161 قلتُ: يا رسول الله أنا خير أم عثمان ؟ قال : ( عثمان ) . فلم ا سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم صد عني ، فوددتُ أني لم أكن سألتُه1 . وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعثَ بعثَاً قال : ( تأل فوا الن اس ) الحديث 2 بسامته وطلاقة وجهه مع الناس صلى الله عليه وسلم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلقَ الناس وجهاً ، وأكثرهم تبسُّماً ، وأحسنهم بِشراً . روى البزار بإسناد حسن عن جابر رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الوحي ، أو وعظ قلتَ : نذير قومٍ أتاهم العذاب ، فإذا ذهب عنه ذلك رأيته أطلقَ الناس وجهاً ، وأكثرهم ضحكاً ، وأحسنهم بِشراً 3 . ) وتقد م قولُ عائشة رضي الله عنها لما سئلت: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيتِه ؟ فقالت : ( كان ألينَ الناس بس اماً ضح اكاً ، لم يُرَ قطُّ ماداً رجليه بين أصحابه ) ردُّه صلى الله عليه وسلم التحيةَ بأحسنَ منها عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليك يا رسول الله . فقال : ( وعليك ورحمة الله ) . رواه الترمذي في ( الشمائل ) ورواه الطبراني وإسناده حسن ، كما في ( مجمع الزوائد ) . قال : وفي الصحيح بعضه بغير سياقه اهـ 1 : . كذا في( مجمع الزوائد ) 1 : كذا في( مجمع الزوائد ) 1 :
عدد الصفحات ١٦١162 ثم أتى آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله . فقال صلى الله عليه وسلم : ( وعليك ورحمة الله وبركاته )1 الحديث. ترحيبه صلى الله عليه وسلم بالقادم عليه عن علي كر م الله وجهه قال : استأذن عمار على النبي صلى الله عليه وسلم فعرف صوته فقال : ( مرحباً بالطي ب المُطي ب )2 . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( أقبلت فاطمة تمشي كأن مِشيتَها مِشيَةُ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( مرحباً بابنتي ) ثم أجلسها عن يمينه أو شماله )3 وفي( الصحيحين ) عن ابن عباس رضي الله عنهما لما قدم وفدُ عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : ( مرحباً بالوفد ، غير خزايا ولا ندامى ... ) الحديث وقال لعكرمة بن أبي جهل : ( مرحباً بالراكب المهاجر ) . وقالت أم هانئ : ذهبتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل ، فسل متُ عليه ، فقال : ( من هذه ؟ ) قلتُ : أم هانئ ، فقال : ( مرحباً بأم هانئ ) . سؤاله صلى الله عليه وسلم عن حال أصحابه بقوله : كيف أنت ؟ وكيف أصبحت أخرج الإمام أحمد من حديث أنس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلقى الرجل فيقول : ( يا فلان كيف أنت ؟ ) فيقول : بخير أحمد الله . قال في ( الدر المنثور ) : رواه أحمد في ( الزهد ) ، وابن جرير وابن المنذر ، وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند حسن . رواه الترمذي وابن ماجه والبخاري في ( الأدب المفرد ) رواه الترمذي وابن ماجه والبخاري في ( الأدب المفرد )
عدد الصفحات ١٦٢163 فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: ( جعلكَ الله بخير )1 . وروى أبو يعلى بإسنادٍ حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ( كيف أصبحت ؟) . فقال : بخيرٍ من ق ومٍ لم يعودوا مريضاً ، ولم يشهدوا جنازة ! . وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل : ( كيف أصبحتَ يا فلان ؟ ) . فقال : أحمد الله إليك يا رسول الله . فقال له صلى الله عليه وسلم : ( ذلك الذي أردته منك ) . إكرامه صلى الله عليه وسلم كرام القوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمُ كريم القوم ويقول : ( إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه )2 روى الطبراني عن جرير بن عبد الله البَجلي رضي الله عنه قال: لما بُعثَ النبي صلى الله عليه وسلم أتيتُه فقال : ( ما جاء بك ؟ ) . قلتُ : جئتُ لأسلم . فألقى إلي كساءَه وقال : ( إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه ) . وفي رواية البزار : أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فبسط إلي رداءَه وقال : ( اجلس على هذا ) فقلتُ : أكرمك الله كما أكرمتني ... وذكر الحديث . قال في ( محمع الزوائد ) : رجاله رجال الصحيح غير مؤمل بن إسماعيل ، وهو ثقة ، وفيه ضعف اهـ قال في ( المقاصد الحسنة ) : رواه ابن ماجه بسند ضعيف عن ابن عمر مرفوعاً ، ورواه أبو داود عن الشعبي مرسلاً بسند صحيح ، كما في ( كشف الخفاء ) وغيره .
عدد الصفحات ١٦٣164 وروى الحاكم بإسناده أن النبيصلى الله عليه وسلم دخل بعض بيوته ، فدخل عليه أصحابُه ، حتى غص المجلس بأهله وامتلأ ، فجاء جرير البجلي فلك يجد مكاناً ، فقعد على الباب . فنزع رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءَه وألقاه إليه ، فأخذه جرير فألقاه على وجهه وجعل يقب له ويبكي ، ورمى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( ما كنتُ لأجلس على ثوبك ، أكرمك الله كما أكرمتَني ) . فنظرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يميناً وشمالاً وقال : ( إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه )1 وعن عدي بن حاتم أن ه لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ألقى إليه وسادةً . فقال عدي : ( أشهدُ أنك لا تبغي علو اً في الأرض ولا فساداً ). وأسلم عدي بن حاتم ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتاكُم كريمُ قومٍ فأكرموه)2 وعن عبد الرحمن بن عبدٍ قال: قدمتُ على النبي صلى الله عليه وسلم في مائة رجلٍ من قومي فذكر حديثاً فيه : أن ال نبي صلى الله عليه وسلم أكرمه وأجلسه وكساه رداءه ، ودفع إليه عصاه ، وأنه أسلم . فقال له رجل من جلسائه : إنا نراك يا رسول الله أكرمتَ هذا الرجل ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا شريف قومه ، وإذا أتاكم شريفُ قومٍ فأكرموه )1 وبتعدد هذه الطرق يتقوى الحديث ، وإن كان في مفرداتها ضعف– كما في ( المقاصد الحسنة ) رواه العسكري بسند ضعيف ، كما في ( المقاصد الحسنة ، وكشف الخفاء ) .
عدد الصفحات ١٦٤165 ويؤيد هذا ما رواه ابن عمروأبو هريرة في حديث : ( وإذا كانت عندك كريمةُ قومٍ فأكرِمها )2 . ومن ذلك: إكرامه صلى الله عليه وسلم لأمير وفد عبد القيس وإجلاسُه عن يمينه صلى الله عليه وسلم وأمرُه صلى الله عليه وسلم بإكرام الوفد : فعن شهاب بن عباد أنه سمع بعض وفد عبد القيس وهو يقولون : قدِ منا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد فرحُهم – أي : الصحابة – فلما انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا ، فقعدنا ، فرح ب بنا النبي صلى الله عليه وسلم ودعا لنا ، ثم نظر إلينا فقال : ( من سيدُكم وزعيمُكم ؟ ) . فأشرنا جميعاً إلى المنذر بن عائذ . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أهذا الأشجُّ ؟ ) . قلنا : نعم يا رسول الله – فتخل ف بعد القوم فعقل رواحلهم وضم متاعَهم ، ثم أخرج عيبته – أي : ما يوضع فيه المتاع – فألقى عنه ثياب السفر ولبس من صالح ثيابه ، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم وقد بسط النبي صلى الله عليه وسلم رجله وات كأ ، فلما دنا منه الأشجُّ أوسع القومُ له وقالوا : ههنا يا أشج . فقال النبي صلى الله عليه وسلم واستوى قاعداً وقبض رجله : ( ههنا يا أشجُّ ) فقعد عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم – فرح ب به وألطفه ، وسأله عن بلادهم ، وسمى له صلى الله عليه وسلم قريةً قرية : الصفا والمشقر وغير ذلك من قرى هجَر . عزاه في ( المقاصد ) إلى الدولابي . انظر ( كشف الخفاء ) ، وفي هذه الأحاديث تنبيه للأزواج أن يحتفظوا بكرامة زوجاتهن ، وعلى الأخص بنات الكرام ، وتقدم الحديث الذي رواه ابن عساكر عنه صلى الله عليه وسلم قال : ( ما أكرمَ النساء إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم )
عدد الصفحات ١٦٥166 فقال الأشج: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لأنت أعلمُ بأسماء بلادنا منا ! فقال صلى الله عليه وسلم : ( إني وطئتُ بلادكم وفُسح لي فيها ) . قال : ثم أقبل صلى الله عليه وسلم على الأنصار فقال : ( يا معشر الأنصار أكرموا إخوانكم فإنهم أشباهُكم في الإسلام ، أشبه شيءٍ أشعاراً وأبشاراً ، أسلموا طائعين غير مكرَهين ولا موتورين – أي : مصابين بمصيبة – إذ أبى قومٌ أن يُسلموا حتى قُتلوا ) قال فلم ا أصبحوا قال صلى الله عليه وسلم : ( كيف رأيتم كرامة إخوانكم لكم وضيافتهم إي اكُم ؟ ) . قالوا : خير إخوان : ألانوا فرشنا ، وأطابوا مطعمنا ، وباتوا وأصبحوا يعلموننا كتابَ ربنا تبارك وتعالى ، وسن ة نبي نا صلى الله عليه وسلم - فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم وفرح . قال الحافظ المنذري : هذا الحديث بطوله رواه أحمد بإسناد صحيح اهـ وفي هذا ينجلي لك كريم طبعه صلى الله عليه وسلم ، وطيبُ نفسه ، وكمال خصلته ، وحسنُ طوي ته صلى الله عليه وسلم . فإن النفوس اللئيمة في طبعها تُحبُّ أن تحتقرَ كرامةَ الكرام ، وأن تنتقص من جانبها ، ونسأل الله العافية . مباسطته صلى الله عليه وسلم لجلسائه واتّساعه لهم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبسُط لجلسائه بساطَ الانطلاق الشرعي المباح : القال والحال ، دون أن يقبضهم بحاله ، أو يكبتهم بقاله ، فإذا تحد ثوا بأمرٍ شاركهم في حديثهم ما لم يكن إثماً : فعن خارجة بن زيد أن نفراً دخلوا على أبيه زيد بن ثابت رضي الله عنه فقالوا : حد ثنا ببعض حديث النبي صلى الله عليه وسلم . فقال : ( وما أحد ثكم ؟! كنتُ جارَه صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا نزل عليه الوحي بعثَ إلي فآتيه ، فأكتب الوحي ، فكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها م عنا ،
عدد الصفحات ١٦٦167 وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا ، كلُّ هذا أحد ثكم عنه صلى الله عليه وسلم 1 . ) وروى الإمام أحمد عن جابر بن سُمرة رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلَ الصمت ، قليلَ الض حِكِ ، وكان أصحابه يذكرون عنده الشعر وأشياء من أمورهم – في الجاهلية – فيضحكون ، ورب ما تبس مَ معهم 2 ) وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متخر قين – أي : متقب ضين – ولا متماوتين 3 ، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم ، ويذكرون أمر جاهليتهم ، وإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر الله تعالى دارت حماليق عينيه كأنه مجنون 4 . ) وفي( النهاية ) : لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متخر قين – أي : متقب ضين ومجتمعين – ولا متماوتين . يقال : تماوت الرجل ، إذا أظهر من نفسه التخافت والتضاعف من العبادة والزهد والصوم اهـ . والمراد : أنهم ما كانوا منكمشين على نفوسهم ومنقبضين ، بل كانوا منبسطين ومنطلقين . وروى مسلم عن سِماك بن حرب قال : قلتُ لجابر بن سمرة رضي الله عنه : أكُنتَ تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ رواه الترمذي في ( الشمائل ) والبيهقي ، وقال في ( مجمع الزوائد ) : رواه الطبراني بإسناد حسن اهـ وروى الترمذي نحوه . أي : بل كانوا في قوة ونشاط وعزيمة . 4 أي: من شدة الغضبة لدين الله تعالى ، وهذا الحديث رواه البخاري في ( الأدب المفرد ) ، ورواه ابن أبي شيبة .
عدد الصفحات ١٦٧168 فقال جابر: ( نعم كثيراً ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلا ه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلُع الشمس ، فإذا طلعت قام ، وكانوا يتحد ثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ، ويتبس م صلى الله عليه وسلم ) . مزاحه صلى الله عليه وسلم مع جلسائه وإدخال المسرّة عليهم كان صلى الله عليه وسلم يمزح مع أصحابه لإدخال السرور عليهم ، ليباسطهم ، وليهتدوا بهديه ، ويتخل قوا بأخلاقه ، فلو أنه صلى الله عليه وسلم ترك الطلاقة مع أصحابه والمباسطة معهم ، ولزم العبوس والانقباض لألزم الصحابةُ أنفسهم بذلك ، وكذلك التابعون من بعدهم ، فمزح صلى الله عليه وسلم ليمزحوا ، ولكنه صلى الله عليه وسلم بي ن لهم أنه لا يقول في مزاحه إلا حق اً ، فلا يأتي بباطل ولا بعبث أو لعب . روى البخاري في ( الأدب المفرد ) والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لستُ من ددٍ 1 ولا الد دُ مني) . اي : لست من أهل اللعب واللهو ، ولا هما مني . وقد رواه الطبراني والبزار عن أنس بزيادة : ( ولستُ من الباطل ، ولا الباطل مني ) كما في ( شرح الموهب ) . وفي ( الصحيحين ) عن أنس رضي الله عنه قال : إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا – أي : ليلاطفنا ويمازحنا – حتى يقول لأخٍ لي ( يا أبا عُمير ما فعل النُّغير ) ورواه الترمذي وقال : وفِقه هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمازح ، وفيه : أنه صلى الله عليه وسلم كن ى غلاماً صغيراً فقال له : يا أبا عُمير ، وفيه : أنه لا بأس أن يُعطى الصبيُّ الطيرَ ليلعبَ به – أي : بشرط ألا يعر ضه لتعذيبٍ أو جوعٍ أو عطشٍ - . وإنما قال بفتح الدال الأولى ، وكسر الثانية – والمعنى أنه لا يصدر منه صلى الله عليه وسلم إلا الأمر الجد ، والقول الحق .
عدد الصفحات ١٦٨169 له النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا ابا عُمير ، ما فعل النغير ؟ ) – أي : الطير – لأنه كان له نغير يلعب به فمات ، فحزن عليه ، فمازحه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ( يا ابا عُمير ما فعل النغير )1 . وروى الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً ، وكان يُهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هديةً من البادية ، فيجه زه النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى البادية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن زاهراً باديتُن ا ونحن حاضروه ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُحبُّه ، وكان زاهرٌ رجلاً دميماً ، فأتاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع متاعَه ، فاحتضنه من خلفه وهو لا يُبصره . فقال زاهر : من هذا ؟ أرسِلني . فالتفتَ زاهر فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل لا يألو ما ألصقَ ظهرَه بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه . فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من يشتري هذا العبد ؟ ) . فقال : يا رسول الله إذاً والله تجدني كاسداً . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لكن عند الله لستَ بكاسد ) أو قال : ( أنتَ عند الله غالٍ ) وفي ( سنن ) أبي داود عن عوف بن مالك الأشجعي قال : أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، وهو في قبة من أدم – صغيرة – قال في ( الجزء الثاني من التراتيب ) : قد أكثر الناس من استنباط الأحكام من هذا الحديث ، وزاد أبو العباس ابن القاص من الشافعية على مائة فائدة ، وأفردها في جزء ، ونقل عن ابن الصباغ أنه أملى في درسه على حديث ( يا أبا عمير ، ما فعل النغير ؟ ) أربعمائة فائدة اهـ
عدد الصفحات ١٦٩170 فسل متُ فرد وقال: ( ادخل ) فقلتُ : أكُّلي يا رسول الله ؟ قال : ( كلُّك ) فدخلتُ . ومن جملة ما ورد في مزاحه صلى الله عليه وسلم : ما ورد عن أنس رضي الله عنه : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستحمله – أي : يطلب منه دابةً - . فقال له صلى الله عليه وسلم : ( إني حاملُك على ولد الناقة ) . فقال : يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة 1 ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( وهل يلِد الإبل إلا النوق ؟ ) . وجاءت امرأة فقالت : يا رسول الله احملني على بعير . فقال : ( احمِلها على ابن بعير ) . فقالت : ما أصنع به ؟ وما يحملني يا رسول الله ! فقال صلى الله عليه وسلم : ( وهل يجيء بعير إلا ابن بعير )2 . وروى ابن بكار عن زيد بن أسلم أن امرأة يقال لها أم أيمن الحبشية ، جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن زوجي يدعوك . فقال : ( من هو ؟ أهو الذي بعينيه بياض ؟ ) . فقالت : ما بعينه بياض . فقال : ( بلى بعينيه بياض ) . فقالت : لا والله . فتوهم الرجل أنه صلى الله عليه وسلم سيحمله على ولد ناقة صغير . رواه الترمذي وأبو داود وأحمد وغيرهم . قال العلامة الزرقاني : قتعددت الواقعة بالنسبة للرجل والمرأة .
عدد الصفحات ١٧٠171 فقال صلى الله عليه وسلم: ( ما من أحدٍ إلا بعينيه بياض ) أي : البياض المحيط بالحدقة . ومن ذلك ممازحته صلى الله عليه وسلم للمرأة العجوز : روى الترمذي عن الحسن البصري رضي الله عنه قال : أتت عجوزٌ النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ادعُ الله أن يُدخلني الجنة . فقال : ( يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز ) . قال : فول ت – أي : ذهبت – وهي تبكي . فقال صلى الله عليه وسلم : ( أخبروها أنها لا تدخُلها وهي عجوز ، إن الله تعالى يقول : ( إن ا انشأناهن إنشاءً ، فجعلناهن أبكاراً عُرباً أتراباً 1 . ) ) فهذه الأحاديث تدل على ممازحته صلى الله عليه وسلم لمؤانسة المخاطب ، وتطييب نفسِه ، ولإدخال السرور عليه ، لأن المزاح هو الانبساط مع الغير من غير أذىً . ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يتمازحون فيما بينهم ، كما جاء في ( الأدب المفرد ) عن بكر بن عبد الله قال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتبادحون بالبط يخ ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال . وفي ( النهاية ) لابن الاثير : وفي حديث بكر بن عبد الله : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يتمازحون ويتبادحون بالبط يخ ، يقال : بدَح يبدَح إذا رمى اهـ . وأما ما ورد في الحديث من النهي عن المزاح كما في سنن الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تُمارِ أخاكَ ولا تُمازحه ، ولا تعده موعداً فتخلفَه ) : فهذا النهي محمولٌ على عرباً : جمع عروب ، وهي المفصحة عن محبة زوجها ، والأتراب : جمع ترب – والمراد : أنهن متساويات في سن واحدة
عدد الصفحات ١٧١172 الإفراط في المزاح ، لما في ذلك من الشغل عن ذكر تعالى ، أو عن التفكير في مهمات الدين ، ولما فيه من قسوة القلب بكثرة الضحك ، بل إن كثرة المزاح تورث العداوة والأذى والحِقد ، وجراءة الصغير على الكبير . وقد قال عمر رضي الله عنه : ( من كثُرَ ضحكه قل ت هيبتُه ، ومن مزح استُخف به ) اهـ . أي : بأن أكثر المزاح . كما وأن النهي عن المزاح محمول على المزاح الذي فيه أذىً أو حزن للغير وفي ( سنن ) أبي داود والترمذي عن عبد الله بن السائب عن أبيه عن جد ه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يأخذن أحدُكم متاع أخيه لاعباً ولا جاد اً ، ومن أخذ عصا أخيه فليرُ د ها ) . وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : حد ثنا أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فنام رجل منهم ، فانطلق بعضهم إلى حبلٍ معه فأخذه ، ففزع . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يحلُّ لمسلمٍ أن يرو ع مسلماً )1 وفي يوم الخندق كان زيد بن ثابت ينقل التراب مع المسلمين فنعس ، فجاء عُمارة بن حزم فأخذ سلاحه وهو لا يشعر ، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وروي عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه أن رجلاً أخذ نعل رجل ، فغي بها وهو يمزح ، فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ترو عوا المسلم ، فإن روعة المسلم ظلم عظيم ) . قال الحافظ المنذري : رواه البزار والطبراني وابن حبان . قال الزين العراقي بعد ما عزاه لأحمد والطبراني : حديث حسن اهـ من ( فيض القدير )
عدد الصفحات ١٧٢173 فالمزاح مندوب إليه بين الإخوان والأصدقاء بما لا أذى فيه ، ولا ضرر و قذف ولا غيبة ولا شين : في عرض أو دين ، ولا استخفاف بأحد منهم . وأما مزاح الرجل مع أهله وملاطفتهم بأنواع الملاطفة : فمطلوب ومحبوب ، وهو من أخلاق النبيين ، ومن شعار المؤمنين : قال عمر رضي الله عنه : ( ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي ، فإذا التُمِس ما عنده وجِد رجلاً ) . تبسّمه صلى الله عليه وسلم حين يلقى أصحابه وحين يحدّثهم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يتبس م في وجوه أصحابه حين يلقاهم ، وفي حديثه إليهم ، تلط فاً بهم ومؤانسة لهم . قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه : ( ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت1 ، ولا رآني إلا تبس م) رواه الترمذي . وروى الإمام أحمد عن أم الدرداء رضي الله عنها قالت : ( كان أبو الدرداء إذا حد ث حديثاً تبس م ) . فقلتُ : ( لا ، يقول الناس : إنك أحمق ! ) – أي : بسبب تبسُّ مك في كلامك – فقال أبو الدرداء : ( ما رأيتُ أو سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحد ث حديثاً إلا تبس م ) فكان أبو الدرداء إذا حد ث حديثاً تبس م ، اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . حول ضحكه صلى الله عليه وسلم أي : ما منعني من الدخول إليه إذا كان في بيته ، واستأذنت عليه – كما في ( الفتح ) .
عدد الصفحات ١٧٣174 كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبحثون عن أخلاق النبي صلى عليه وسلم وأحواله وآدابه ليتبعوه : ومن ذلك : تتبعهم لأوصاف ضحكه صلى الله عليه وسلم ، وللأسباب التي كان يضحك من أجلِها ، وذلك لتتبين لهم الأسباب التي يجوز للمسلم أن يضحك من أجلها شرعاً ، وما لا يجوز الضحك منه شرعاً ، لأن الضحك منه ما يجوزُ شرعاً ومنه ما لا يجوز في الشرع ، ولا يُعرف ذلك إلا بالرجوع إلى الأصول الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولقد كان أكثر ضحكه صلى الله عليه وسلم التبسُّم : روى الترمذي وغيره عن هند بن أبي هالة في حديثه يصف النبي صلى الله عليه وسلم ، قال فيه : ( جُلُّ ضحكه التبسُّم ، يفترُّ عن مِثل حَ ب الغمام ) . والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم يضحك ضحكاً حسناً ، كاشفاً عن سن مثل حب الغمام – وهو البَرَد – في البياض والصفاء والبريق . وعن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه قال : ( ما كان ضحك رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسُّماً ) رواه الترمذي . وفي ( سنن ) أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( ما رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قطُّ مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لَهَواتِه 1 ، إنما كان يتبس م ) الحديث . وكان صلى الله عليه وسلم يضحك أحياناً حتى تبدو نواجذُه : فعن عامر بن سعد قال : قال سعد بن أبي وق اص رضي الله عنه : لقد رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم ضحك يوم الخندق حتى بدت نواجذه . قال عامر : فقلتُ لسعد : كيف كان ضحِكه ؟ جمع لهاة ، وهي اللحمة في أعلى الحلق من أقصى الفم .
عدد الصفحات ١٧٤175 فقال سعد: كان رجلٌ معه ترس ، وكان سعد رامياً ، وكان الرجلُ يقول كذا وكذا بالترس – يغطي جبهته ، فنزع له سعد بسهم ، فلما رفع – الرجل المشرك – رأسه رماه – سعد – فلم يخطئ هذه منه – يعني جبهته – وانقلب الرجل وشال برجله – فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذُه . قال : قلت : من أي شيءٍ ضحك ؟ قال : من فِعله بالرجل . أي : فِعل سعدٍ بالرجل المشرك ، حيث إنه استهدفه حتى أصابه مع توق يه بترسِه . وروى مسلم في ( صحيحه ) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها ، وآخر أهل الجنة دخولاً الجن ة : رجلٌ يخرجُ من الن ار حَبواً ، فيقول الله تبارك وتعالى له : اذهب ، فادخل الجن ة . فيأتيها فيخي ل إليه أنها ملأى . فيرجع فيقول : يا رب وجدتها ملأى . فيقول الله تبارك وتعالى له : اذهب فادخل الجن ة . قال : فيأتيها فيخي ل إليه أنها ملأى . فيرجع فيقول : يا رب وجدتها ملأى . فيقول الله : اذهب فادخل الجنة ، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها – أو : إن لك عشرةَ أمثال الدنيا - . قال : فيقول : أتسخرُ بي – أو : أتضحكُ بي – وأنت الملِكُ ؟ ! ) . قال : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذُه – قال : فكان يقال : ذاك أدنى أهل الجنة منزلةً .
عدد الصفحات ١٧٥176 وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة ، وآخر أهلِ النار خروجاً منها . رجلٌ يؤتى به يوم القيامة ، فيقال : اعرضوا عليه صغار ذنوبه ، وارفعوا عنه كِبارها ، فتعرض عليه صغار ذنوبه ، فيقال : عملتَ يوم كذا وكذا : كذا وكذا ، فيقول : نعم ، لا يستطيع أن ينكر ، وهو مشفِق من كبار ذنوبه أن تُعرض عليه . فيقال له : فإن لك مكان كل سيئةٍ حسنةً ، فيقول : رب قد عملتُ أشياء لا أراها ها هنا ! ) . فلقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذُه – رواه مسلم والترمذي في الشمائل واللفظ له . وأخرج الإمام أحمد عن أم سلمة رضي الله عنها ، أن أبا بكر رضي الله عنه خرج إلى بُصرى ومعه الن عيمان وسُويبط بن حرملة رضي الله عنهما ، وكلاهما بدري ، وكان سويبط على الز اد ، فقال له النعيمان : أطعمني ، فقال سويبط : حتى يجيء أبو بكر . وكان النعيمان مِضحاكاً مز احاً ، فذهب إلى أناسٍ جلبوا ظهراً – أي : إبلاً – فقال لهم النعيمان : أتبتاعون – أي : تشترون – مني غلاماً – أي : عبداً – عربياً فارهاً ؟ - فِتي اً . قالوا : نعم . فقال : إنه ذو لسان ، ولعله يقول : أنا حُر ، فإن كنتم تاركيه لذلك ، فدعوني لا تفسدوه علي . فقالوا : بل نبتاعه – فابتاعوه بعشر قلائص – أي : نوق شابة – فأقبل ليسوقها وقال لهم : دونكم هو هذا . فقال سويبط : هو – أي : النعيمان – كاذب ، أنا رجل حر .
عدد الصفحات ١٧٦