال الله تعالى : ( فأم ا اليتيم فلا تقهر ) . كان صلى الله عليه وسلم يُحسنُ إلى اليتامى ، ويبرُّهم ، ويوصي بكفالتهم والإحسانِ إليهم ، وبي ن الفضائل المرت بة على ذلك . روى البخاري وغيره عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا وكافلُ اليتيمِ في الجن ة هكذا ) وأشار بالسب ابة والوسطى وفر ج بينهما . وروى ابنُ ماجه ع ن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خيرُ بيتٍ من المسلمين بيتٌ فيه يتيمٌ يُحسنُ إليه ، وشرُّ بيتٍ من المسلمين بيتٌ فيه يتيمٌ يُساءُ إليه ) . وذكر صلى الله عليه وسلم فضلَ المرأة التي مات زوجُها ، فحبست نفسَها على تربيةِ أولادها ولم تتزو ج : ففي ( سنن ) أبي داود عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا وامرأةٌ سفعاء الخد ين 1 كهاتين يوم القيامة – الوسطى والسب ابة – امرأةٌ آمَت من زوجِها ذاتُ منصب وجمال ، حبسَت نفسَها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا ) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال له صلى الله عليه وسلم : ( امسح رأسَ اليتيم ، وأطعِم المسكين ) رواه أحمد . وهي التي تغي ر لونها إلى الكمودة والسواد من طول الأيمة ، يريد بذلك أنها حبست نفسها على أولادها ولم تتزوج حتى تحتاج إلى الزينة والتصنع للزوج اهـ كما في ( ترغيب ) المنذري .
عدد الصفحات ٢٢٩230 قال الحافظ المنذري: ورجاله رجال الصحيح . وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الساعي على الأرملة والمسكين – أي : الذي يسعى فيما ينفع الأرملة والمسكين – كالمجاهد في سبيل الله – وأحسَبه قال : وكالقائم لا يفتُر ، وكالصائم لا يُفطِر ) رواه الشيخان . ورواه ابن ماجه بلفظ : ( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله ، وكالذي يقوم الليل ويصوم النهار ) . رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان كان صلى الله عليه وسلم يوصي بالرحمة بالحيوان ، وينهي صاحبَه أن يُجيعه أو يُدئبه ويتعبَه ، بإدامِة الحمل عليه ، أو إثقاله ، أو يحس ه بما فيه نوع من التعذيب له . روى أبو داود وابن خزيمة في ( صحيحه ) عن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قال : مر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ببعيرٍ قد لحِقَ ظهرُه ببطنه – أي : ضمُر من شد ة الجوع – فقال صلى الله عليه وسلم : ( ات قوا الله في هذه البهائم فاركبوها صالحةً ، وكلوها صالحةً ). وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال : أردفَني رسول الله صلى الله عليه وسلم خَلفَه ذات يومٍ ، فدخل حائطاً – أي : بستاناً – لرجلٍ من الأنصار ، فإذا فيه جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن – الجمل – وذرفَ ت عيناه . فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحَ ذِفراه – موضع الأذنين من مؤخر الرأس – فسكت – الجمل - . فقال صلى الله عليه وسلم : ( من ربُّ – أي : صاحب – هذا الجمل ؟ لمن هذا الجمل ؟) .
عدد الصفحات ٢٣٠231 فجاء فتى من الأنصار فقال له صلى الله عليه وسلم: ( أفلا تتقي الله في هذه البهيمةِ التي مل كك الله إياها ؟! فإنه شكا إلي أنك تُجيعُه وتدئبُه ) أي : تتعبُه من كثرة العمل عليه واستعماله فوق طاقتِه . فكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن إجاعة الحيوان وإتعابه ، إم ا بكثرة العمل عليه ، أو تحميلِه فوق طاقتِه . كما كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن إرهاق الحيوان بإيقافِه وإطالة الجلوس عليه من غير ضرورةٍ إلى ذلك : ففي ( مسند ) الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على قومٍ وهم وقوفٌ على دواب لهم ورواحل . فقال لهم : ( اركبوها سالمة1 ودعُوها سالمة ، ولا تتخذوها كراسيَ لأحاديثكم في الطرق والأسواق ، فرًب مركوبةٍ خيرٌ من راكبها ، وأكثرَ ذكراً لله منه) وعزاه في ( الجامع الصغير ) إلى ( المسند ) وأبي يعلى والطبراني و( مستدرك ) الحاكم رامزاً لصحته . فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلوس فوق ظهور الدواب وهي واقفةٌ للتحدُّث عليها قال العلامة المناوي : والمنهيُّ عنه الوقوفُ الطويل لغير حاجة ، فيجوزُ حال القتال ، والوقوف بعرفة ونحو ذلك ، قال : وفيه إشعار بطلب الذكر للراكب ، وقد ذكر أهل الحقيقة أنه يخففُ الثقل عن الدابة اهـ . عن الكد والاتعاب ، قال : وقال الهيثمي : أحد أسانيد أحمد : رجاله رجال الصحيح غير سهل بن معاذ وثقه ابن حبان وفيه ضعف اهـ قال : وقال الذهبي : فيه سهل وفيه لين ، قلت : ولكنه جاء من طرق متعددة فيقوى ما هنالك . قال العلامة المناوي في معنى سالمة : أي : خالصة
عدد الصفحات ٢٣١232 وعن عبد الرحمن بن عمرو السلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يوصيكم بهذه البهائم العُجم – مرتين أو ثلاثاً – فإذا سرتم عليها فأنزلوها منازِلها ) الحديث . وفي ( سنن ) النسائي عن عبد الله بن عمرو قال : نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الض فدع وقال : ( نقيقُها تسبيح )1 . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دخلت امرأةٌ النارَ في هر ةٍ ربطتها ، فلم تُطعِمها ولم تدعهَا تأكلُ من خشاش الأرض ) رواه البخاري وغيره 2 . كما وأنه صلى الله عليه وسلم نهىعن تسليط الحيوانات بعضها على بعض بالأذى ، وتهييجِها بالإفساد : ففي ( سنن ) أبي داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما : نهى رسول الله صلى الله لعيه وسلم عن التحريش بين البهائم . رحمته صلى الله عليه وسلم بالطيور كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يحذ ر من أن يفجعَ الإنسانُ الطيورَ بأولادها ، وذلك من باب الرحمة : ففي ( سنن ) أبي داود عن أبي مسعود رضي الله عنه قال : كنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فانطلق لحاجتِه ، فرأينا حُم رة 3 معها فرخان ، فأخذنا فرخيها ، فجاءت الحُم رة فجعلت تُعرش 4 . وكذلك أورده الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده .. ) الآية . كذا في ( ترغيب ) المنذري قال : وخشاش الأرض : مثلثة الخاء المعجمة وبشينين معجمتين ، هو : حشرات الأرض والعصافير ونحوها طائر صغير كالعصفور . 4 قال في( النهاية ) مفسراً لهذه الجملة : التعريش أن ترتفع وتظلل بجناحيها على من تحتها اهـ
عدد الصفحات ٢٣٢233 فجاءالنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( مَن فجع هذه بولديها ؟ رُدُّوا ولديها إليها ) . ورأى قرية نحل – أي : مجتمع نحل – قد حرقناها ، فقال : ( مَن حرق هذه ؟ ) ، قلنا : نحن . قال : ( إنه لا ينبغي أن يعذ ب بالنار إلا ربُّ النار ) . كما وأنه صلى الله عليه وسلم حذ ر من قتل الطير عبَثاً ، لا لمنفعة أكل ونحوه . روى النسائي وابن حبان في ( صحيحه ) عن الش ريد رضي الله عنه قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من قتل عُصفوراً عج 1 إلى الله يوم القيامة ، يقول : يا رب إن فلاناً قتلني عبثاً ولم يقتلني منفعةً ) . وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما مِن إنسانٍ يقتُل عصفوراً فما فوقها بغير حق ها إلا يسأله الله عنها يوم القيامة ) . قيل : يا رسول الله وما حقُّ ها ؟ قال : ( حقُّها أن تذبَحها فتأكلَها ولا تقطعَ رأسَها فترميَ به )2 . كما وأنه صلى الله عليه وسلم أوصى بالر فق في ذبحِ الحيوان والإحسان إليه في ذلك : روى الطبراني وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً أضجع شاةً وهو يحدُّ شفرته . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتريدُ أن تُميتَها موتتين ؟ هلا حددتَ شفرتَك قبلَ أن تضجعَها ! )1 . أي: شكا إلى الله تعالى بصوت عال . قال في ( الترغيب ) : رواه النسائي والحاكم وقال : صحيح الإسناد .
عدد الصفحات ٢٣٣234 كما وأن ه صلى الله عليه وسلم حذ ر من اتخاذ الحيوان وكل ذي روح غَرَضاً – أي : هَدَفاً للرمي : روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه مر بفتيانٍ من قريش ، قد نصبوا طيراً أو دجاجة يترامونَها ، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم ، فلما رأوا ابن عمر تفر قوا . فقال ابن عمر : من فعل هذا ؟ لعن الله من فعل هذا ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من ات خذ شيئاً فيه الروح غَرَضاً . التدبُّر والتأمل في قوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين ) إن من تدب ر قوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) وتفكر في معاني هذه الآية الكريمة يت ضح له جلي اً أن جميع ما جاءت به الرسالة المحم دية ، وجميع ما اشتملت عليه ، من أوامرَ ومناهيَ ، وعبادات ومعاملات ، وآداب وأخلاق ، وحقوق وواجبات ، كل ذلك مبني على أساس الرحمة للعباد . بل وما جاءت به الرسالة المحمدية من العقوبات الشرعية وهي القصاص والحدود والتعزير ! كل ذلك إنما هو رحمة للعالمين ، ورحمة للبلاد والعباد ، لأن في ذلك إيقافاً للمفسد عن التوغ ل في الفساد ، ومنعاً لفساده أن يستشري لغيره ، فإن عضو جسم الإنسان إذا فسد فمن الرحمة أن يُبترَ لئلا يستشري الفساد ويتعد اه لغيره ، وكذلك فإن المجتمع كل ه يعتبر من هذه الناحية كالجسم الواحد في نظر الشرع ، وتفصيل ذلك ليس موضعَه هنا . ذلك لأن الرسالة المحمدية جاءت بالرحمة وللرحمة ، ولذلك وردت الآية على طريق الحصر ، ليعلَمَ العاقل أن جميع مضامين هذه الرسالة ومشتملاتها ، كل أولئك إنما هو رحمة للعباد في الدنيا والآخرة ، وفيها سعادتهم وصلاحهم ، وفلاحهم ونجاحهم في الدنيا والآخرة ، وأنه لم تأتِ الرسالة المحمدية لسعادة قال الحافظ المنذري : رواه الطبراني في ( الكبير ، والأوسط ) والحاكم – واللفظ له – وقال : صحيح على شرط البخاري .
عدد الصفحات ٢٣٤235 الآخرة وصلاح الآخرة ونجاح الآخرة فحسب ، بل جاءت لسعادة وصلاح وفلاح الدنيا والآخرة معاً . ولذلك نبه النبي صلى الله عليه وسلم العقلاء والفُطناء والحكماء إلى بيان موقفه من ناحية الإسعاد والإصلاح مع العالم ، فذكر مثالاً حس ياً ليت ضح الموقف ويبرز في صورة محسوسة . ففي ( مسند ) الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فيما يرى النائم ملكان ، فقعد أحدهما عند رجليه ، والآخر عند رأسه فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه : اضرب مَثَل هذه ومثل أم ته . فقال : إن مَثَل هذا ومثل أمته كمثل قوم سَفر 1 انتهوا إلى رأس مفازة2 فلم يكن معهم من الز اد ما يقطعون به المفازة ، ولا ما يرجعون به ، فبينا هم كذلك إذ أتاهم رجلٌ في حُل ة حبِرة3 ، فقال: أرأيتم إن وردتُّ بكم رياضاً مُعشِبة4 ، وحياضاً رُواءً أتتبعوني ؟ قالوا : نعم فانطلق بهم فأوردهم رياضاً معشبة ، وحياضاً رُواء ، فأكلوا وشربوا وسمنوا ، فقال لهم : ألم أُلِفكم 5 على تلك الحال ، فجعلتم لي أن أوردكم رياضاً معشبة ، وحياضاً رُواء أن تتبعوني ؟ قالوا : بلى ، قال : فإن بين أيديكم رياضاً هي أعشبُ من هذه ، فاتبعوني ، قال : فقامت طائفة قالت : صدق والله ، لنتبعن ه ، وقال طائفة : قد رضينا بهذا ، نُقيم عليه )6 . سفر: جمع سافر ، كركب جمع راكب ، وهم القوم المسافرون . وصلوا وسط الصحراء الدوية ، وسميت مفازة تفاؤلاً بالفوز والنجاة لمن اجتازها . نوع حسن من الثياب ، والمعنى : أن الرجل الذي خرج عليهم هو من أهل الفضل والكمال ، تلوح عليه آيات الصدق والنصح . حدائق وبساتين . أي : ألم أجدكم كذا في ( مجمع الزوائد ) : وقال : رواه أحمد والطبراني والبزار وإسناده حسن ، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره آخر سورة التوبة
عدد الصفحات ٢٣٥236 فلقد جاء رسول الله صلى الله عيله وسلم برسالة عامة ، كافلة وكافية ووافية بجميع مصالح البشر ، وبما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة . فالمؤمنون الصادقون أخذوا بجميع مبادئ الرسالة المحمدية المنوطة بأمور الدنيا وبأمور الآخرة ، فنالوا من الله سعادة الدنيا والآخرة . وغيرُهم أخذوا بمبادئ الرسالة المحمدية التي فيها مصالح الدنيا فحسب ، فنالوا حظهم من سعادة الدنيا ورفاهتها ، وانتظام أمورها ، ولكنهم لم يأخذوا بما فيه صلاح آخرتهم وسعادتهم في الآخرة فما لهم في الآخرة من خلاق . هذا ، وإن قوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) يشمل عالم الإنس وعالم الجن وعالم الملائكة وما يتبع ذلك من العوالم . أما رحمته صلى الله عليه وسلم للإنس : فهو ما تقدم من شمول رحمته صلى الله عليه وسلم لجميع طبقات الإنس وأما رحمته للجن : فكذلك الأمر هو في الجن كما في الإنس ، باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم رسول إلى الجن أيضاً رسالة تكليف ، وقد بل غهم وأمرهم ونهاهم ، وبي ن لهم – في عدة مناسبات . كما أنهم توافدوا عليه واستمعوا إليه صلى الله عليه وسلم – وتفصيل ذلك مبي ن في كتابنا ( الإيمان بالملائكة – والبحث حول عالم الجن ) فارجع إليه تجد الأدلة على ذلك . وأما شمول رحمته صلى الله عليه وسلم لعالم الملائكة : فهو ما ذهب إليه جماهير العلماء والعرفاء ، وذلك : - إما باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم مرسل إليهم برسالة فيها تكليف لهم بأوامر ونواهي ، كما رجحه كثير من محققي المحدثين والفقهاء 1 . انظر( شرح الزرقاني على المواهب ) ، و( تفسير ) الآلوسي حول الآية – وغيرهما .
عدد الصفحات ٢٣٦237 - وإما باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم مرسَل إليهم رسالة تشريف ، فقد شملهم عموم رحمته ، ونالوا بواسطته علوماً جم ة كثيرة ، وأسراراً عظيمة كثيرة ، مما أودع الله تعالى في كتابه الذي أنزل عليه صلى الله عليه وسلم والإيحاءات النبوية التي أوحاها إليه ، وقد قال الله تعالى : (كَلًه إِ نههَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرهمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَههرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ) . والمراد هنا بالسفرة : الملًئكةُ عليهم السلًم ، فهم يتلون ما أذن الله تعالى لهم به من تلًوة هذا القرآن الكريم ، المكتوب في صحفهم ، ويزدادون بذلك علماً ومعرفةً بجلًل الله تعالى وعظمته وحكمته . وفي ( الصحيحين ) عن عائشة رضي الله عنها : قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به ، مع السفرة الكرام البَرَرة ، والذي يقرأ القرآن ، وهو عليه شاق له أجران ) . هذا ، وقد أجملنا الكلًم على هذه الْية الكريمة في هذا الموطن ، لأننا سوف نتكلم عليها إن شاء الله بعدُ في الحلقة الثانية من هذا الكتاب ، وهي الحلقة التي يُبحثُ فيها عن مواقف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع العالم ، ومن جملة تلك المواقف أنه صلى الله عليه وسلم جاء رحمة للعالمين ، فهناك التفصيل إن شاء الله تعالى . في عظيم حيائه صلى الله عليه وسلم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمَ الناس حياء ، لأنه أعظمُهم إيماناً ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( الحياء من الإيمان )1 . تمامه: ( والإيمان في الجنة ، والبذاء من الجفاء ، والجفاء في النار ) رواه أحمد بـ ( رجال الصحيح ) والترمذي وابن حبان في ( صحيحه ) وقال الترمذي : حديث حسن صحيح اهـ ( ترغيب ) المنذري .
عدد الصفحات ٢٣٧238 وفي( الصحيحين ) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدً حياءً من العذراء في خِدرها ) . وفي رواية البخاري : ( وإذا كره شيئاً عُرف في وجهه صلى الله عليه وسلم ) . ومن المعلوم أن المرأة العذراء ، وهي البكر المستترة في خدرها – أي : في ناحية بيتها أو خيمتها – تكون شديدة الحياء ، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء منها ، والحياء خُلُق يبعث على اجتناب القبيح ، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( استحيوا من الله حقً الحياء ) . فقالوا : إنا لنستحيي من الله والحمد للَّ . قال صلى الله عليه وسلم : ( ليس ذلك ، ولكن الحياء من الله هو : أن تحفظ الرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ) إلى تمام الحديث – كما تقدم في جملة الأربعين ، وفيه بيان أن الحياء يحمل صاحبه على فعل الكمال ، ويمنعه من النقصان . وقال صلى الله عليه وسلم : ( الحياء لّ يأتي إلّ بخير ) كما في البخاري . وقد بلغ من حيائه صلى الله عليه وسلم أنه لم يواجه أحداً بما يكرهه ، بل يعرًض بذلك ، أو يأمر بعض الصحابة من يصارح بذلك الرجلَ المقصًر : روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أنس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لّ يواجه أحداً في وجهه بشيء يكرهه ، فدخل عليه يوماً رجل وعليه أثر صُفرة ، فلما قام قال لأصحابه : ( لو أمرتم هذا أن يغسل هذه الصفرة )
عدد الصفحات ٢٣٨239 وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل ما بال فلان ، ولكن يقول : ما بال أقوامٍ يقولون كذا وكذا ) . ومن ذلك حياؤه صلى الله عليه وسلم من القوم الذي أطالوا الجلوس عنده بعد الأكل ، فاستحيا أن يقول لهم انصرفوا ، حتى نزلت الآية في ذلك . كما في ( صحيح ) البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عروساً بزينب ، فقالت لي أم سليم : لو أهدينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية قال أنس : فقلت لها : افعلي . فعمدت إلى تمر وسمن وأقِط ، فات خذت حَيسة في بُرمة فأرسلت بها معي ، فانطلقتُ بها إليه . فقال : ( ضَعها ) ثم أمرني فقال لي : ( ادعُ رجالاً – سماهم – وادعُ لي من لقيتَ ) ففعلت الذي أمرني . فرجعت فإذا البيت غاص بأهله ، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده في تلك الحَيسة ، وتكلم بما شاء الله تعالى ، ثم جعل يدعو عشرةً عشرةً يأكلون منه ، ويقول لهم : ( اذكروا اسم الله ، وليأكُل كل رجل مما يليه ) حتى تصد عوا كلهم ، وفي رواية مسلم : قيل لأنس : عدَدَكم كانوا ؟ قال : زُهاء ثلاثمائة – فخرج من خرج ، وبقي نفر يتحدثون . وفي رواية مسلم : وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديدَ الحياء – أي : استحيا أن يقول لهم انصرفوا – ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم نحو الحُجُرات ، وخرجتُ أثَره ، فقلت : إنهم قد ذهبوا ، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة ، وهو يقول : (يَا أَيُّهَا الهذِينَ آمَنُوا لَّ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النهبِيِّ إِلّه أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ
عدد الصفحات ٢٣٩240 وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَّ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنه ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النهبِيه فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللههُ لَّ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ .. ) الْية ) . والمراد أنه صلى الله عليه وسلم يستحيي حياء كرم أن يقول لهم انصرفوا ، وهم جلوس عنده ، والله لا يستحيي من بيان الحق الواجب ات باعُه ، وهذا لا ينافي أنه سبحانه متصف بحياء الكرم اللائق بمقام ربوبيته تعالى ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن ربكم حييٌ كريم ، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردَّهما صُفراً ) أي : خاليتين – رواه الترمذي وغيره . فباعتبار أن إطالة الجلوس كانت عنده صلى الله عليه وسلم في بيته استحيا منهم أن يُصارحهم في الأمر ، كرماً منه ، ولكن الموقف يتطلب بيان الحق في ذلك لا محالة ، فجاء القرآن بالبيان ، من الملك الدي ان ، جل وعلا . وقد ذكر العلماء للحياء أنواعاً لتنوّع أسبابه : فمن ذلك : حياء الكرم ، وسببه كرم النفس ، كاستحيائه صلى الله عليه وسلم من القوم لما أطالوا الجلوس عنده ، كما تقدم . ومن ذلك : حياء الإجلال : وهو حياءٌ سببه المعرفة بعظمة المستحيا منه ، وعلى قدر معرفة العبد برب ه يكون حياؤه سببه منه سبحانه . ولا ريب أنه صلى الله عليه وسلم أعلم خلق الله تعالى ، بالله تعالى وبعظمة ربوبيته ، كما تقدم في حديث الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أما والله إني لأعلمكم بالله ، وأتقاكم له ) ، ومن ذلك : حياء المحبة : وهو حياء المحب من محبوبه ، حتى إنه لتمر على قلب المحب ذكريات المحبوب فتزيده حياءً ووجلاً من محبوبه . ومن ذلك : حياء العبودية : وهو حياء يمتزج بين محبةٍ وخوفٍ ، ومشاهدةِ أن قدر معبوده سبحانه ، هو أجلُّ وأعلى من العبادة والعبودية التي يتقرب بها إليه .
عدد الصفحات ٢٤٠