المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شمائله الحميدة ، خصاله المجيدة

عبد الله سراج الدين

صفحة ١٣ من ٣١

193 فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن مثلي ومثَلَ هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة ، فشردتْ عليه ، فات بعها الناس ، فلم يزيدوها إلا نف وراً ، فقال لهم صاحب الناقة : خل وا بيني وبين ناقتي ، فأنا أرفق بها ، وأنا أعلم بها ، فتوج ه إليها – صاحبها – وأخذ لها من قُشام الأرض – أي : من نبات الأرض – ودعاها حتى جاءت واستجابت ، وشد عليها رحلها ، وإني لو أطعتُكم حيث قال ما قال لدخل النار )1 . عظيم تواضعه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قال الله تعالى : ( واخِض جناحَك للمؤمنين ) . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم له المثل الأكمل في التواضع مع علو مقامه ، وشرف جنابه ، ويتجل ى تواضعه صلى الله عليه وسلم في سائر أحواله الخاصة والعامة ، وأموره الخارجية ، والداخلية البيتية . فكان من تواضعه صلى الله عليه وسلم أن يخدِم نفسه بنفسه : قالت عائشة رضي الله عنها : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيطُ ثوبه ويخصِف نعلَه ، ويعمل ما يعملُ الرجال في بيوتهم )2 . وفي رواية: ( ويرقَعُ دلوه ، ويَفلي ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه صلى الله عليه وسلم )1 أورد هذا الحديث الحافظ ابن كثير في( تفسيره ) آخر سورة التوبة وقال : رواه البزار ثم قال : لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه . قلت : وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان والله أعلم اهـ وأورده في ( مجمع الزوائد ) ونبه على ضعفه . وقال العلامة الخفاجي في ( شرح الشفاء : : : وهذا الحديث رواه البزار وأبو الشيخ بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وابن حبان في ( صحيحه ) وابن الجوزي في ( الوفاء ) اهـ أي : من الاشتغال بمهنة الأهل والنفس .

عدد الصفحات ١٩٣

194 رواه أحمد وابن حبان وصححه وابن سعد. ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم : أنه كان يركب الحمار ، ولا يخص نفسه بركوبِ الخيلِ ، كما هو عادة الملوك والأمراء : روى الترمذي وغيره عن أنس رضي الله عنه أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المرضى ، ويشهدُ الجنائز ، ويركب الحمار ، ويجيب دعوة العبد ، وكان يوم بني قُرَيظة على حمار ، مخطوم بحبل من ليف ، وعليه إكاف من ليف )2 . ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم: أنه كان يُردِف وراءه بعض نساءه : كما روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ، وإني لرديف أبي طلحة وهو يسيرُ وبعضُ نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم رديفُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عثرت الناقة ، فقلتُ : المرأة – أي : وقعت المرأة أعينونا – فنزلتُ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن ها أمُّكم ) 3 فشددت الرحل ، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما دنا – أو : رأى المدينة – قال : ( آيبون تائبون عابدون ، لرب نا حامدون ) . بل كان يردف خلفه بعض أصحابه ، وصبيانَ أصحابه ، ولا يستنكف من ذل ك كما تأنف الكبار والأمراء : هذا لا ينافي أنه صلى الله عليه وسلم كان يسمح لبعض أصحابه أن يخدمه كأنس وغيره ، ليتشر فوا بخدمته ويستفيضوا من بركاته صلى الله عليه وسلم ، وليس ذلك من باب التعاظم والترفُّع . يعني أنه صلى الله عليه وسلم ذهب لحرب بني قريظة فركب حماراً خطامه – أي : زمامه – وإكافه – أي : بردعته – من ليف – والبردعة للدواب كالسرج للفرس اهـ ( حاشية الباجوري ) . يذك رهم بوجوب التعظيم لها ، وكانت المرأة هي صفية بنت حيي أم المؤمنين رضي الله عنها .

عدد الصفحات ١٩٤

195 فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ( أتى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مكة وقد حملَ قُثم – ابن العباس – بين يديه ، والفضلَ – أخاهُ – خلفه صلى الله عليه وسلم ، أو : قُثمَ خلفه ، والفضل بين يديه – شك الراوي - ) . وفي ( الصحيحين ) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : كنتُ وراء النبي صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا مؤخ رةَ 1 الرحل ، فقال: ( يا معاذ بن جبل ) . قلت : لبي ك رسول الله وسعديك . ثم سار ساعة ثم قال : ( يا معاذ بن جبل ) . قلت : لب يك رسولَ الله وسعديك . ثم سار ساعة ثم قال : ( يا معاذ بن جبل ) . قلت : لبي ك رسول الله وسعديك . قال : ( هل تدري ما حقُّ الله على العباد ؟ ) . قال معاذ : قلت : الله ورسولهُ أعلم . قال : ( فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ) . ثم سار ساعة ثم قال : ( يا معاذ بن جبل ) . قلت : لبي ك رسول الله وسعديك . قال : ( هل تدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ ) . قلت : الله ورسولهُ أعلم . بالتخفيف والتثقيل ، هي آخرة الرحل ، وهو العود الذي خلف الراكب ، والذي أمامه يسمى : قادمة الرحل ، ومقدمة الرحل .

عدد الصفحات ١٩٥

196 قال: ( أن لا يعذ بهم ) . ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم : مِشيتُه مع الأرملة والمسكين والأمَة : روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم – وكان في عقلِها شيء – فقالت : إن لي إليك حاجة . فقال صلى الله عليه وسلم : ( اجلسي في أي سِكك – أي : طُرق – المدينة شئتِ ، أجلس إليك حتى أقضي حاجتكِ ) . وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال : إن كانت الأمةُ لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت – وفي رواية أحمد : فتنطلق به في حاجتها – أي : ليقضي لها حاجتها بنفسه الكريمة صلى الله عليه وسلم . وروى النسائي عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر الذ كر ، ويقلُّ الل غو ، ويطيل الصلاةَ ، ويقص ر الخطبة ، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين ، فيقضي لهما الحاجة ) . ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم وتكريمه لعباد الله المسلمين : ما روى الإمام أحمد وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في حجة النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى السقاية فقال : ( اسقوني ) فقالوا : إن هذا يخوضه الناس ، ولكنا نأتيك به من البيت . فقال : ( لا حاجة لي فيه ، اسقوني مما يشرب الناس ... ) ) .الحديث فانظر في هذا التواضع العظيم ، من صاحب الخُ لق العظيم ! لم يقبل أن يُؤتى بشرابٍ خاص له صلى الله عليه وسلم ، وأبى إلا أن يشربَ مم ا يشربُ منه الناس ، ولو خاضت فيه أيديهم .

عدد الصفحات ١٩٦

197 وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث إلى المطاهر 1 فيُؤتى بالماء فيشربه ، يرجو بركة أيدي المسلمين رواه الطبراني2 ومن تواضعه صلىالله عليه وسلم : ما جاء في ( سنن ) الترمذي وأبي داود وغيرهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة ، فأذن له وقال له : ( يا أخي يا عمر أشرِكني بدعائك – وفي رواية : لا تنسني من دعائك ) . أمره صلى الله عليه وسلم بالتواضع روى الإمام مسلم عن عياض بن حمار في حديث طويل قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا ، حتى لا يفخرَ أحدٌ على أحد ، ولا يبغي أحدٌ على أحد ) . تواضعه صلى الله عليه وسلم واختياره أن يكون نبياً عبداً لا نبياً ملكاً إن م ن أعظم ما يدلُّ على تواضعه صلى الله عليه وسلم : أنه لم ا خي ره الله تعالى بين أن يكون نبياً عبداً ، أو نبي اً ملِكاً ، اختار العبدية تواضعاً لله تعالى . روى الطبراني بإسنادٍ حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ وجبريلُ عليه السلام على الصفا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا جبريل والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمدٍ سف ة من دقيق ، ولا كف من سَويق ) . فلم يكن كلامُه بأسرع من أن سمع هد ة من السماء أفزعته . قال المناوي : المراد بالمطاهر هنا : الحياض والفساقي والبرك المعدة للوضوء اهـ وأبو نعيم في ( الحلية ) ، كما في ( الجامع الصغير ) ، وقال الحافظ الهيثمي : رجاله موثقون ومنهم عبد العزيز بن أبي رواد ثقة نسب إلى الإرجاء اهـ

عدد الصفحات ١٩٧

198 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أمرَ الله القيامة أن تقوم ؟ ) . فقال – جبريل - : لا ، ولكن أمرَ إسرافيلَ فنزل إليك حتى سمع كلامك . فأتاه إسرافيلُ فقال : إن الله تعالى سمع ما ذكرتَ ، فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض ، وأمرني أن أعرِض عليك أن أسي رَ معك جبال تِهامة زُمرُّداً وياقوتاً وذهباً وفض ة ! فإن شئت نبي اً ملِكاً ، وإن شئتَ نبي اً عبداً ؟ . فأومأ إليه جبريل أن تواضعْ . فقال صلى الله عليه وسلم : ( بل نبي اً عبداً ) ثلاثاً . كذا في ( ترغيب ) المنذري وقال : رواه البيهقي في ( الزهد ) وغيره ، قال : ورواه ابن حبان في ( صحيحه ) مختصراً من حديث أبي هريرة ولفظه قال : ( جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء فإذا ملَك ينزل ، فقال له جبريل : هذا الملك ما نزل منذ خُلِق قبل الساعة . فلما نزل قال : يا محمد أرسَلَني إليك ربُّك : أملِكاً أجعلك أم عبداً رسولاً ؟ . فقال له جبريل : تواضع لرب ك يا محمد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ، بل عبداً رسولاً )) كذا في ( الترغيب ) . قلت : وهذا اللفظ أيضاً واردٌ في ( مسند ) أحمد عن أبي هريرة أيضاً 1 ولا ريبَ أن هناك فرقاً بين مقام الملكية والعبودية ، فإن مقام الملكية يتطل ب اتخاذ الجنود ، واتخاذَ الحج اب والخيول ، واتخاذ الخدم والقصور ، ويتطلب الانتقام لمن يتعر ض بالأذى لنفس الملك . وقال الحافظ الهيثمي : رواه أحمد والبزار وأبو يعلى ورجال الأولين رجال الصحيح اهـ

عدد الصفحات ١٩٨

199 وأم ا مقام العبودي ة: فإنه يقتضي أن يخدِمَ نفسه ، وأن يكونَ في معونة أهله ، تواضعاً منه صلى الله عليه وسلم ، ويقتضي العفوَ والص فحَ عم ن آذاه في نفسه صلى الله عليه وسلم ، أم ا إذا انتهكت حُرمات الله تعالى فينتقم لله تعالى . ولذلك كان يقول : ( آكُلُ كما يأكل العبد )1 أي: في القعود وهيئة التناول ، والرضا بما حضر تواضعاً لله تعالى وأدباً معه ، فلا آكُلُ متكئاً كما يفعل أهل الرفاهية والانبساط في الدنيا ونعيمِها . وكان يقولُ : ( أجلِسُ كما يجلس العبد ) أي : لا كما تجلس الملوكُ الجبابرة ، فإن التخل ق بأخلاق العبودية أشرفُ الأوصاف البشرية . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا عائشةُ لو شئتُ لسارت معي جبال الذهب !. أتاني ملكٌ إلى حجرة الكعبة فقال : إن رب ك يقرئك السلامَ ويقول لك : إن شئتَ نبياً ملِكاً ، وإن شئتَ نبي اً عبداً . فأشار جبريل : أن ضع نفسك – أي تواضع - . فقلتُ : نبياً عبداً ) . فكان بعدُ لا يأكلُ متكئاً ، ويقول : ( آكلُ كما يأكلُ العبدُ ، وأجلسُ كما يجلِسُ العبد ) رواه أبو يعلى وابن حبان وابن سعد . قال في ( فيض القدير ) : ورواه البيهقي عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً ، وزاد : ( فإنما أنا عبد ) . ورواه هن اد عن عمرو بن مرة وزاد : ( فوالذي نفسي بيده لو كانت الدنيا تزِنُ عند الله جناحَ بعوضةٍ ما سقى منها كافراً كأساً )1 . قال العلامة المناوي: المراد هنا بالعبد : الإنسان المتذلل المتواضع لربه تعالى اهـ

عدد الصفحات ١٩٩

200 وفي( سنن ) أبي داود وابن ماجه عن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم قصعةٌ – أي : إناء كبير يوضع فيه الثريد ليأكله الجماعة – يقال لها الغر اء يحملها أربعة رجال ، فلما أضحَوا – أي : دخلوا في وقت الضُّحى بعد طلوعِ الشمس – وسجدوا – أي : صل وا – الضُّحى ، أتي بتلك القصعة يعني وقد أثرِد فيها – أي : وُضع فيها الثريد – فالتف وا عليها ، فلما كثروا جثا رسول الله صلى الله عليه وسلم – أي : جلس على ركبتيه - . فقال أعرابي : ما هذه الجلسة ؟ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله جعلني عبداً كريماً ، ولم يجعلني جباراً عنيداً ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كلوا من جوانبِها ، ودعوا – أي : اتركوا – ذروتها – أعلاها – يُبارك لكم فيها ) . ولما كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو أعظمَ من تحقق بمقامات العبدية والعبودية لله تعالى ، وهو أشرف من كمُلت له مراتبُها العالية : لذلك وصفه الله تعالى في أعلى مقاماته بالعبدية فقال سبحانه : (وَأَنههُ لَمها قَامَ عَبْدُ اللههِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) . وقال سبحانه في مقام إنزال الكتاب عليه : ( الحمد للَّ الذي أنزل على عبده الكتاب .. ) الْية . وقال تعالى في مقام الفرقان والنصر والبر : (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ... ) الْية . وقال تعالى في مقام التحدًي :( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمها نَزهلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ .. ) الْية . وقال تعالى في مقام الإسراء :( سبحان الذي أسرى بعبده ليلًً .. ) الْية . انظر ( فيض القدير ) : وقال : ولتعدد هذه الطرق رمز المصنف – السيوطي – لحسنه اهـ

عدد الصفحات ٢٠٠

201 ولذلك كان هو صلى الله عليه وسلم صاحب مقام الوسيلة ، الذي هو أعلى منزلة في الجنة ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( .. ثم سلوا الله لي الوسيلة ، فإنها منزلة - أي : خاصًة - في الجنة لّ ينبغي أن تكون إلّ لعبد ، وارجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل الله لي الوسيلة حلًت له شفاعتي يوم القيامة .. ) الحديث كما في ( صحيح ) مسلم . في عظيم حلمه وعفوه صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ( فاعفُ عنهم واصفح إن الله يحبُّ المحسنين ) . وقال سبحانه : ( فاعف عنهم وشاورهم في الأمر ) . كان صلى الله عليه وسلم عظيمَ الحلم ، لا يقابل السيئة بالسيئة ، بل يعفو ويغفر ، وما انتقم لنفسه من شيءٍ قط ، إلا أن تُنتهك حرمةُ الله ، فينتقم لله تعالى . روى الشيخان وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( ما خُي ر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن مأثماً ، فإن كان إثماً كان أبعدَ الناس منه ، وما انتقم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لنفسِه إلا أن تُنتهك حرمةُ الله ، فينتقم لله ) ولقد ات سع حلمه صلى الله عليه وسلم لجميع خلق الله تعالى ، حتى لأعدائه الذين آذوه . فلما كانت غزوةُ أحد وكُسرت رَباعي تُه صلى الله عليه وسلم ، وجُرح في شفته السفى ، وشُج في جبهته الشريفة حتى سال منه الدم ، فجعل ينش فه لئلا ينزل على الأرض ويقول صلى الله عليه وسلم : ( لو وقع منه شيءٌ على الأرض لنزل عليهم العذابُ من السماء ) ولقد شق ذلك على الصحابة فقالوا : لو دعوتَ عليهم .

عدد الصفحات ٢٠١

202 فقال: ( إنما لم أبعث لع اناً ، ولكن بُعثتُ داعياً ورحمة – اللهم اغفر لقومي – وفي رواية : اللهم اهد قومي – فإن هم لا يعلمون ) . ومن مظاهر حلمِه وعظيم عفوه صلى الله عليه وسلم : قصةُ زيد بن سَعنة أحدِ أحبار اليهود ، الذين أسلموا لرؤية تلك الآيات المحمدية ، والعلامات النبوية الجلي ة . فقد ورد عن زيد بن سَعنة أنه قال : لم يبقَ من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرتُ إليه ، إلا اثنتين لم أخبرهما فيه : يسبقُ حلمُه جهلَه ، ولا تزيده شد ةُ الجهل عليه إلا حلماً . قال زيد بن سعنة : فكنتُ أتلط ف له – أي : لمحمد صلى الله عليه وسلم - لأن أخالطَ ه ، فأعرفَ حلمَه وجهلَه ، فابتعتُ – اي : اشتريت – منه تمراً إلى أجل فأعطيتُه الثمن – وفي رواية أبي نعيم : فأعطاه زيد قبل إسلامه ثمانين مثقالاً ذهباً على تمر معلوم إلى أجل معلوم . فلما كان قبل مجيء الأجل بيومين أو ثلاثة ، أتيتُ محمداً صلى الله عليه وسلم فأخذتُ بمجامع قميصه ، ورداؤه على عنقه ، ونظرتُ إليه بوجهٍ غليظٍ ثم قلتُ : ألا تقضين يا محم دُ حقي ؟ فوالله إنكم يا بني عبد المطلب مُطُل1 . فقالعمر : أي عدو الله تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع 2 ؟ فوالله لولا ما أحاذرُ فوتَه 3 لضربتُ بسيفي رأسك! قال : ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر بسكونٍ وتؤدةٍ وتبسُّم . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا وهو – أي : أنا وزيد – كنا أحوجَ إلى غير هذا منك يا عمر : أن تأمرني بحسن الأداء ، وتأمرَه بحسن الت باعة ) أي : المطالبة . ثم قال صلى الله عليه وسلم : ( اذهب يا عمر جمع ماطل ، أي : تؤخرون عن أداء الحق ، وتسوفون الموعد مرة بعد أخرى . وفي رواية أبي نعيم : فنظر إليه عمر وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير . أي : من بقاء الصلح بين المسلمين وبين قومه اليهود إذ ذاك .

عدد الصفحات ٢٠٢

203 فاقضِه حق ه وزِده عشرين صاعاً مكان ما رُعتَه ) أي : مقابل فزعه ، ففعل ذلك عمر . قال زيد : فقلت : يا عمر كلُّ علاماتِ النبو ة قد عرفتُها في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرتُ إليه ، إلا اثنتين لم أخبرهما : يسبقُ حلمُه جهلَه ، ولا تزيدُهُ شد ةُ الجهل عليه إلا حلماً ، فقد اختبرتُه بهما ، فاشهد يا عمر أني قد رضيتُ بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبي اً . وفي رواية : قال زيد : وما حملني على ما رأيتني صنعتُ يا عمر إلا أني كنتُ رأيتُ صفاته التي في التوراة كل ها إلا الحلم ، فاختبرتُ حلمَه اليوم ، فوجدته على وصفِ التوراة ، وإني أشهدُك أن هذا التمرَ وشطرَ مالي إلى فقراءِ المسلمين ، وأسلم زيد ، وأهل بيته كلهم إلا شيخاً كبيراً غلبت عليه الش قوة 1 . ومن الوقائع التي يتجل ى فيها عفوُه صلى الله عليه وسلم وحلمه : تحمُّل أذى المؤذين ، وغلظةُ المغلظين ، ومقابلة ذلك بالسماحة والصفح . روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ثم قال : فقمنا حين قام ، فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه فجذبه – وفي رواية : فجبذه – بردائه جبذةً شديدةً ، فحم ر رقبَته صلى الله عليه وسلم – أي : صار فيها حمرة من أثر الجذبة – وكان رداءً خشِناً ، فالتفتَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأعرابي فقال له الأعرابي : احملني على بعيري هذين – أي : حم لهما طعاماً – من مال الله الذي عندك ، فإنك لا تحملني من مالك ولا من مال أبيك ! قال في ( شرح المواهب ) : روى هذا الحديث الطبراني وابن حبان ، والحاكم والبيهقي ، وأبو الشيخ وغيرهم ، برجال ثقات عن عبد الله بن سلام عن زيد ين سعنة اهـ

عدد الصفحات ٢٠٣

204 فقال له صلى الله عليه وسلم: ( لا ، وأستغفر الله ) أي : لا أحملك من مالي ولا مال أبي . وفي رواية البيهقي : فسكتَ النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( المالُ مال الله ، وأنا عبده ، لا ، وأستغفر الله ، لا أحملك حتى تُقيدَني1 من جبذَتِك التي جبذتني ) . فقال له الأعرابي : والله لا أقيدُكَها . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( لِمَ ) . فقال له الأعرابي : لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة . فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً – وهو عمر كما في رواية – فقال له : ( احمل له على بعيريه هذين : على بعير تمراً ، وعلى الآخر شعيراً )2 . فكان صلى الله عليه وسلم إذا أوذي في نفسه عفا وصفَح ، ولكن إذا انتهكت حرمةُ جانبٍ من جوانب دين الله تعالى انتقم لله تعالى : فلما شج وجهه الشريف يوم أحد عفا وقال : ( اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ) ولما شغلوه عن الصلاة يوم الخندق لم يعفُ بل قال صلى الله عليه و سلم : ( ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً ، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس .. ) الحديث كما في ( الصحيحين ) . غضبه صلى الله عليه وسلم لله تعالى وشدته لأمر الله تعالى أي : تمكنني من القود ، وهو القصاص من نفسك ، فأفعل معك مثل ما فعلت من جذب الرداء بشدة . رواه أبو داود والبيهقي وأصله في البخاري .

عدد الصفحات ٢٠٤

205 كان صلى الله عليه وسلم يغضب لله تعالى ويرضى لرضاه ، لم يكن تُغضبه الدنيا ولا ما كان لها ، ولم يكن يغضب لنفسِه ، بل كان يغضبُ لرب ه تعالى . وقد جاء في حديث هند بن أبي هالة الذي رواه الترمذي وغيره يصف النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تغضبه الدنيا وما كان لها ، فإذا تُعُر ضَ للحق لم يعرفه أحد ، ولم يُقَم لغضبه شيء حتى ينتصرَ له ، لا يغضبُ لنفسه ، ولا ينتصرُ لها .. ) الحديث ، ومن استقرأ الأسباب التي كان يغضب من أجلها صلى الله عليه وسلم يجدها كل ها ترجعُ إلى أن ذلك كل ه كان لله تعالى ، ومن أمر الله تعالى ، وانتصاراً لدين الله تعالى ، وانتصاراً للحق الذي شرعه الله تعالى . فمن ذلك : غضبه صلى الله عليه وسلم حين رأى في البيت قِراماً فيه الصُّور : كما في ( الصحيحين ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وفي البيتِ قِرام – اي : سِتر – فيه صُ ور ، فتلو ن وجهه صلى الله عليه وسلم – أي : من الغضب – ثم تناول الس تر فهتكه ، قالت : وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مِن أشد الناسِ عذاباً يوم القيامة الذين يصو رون هذه الصُّور ). ومن ذلك : غضبه صلى الله عليه وسلم من العمل الذي ينف رُ المؤمن : كما في ( الصحيحين ) وغيرهما عن أبي مسعود رضي الله عنه قال : أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان ، مما يطيل بنا – أي : يُطيل الصلاة بنا – قال أبو مسعود : فما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قطُّ أشدُّ غضباً في موعظةٍ منه يومئذٍ فقال صلى الله عليه وسلم : ( يا أيها الناس إن منكم منف رين ، فأيُّكم ما صل ى بالناس فليتجو ز – اي : فليخف ف – فإن فيهم المريضَ والكبيرَ وذا الحاجة ) .

عدد الصفحات ٢٠٥

206 ومن ذلك: غضبه صلى الله عليه وسلم لما رأى النخامة في قِبلة المسجد : كما في ( الصحيحين ) وذلك لأن المساجد ينبغي أن يحرص المسلم على نظافتها وكرامتِها ، ولا يجوز إلقاء الوسخ فيها والوخامة ، كما تقد م في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنظافة المسجد . ومن ذلك : غضبه صلى الله عليه وسلم من شدة الإثقال والإحراج وشد ة الإلحاح : ففي ( صحيح ) البخاري وغيره عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة بخَصَفة أو حصيراً ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إليها – أي : يصلي نافلةً – فتتب ع إليه رجال ، وجاؤوا يصل ون بصلاته ، ثم جاؤوا ليلةً فحضروا ، وأبطأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عنهم ، فلم يخرج إليهم – اي : بل صلى تلك النافلة في بيته – فرفعوا أصواتهم ، وحصبوا الباب . فخرج إليهم مُغضَباً فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما زال بكم صنيعكم حتى ظننتُ أنه سيكتبُ عليكم ، فعليكم بالصلاة – أي : النافلة – في بيوتكم ، فإن خيرَ صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة ، أي : المفروضة . قال الحافظ في ( الفتح ) : والظاهر أن غضبه صلى الله عليه وسلم لكونهم اجتمعوا بغيرِ أمره ، فلم يكتفوا بالإشارة منه ، لكونه لم يخرج عليهم ، بل بالغوا فحصَبوا بابه وتتب عُوه ، أو غضبَ لكونه تأخ ر إشفاقاً عليهم لئلا تُفرض عليهم ، وهم يظنون غير ذلك اهـ . شدة غضبه صلى الله عليه وسلم لم تخرجه عن الحق وصواب القول والعمل إن حالة الغضب تضطربُ فيها النفس ، ويتغي ر فيها المزاج ، فربما يخرجُ الغضبان في تلك الحالة عن صواب القول والعمل ، ولذلك ورد في ( مسند )

عدد الصفحات ٢٠٦

207 أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عل موا ويس روا ، عل موا ويس روا – ثلاث مرات ) . قال : ( وإذا غضبتَ فاسكُت ) قالها ثلاثاً – وقد جاء ذلك في ( الأدب المفرد ) أيضاً . إلا أن الله تعالى حفِظَ نبي ه سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم من جميع ما هنالك ، فلم يكن غضبه صلى الله عليه وسلم يُخرجه عن الحق ، ولا عن كمال الاعتدال في جميع أموره القولية والعملية : روى ابو داود عن عبد الله بن عمرو قال : كنتُ أكتبُ كل شيءٍ أسمعُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظَه ، فنهتني قريشٌ وقالوا : أتكتبُ كل شيءٍ تسمعه – أي : من رسول الله صلى الله عليه وسلم - ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، بشرٌ يتكل م في الغضب والرضا ! فأمسكتُ عن الكتابة – فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأومأ بأصبعه إلى فيه – أي : فمه – فقال : ( اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما يخرجُ منه إلا حق ) . وفي رواية الدارمي : فقال : ( اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق ) في عظيم كرمه صلى الله عليه وسلم قال أنس رضي الله عنه : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناس ، وأجودَ الناس ، وأشجعَ الناس ) رواه الشيخان . وهذه الأوصاف الثلاثة هي من أم هات الكمالات فهو صلى الله عليه وسلم أحسنُ الناس صورةً ومعنىً ، وجمالاً وكمالاً ، وهو أشجع الناس قلباً ، وهو أجودُ الناس ، وأنفعُهم للناس ، وهذا الجود الذي ات صف به صلى الله عليه وسلم إنما هو لله تعالى ، وفي الله تعالى ، وابتغاء مرضاة الله تعالى – ولذلك كانت مصارفُ جوده صلى الله عليه وسلم : منها ما هو من الإنفاق في الجهاد في سبيل الله تعالى .

عدد الصفحات ٢٠٧

208 ومنها من الإنفاق على الفقراء والمساكين والمحتاجين. ومنها ما هو لتألُّف قلوب المؤل فة ، تمكيناً لهم وتثبيتاً : روى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال : ( ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أعطاه ، فجاء رجل – وهو صفوان بن أمية – فأعطاه غنماً بين جبلين ، فرجع إلى قومه فقال : يا قوم أسلموا ، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفقر ) وفي رواية : ( من لا يخشى الفقر ) . وأعطى صلى الله عليه وسلم يوم حنين أناساً من الطُّلقاء ليتألف قلوبهم على الإسلام ، أعطاهم مائة مائةٍ من الإبل ، وكان من جملة من أعطى : مالك بن عوف فامتدحه بقصيدة . وروى الترمذي عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية أنه قال : لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني ، وإنه لأبغضُ الناس إلي ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إلي . وفي ( مغازي ) الواقدي أن صفوان طاف معه صلى الله عليه وسلم يتصف ح الغنائم يوم حنين ، إذ مر بشِعبٍ مملوءٍ إبلاً وغنماً ، فأعجبه فجعل ينظر إليه . فقال صلى الله عليه وسلم : ( أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب ؟ ) قال : نعم . فقال : ( هو لك بما فيه ) . فقال صفوان : أشهد أنك رسول الله ، ما طابت بهذا نفس أحد قطُّ ، إلا نفس نبي . وكان من جوده صلى الله عليه وسلم : أنه ما سأله سائل مما عنده إلا أعطاه ، حتى لا يبقى عنده شيء صلى الله عليه وسلم . روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم حُمل إليه تسعون ألف درهم ووُضعت على حصير ، ثم قام إليها يقسمها ، فما رد سائلاً حتى فرغ منها .

عدد الصفحات ٢٠٨