المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شمائله الحميدة ، خصاله المجيدة

عبد الله سراج الدين

صفحة ١٢ من ٣١

177 فقالوا: قد أخبرنا خبرك ، فطرحوا الحبل في رقبته ، فذهبوا به . فجاء أبو بكر فأخبِر ، فذهب هو وأصحابه إليهم ، فرد وا القلائص وأخذوه . ثم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فضحك هو وأصحابه حولاً 1 . وفي( الجزء الثالث من الإصابة ) نقلاً عن الزبير بن بكار : أن النعيمان كان لا يدخل المدينة طُرفةٌ إلا اشترى منها ، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : ها أهديتُه لك ، فإذا جاء صاحبها يطلب نعيمان بثمنها ، أحضره النعيمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال يا رسول الله : أعطِ هذا ثمنَ متاعه . فيقول : ( أولم تُهدِه لي ؟ ) . فيقول : إنه والله لم يكن عندي ثمنه ، ولقد أحببتُ أن تأكلَه . فيضحك النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر لصاحبه بثمنِه . ومن ذلك ضحكه صلى الله عليه وسلم من الأمر العجيب يبلغه : روى الإمام أحمد في ( مسنده ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاءت سلمى امرأة أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم - أي : عتيقه – تستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي رافع وقالت : إنه ليضربني . فقال صلى الله عليه وسلم : ( مالَكَ ولها ؟ ) . قال : تؤذيني يا رسول الله . قال : ( بماذا آذيتيه يا سلمى ؟ ) . قالت : ما آذيته بشيءٍ ، ولكنه أحدثَ وهو يصلي فقلت له : يا ابا رافع إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرَ المسلمين إذا خرج من أحدهم ريح أن وأخرجه أبو داود الطيالسي وابن ماجه في باب المزاح .

عدد الصفحات ١٧٧

178 يتوضأ ، فقام يضربني. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ويقول : ( يا أبا رافع لم تأمرك إلا بخير )1 ، وسئل ابنعمر رضي الله عنهما : هل كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يضحكون ؟ فقال : نعم ، وإن الإيمان في قلوبهم أمثالُ الجبال ، وربما قال : وإن الإيمانَ في قلوبهم أعظمُ من الجبال . وأما الضحك المنهيُّ عنه شرعاً : فهو ما كان من باب السخرية بالناس ، وانتقاصهم ، أو فيه انتهاك لحرمات الدين أو المسلمين ، أو ما كان كثيراً ، فإن كثرةَ الضحك تميتُ القلبَ الروحاني الإيماني ، لما تفضي إليه من الغفلة المور ثة لقسوة القلب ، وتميت القلب الجسماني ، لأن كثرةَ الضحك تضعف القلب بسبب كثرةِ خفقانه ، فيؤدي ذلك إلى موته . قال الإمام الغزالي رضي الله عنه : كثرةُ الضحكِ والفرحِ بالدنيا سُم قاتل يسري إلى العروق ، فيخرج من القلب الخوف والحزن اهـ . روى البخاري في ( الأدب المفرد ) وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تُكثروا من الضحك ، فإن كثرة الضحك تميتُ القلب ) وهناك أحاديث كثيرة وردت في النهي عن كثرة الضحك . ملاطفته صلى الله عليه وسلم للصبيان وملاعبته لهم روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن عبد الله بن الحارث قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفُّ عبد الله وعبيد الله وكثير بني العباس ثم يقول : ( من سبقَ إلي فله كذا وكذا ) قال : فيسبقون إليه ، فيقعون على ظهره وصدره صلى الله عليه وسلم ، فيقب لهم ويلتزمهم 2 . ) انظر( شرح المواهب ) : : كذا في ( مجمع الزوائد ) 1 :

عدد الصفحات ١٧٨

179 وفي( زوائد ابن حبان ) عن أنس رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار ، ويسل م على صبيانهم ، ويمسح رؤوسهم ) . وروى البخاري في ( الأدب المفرد ) والطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمع أذناي هاتان ، وبصر عيناي هاتان ، رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيديه جميعاً بكف ي الحسن أو الحسين ، وقدميه1 على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله يقول : ( إرقه ) قال : فرقي الغلامُ حتى وضع قدميه على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( افتح فاك ) ثم قب له ، ثم قال : ( اللهم أحب ه فإني أحبُّه ) . وقد جاء ذلك في ( الإصابة ) وزاد : ( حزق ه ، حزق ه ، ترق ، عين بق ه )2 وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدِم من سفرٍ تُلق ي بالصبيان من أهل بيته ، قال : وإنه قدم مرةً من سفره فسُبِق بي إليه ، فحملني بين يديه ، ثم جيء بأحد ابني فاطمة رضي الله عنها ، إما الحسن أو الحسين ، فأردفه خلفه ، فدخلنا المدينة ثلاثة على داب ة . وقال عبد الله بن جعفر لابن الزبير : أتذكر إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت وابن عباس ؟ فقال : نعم ، قال : فحَمَلنا وتَرَكك . كمال لُطفه صلى الله عليه وسلم وشدة اهتمامه بمن يسأله عن أمور الدين من الرجال والنساء منصوب بفعل محذوف تقديره : وجعل قدميه .. الخ ، أو أبصرت عيناي قدميه . كما نبه على ذلك الشارحون . جاء في ( النهاية ) لابن الأثير : وفيه أنه عليه الصلاة والسلام كان يرقص الحسن أو الحسين ويقول : ( حزقة حزقة ، ترق عين بقه ) فترقى الغلام حتى وضع قدميه على صدره – الحزقة : الضعيف المتقارب الخطو من ضعفه ، وقيل : القصير العظيم البطن ، فذكرها على سبيل المداعبة والتأنيس له ، وترق : بمعنى اصعد ، وعين بقه : كناية عن صغر العين اهـ

عدد الصفحات ١٧٩

180 روىالإمام مسلم عن أبي رفاعة رضي الله عنه قال : انتهيتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ، فقلتُ : يا رسول الله ، رجل غريب جاء يسأل عن دينه ، لا يدري ما دينُه ؟ قال : فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلي ، فأتي بكرسي صُب ت قوائمُه حديداً ، فقعد عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلمُني مما عل مَه الله ثم أتى خطبَته ، فأتم آخرها 1 . وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: بينما نحنُ جلوسٌ مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ، دخل رجلٌ على جملٍ ، فأناخه في المسجد ثم عقله ، ثم قال لهم : أيُّكم محمد صلى الله عليه وسلم ؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهِم . فقلنا : هذا الرجل الأبيض المتكئُ . فقال له الرجل : ابنَ – أي : يا ابن – عبد المطلب . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( قد أجبتُك ) . فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم : إني سائلُك فمشد دٌ عليك في المسألة ، فلا تجِد علي في نفسك – أي : لا تغضب في تشديدي عليك في السؤال بل تحم ل – وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يحفه بلطافته ، فقال له : ( سل عم ا بدا لك ) . فقال : أسألك برب ك ورب من قبلك : آلله أرسلكَ إلى الناس كلهم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم نعم ) . وفي رواية لمسلم : قال الرجل : فمن خلق السماءَ ؟ قال : ( الله ) . فانظر في شدة اهتمامه صلى الله عليه وسلم بمن سأله عن أمور الدين ، كيف ترك خطبته وعلم السائل ما سأله من أمر دينه ! .

عدد الصفحات ١٨٠

181 قال: فمن خلق الأرض ؟ قال : ( الله ) . قال : فمن نصبَ هذه الجبال ؟ وجعل فيها ما جعل ؟ - أي : من المنافع – قال صلى الله عليه وسلم : ( الله ) . قال : فبالذي خلق السماء ، وخلق الأرض ، ونصب الجبال ، وجعل فيها ما جعل : آلله أرسلك ؟ قال : ( اللهم نعم ) . قال – كما في رواية البخاري - : أنشدُك بالله – أي : أسألك بالله – آلله أمرك أن تصلي – وفي رواية أن نصلي ، بالنون وفيما بعدها أيضاً – الصلوات الخمسَ في اليوم والليلة ؟ . قال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم نعم ) . قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم نعم ) . قال : أنشدك بالله ، آلله أمركَ أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ . فقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم نعم ) . وفي رواية مسلم : وسأله عن الحج أيضاً ، ثم قال الرجل : آمنتُ بما جئتَ به ، وأنا رسولُ من ورائي من قومي ، وأنا ضِمامُ بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر . وفي ( الاستيعاب ) لابن عبد البر في ترجمة أسماء بنت يزيد بن الس كن رضي الله عنها قال : إنها كانت من ذواتِ العقل والدين ، روي عنها أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني رسولُ من ورائي من جماعة نساء المسلمين ، كلُّهن يقلنَ بقولي ، وعلى مثل رأيي : إن الله بعثك إلى الرجال والنساء ، فآمنا بك وات بعناك ، ونحن معشرَ النساء مقصورات مخد رات ، قواعدُ بيوت ، وإن الرجال فُض لوا بالجُمُعات وشهودِ الجنائز والجهاد ، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم ، ورب ينا أولادهم ، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله ؟ .

عدد الصفحات ١٨١

182 فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه فقال: ( هل سمعتم مقالةَ امرأةٍ أحسن سؤالاً عن دينها من هذه ؟ ) . فقالوا : بلى يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انصرفي يا اسماء ، وأعلمي من وراءكِ من النساء أن حُسنَ تبعُّل 1 إحداكُن لزوجها ، وطلبها لمرضاته ، وات باعها لموافقته ، يعدل كل ما ذكرتِ للرجال ) . فانصرفت أسماء وهي تهل ل وتكب ر ، استبشاراً بما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ ويشهد لهذا الحديث : ما رويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاءت امرأةٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله : أنا وافدةُ النساءِ إليك : هذا الجهاد كتبه الله على الرجال ، فإن يصيبوا أجروا ، وإن قُتلوا كانوا أحياءً عند ربهم يُرزقون ، ونحن معاشر النساء نقوم عليهم ، فما لنا من ذلك ؟ . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبلغي من لقيتِ من النساء : أن طاعة الزوج ، واعترافاً بحق ه ، يعدِل ذلك ، وقليلٌ منكن من يفعله ) . قال الحافظ المنذري : رواه البزار هكذا مختصراً . والطبراني في حديثٍ فقال في آخره : ثم جاءت النبي صلى الله عليه وسلم امرأةٌ فقالت : إني رسولُ النساء إليك ، وما منهن امرأة علمت أو لم تعلم إلا وهي تهوى مخرجي إليك : الله ربُّ الرجال والنساء وإلههن ، وأنت رسول الله إلى الرجال والنساء ، كتب الله الجهاد على الرجال فإن أصابوا أجِروا ، وإن استُشهدوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون ، فما يعدِل ذلك من أعمالهم من الطاعة ؟ . أي : طاعة المرأة لبعلها ، أي : زوجها .

عدد الصفحات ١٨٢

183 فقال صلى الله عليه وسلم: ( طاعةُ أزواجهن ، والمعرفة بحقوقهن ، وقليلٌ منكن من يفعله )1 مكافأته صلى الله عليه وسلم الإكرام بأفضل إكرام روى البيهقي في ( الدلائل ) وابن إسحاق عن أبي قتادة أنه قال : وفَدَ وفدُ النجاشي على النبي صلى الله عليه وسلم فقام النبي صلى الله عليه وسلم يخدِمُهم . فقال له أصحابُه : نحن نكفيك – اي : نكفيك القيام بضيافتهم وإكرامهم - . فقال صلى الله عليه وسلم : ( إنهم كانوا لأصحابنا مكرِمين ، وأنا أحبُّ أن أكافِئهم ) . مقابلته صلى الله عليه وسلم الإحسان بأجمل إحسان كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضيع الإحسان ، ولا ينكر الجميل والمعروف لإنسان ، من عمل معه معروفاً ، أو صنع معه جميلاً ، يذكره له ، ويقابله بما هو أحسن وأكرم وأجمل ، كما أثبتت ذلك الوقائع الواردة ، والشواهد الثابتة : فمن ذلك : ما ورد عن عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال : استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي : طلب ماءً ليشرب منه – فأتيتُه بقدح فيه ماء ، فكانت فيه شعرةٌ فأخذتُها – أي : أزالها من القدح - . فقال صلى الله عليه وسلم مقابلاً لصنعه الجميل : ( اللهم جم له ) . قال الراوي : فرأيتُ عمراً وهو ابن تسعين سنة ، وليس في لحيته شعرة بيضاء 2 . انظر( ترغيب ) المنذري : قال في ( مجمع الزوائد ) : رواه أحمد والطبراني إلا أنه – الطبراني – قال : ستون سنة ، وإسناده حسن اهـ

عدد الصفحات ١٨٣

184 وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة ، فسقطت على لحيته ريشة ، فابتدر أبو أيوب فأخذها . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( نزع الله عنك ما تكره )1 . فانظر كيف أنه صلى الله عليه وسلم لم يضي ع إحسانَ من أزال عنه ريشة ! . ومن ذلك : ما رواه مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال : كنتُ أبيتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيتُه بوضوئه وحاجته – أي : بماء وضوئه وسائر ما يحتاجه من سواك ونحوه - . فقال لي : ( سل ) أي : اطلب ما تحتاجه في مقابلة خِدمتك لي . فقلتُ : أسألكَ مرافقتك في الجنة . فقال صلى الله عليه وسلم : ( أو غير ذلك ) – أي : تسأل غير ذلك . فقال ربيعة : قلتُ : هو ذاك – أي : سؤالي مرافقتك ، لا أسألك غير ذلك - . فقال صلى الله عليه وسلم : ( فأعن ي على نفسك بكثرَة السجود ) . ورواه الطبراني في ( الكبير ) ولفظه : قال ربيعة بن كعب : كنتُ أخدمُ النبي صلى الله عليه وسلم نهاري ، فإذا كان الليل أويتُ إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبتُّ عنده ، فلا أزال أسمعه يقول : ( سبحان الله ، سبحان الله ، سبحان ربي ) حتى أمل ، أو تغلبني عيني فأنام . فقال لي صلى الله عليه وسلم يوماً : ( يا ربيعة سلني فأعطيَك ) . فقلت : أنظِرني حتى أنظُر – وتذك رتُ أن الدنيا فانية منقطعة ، فقلت : يا رسول الله أسألُك أن تدعو الله لي أن ينجيني من النار ، ويدخلَني الجن ة . قال في ( مجمع الزوائد ) : رواه الطبراني وفيه نائل بن نجيح وثقه أبو حاتم وغيره ، وضعفه الدارقطني وغيره .

عدد الصفحات ١٨٤

185 فسكتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( من أمركَ بهذا ؟ ) . قلتُ : ما أمرني به أحد ، ولكني علمتُ أن الدنيا منقطعة فانية ، وأنت من الله بالمكان الذي أنت منه ، فأحببتُ أن تدعوَ الله لي . قال : ( فأعني على نفسِك بكثرة السجود )1 . تفقُّده صلى الله عليه وسلم أصحابه روى الترمذي وغيرُه عن هند بن أبي هالة ، في حديثه يصف النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : ( كان صلى الله عليه وسلم يتفق د أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ) – الحديث كما سيأتي بتمامه إن شاء الله تعالى . والمعنى أنه كان يسأل عنهم حال غيبتهم عنه . وروى أبو يعلى بإسنادٍ فيه ضعف عن أنس رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فقدَ الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه : فإن كان غائباً دعا له ، وإن كان شاهداً – أي : حاضراً في البلد – زاره ، وإن كان مريضاً عاده 2 . ) حفظه صلى الله عليه وسلم للودّ واحتفاظه بالعهد قال الله تعالى : ( ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير ) . أورد البخاري في ( صحيحه ) : باب حسن العهد3 من الإيمان. ثم أسند إلى عائشة رضي الله عنها قالت : ما غِرتُ على امرأةٍ ما غِرتُ على خديجة ، ولقد هلكت – أي : ماتت – قبل أن يتزو جني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين ، لما كنتُ أسمعهُ يذكرها – أي : يثني عليها خيراً – انظر ( ترغيب ) المنذري في فضل السجود . انظر ( الجامع الصغير ) و ( مجمع الزوائد ). المراد بالعهد هنا : رعاية الحرمة ، والاحتفاظ بالشيء ، والملازمة له ، مع تأدية حقوقه دون إهمال ولا ترك

عدد الصفحات ١٨٥

186 ولقد أمره ربُّه أن يبش رها ببيتٍ في الجن ة من قصَب ، وإن كان– أي : وإنه كان صلى الله عليه وسلم – ليذبح الشاةَ ثم يُهدي في خُل تها منها . - أي : يُهدي من لحم الشاة إلى صديقات خديجة وخليلاتها من النساء ، إكراماً للسيدة خديجة وحفظَ ودٍّ ، وحسنَ عهدٍ معها . وروى الحاكم والبيهقي في ( الشعب ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاءت عجوزٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( كيف أنتم ؟ كيف حالكم ؟ كيف أنتم بعدنا ؟ ) . فقالت : بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله . فلما خرجت قلت : يا رسول الله ! تُقبل على هذه العجوز هذا الإقبال ؟ . فقال : ( يا عائشة إنها كانت تأتينا زمان خديجة وإن حسنَ العهد من الإيمان ) فكان صلى الله عليه وسلم يحسن العهد ويحفظُ الود . وروى البخاري في ( الأدب المفرد ) عن أبي الطُّفيل قال : رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لحماً بالجِعرانة ، وأنا يومئذ غلام أحمل عضو البعير ، فأتته امرأةٌ فبسط لها صلى الله عليه وسلم رداءه . قلتُ : من هذه ؟ قيل : هذه أم ه التي أرضعته – أي : هي السيدة حليمة السعدية رضي الله عنها . وروى أبو داود أن أبا النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع له بعض ثوبه ، فقعد عليه ، ثم أقبلت أم ه – من الر ضاعة – فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر ، فجلست عليه ، ثم أقبل أخوه من الرضاعة ، فقام له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه . صدقه للوعد صلى الله عليه وسلم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صادقَ الوعد ، يفي بوعده وإن شق ذلك عليه .

عدد الصفحات ١٨٦

187 روى أبو داود عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعتُ النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يُبعث ، وبقيت له بقي ة ، فوعدتُه أن آتيه بها في مكان ، فنسيتُ ، ثم ذكرتُ بعد ثلاث ، فجئت فإذا هو صلى الله عليه وسلم في مكانه . فقال : ( يا فتى لقد شققتَ علي ! أنا ها هنا منذ ثلاثٍ أنتظرك ) . زياراته الكريمة صلى الله عليه وسلم لأصحابه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورُ أصحابه ليُكرمَهُم بذلك ، وليُدخل السرورَ عليهم ، ولينفعهم بإرشاداته وتعاليمِه . فعن عبد الله بن قيس رضي الله عنه : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُكثر زيارة الأنصار ، خاصةً وعام ةً ، فكان إذا زار خاصةً أتى الرجلَ في منزله ، وإذا زار عام ةً أتى المسجد )1 . وروى الترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار ، ويُ سل م على صبيانهم ، ويمسح رؤوسهم )2 وجاء في( الأدب المفرد ) للبخاري : باب من زار قوماً فطعِم عندهم . ثم أسند إلى أنس بن مالك : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار أهل بيت من الأنصار ، فطعِمَ عندهم طعاماً ، فلما خرج – أي : لما أراد أن يخرج – أمر بمكان من البيت فنُضح له على بساط ، فصل ى عليه ، ودعا لهم ) . وإنما فعل ذلك ليتبر كوا بصلاته ، وبموضع صلاته ، وليتخذوا المكان الذي صلى فيه مسجد البيت . قال في ( مجمع الزوائد ) : رواه أحمد وفيه راو لم يسم ، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ : حديث حسن بل صحيح ، كما نبه عليه في ( فيض القدير ) .

عدد الصفحات ١٨٧

188 وعن جُبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انطلِقوا بنا إلى بني واقف نزور البصير ) رجل كان مكفوف البصر 1 . وروى الإمام أحمد في( المسند ) عن قيس بن سعد قال : زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا ، فقال : ( السلام عليكم ورحمة الله ) – قال : فرد سعد خفي اً . وعند أبي داود بعد أن رد سعد خفياً قال قيس : قلت : ألا تأذنُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال سعد : ذرهُ حتى يُكثر علينا من السلام . فقال صلى الله عليه وسلم : ( السلام عليكم ورحمة الله ) – أي : ثانياً - . فرد سعد خفي اً . ثم قال صلى الله عليه وسلم : ( السلام عليكم ورحمة الله ) – أي : ثالثاً . فرجع رسول الله صلى الله وات بعه سعد ، فقال : يا رسول الله قد كنتُ أسمع تسليمك وأردُّ عليك رد اً خفي اً ، لتكثر علينا من السلام ، قال : فانصرف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي : ذهب مع سعد إلى منزله – فأمر له سعد بغُسل – أي : ماء ليغتسل تبرُّداً – فوضِع ، فاغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ناوله سعد – أو قال : ناوَلوه – مِلحفةً مصبوغةً بزعفران وورس ، فاشتمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وهو يقول : ( اللهم اجعل صلواتك ورحمَتك على آل سعد بن عبادة ) . قال : ثم اصاب من الطعام ، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف ، قر ب إليه سعد حماراً ، قد وط أ عليه بقطيفة فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الحافظ الهيثمي : رواه البزار – واللفظ له – والطبراني ، ورجال البزار رجال الصحيح غير إبراهيم بن المستمر العروقي وهو ثقة . اهـ : 4 .

عدد الصفحات ١٨٨

189 فقال سعد: يا قيس اصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال قيس : فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اركَب ) ، فأبيتُ . فقال : ( إم ا أن تركب ، وإما أن تنصرف ) – أي : ترجعَ لمنزلك – قال قيس : فانصرفت . وفي رواية ابن منده 1 :فأرسل سعد ابنَه قيساً مع رسول صلى الله عليه وسلم ليرد الحمار . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد : ( احمِله – أي : احمل قيساً – بين يدي ) أي : أمامي على الداب ة . فقال سعد : سبحان الله أتحمله بين يديك يا رسول الله ؟ . فقال صلى الله عليه وسلم : ( نعم ! هو أحقُّ بصدر حماره ) . فقال سعد : هو لك يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( احمِله إذاً خلفي ) ، فانظر إلى كمال لطفه وحسن معاشرته ، ورعايته للحقوق ، وإعطائه كل ذي حق حقه صلى الله عليه وسلم ! . زياراته صلى الله عليه وسلم لضعفاء المسلمين عامة ولأهل الصفة خاصةً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور ضعفاء المسلمين ، ويلاطفهم ويؤانسهم ، ويجلس معهم ، ويعود مرضاهم ، ويحضر جنائزهم ، وفي هذا تكريم لهم ، وتبريك عليهم ، ومواساة وإحسان إليهم ، ليشعروا بعز تهم وكرامتهم وسعادتهم . فعن سهل بن حُنيف رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي ضعفاء المسلمين ، ويعود مرضاهم ، ويشهد جنائزهم )2 . كما في( شرح المواهب ) . عزاه في ( الجامع الصغير ) إلى الطبراني وأبي يعلى والحاكم رامزاً إلى صحته .

عدد الصفحات ١٨٩

190 وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: جلستُ في عصابة – أي : جماعة – من ضعفاء المهاجرين ، وإن بعضهم ليستتر ببعضٍ من العُري ، وقارئ يقرأ علينا ، إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا ، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي : وقف مشرفاً علينا – سكت القارئ ، فسل م رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( ما كنتم تصنعون ؟ ) . قلنا : نستمع إلى كتاب الله تعالى . فقال : ( الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرتُ أن أصبر نفسي معهم ) . قال : فجلس صلى الله عليه وسلم وسطَنا ليعدِل نفسه فينا – ثم قال صلى الله عليه وسلم بيده هكذا – اي : أشار إليهم – فتحل قوا وبرزت وجوههم له ، فقال : ( أبشروا يا صعاليك – أي : فقراء – المهاجرين بالنور التام يوم القيامة ، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم ، وذلك خمسمائة سنة ) . وكانت صُف ة المسجد النبوي مدرسةً للقر اء ، يأوي إليها فقراء الصحابة ، ممن لا أهل لهم ، فيتدارسون القرآن ويتعلمون أمور الدين وأحكامه ، ثم يذهبون في نواحي البلاد ، ومختلف الآفاق فيعل مون الناس ذلك . تفقُّده صلى الله عليه وسلم أصحابه في الليل واستماعه إلى قراءتهم روى الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني لأعرف أصواتَ رفقة الأشعريين بالليل حين يدخل ، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل ، وإن كنتُ لم أرَ منازلهم حين نزلوا بالنهار ) . وروى أبو داود والترمذي عن أبي قتادة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر رضي الله عنه يصلي : يخفض من صوته – أي : بالقراءة - ، ومر بعمر بن الخط اب وهو يصلي رافعاً – بالقراءة – فلما اجتمعا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم : ( يا ابا

عدد الصفحات ١٩٠

191 بكر مررتُ بك وأنت تصلي تخفِض صوتك) – أي : بالقراءة - .فقال أبو بكر : قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله . فقال : ( ارفع من صوتك شيئاً ) كما في رواية . وقال لعمر : ( مررتُ بك وأنت تصلي رافعاً صوتك ) . فقال عمر : يا رسول الله أوقظ الوَسنان ، وأطردُ الشيطان . فقال له صلى الله عليه وسلم : ( اخفض شيئاً ) ) . وفي رواية لأبي داود : قال صلى الله عليه وسلم : ( وقد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة ، ومن هذه السورة ! ) . فقال بلال : كلام طي ب يجمع الله بعضه إلى بعض . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كلُّكم قد أصاب ) . وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال : اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فسمعهم يجهرون بالقراءة ، فكشف الستر وقال : ( ألا إن كل كم مناجٍ رب ه ، فلا يؤذين بعضُكم بعضاً ، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة ) . أو قال : ( في الصلاة ) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما . ملاطفته صلى الله عليه وسلم لجفاة الأعراب لئلا يفتتنوا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحم ل جفوة الأعرابي ويلاطفه ، ويقابل غِلظته بلطيف المقال والحال ، وذلك لتثبيته ، أو من أجل أن لا يفتتن ، ويسلكُ بهم مسالك الرحمة واللين والتؤدة ، لئلا ينفِروا أو يشردوا . ففي ( الصحيحين ) عن أنس رضي الله عنه قال : مشيتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بردٌ – أي : ثوب- نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجبَذَه – أي : جذب الثوب – جبذَةً شديدة ، حتى نظرتُ إلى صفحة

عدد الصفحات ١٩١

192 عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أث ر فيه– أي : في عنقه – حاشية البُرد – من شدة جبذته ، ثم قال – الأعرابي – يا محمد : مُر لي من مال الله الذي عندك . فالتفتَ إليه النبي صلى الله عليه وسلم وضحك ، ثم أمر له بعطاء ! . وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء – فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم قال له صلى الله عليه وسلم : ( أحسنتُ إليك ؟ ) . فقال الأعرابي : لا ، ولا أجملتَ ، فغضب بعض المسلمين وهمُّوا أن يقوموا إليه – فأشار رسولُ الله إليهم أن كُفُّوا . فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت . فقال : ( إنما جئتَنا تسألُنا فأعطيناك فقلتَ ما قلتَ ) فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً وقال : ( أحسنتُ إليك ؟) . فقال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهلٍ وعشيرةٍ خيراً . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناكَ ، فقلتَ ما قلتَ ، وفي نفس أصحابي عليك من ذلك شيء ، فإذا جئتَ فقل بين أيديهم ما قلتَ بين يدي حتى يذهب عن صدورهم ) . قال : نعم . فلما جاء الأعرابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن صاحبَكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه ، فقال ما قال ، وإنا قد دعوناه فأعطيناه ، فزَ عَ م أنه قد رضي ، كذلك يا أعرابي ؟ ) . فقال الأعرابي : نعم جزاك الله من أهل وعشيرةٍ خيراً .

عدد الصفحات ١٩٢