304 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي أو الثالثة، ومن الرواة الذين وصفوا بالرواية عن شيوخهم وهم صغار، ولكنهم لازموهم طويلاً فصحت روايتهم عنهم لتلك القرينة: قَبِيْصة بن عقبة السُّوَائي، وثقه ابن معين، وأحمد بن حنبل، والذهبي(62)، قال أبو بكر أحمد ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، يقول:" قَبِيْصة ثقة في كل شيء إلا في سفيان؛ فإنه سمع منه وهو صغير"(63)، ومع وصف قَبِيْصة بأنه روى عن شيخه سفيان الثوري وهو صغير ؛ إلا أن روايته عنه في حال الصغر لم تقدح في صحة روايته بسبب طول ملازمته لشيخه سفيان بن سعيد الثوري، فقد لازمه ثلاث سنين، وتلك الملازمة هيأت لقَبِيْصة أن يضبط حديث الثوري، قال هارون بن عبد الله الحمال: سمعت قَبِيْصة، يقول:" جالست الثوري، وأنا ابن ست عشرة سنة، ثلاث سنين" (64)، وقال ابن حجر(ت852ه:" من كبار شيوخ البخاري، أخرج عنه أحاديث عن سفيان الثوري وافقه عليها غيره" (65). وكذلك من الرواة الذين وصفوا بالرواية عن شيوخهم وهم صغار، ولكنهم لازموهم طويلاً فصحت روايتهم عنهم لتلك القرينة : هشام بن حسان الأزدي الق رْد وسي(66)، روى وهو صغير عن الحسن البصري، قال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يقول:" لقد أتى هشام عظيماً بروايته عن الحسن" قيل لنعيم: لمَ، قال: إنه كان صغيراً"(67). ومع وصف هشام بن حسان بأنه سمع من الحسن البصري وهو صغير؛ إلا أن سماعه في حال الصغر لم يقدح في صحة روايته عنه بسبب طول ملازمته للحسن البصري؛ فقد لازمه عشر سنين؛ حتى وصف بصاحب الحسن (68)، فمن المحتمل أن هشام سمع من الحسن البصري وهو صغير إلا أنه لازمه ملازمة طويلة استطاع من خلالها رواية حديث شيخه وضبطه، مما جعل الأئمة يحتجون بروايته عن الحسن البصري. (62) الجرح والتعديل 7/126ت722)، تذكرة الحفاظ 1/373ت370 .) (63 )تاريخ بغداد (14/493ت6899.) (64 )تهذيب الكمال(23/481ت4843.) (65) هدي الساري(ص 458.) (66) تقدمت ترجمته في القرينة الثانية (67) الجرح والتعديل 9/54ت229 .) (68) ميزان الاعتدال 4/295ت9220.)
عدد الصفحات ١٧305 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي قال هشام بن حسان(ت148ه:" جاورت الحسن، أو قال: جالست الحسن عشر سنين" (69). وقال الإمام أحمد(ت241ه:" مبارك- بن فَضَالة- وهشام جالسا الحسن جميعاً عشر سنين"(70). القرينة الرابعة: قوة الحفظ. قوة الحفظ يقصد بها قدرة الراوي على ضبط ما يسمعه، بحيث يسمعه ويحفظه ويثبته في قلبه، ويرويه كما سمعه، وقد اعتنى المحدثون بقرينة قوة الحفظ وجعلوها إحدى قرائن الترجيح بين روايات الحديث المختلفة، فقد قيل لعيسى بن يونس: إن وكيعاً سمع من الأعمش وهو صغير، قال:" لا تقولوا ذاك إنه كان يتقنها ويعرفها" (71)، وجعل الحازمي وابن رجب وغيرهما من الأئمة لكل محدث مكثر، خمس طبقات أو أكثر من الرواة، وجعلوا قوة الحفظ وضعفه أحد الضوابط في تقسيم الرواة على تلك الطبقات (72 )، وقد اشتهر بعض المحدثين بقوة الحفظ ، فكان إذا سمع الحديث حفظه وضبطه، قال مطر الوراق (ت129ه:" كان قتادة إذا سمع الحديث حفظه حفظاً، وكان إذا سمع الحديث أخذه العَوِيل والزَّويل (73) ح يحفظه"(74)، وإن كان الحديث طويلاً ولم يستطع حفظه في مجلس واحد قسمه إلى مجلسين، ليسهل عليه حفظه وضبطه، قال مطرف بن عبد الله (ت86ه:" كان قتادة إذا سمع الحديث يختطفه اخت طافاً . . .، وإن كان الحديث طويلاً، بحيث لا يمكن حفظه في مجلس واحد حفظ نصفه، ثم عاد في مجلس آخر فحفظ بقيته"(75)، وقوة الحفظ في الصغر ساعدت بعض الرواة على سماع الحديث وضبطه في مقتبل العمر . قال الحسن البصري (ت110ه:" قدموا إلينا أحداثكم؛ فإنهم أفرغ قلوباً، وأحفظ (69) تاريخ ابن معين رواية الدوري 4/219ت4051)، الجرح والتعديل 9/54ت229 .) (70) العلل ومعرفة الرجال رواية عبد 2/38ت1480 .) (71) شرح علل الترمذي 2/718 .) (72 )شروط الأئمة الخمسة للحازمي(ص 151)، شرح علل الترمذي لابن رجب 2/613 ) (73) العويل: رفع الصوت، والزويل: الحركة . تاج العروس، مادة(زول)،(عول (74) شرح علل الترمذي لابن رجب 1/441 ) (75) الجامع لأخلاق الراوي(ص 112).
عدد الصفحات ١٨306 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي لما سمعوا"(76)، ومن الرواة الذين سمعوا الحديث في وقت مبكر من حياتهم: سفيان بن عيينة الهلالي، فقد سمع الحديث وهو صغير من الزهري، قال الجوزجاني (ت328ه:" كان غلاماً صغيراً حين قدم عليهم الزهري ، وإنما أقام - يعني الزهري - تلك الأيام مع بعض ملوك بني أمية بمكة أياماً يسيرة، وفي حديثه -يعني ابن عيينة- عن الزهري اضطراب شديد" (77)، قال سفيان(ت198ه:" قدم علينا – يعني الزهري - في سنة ثلاث وعشرين ومئة –يعني مكة- فأقام إلى هلال المحرم، وأنا يومئذ ابن ست عشرة سنة"(78)، فكان ابن عيينة في السادسة عشرة من العمر حين سمع من الزهري، وكان سماعه منه في مدة لا تتجاوز شهراً واحداً، من أول ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ومئة إلى أول المحرم سنة أربع وعشرين، إلا أن ابن عيينة كان قوي الحفظ مما جعل الأئمة يحتجون بحديثه، بل جعلوه من أثبت الرواة في الزهري بسبب تلك القرينة، قال أبو حاتم الرازي (ت277ه:" أثبت أصحاب الزهري: مالك وابن عيينة" (79)، وقال الذه(ت748ه:" كان قوي الحفظ، وما في أصحاب الزهري أصغر سناً منه، ومع هذا فهو من أثبتهم"(80). ومن الرواة الذين سمعوا وهم صغار: وكيع بن الجراح بن مليح الرُّ ؤَ اسِ ي الكوفي، وثقه ابن معين، والإمام أحمد، وأبو حاتم الرازي (81)، قال أحمد بن داود الحداني: قيل لعيسى بن يونس- وأنا أسمع -، إن وكيعاً سمع من الأعمش وهو صغير، قال:" لا تقولوا ذاك، إنه كان ينتقيها ويعرفها، أو قال: ينقيها "(82)،فقد سمع وكيع بن الجراح وهو صغير من الأعمش، إلا أنه كان قوي الحفظ، فكان يحفظ أحاديث الشيوخ مما جعل الأئمة يثبتون حديثه، قال قاسم الجرمي (ت193ه:" كان سفيان-الثوري - يدعو وكيعاً، وهو غلام فيقول: يا رؤاسي تعال، أي شيء سمعت، فيقول: حدثني فلان كذا، وسفيان يبتسم (76) المحدث الفاصل(ص192). (77) شرح علل الترمذي لابن رجب 2/674.) (78) تاريخ الإسلام 3/499ت304 .) (79 )الجرح والتعديل 1/52.) (80) ميزان الاعتدال 2/170ت3327 .) (81 )الجرح والتعديل 9/37ت168) . (82) شرح علل الترمذي 2/718) .
عدد الصفحات ١٩307 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي ويتعجب من حفظه"(83)، وقاليحيى بن معين(ت234ه:" ما ر أيت رجلاً قط أحفظ من وكيع"(84)، و قال محمد بن عبد الله بن نمير (ت234هكانوا إذا رأوا وكيعاً سكتوا"، قال ابن أبي حاتم: يعنى في الحفظ والإ جلال(85)، وقال إسحاق بن راهويه(ت238ه:" حفظي وحفظ ابن المبارك تكلف ، وحفظ وكيع أصلي، قام وكيع يوماً قائماً، ووضع يده على الحائط و حدث سبع مئة حديث حفظاً"(86)، وقال الإمام أحمد(ت241ه:" كان وكيع مطبوع الحفظ، كان حافظاً حافظاً، وكان وكيع أحفظ من عبد الرحمن بن مهدى كثيراً كثيراً"(87)، ومن أجل قرينة قوة حفظ وكيع بن الجراح ؛ صحح الأئمة سماعه من الأعمش، واحتجوا بروايته عنه. القرينة الخامسة: الرغبة في طلب الحديث. الرغبة في طلب الحديث، هي القناعة الداخلية المحفزة لبذل الوقت والجهد لسماع الحديث وحفظه، وتلك القرينة إذا اتصف بها الراوي فإنها تحمله على الجد في سماع الحديث وضبطه، وتجشم المتاعب والمصاعب في سبيل رواية الحديث وإتقانه، وما استطاع كثير من المحدثين أن يبرع في رواية الحديث إلا بما يحمله بين جنبات نفسه من الرغبة الشديدة، والقناعة المتينة في حب الحديث وروايته، قال ابن الوزير (ت840ه: " فاعلم أن من الناس من يحصل له من شدّة الرّغبة في العلم وسائر الفضائل ما يسهّل عليه عسيرها، ويقرّب إليه بعيدها"(88)، ولقد ع رف الرعيل الأول من سلف محدثي هذه الأمة بالرغبة الشديدة في سماع الحديث وضبطه، مما كان له كبير الأثر على حفظ السنة النبوية وصيانتها، ولقد وصف رغبتهم في طلب الحديث وروايته، الدكتور عبد المنعم نجم بقوله:" لم ا كان الحديث من أصل الفروض وجب الاعتناء به، والاهتمام بضبطه وحفظه؛ ... لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله إلا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب ما سمع من الأحاديث؛ فتوفرت الرغبات فيه، فما زال لهم من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن انقطعت الهمم شغف على (83) تهذيب الكمال30/462ت6695) . (84) الموضع السابق. (85 )الجرح والتعديل 9/37ت168) . (86) المصدر السابق1/221) . (87) المصدر السابق9/37ت168) . (88 )الروض الباسم1/23) .
عدد الصفحات ٢٠308 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي تعلمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ذوات العدد، ويفني الأموال والعدد، ويقطع الفيافي والمفاوز، ويجوب البلاد شرقاً وغرباً في طلب حديث واحد يسمعه من راويه"(89)،وإذا نشأت تلك الرغبة والقناعة النفسية في رواية الحديث مع الراوي منذ حداثة سنه، فإنها تحمل صاحبها على بذل قصارى جهده وطاقته لسماع الحديث وضبطه، فلا يستقر له حال، ولا يهدأ له بال إلا في مجالس التحديث والرواية، صارفاً نفسه عن رغباتها وشهواتها، معرضاً عن مفاتن الحياة وزيناتها، قال المعلمي(ت1386ه:" ثم كان الرجل من أصحاب الحديث يرشح لطلب الحديث وهو طفل، ثم ينشأ دائباً في الطلب والحفظ والجمع ليلاً ونهاراً، ويرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان، ويقاسى المشاق الشديدة كما هو معروف في أخبارهم، ويصرف في ذلك زهرة عمره إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة، وتكون أمنيته الوحيدة من الدنيا أن يقصده أصحاب الحديث، ويسمعوا منه، ويرووا عنه"(90)، ومن العلماء الذين اتسموا بالرغبة في طلب الحديث في حداثة سنهم، فبلغوا فيه الدرجات العلى، الإمام مجد الدين ابن الأثير، فقد قال في مقدمة كتابه جامع الأ صول في أحاديث الرسول: "ما زلت في ريعان الشباب، وحداثة السن، مشغوفاً بطلب العلم، ومجالسة أهله، والتشبه بهم حسب الإمكان، وذلك من فضل الله عليَّ، ولطفه بيَّ أن حببه إلي، فبذلت الوسع في تحصيل ما وفّقت له من أنواعه، حتى صارت فيَّ قوة الاطلاع على خفاياه، وإدراك خباياه..."(91). ومن الرواة الذين سمعوا الحديث في وقت مبكر من حياتهم في حال الصغر: ه شَيْم بن بشير السلمى الواسطي، وثقه أبو حاتم، والعجلي، وغيرهما(92)، قال ابن مع(ت234ه:" سماعه من الزهري وهو صغير" (93)، وقال:" قد سمع ه شَيْم من يعلى بن عطاء، وكان صغيراً جداً" (94)، فقد كان سماعه من هؤلاء الشيوخ وهو صغير، إلا أنه اتصف بقرينة الرغبة الشديدة (89) تدوين السنة ومنزلتها(ص 33 .) (90) التنكيل1/29 .) (91) جامع الأصول في أحاديث الرسول 1/35 .) (92) الجرح والتعديل 9/115ت486)، معرفة الثقات للعجلي 2/334ت1912)،تاريخ بغداد( 16/130ت7388). (93 )تهذيب التهذيب(11/59ت100.) (94) تاريخ ابن معين رواية الدوري 4/386ت4914.)
عدد الصفحات ٢١309 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي سماع الحديث وضبطه، فقد نشأت رغبة طلب الحديث مع ه شَيْم من صغره، وكان والده يمنعه من طلب الحديث، إلا أن ه شَيْماً كان مصراً على الطلب والتحصيل، قال إبراهيم الحربي(ت285ه:"كان ه شَيْم رجلاً، وكان أبوه صاحب صحناءة وكواميخ (95)، يقال له: بشير، فطلب ابنه الحديث فاشتهاه، وكان أبوه يمنعه فكتب الحديث (96)، وبسبب رغبة ه شَيْم في رواية الحديث، استطاع سماع الحديث وهو صغير بشغف كبير ؛ مما جعله يضبط حديثه، ولذا احتج الأئمة بحديثه، قال الخليلي(ت446ه:" حافظ متقن، مخرَّج، تأخر موته، أقل الرواية عن الزهري"(97)، ومن رواة الحديث الذين سمعوا الحديث وهم صغار: إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، وثقه ابن معين، وأبو داود، والدارقطني (98)،قال عبد الله بن علي بن المديني، سمعت أبي يقول:" كان غلاماً، وذهب إلى أنه لم يضبط"(99)، وقال ابن الجنيد، سئل يحيى بن معين، وأنا أسمع عن إسحاق بن إسماعيل، فقال:" كان عندي لا بأس به صدوق، ولكنه ب لي من الناس، ولقد كلمني أن أكلم أمه تأذن له في الخروج إلى جرير فكلمتها فأجابتني"(100)، فقد سمع إسحاق بن إسماعيل الطالقاني وهو صغير من جرير بن حازم، إلا أنه اتصف بالرغبة طلب الحديث، فقد سأل ابن معين أن يشفع له عند أمه في الخروج لطلب الحديث، فخرج برغبة شديدة في سماع الحديث، وحملته تلك الرغبة على رواية الحديث وضبطه؛ مما جعل الأئمة يحتجو ن بحديثه عن جرير بن حازم مع سماعه منه وهو صغير. القرينة السادسة: البيوت العلمية. البيوت العلمية لها أثر واضح على التهيئة العلمية للأبناء، فإن انشغال الأسرة بطلب العلم ومذاكرته له تأثير مباشر على حياة الأبناء، ونشأتهم نشأة علمية، فيتربى الأبناء على استغلال أوقاتهم وقدراتهم في طلب العلم وحفظه في وقت مبكر من (95) الصحناءة: إدام يتخذ من السمك، والكواميخ: إدام يستعمل لزيادة شهية الطعام. تاج العروس، مادة(صحن)،(كمخ (96) تهذيب الكمال30/272ت6595.) (97) المنتخب منالإرشاد في معرفة علماء الحديث( 1/196ت22.) (98) تاريخ بغداد 7/348ت3331)، تهذيب التهذيب1/226ت418 .) (99) تاريخ بغداد 7/348ت3331.) (100 )تاريخ بغداد 7/348ت3331.)
عدد الصفحات ٢٢310 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي حياتهم، فإن سماع العلم في حال الصغر، وخلو البال من المشاغل والمكدرات، له كبير الأثر في حفظ العلم وضبطه، وقد انتهز بعض المحدثين هذه الفرصة فسمّع أبناءه الحديث في وقت مبكر من حياتهم، فكانوا يحضرون أبناءهم عند كبار محدثي زمانهم، ويضبطون روايتهم، ويقيدون سماعهم بعلو السند عن أولئك المحدثين، قال ابن كثير(ت774ه:"وينبغي المـ بَاراة(101) إلى إسماع الولدان الحديث النبوي، والعادة المطردة في أهل هذه الأعصار وما قبلها بمدد متطاولة أن الصغير يكتب له حضور إلى تمام خمس سنين من عمره، ثم بعد ذلك يسمى سماعاً، واستأنسوا في ذلك بحديث محمود بن الربيع"(102)، وقال الذهبي في سماع القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي:" حرص عليه جده، وأسمعه في الصغر، بحيث إنه كتب بخطه إملاء، في ربيع الأول، سنة خمس وعشرين ومئتين، فكان سنه يومئذ عشر سنين ونصفاً، ولا نعلم أحداً في ذلك العصر طلب الحديث وكتبه أصغر من أبي القاسم، فأدرك الأسانيد العالية، وحدثه جماعة عن صغار التابعين"(103)، وقال المعلمي في سماع أحمد بن محمد بن دوست من شيخه محمد بن جعفر المطيري:" وذلك أن والد ابن دوست كان من أهل العلم والصلاح والرواية والثقة،... فقد و لد له في شبابه، فكأنه اعتنى به فبكر به للسماع، وقيد سماعه، وضبطه له، على عادة أهل العلم في ذاك العصر"(104)، وإذا كبر أولئك الأبناء الذين سمعوا وهم صغار فربما يحصل لهم ما يؤمله آباؤهم من التفرد بالسماع عن أولئك المحدثين، وتكون الرحلة إليهم لطلب العلو في السند، ومما ذكره الأئمة في قوة هذه القرينة ما ورد في قبول سماع عبد الله بن جعفر بن دَرَسْتَويه من شيخه يعقوب بن سفيان الفسوي؛ حيث ضعّ ف سماعه بعض الأئمة لصغر سنه، فقد مات يعقوب بن سفيان ولابن دَرَسْتَويه ست سنوات، قال الخطيب البغدادي(ت463ه:" وفي هذا القول نظر؛ لأن جعفر بن دَرَسْتَويه من كبار المحدثين وفهمائهم، وعنده عن علي بن المديني وطبقته، فلا يستنكر أن يكون بكّر بابنه في السماع من يعقوب بن سفيان (101) بمعنى المنافسة. تاج العروس مادة(نفس (102) الباعث الحثيث(ص56 .) (103) سير أعلام النبلاء14/441ت247 .) (104) التنكيل1/200 .) (105) تاريخ بغداد 11/85ت4998.)
عدد الصفحات ٢٣311 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي قال المعلمي (ت1386ه:" بل هذا هو الظاهر كما جرت عليه عادة المحدثين في ذاك العصر من التبكير بأبنائهم للسماع من المعمَّرين، على أمل أن يعيش الابن فيكون سنده عالياً، فيكون له بذلك صيت وشهرة، ويرحل الناس إليه، وتلك مرتبة يحرص المحدث أن ينالها ابنه" (106). ومن رواة الأحاديث الذين ظفروا بالسماع من كبار محدثي زمانهم في وقت مبكر من حياتهم، وصحح الأئمة سماعهم لأثر بيوتهم العلمية على روايتهم: إِسحاق بن إبراهيم بن عباد الصنعاني الدَّبَري(107)، فقد نشأ في أسرة علمية، فقد كان والده أحد الرواة الثقات(108)، وقد اعتنى بابنه، وبكّر بإسماعه الحديث من عبد الرزاق، وقيد سماعه، مما جعله ينال علو الإسناد، وصار راوية مصنفات عبد الرزاق، قال ابن عدي (ت365ه:" أحضره أبوه عنده وهو صغير جداً، فكان يقول: قرأنا على عبد الرزاق، قرأ غيره، وحضر صغيراً" (109)، وقال ابن نقطة(ت629ه:" سمّعه أبوه من عبد الرزاق الكثير، وهو صغير"(110)، وقال الذه(ت748ه: " سمع مصنّفات عبد الرزاق سنة عشرة منه باعتناء والده إبراهيم"(111)، ولقرينة أثر البيوت العلمية على أبنائها؛ صحح الأئمة سماع الدَّبَري لمصنف عبد الرزاق، قال الذهبي(ت748ه:" سمع مصنّفات عبد الرزاق، وكان صحيح السّماع"(112). ومن رواة الأحاديث الذين ظهر الأثر الأسري على روايتهم للحديث، وظفروا بالسماع وهم صغار من كبار مسندي أعصارهم : عبد الله بن محمد بن حميد بن الأسود البصري، وثقه الخطيب، والذهبي، وابن حجر (113)، فقد نشأ هذا الراوي في (106) التنكيل1/287 .) (107) تقدمت ترجمته في القرينة الثانية (108) الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة2/199ت1072.) (109 )الكامل في ضعفاء الرجال 1/560ت177 .) (110 )تكملة الإكمال3/207ت3070.) (111 )تاريخ الإسلام 6/714ت135). (112 )تاريخ الإسلام 6/714ت135). (113) تاريخ بغداد 11/254ت5135)، تذكرة الحفاظ 2/493ت508)، تقريب التهذيب(ت 3603 .)
عدد الصفحات ٢٤312 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي أسرة علمية، فخاله (114)، هو الإمام المحدث عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، أحد الحفاظ الثقات، العارفين بالرجال والحديث(115)،قال الذهبي:" تخرج بخاله عبدالرحمن بن مهدي "(116)،فكان لهذه الأسرة العلمية الأثر الجلي على الراوي في حضور مجالس التحديث والرواية، والسماع من الأكابر في وقت مبكر من حياته، فروى وهو صغير عن أبي عوانة الوضَّاح اليَشْك ري، قال ابن محرز،: سألت يحيى بن معين، عن أبي بكر بن أبي الأسود ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي، فقال:" ما أرى به بأساً، ولكنه سمع من أبي عوانة وهو صغير، وقد كان يطلب الحديث"(117)، قال المعلمي(ت1386ه:" وكان ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي، فقد يكون ساعده هو أو غيره في لضبط" (118) . ومن أجل قرينة البيوت العلمية، وأثرها على أبنا ئها، صحح الأئمة حديث عبد الله بن محمد بن أبي الأسود البصري ، واحتجوا بروايته عن أبي عوانة. (114) تاريخ بغداد 11/254ت5135)، تذكرة الحفاظ 2/493ت508 .) (115) تقريب التهذيب(ت 4044 .) (116) سير أعلام النبلاء(10/648ت230 .) (117) تاريخ ابن معين رواية ابن محرز 1/90ت331 .) (118) التنكيل1/307 .)
عدد الصفحات ٢٥313 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي المبحث الثالث قرائن صحة سماع الصغير المختصة بحال المروي من خلال تتبع تراجم الرواة الثقات الذين وصفوا بالرواية وهم صغار عن بعض شيوخهم، أمكن الوقوف على ست قرائن مختصة بحال المروي، وترتيب هذه القرائن حسب القوة في رواية الصغير دون غيره، وهي على النحو التالي: القرينة الأولى: قبول الأئمة للرواية. قبول الأئمة للرواية دليل على جودة تحمل الراوي عن شيخه، وضبطه لحديثه، وقبول العلماء لتلك الرواية جيلاً بعد جيل، وتعاقبهم على تلقي الرواية على مر العصور ي عدُّ نوعاً من الإجماع، والمحدثون كغيرهم من أئمة العلم والدين لا يجتمعون على باطل، ولا يج معون إلا على بينة من العلم الواضح، والبرهان الساطع، قال أبو حاتم الرازي (ت277ه:" واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة"(119)، وقال ابن تيمية(ت728ه:" فأهل العلم بالأحكام الشرعية لا يجمعون على تحليل حرام، ولا تحريم حلال، كذلك أهل العلم بالحديث لا يجمعون على التصديق بكذب، ولا التكذيب بصدق" (120)، وقبول الأئمة للرواية والاعتداد بها قرينة يستدل بها على صحة تحمل الراوي من شيخه، قال ابن تيمية(ت728ه:" ويقال إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه؛ لكن هو عالم بحال أبيه، متلق لآثاره من أكابر أصحاب أبيه؛ وهذه حال متكررة من عبد الله رضي الله عنه، فتكون مشهورة عند أصحابه فيكثر المتحدث بها، ولم يكن في أصحاب عبد الله من يتهم عليه حتى يخاف أن يكو ن هو الواسطة؛ فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه؛ وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه"(121)، ومن الأمثلة على قرينة قبول الأئمة تحمل الراوي الصغير، واعتدادهم بروايته: رواية سنن أبي داود من طريق أبي علي اللؤلؤي، وهي من أصح روايات السنن وأشهرها في المشرق، لتكرار سم اعها من أبي داود، فقد قرأها اللؤلؤي على أبي داود عشرين سنة، آخرها ق بيل وفاة أبي داود سنة خمس وسبعين ومئتين، وقد اعتنى العلماء بهذه الرواية، فاعتمد عليها الذين ألَّ فوا في الأطراف والشروح، فاعتمدها ابن (119 )المراسيل لابن أبي حاتم(ص 192 .) (120 )مجموع الفتاوى 18/41 .) (121 )المصدر السابق6/404 .)
عدد الصفحات ٢٦314 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي عساكر في كتابه الإشراف على معرفة الأطراف، وجعلها المزي الأصل في تحفة الأشراف، وصرح بما خالفها من الروايات، واعتمد عليها أكثر شراح سنن أبي داود، كالخطابي، والنووي، وابن القيم، وأبي زرعة العراقي، وابن رسلان، والسيوطي، والسندي، وغيرهم من الشراح، وهي المرادة عند الإطلاق بقولهم: أخرجه أبو داود (122)، وروايةاللؤلؤي تفرد بروايتها عنه القاسم بن جعفر الهاشمي، وتلقاها المحدثون والفقهاء وعامة الأمة عنه بالقبول، قال الخطيب البغدادي(ت463ه: سألت أبا عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، قلت له: في أي سنة سمعت كتاب السنن من أبي علي اللؤلؤي؟ فقال: سمعته منه أربع مرات، فحضرت أول مرة، وهو ي قرأ عليه في سنة أربع وعشرين وثلاث مئة، وكتب أبي في كتابه: حضر ابني القاسم، وقرئ عليه في السنة الثانية، وكتب أبي حضر ابني القاسم، وقرئ على اللؤلؤي وأنا أسمع في السنة الثالثة، وفي الرابعة، وكتب أبي في كتابه سمع ابني القاسم، قال الخطيب: و كان مولد أبي عمر في رجب من سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة، فعلى التقدير أنه سمعه في آخر دفعة وله خمس سنين، واعتدَّ الناس بذلك السماع، ونقل عنه الكتاب عامة أهل العلم من حفاظ الحديث والفقهاء وغيرهم"(123) . وكذلك من الرواة الصغار الذين رووا الحديث عن شيوخهم، وقيد لهم سماعهم: إِسحاق بن إبراهيم بن عباد الصنعاني الدَّبَري(124)، سمع مصنف عبدالرزاق وهو صغير باعتناء والده، قال ابن عدي (ت365ه: " أحضره أبوه عنده وهو صغير جداً، فكان يقول: قرأنا على عبد الرزاق، قرأ غيره، وحضر صغيراً"(125)، وقال الذهبي(ت748هـ:" سمع مصنفات عبد الرزاق سنة عشرة منه باعتناء والده إبراهيم" (126). (122) ينظــر: التقييــد لمعرفــة رواة الســنن والمســانيد 1/33ت23)،الحطــة في ذكــر الصــحاح الســتة(ص389)، مقدمــة تحقيــق معــالم الســنن في شــرح سنن أبي داود للخطابي(1/52 .) (123 )الكفاية في علم الرواية(ص64 .) (124) تقدمت ترجمته في القرينة الثانية من المبحث الثا (125 )الكامل في ضعفاء الرجال 1/560ت177 .) (126 )تاريخ الإسلام 6/714ت135).
عدد الصفحات ٢٧315 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي فقد تفرد إسحاق الدَّبَري برواية أغلب كتب وأبواب مصنف عبد الرزاق، وتلقاه المحدثون والفقهاء وعامة الأمة عنه بالقبول لتلك القرينة، قال الخطيب البغدادي (ت463ه:" روى الدَّبَري عن عبد الرزاق عامة كتبه، ونقلها الناس عنه وسمعوها منه"(127). وقال السخاوي(ت902ه:" مات عبد الرزاق وللدبري ست سنين أو سبع، ثم روى عنه عامة كتبه، ونقلها الناس عنه، وكذا سمع القاضي أبو عمر الهاشمي السنن لأبي داود من اللؤلؤي وله خمس سنين، واعتدَّ الناس بسماعه، وحملوه عنه"(128). قلت: لعله تداخل على السخاوي قول إبراهيم الحر مات عبد الرزاق وللدبري ست أو سبع سنين "، وقول الخطيب البغدادي" روى الدَّبَري عن عبد الرزاق عامة كتبه، ونقلها الناس عنه وسمعوها منه "، وكلاهما في موطن واحد من كتاب الكفاية للخطيب، فجعلهما السخاوي قولاً واحداً. القرينة الثانية: كتابة الحديث، والتحديث من الكتاب . كتابة حديث الراوي، وتحديثه من أصل كتابه هي إحدى طرق حفظ الحديث وضبطه التي قررها علماء الحديث، فإن ضبط الحديث يكون بحفظه في الصدور، أو في السطور، وإذا اجتمع للراوي حفظ الكتاب وحفظ الصدر، كان ضبطه لحديثه أتق ن، قال الرامهرمزي (ت360ه: "والحديث لا يضبط إلا بالكتاب، ثم بالمقابلة، والمدارسة، والتعهد، والتحفظ، والمذاكرة، والسؤال، والفحص عن الناقلين، والتفقه بما نقلوه"(129)،وتحمل الحديث عن الشيخ وتقييده في الكتاب مع سلامته من التصحيف والتحريف، ثم المحافظة عليه من الزيادة والنقصان هي إحدى الوسائل التي سلكها بعض صغار الرواة لضبط حديث شيوخهم؛ وذلك لأن احتمال وقوع الوهم في الكتاب أقل من وقوعه في حفظ الصدر ، قال الرامهرمزي (ت360ه:" الأولى بالمحدث، والأحوط لكل راو ، أن يرجع عند الرواية إلى كتابه؛ ليسلم من الوهم "(130)،وكتاب ة الحديث عند تحمله من الشيخ ثم التحديث من كتاب الراوي هي إحدى قرائن (127 )الكفاية في علم الرواية(ص64 .) (128 )فتح المغيث2/136). (129) المحدث الفاصل(ص385.) (130) المصدر السابق(ص388.)
عدد الصفحات ٢٨316 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي الترجيح بين الروايات المختلفة(131)،قال الدكتور عادل الزرقي:"وأما حفظ الكتاب، فإن الكتابة من أهم وسائل الضبط والإتقان، وبدونها وقع كثير من المحدثين في الوهم والخطأ، فإذا اختلف راويان فأكثر ع لى شيخ، نظر فيمن كان يكتب عنه، فإذا وجد، كان جانبه أقوى من هذه الحيثية"(132)، وكتابة الحديث من أقوى أسباب حفظ الحديث وضبطه، فإن الراوي إذا قيد حديثه ثم أدام النظر فيه بالاطلاع والقراءة كان ذلك مدعاة إلى حفظه وضبط ألفاظه في الصدر، وقد سئل الإ مام البخاري عن دواء الحفظ، فقال:" لا أعلم شيئاً أنفع للحفظ من نهَّْمَة(133)الرجل، ومداومة النظر "(134)، وكلما أكثر الراوي من النظر في مسموعاته رسخت في قلبه محفوظاته، قال عباس محمود العقاد (ت1383ه" إن كتاباً تقرؤه ثلاث مرات، أنفع من ثلاثة كتب تقرأ كلاً منها مرة واحدة" (135)، ومن الرواة الذين سمعوا الحديث وهم صغار في السن: ه شَيْم بن بشير السلمى الواسطي(136)، قال ابن معين(ت234ه:" سماعه من الزهري وهو صغير" (137)،وقال الحسين بن محمد بن فـَهْم، أخبرني الهروي:" أن ه شَيْماً كتب عن الزهري نحواً من ثلاث مئة حديث، فكانت في صحيفة، وإنما سمع منه بمكة، فكان يظن أن الصحيفة في المحمل، فجاءت الريح فرمت الصحيفة، فنزلوا فلم يجدوها، وحفظ ه شَيْم منها تسعة أحاديث"(138)، وقال الخليلي(ت446ه:" حافظ متقن، مخرَّج، تأخر موته، أقل الرواية عن الزهري، ضاعت صحيفته، وقيل: إنه ذاكر شعبة، وكان يسرد عن الزهري، ولم يكن شعبة أدرك الزهري، (131) المنهج العلمي في دراسة الحديث المعل، علي الصياح(ص 58.) (132) قواعد العلل وقرائن الترجيح(ص 68.) (133) بلوغ الهمة والشهوة في الشيء. تاج العروس مادة(نهم (134) هدي الساري(ص 512 .) (135) كتاب أنا، ضمن المجموعة الكاملة للعقاد3/63.) (136) تقدمت ترجمته في القرينة الرابعة من المبحث الثا (137 )تهذيب التهذيب(11/59ت100.) (138) تاريخ بغداد 16/130ت7388).
عدد الصفحات ٢٩317 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي فتناول صحيفته، فألقاها في الدجلة، وكان ه شَيْم يروي عن الزهري من حفظه، وكان يدلس"(139)،وقد روى ه شَيْم وهو صغير عن الزهر ي، لكنه كان يكتب حديثه، ولذا صحح العلماء من حديثه ما وافق فيه الثقات بسبب قرينة كتابة حديثه. ومن الرواة الذين ظفروا بالسماع وهم صغار : سليمان بن كثير العبدي البصري، وثقه ابن معين، والإمام أحمد (140)، قال ابن معين (ت234ه:" سماع ه شَيْم بن بشير، وسليمان بن كثير ، من الزهري سمعا وهما صغيران" (141)،وقال ابن حبان(ت354ه:" كان يخطئ كثيراً، أما روايته عن الزهري فقد اختلط عليه صحيفته، فلا يحتج بشيء ينفرد به عن الثقات، ويعتبر بما وافق الأثبات في الروايات"(142). ولما كان سليمان بن كثير يكتب حديثه عن الزهري، ويحفظه في صحائفه، صحح الأئمة من حديثه عن الزهري ما وافق فيه الثقات لتلك القرينة . القرينة الثالثة: تكرار الحديث. من مسلمات العلم أن تكرار الشيء سبب قوي في حفظه وضبطه، ومن ذلك تكرار الحديث، فعلى قدر تكرار سماع أو قراءة الحديث يتم حفظه وضبطه، وكان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا حدث بحديث أعاده ثلاثاً، ليسهل حفظه على الصحابة، كما ورد في شرح حديث" نضر الله ع بداً سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأداها" (143)، قال (139) المنتخب منالإرشاد في معرفة علماء الحديث( 1/196ت22.) (140) تاريخ ابن معين رواية ابن محرز 1/84ت275)، مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ(2/248ت2385 .) (141) الكامل في ضعفاء الرجال 4/289ت757.) (142) المجروح 1/334 .) (143) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب العلم، باب فضل نشر العلم، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري (3/321ح3662.) والترمذي في سننه، في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، من طريق أبي داود الطيالسي 5/33ح2656.) كلاهما(يحيى بن سعيد، وأبو داود الطيالسي) عن شعبة بن الحجاج، عن عمر بن سليمان بن عاصم بن عمـر بـن الخطـاب، عـن عبـد الـرحمن بـن أبان بن عثمان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، بمثله. وأخرجه ابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب من بلغ علماً، قال حدثنا: محمد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن محمد، قالا: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة الأنصاري، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، بنحوه (1/84ح230.) والحديث صحيح الإسناد عند أبي داود والترمذي
عدد الصفحات ٣٠318 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي البغوي(ت516ه:" وفيه إشارة إلى تكرار الحديث للحفظ" (144)، وتكرار الحديث عند الحاجة إليه هو أحد الآداب التي ذكرها أهل العلم، قال الخطيب البغدادي(ت463ه:" إذا كان تعويل السامع على النقل من كتاب المحدث ما سمعه، فلا وجه لإعادته وتكريره، وأما إن كان م عَوَّل ه على حفظه عن الراوي؛ فالأولى بالمحدث تكرير ما يرويه حتى يتيقن السامع حفظه، ويقع له معرفته وفهمه" (145)، ولما كان تكرار سماع الحديث من الشيخ مدعاة لحفظه وضبطه، جعله المحدثون إحدى قرائن الترجيح بين الروايات المختلفة، قال حماد بن زيد:" ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة؛ لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة، يعاود صاحبه مراراً، ونحن كنا إذا سمعناه مرة اجتزينا به" (146)، وقال ابن حبان عن شعبة بن الحجاج:" ولم يكن يعد السماع من الشيخ إلا بعد أن يسمعه مراراً، وكذلك كان زائدة بن قدامة إذا سمع الحديث مرة لم يجز عليه، فإذا سمعه مرة أخرى لم يجز، فإذا سمعه ثالثة أجاز عليه، وقال: قد صح"(147)، وراوي الحديث إذا سمع وهو صغير، ثم حصل له تكرار سماع الحديث مرات عديدة؛ فإن ذلك يكون سبباً في حفظه للحديث، قال الإمام مالك(ت179ه: " لقيت ابن شهاب يوماً في موضع الجنائز، وهو على بغلة له، فسألته عن حديث فيه طول، فحدثني به، قال: فأخذت بلجام بغلته، فلم أحفظه، قلت: يا أبا بكر أعده عليَّ، فأبى، فقلت: أما كنت تحب أن يعاد عليك الحديث، فأعاده عليَّ"(148)، وقال الدكتور جمعة عبد الحليم فلا شك أن الإعادة للحديث تساعد على تثبيت الحفظ، وخاصة إذا كان المستمعون يحفظون حال المجلس" (149)، ومن الرواة الذين سمعوا وهم صغار في مقتبل أعمارهم، واشتهروا بتكرار سماع الحديث عن شيوخهم : إبراهيم بن عبدالله بن حاتم الهروي، (144) شرح السنة 1/237.) (145) الجامع لأخلاق الراوي(ص 232 .) (146) الجرح والتعديل 1/160 .) (147) المجروح 1/30 .) (148) العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد رواية ابنه عبد 2/72ت1586 .) (149) روايات الجامع الصحيح ونسخه1/72.)
عدد الصفحات ٣١319 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي وثقه الدارقطني (150)، كان له من العمر ست سنوات حين وفاة شيخه ه شَيْم بن بشير، فكانت ولادة إبراهيم على قول بعض الأئمة سنة ثمان وسبعين ومئة(151)، ووفاة ه شَيْم سنة ثلاث وثمانين ومئة(152)، وكان من عادة إبراهيم تكرار سماع حديث ه شَيْم بن بشير عشرات المرات مما جعله من أثبت الرواة في شيخه على صغر سنه، قال صالح جزرة سمعته يقول:" ما من حديث من حديث ه شَيْم إلا وقد سمعته ما بين العشرين إلى الثلاثين مرة، وكنت أوقفه"، وقال صالح جزرة(ت293ه:" أعلم الناس بحديث ه شَيْم، عمرو بن عون، وإبراهيم بن عبد الله الهروي "(153). وكذلك من الرواة الذين سمعوا وهم صغار في مقتبل أعمارهم، واشتهروا بتكرار سماع الحديث عن شيوخهم : سفيان بن عيينة الهلالي (154)، فقد سمع وهو صغير من الزهري، قال الجوزجا (ت328ه:" كان غلاماً صغيراً حين قدم عليهم الزهري" (155)، فكان ابن عيينة في السادسة عشرة من العمر حين سمع من الزهري، وكان سماعه منه في مدة لا تتجاوز شهراً واحداً، من أول ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ومئة إلى أول المحرم سنة أربع وعشرين، إلا أن ابن عيينة كان من عادته تكرار سماع حديث الزهري، مما جعله من أثبت الرواة فيه على صغر سنه، بسبب تلك القرينة، قال أبو حاتم الرازي (ت277ه:" أثبت أصحاب الزهري: مالك وابن عيينة" (156)، قال البيهقي في سياق ذكر طرق حديث "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان يمشون بين يدي الجنازة"، قال:" وممن وصله وروجع فيه فاستقر عليه سفيان بن عيينة، قال له علي بن المديني: يا أبا محمد خالفك الناس، قال: من؟ قال: ابن جريج، ومعمر، ويونس، فقال له ابن عيينة: استقر الزهري، حدثنيه مراراً لست أحصيه، سمعته من فيه يعيده ويبديه، عن سالم عن أبيه"(157). (150) تاريخ بغداد (7/32ت3101 .) (151 )تقريب التهذيب(ت 195 .) (152) تاريخ بغداد (7/32ت3101.) (153 )الموضع السابق (154) تقدمت ترجمته في القرينة الرابعة من المبحث الثا (155 )تاريخ بغداد (7/32ت3101 .) (156) الجرح والتعديل 1/52 .) (157) معرفة السنن والآثار 5/270ح7494.)
عدد الصفحات ٣٢