المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي

صالح بن نمران بن ناصر الحارثي

صفحة ١ من ٣

288 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي أستاذ الحديث المشارك بقسم أصول الدين، كلية الشريعة وأصول الدين، جامعة نجران الملخص: تناول هذا البحث قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي، مع ذكر نماذج من الرواة الذين تحملوا الحديث وهم صغار، ويهدف البحث إلى ذكر تلك القرائن لمعرفة أثرها على صحة تحمل الصغير للحديث النبوي، و اعتمدت في البحث على المنهج الاستقرائي الاستنباطي، وكان من أهم نتائج البحث: أن الصغر مظنة لعدم الضبط، ومتى علم ضبط الصغير بموافقة روايته روايات الثقات، فإن تحمله صحيح، وأنه ينبغي مراعاة مناهج الأئمة في وصف الرواة بالصغر، وأن قرائن صحة رواية الصغير، منها ما يختص بحال الراوي، مثل الرغبة في طلب الحديث، ومنها ما يختص بحال المروي، مثل قب ول الأئمة للرواية، وأن بيئة الراوي الصغير مؤثرة في ضبط روايته أو اختلالها، وأن ماهية المروي تؤثر في ضبط الصغير، فالمروي منه الوقائع المهمة وغير المهمة، ومنه الكلام الطويل والقصير، ومنه مكرر السماع، ومنه ما قيد وكتب، و أن رواية الصغير المؤثرة في ضبط الحديث ما كانت قبل تدوين الأحاديث في المصنفات، وأما روايته للمصنفات الحديثية فلا تؤثر في صحة تحمله ما لم يخالف رواية الثقات لها، ومن توصيات البحث: دراسة أحاديث الرواة الذين وصفوا بالرواية وهم صغار دراسة ضافية، من خلال رسائل علمية، أو أبحاث محكمة ، للخروج بنتائج واضحة في حال كل راو . الكلمات المفتاحية: قرائن، التحمل، الرواية، الصغير، الحديث.

عدد الصفحات ١

289 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي المقدمة الحمد لله معلم الإنسان، جاعل العلم رافعاً لمن شاء بفضله، والجهل خافضاً لمن شاء بعدله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أشرف الأنبياء والمرسلين، المستزيد العلم من رب العالمين، وعلى آله، وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وبعد: فإن الحديث النبوي مكانه عظيم، وشرفه رفيع، يعظم بأنه المفسر والمبين والشارح للقرآن العظيم، ويشرف بشرف قائله رسول رب العالمين، صلى الله عليه وسلم، تنافس في روايته سلف الأمة، فحفظ الله بهم الملة، وتسابق على إسماعه لأولادهم أولو الفضل والهمة، وضمّن الأئمة في مصنفاتهم مباحث أحكام رواية الصغير للحديث النبوي، وقيدوا في مؤلفاتهم تراجم الرواة الذين سمعوا وهم صغار في السن، كب ار في الهمة، ومما أوقفني في ذلك ترجمة الإمام العلم، الحجة الثبت، سفيان بن عيينة الهلالي، وقول الجوزجاني فيه:" كان غلاماً صغيراً حين قدم عليهم الزهري، وإنما أقام - يعني الزهري - تلك الأيام مع بعض ملوك بني أمية بمكة أياماً يسيرة، وفي حديثه -يعني ابن عيينة - عن الزهري اضطراب شديد" (1)، وقول أبي حا الرازي (ت277ه: " أثبت أصحاب الزهري: مالك وابن عيينة" (2)، فاستوقفني ذلك الخلاف في حال ابن عيينة؛ فدرست حاله، وما قيل فيه من جرح وتعديل، ثم نظرت في نظائره من تراجم الرواة الذين و صفوا بالرواية في حال الصغر، فإذا عددهم ليس بالقليل، وإذا اختلاف النقاد في أحوالهم كبير، ومن هنا برزت أهمية الكتابة في جمع شتات أحوال من روى الحديث وهو صغير، وتقييد بعض القرائن والشواهد التي يستأنس بها على ترجيح صحة رواية الصغير، وقرائن الترجيح في أحوال الرواة كثيرة لا حصر لها ولا عديد ، قال ابن حجر(ت852ه:" ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها "(3)، وقد اعتمد المحدثون على تلك القرائن في أحكامهم على الرواة كثيراً، وهذه القرائن في صحة رواية الصغير جمعتها من خلال تتبع تراجم الرواة الثقات الذين وصفوا بالرواية وهم صغار عن بعض شيوخهم، وقد وسمته بـ" قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي"، (1) شرح علل الترمذي لابن رجب 2/674 .) (2) الجرح والتعديل 1/52 .) (3 )النكت على ابن الصلاح2/712 .)

عدد الصفحات ٢

290 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي وهذا البحث في بيان قرائن ترجيح صحة رواية الصغير، يتسم بالوحدة في المضمون، والجدَّة في الموضوع ، فلم يفرد من قبل - فيما أعلم - بالتصنيف. خطة البحث، كالتالي: مقدمة، وثلاثة مباحث، وخاتمة، وكشافات علمية، على التفصيل الآتي: المقدمة: وتشتمل على أسباب اختيار البحث، وأهميته، وخطة البحث، والمنهج العملي فيه، والدراسات السابقة في الموضوع. المبحث الأول: تحمل الصغير للحديث النبوي. المبحث الثاني: قرائن ترجيح صحة رواية الصغير المختصة بحال الراوي ، وفيه ست قرائن: القرينة الأولى: الرواية عن أهل بيت الراوي. القرينة الثانية: الرواية عن الجيران. القرينة الثالثة: طول الملازمة . القرينة الرابعة: قوة الحفظ . القرينة الخامسة: الرغبة في طلب الحديث . القرينة السادسة: البيوت العلمية . المبحث الثالث: قرائن ترجيح صحة رواية الصغير المختصة بحال الم روي، وفيه ست قرائن: القرينة الأولى: قبول الأئمة للرواية. القرينة الثانية: كتابة الحديث، والتحديث من الكتاب . القرينة الثالثة: تكرار الحديث . القرينة الرابعة: قلة الأحاديث . القرينة الخامسة: قلة رجال الإسناد . القرينة السادسة: الوقائع والقصص. الخاتمة: وذكرت فيها أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها. كشاف المصادر.

عدد الصفحات ٣

291 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي وأما منهج البحث وعرض قرائن صحة رواية الصغير، فكانت كالتالي: أولاً: سلكت المنهج الاستقرائي الاستنباطي، حيث: أ- جمعت أغلب تراجم الرواة الذين وصفوا بالرواية وهم صغار في عصر الرواية. ب- جمعت قرائن صحة رواية الصغير من خلال جمع تلك التراجم، واستنباط عناصر صحة الرواية من كل ترجمة، وضم المثال لما يناسبه. ج- ذكرت في كل قرينة بعض أقوال أهل العلم للدلالة على أصل وقوة تلك القرينة . د- ختمت كل قرينة بذكر نموذجين من الرواة الثقات الذين وصفوا بالرواية وهم صغار، مبيناً أثر تلك القرينة في صحة الرواية. ثانياً: بينت معاني الكلمات الغريبة الواردة في ثنايا البحث. ثالثاً: سلكت في الأحاديث الواردة في البحث، الطريقة التالية : 1-إن كان الحديث الصحيحين، أو في أحدهما، اكتفيت بالعزو إليهما. 2-إن لم يكن الحديث فيهما، أو في أحدهما، عزوته إلى مصادره ، مع بيان صحة إسناده أو ضعفه إجمالاً . الدراسات السابقة: لم أعثر – حسب علمي- على دراسة متخصصة في قرائن صحة رواية الصغير للحديث النبوي، وغاية ما كتب في ذلك؛ بعض مباحث كتب علوم الحديث التي تعرضت لمسألة رواية الصغير، وبعض الأبحاث المعاصرة التي ذكرت بعض قرائن الترجيح العامة، مثل: 1- كتب علوم الحديث، مثل: كتاب المحدث الفاصل بن الراوي والواعي للرامهرمزي، وكتاب الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي، وكتاب جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، وغيرها من الكتب. وهذه الكتب جمعت أقوال الأئمة في السن المعتبر لقبول رواية الصغير، ولم تتعرض إلى ذكر قرائن صحة رواية الصغير للحديث النبوي. والبحث استفاد منها في المبحث الأول، في عرض أقوال الأئمة في السن المعتبر لقبول رواية الصغير، واختلف عنها في ذكر رأي أصحاب علم النفس المعاصرين في قدرات الصغير على التذكر لما يسمعه أو يشاهده، واختص هذا البحث عن تلك المصادر بذكر قرائن صحة رواية الصغير للحديث النبوي .

عدد الصفحات ٤

292 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي 2-المنهج العلمي في دراسة الحديث المعل، د. علي الصياح، ذكر فيه خمساً وعشرين قرينة، من قرائن ترجيح الروايات المختلفة. 3-قواعد العلل وقرائن الترجيح، د. عادل الزرقي، ذكر فيه خمساً وعشرين قرينة، من قرائن ترجيح الروايات المختلفة اتفق البحثان مع هذا البحث في ذكر أربع قرائن من حيث العموم، واختلفا في عرض تلك القرائن ومقاصدها، حيث إنهما يذكران القرينة للترجيح بين الروايات المختلفة. وهذا البحث اختص بذكر القرينة للدلالة على صحة رواية الصغير، مع ذكر بعض أقوال أهل العلم في أصل تلك القرينة، ثم ختم القرينة بذكر نموذجين من الرواة الذين تحملوا الحديث وهم صغار، وبيان وجه دلالة تلك القرائن على صحة رواية الصغير بجمع أقوال الأئمة في الراوي الصغير، واستنباط ما يدل على صحة ما رواه في حال الصغر.

عدد الصفحات ٥

293 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي المبحث الأول تحمل الراوي الصغير للحديث النبوي. تحمل الحديث في حال الصغر، رغب فيه أهل الحديث لمن كان لديه القدرة العقلية على الفهم والضبط والحفظ؛ لأن الحفظ في الصغر يثبت في القلب أكثر من ثبوته في مرحلة الكبر؛ لخلو مرحلة الصغر من مشاغل القلب، ومكدرات الوقت، وقد ورد عن الحسن البصري رحمه الله، أنه قال:" طلب الحديث في الصغر ك النقش في الحجر"(4). وقد بدأ تحمل الصغار للحديث في عصر النبوة، فسمع صغار الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم، مثل الحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير ، و عبد الله بن عباس، وعمر بن أبي سلمة، وغيرهم من صغار الصحابة، رضي الله عنهم ، ودواوين السنة النبوية مليئة برواياتهم، وتلقت الأمة حديثهم بالقبول(5)، قال السخاوي(ت902هو ردَّ على القائلين بعدم قبول الصبي بإجماع الأئمة على قبول حديث جماعة من صغار الصحابة ، مما تحملوه في حال الصغر...، من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده "(6). والصغير عند أهل العلم يقصد به الصبي فيما دون سن البلوغ؛ لأن البلوغ مظنة العقل، ومدار التكليف، وإذا ناهز الصبي البلوغ؛ فإنه لا يسمى صغيرا ً (7). وكلام أهل الحديث في بيان أن المقصود بالصغير في تحمل الحديث هو الصبي فيما دون سن البلوغ كثير مشهور، منه قول الخطيب البغدادي(ت463هباب ما جاء في صحة سماع الصغير:" قلَّ من كان يثبت الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريباً منه إلا من جاوز حد البلوغ ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء، ومذاكرتهم، وسؤالهم"(8). (4) الفقيه والمتفقه2/180ح821)، وإسناد الأثر حسن (5) الكفاية في علم الرواية(ص56). (6) فتح المغيث(2/135.) (7 )الكفايـــــــة في علـــــــم الروايـــــــة(ص54)،معرفـــــــة علـــــــوم الحـــــــديث لابـــــــن الصـــــــلاح(ص84)،التوضـــــــيح لشـــــــرح الجـــــــامع الصـــــــحيح(3/394)، فـــــــتح المغيث(2/134.) (8) الكفاية في علم الرواية(ص54.)

عدد الصفحات ٦

294 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي ومنه ما جاء في شرح قول البخاري في صحيحه: باب متى يصح سماع الصغير ؟، قال ابن حجر(ت852ه ومقصود الباب الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطاً في التحمل"(9). فصنيع الخطيب البغدادي وابن حجر واضح العيان في التعبير عن الصغير بما دون سن البلوغ، وقد اختلف العلماء سن البلوغ الذي يخرج به الصبي من مسمى الصغير إلى الكبير، وخلافهم يدور بين سن الخامسة عشر والثامنة عشر، والراجح في الصغير سوي البنية والعقل، أن سن بلوغه هو الخامسة عشر ما لم يحتلم أو ينبت(10)، لما أخرجه الشيخان من حديث نافع، قال: حدثني ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أحد ، وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه ، ثم عرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني. قال نافع : فقدمت على عمر بن عبد العزيز ، وهو خليفة فحدثته هذا الحديث ، فقال: إن هذا لحد بين الصغير والكبير..." (11). وقد نص الأئمة على أحكام رواية الصغير لحديث النبي صلى الله وعليه وسلم؛ لأن روايته في الغالب مظنة لعدم الضبط؛ لما يعلم من نقص القدرات العقلية لدى الصغير، وأقوى برهان على ذلك ترك بعض الرواة التحديث والرواية عن شيوخهم الذين سمعوا منهم وهم صغار مع علو إسنادهم فيهم؛ خشية ألا يكونوا ضبطوا الرواية عنهم، ومن الأمثلة الشهيرة في ذلك: ترك أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة التحديث والرواية عن مشايخه الذين سمع منهم وهو صغير، قال الذهبي(ت748ه:" عني بهذا الشأن في الحداثة، وسمع من إسحاق بن راهويه ، ومحمد بن حميد الرازي ، ولم يحدث عنهما لصغره، ونقص إتقانه إذ ذاك" (12) . وكذلك عبد الله بن أحمد بن جعفر النـَّيْسَاب وري، فإنه ترك التحديث عن ابن خزيمة؛ لسماعه منه في حال الصغر، قال الخطيب البغدادي(ت463ه:" سمع من محمد بن إسحاق بن خزيمة وهو صغير؛ فتورع من الرواية عنه لصغره" (13). (9 )فتح الباري 1/205.) (10) إكمال المعلم6/280.) (11) صــــحيح البخــــاري، كتــــاب الشــــهادات، باب بلــــوغ الصــــبيان وشــــهادتهم (3/948ح2521)، صــــحيح مســــلم، كتــــاب الإمــــارة ، باب بيــــان ســــن البلوغ (3/1490ح1868.) (12) تذكرة الحفاظ 2/720ت734 ) (13) تاريخ بغداد 11/34ت4939 )

عدد الصفحات ٧

295 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي وكذلك عمر بن أحمد بن عَبْد وْيَه العَبْد وْيي، فقد ترك التحديث عن مشايخه الذين سمع منهم وهو صغير، قال الذهبي(ت748ه:" كان أبوه أحمد قد أسمعه في الصبا من الصّبْغي، وحامد الرّفا، فلم يحدث عنهما تورعاً "(14). وقد اختلف أهل العلم في مسألة تحديد سن الصغير الذي يصح به تحمله للحديث النبوي، على ثلاثة أقوال القول الأول: تحديد سن السماع بالتمييز، وقد تفاوتت أقوال العلماء في ضبطه وتعريفه؛ وتنوعت عبارات القائلين به في تحديد علاماته على النحو الآتي: أولاً: فهم الخطاب، ورد الجواب(15). ثانياً: إتقان العدد من واحد إلى عشرين(16) . ثالثاً: التفريق بين البقرة والحمار، وهو قول موسى بن هارون الحمَّال(17). رابعاً: ضبط الإملاء، وهو قول الأوزاعي (18) . القول الثاني: تحديد سن السماع بالعقل والضبط وهذا القول يوافق القول الأول في اشتراط التمييز، وعبروا عنه بالعقل، وأضافوا إليه شرط الضبط، وهو قول الإمام أحمد بن حنبل (19). القول الثالث: تحديد سن السماع بالسن وقد اختلفوا في تحديد سن السماع للصغير على عشرة أقوال، تدور بين أربع سنين، وثلاثين سنة، على النحو الآتي: أولاً : أربع سنين: (14) تذكرة الحفاظ 3/1072ت979 ) (15) فتح الباري 1/208)، فتح المغيث2/143.) (16) تدريب الراوي (1/417.) (17) معرفة علوم الحديث لابن الصلاح(ص85)، تدريب الراوي (1/416.) (18) الكفاية في علم الرواية(ص63 .) (19) الكفاية في علم الرواية(ص61)،معرفة علوم الحديث لابن الصلاح(ص85 .)

عدد الصفحات ٨

296 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي قال الزركشي (ت794ه:" وقد يستشهد لرواية الأربع بما رواه مسلم في الفضائل من ضبط ابن الزبير وهو ابن أربع سنين، وقوله: كنت يوم الخندق أنا وعمر بن أبي سلمة مع النسوة في أ ط م(20) حسان ننظر، فكنت أعرف أبي إذا مرَّ على فرسه في السلاح إلى بني قريظة" (21). ثانياً: خمس سنين، وهو قول الجمهور، لأن ذلك السن مظنة لضبط السماع(22). واستدل القائلون به بحديث محمود بن الربيع رضي الله عنه، قال:" عقلت من الن صلى الله عليه وسلم مجة، مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو" (23) . ثالثاً: ست سن (24). رابعاً: سبع سن (25). خامساً: عشر سنين، وقال به أهل البصرة (26). سادساً: ثلاث عشرة سنة، وهو قول يزيد بن هارون(27). سابعاً: أربع عشرة سنة، وهو قول يحيى بن مع (28). (20 )أطم: بالضم، الحصن المرتفع . النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة(أطم). (21) النكت على ابن الصلاح2/467.) (22) معرفة علوم الحديث لابن الصلاح(ص85)، تدريب الراوي (1/415 .) (23) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغ 1/41ح77 .) (24) تدريب الراوي (1/417.) (25) فتح المغيث(2/143.) (26) معرفة علوم الحديث لابن الصلاح(ص84 .) (27 )الكفاية في علم الرواية(ص54.) (28) المصدر السابق(ص62 .)

عدد الصفحات ٩

297 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي ثامناً: خمس عشرة سنة، وهو قول يحيى بن معين، والإمام أحمد بن حنبل(29). تاسعاً: عشرين سنة، وهو قول أهل الكوفة والمغرب، قالوا: لأنها مجمع العقل(30). عاشراً: ثلاثين سنة، وهو قول أهل الشام(31). وخلاصة القول في ذلك أن التمييز شرط لصحة سماع الصغير، وأصحاب الأقوال ك لهم متفقون على ذلك، وأما التحديد بسن معين، فإن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فإن الصغير فهيم الطبع، قوي الحفظ، يختلف تمييزه وضبطه عن غيره ممن لم يتسم بتلك الصفات. وتحديد صحة سماع الصغير بالسن، على التفصيل التالي: أولاً: أبناء العشرين والثلاثين سنة؛ فهؤلاء في الأصل مميزين ضابطين، وسماعهم وتحملهم صحيح، ولعل القائلين به أرادوا أن يتفرغ قبل ذلك لحفظ القرآن والعبادة ، وليس المقصود بذلك السن دخوله في مسمى الصغير. ثانياً: أبناء خمس عشرة سنة، ودخولهم في مسمى الصغير غير مسلم به؛ لأن هذا سن البلوغ. ثالثاً: أبناء ثلاث عشرة وأربع عشرة سنة، فإن أبناءها قد ناهزوا البلوغ، وصاحبها مميز ضابط. رابعاً: ابن العاشرة، مميز في الغالب، فإن كان فهيم الطبع، قوي الحفظ، فهو ضابط، وكلما ضعفت تلك الصفات أو تناقصت فإن ضبطه يخفُّ حتى يتلاشى. خامساً: أبناء الرابعة والخامسة والسادسة - وهم من يعرفون عند علماء علم النفس المعاصرين بأصحاب مرحلة الطفولة المبكرة (32)- وهؤلاء مميزون غير ضابطين في الغالب؛ لأن قدرتهم على تذكر المعلومات العلمية ضعيف، ومدى ذاكرتهم قصيرة (29) المصدر السابق(ص54.) (30 )الكفاية في علمالرواية(ص54)،معرفة علوم الحديث لابن الصلاح(ص84.) (31 )الكفاية في علم الرواية(ص54)،معرفة علوم الحديث لابن الصلاح(ص84 .) (32 )علم نفس النمو(ص197 .)

عدد الصفحات ١٠

298 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي قريبة، وما وجد من ضبط في رواية الصغير في تلك المرحلة فهو استثناءً عن الأصل(33)،والصغير في هذا السن أضبط للمرئي من المسموع، يقول أستاذ علم نفس النمو الدكتور أحمد الزعبي:" وبشكل عام فإن قدرة أطفال ما قبل المدرسة لتذكر صور الأشياء أفضل من تذكرهم لأسمائها، أي أن ذاكرة الأشكال تتفوق لديهم على ذاكرة الأسماء" (34) . وكلما اقترنت رواية الصغ بقرينة أو أكثر من القرائن الاثنتي عشرة المذكورة لاحقاً في هذا البحث؛ كانت تلك القرائن برهاناً على قوة ضبط الراوي، ودليلاً على صحة التحمل، وحجة على قبول الرواية. (33) المصدر السابق(ص284 .) (34 )النمو الإنساني في الطفولة والمراهقة(ص 120) .

عدد الصفحات ١١

299 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي المبحث الثاني قرائن صحة رواية الصغير المختصة بحال الراوي من خلال تتبع تراجم الرواة الثقات الذين وصفوا بالرواية وهم صغار عن بعض شيوخهم، أمكن الوقوف على ست قرائن مختصة بحال الراوي، وترتيب هذه القرائن حسب القوة في رواية الصغير دون غيره، وهي على النحو التالي: القرينة الأولى: الرواية عن أهل بيت الراوي. رواية الأبناء عن أهل بيتهم لها مزية في الإسناد من حيث الثبوت والرجحان، وقد عني الأئمة بهذه القرينة وقيدوها ، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب علوم الحديث إلا وفيه مبحث عن رواية الأبناء عن الآباء، وخصها بعض الأئمة بمصنف خاص، من أشهرها: كتاب من روى عن أبيه عن جده لقاسم بن قطلوبغا (35)، وهذه العناية الخاصة منالأئمة برواية الراوي عن أهل بيته؛ لأنه يتوافر بها من دواعي رواية الحديث وضبطه ما لم يتوافر في غيرها من الروايات، وذلك بسبب حرص المحدث على إفادة الأبناء والأحفاد، ولكثرة مجالسة الأبناء لأهل بيتهم بصفة مستمرة صباحاً ومساءً؛ مما يهيئ لهم سماع الحديث الواحد مر ات عدة، فيسهل عليهم حفظ الحديث وضبطه، قال ابن حجر في سياق شرحه حديث أبي موسى الأشعري في بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً وأبا موسى إلى اليمن:" وذلك: أن البخاري أخرج هذا الحديث من طرق منها عن أبي بردة عن أبي موسى، فاعتمد أن أبا بردة حمله عن أبيه، وترجح ذلك عنده بقرينة كونها تختص بأبيه، فدواعيه متوفرة على حملها عنه"(36)، واختصاص الأبناء بضبط رواية الآباء يتضح جلياً فيما ذكره الذهبي في ترجمة إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، قال:" ليس هو في التثبت كسفيان وشعبة، ولعله يقاربهما في حديث جده، فإنه لاز مه صباحاً ومساءً عشرة أعوام"(37)، ورواية الابن عن أهل بيته هي إحدى القرائن التي ذكرها الأئمة للترجيح بين الروايات المختلفة، فمن روى عن أهل بيته فروايته أقوى وأضبط من رواية غيره عنهم، ولذلك اعتمد المحدثون على ترجيح رواية الأبناء عن أهل بيتهم على روايات (35) مطبوع، بتحقيق: د باسم الجوابرة، ط 1، الكويت: مكتبة المع1409ه (36 )هدي الساري(ص 390.) (37) سير أعلام النبلاء7/355ت133.)

عدد الصفحات ١٢

300 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي غيرهم، قال ابن حجر في سياق ترجيح رواية الأبناء:" ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم" (38)، وقال الدكتور علي الصياح في حديثه عن قرائن الترجيح بين الأحاديث:" والأئمة يصرحون أحياناً بهذه القرائن والطرق، وأحياناً تفهم وتستنبط من صنيعهم؛ فمن تلك الطرق والقرائن:... رو اية الراوي عن أهل بيته" (39)، وقال الدكتور عادل الزرقي في حديثه عن تلك القرائن:" رواية الراوي عن أهل بيته، وبيان ذلك أن الإنسان أعلم بأهل بيته – غالباً - فإذا روى راو حديثاً عن رجل من أهل بيته، وخالفه آخر فيه، فإن الأول أرجح من حيث هذه القرينة" (40)، ومن قوة هذه القرينة قبول بعض الأئمة لرواية الابن عن أبيه وإن لم يثبت بينهما سماع، قال ابن رجب (ت795ه:" أبو عبيدة- يعني ابن عبد الله بن مسعود-لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه أخذها عن أهل بيته، فهي صحيحة عندهم"(41)، ومن رواة الأحاديث الذين رووا عن أهل بيتهم في وقتمبكر من حياتهم، وصحح الأئمة تلك الرواية بسبب تلك القرينة : حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، وثقه العجلي، وأبو زرعة الرازي، وابن حجر (42)، قال الذهبي(ت748ه:" سمع من خاله عثمان وهو صغير"(43)، وقوى ابن سعد حديثه عن خاله بقرينة روايته عن أهل بيته، وما يتوافر بها من دواعي رواية الحديث وضبطه، فقال:" وكان ثقة، عالماً، كثير الحديث، ولعله قد سمع من عثمان لأنه كان خاله، وكان يدخل عليه كما يدخل عليه ولده صغيراً وكبيراً"(44)، وكذلك من الرواة الذين رووا عن أهل بيتهم في وقت مبكر من حياتهم، وقوى الأئمة روايتهم بتلك القرينة : علي بن جعفر بن م سافر بن راشد الهذلي التـَّنْيسي، قال مسلمة بن قاسم(ت353ه:" لا بأس به، كتبت عنه وهو صغير في أبيه، وأهل بلده يضعفونه فيه"(45)، وقوى (38) النكت على ابن الصلاح2/606.) (39 )المنهج العلمي في دراسة الحديث المعل، د علي الصياح (ص 57). (40 )قواعد العلل وقرائن الترجيح، د عادل الزرقي(ص 86 .) (41) فتح الباري 8/350.) (42) الجرح والتعديل 3/225ت989)، معرفة الثقات للعجلي(1/324ت365)، تقريب التهذيب(ت 1561 .) (43) الع1/84 .) (44) الطبقات الكبرى(7/152ت1517 .) (45 )الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة(2/300ت1373) .

عدد الصفحات ١٣

301 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي الذهبي حديثه، وصحح سماعه بقرينة روايته عن أبيه، وما يتوافر بها من أسباب حفظ الحديث وضبطه، فقال:" روى عن أبيه، وكان صحيح السماع" (46). القرينة الثانية: الرواية عن الجيران. الرواية عن الجيران هي إحدى وسائل الرواية من حيث سهولة الجلوس في مجالس الرواية والتحديث، وهي تأتي في مرحلة بعد الرواية عن أهل بيت الراوي، فإن القاسم المشترك بينهما هو كثرة الجلوس مع الشيخ في مجالس التحديث، وكثرة الدخول على الشيخ في مجالسه الخاصة والعامة، فالجوار في الدار مظنة للإكثار من الرواية عن الجار، قال الذهبي في ترجمة قاسم بن محمد بن عَسْل ون القرطبي:" أكثر عن خالد بن سعد، وكان جاراً له"(47)، وقال الواقدي في ترجمة ب كَيرْ بن عبد الله بن الأشج:" وكان يكون كثيراً بالثغر، وقلّ ما روى عنه من أهل المدينة إلا ابنه مخرمة، والضحاك بن عثمان؛ وذلك أنه كان جاراً له"(48)، والرواية عن الجيران هي إحدى قرائن ترجيح صحة الرواية وضبطها، قال الدكتور عمر إيمان أبو بكر في دراسة إسناد حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال:" مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا ف يه، وأثنوا عليه"(49)، قال الدكتور :" الحديث بهذا السند فيه طلحة بن نافع؛ وهو في نفسه صدوق، وروايته عن جابر، قال بعضهم: إنما هي صحيفة، ولكن ثبت أنه كان جاره بمكة ستة أشهر، وعلى هذا فالحديث حسن، والله أعلم" (50). (46) تاريخ الإسلام 7/525ت299 .) (47) المصدر السابق(8/768ت196.) (48 )الطبقات الكبرى- متمم التابعين-(ت208.) (49) أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع في مسنديهما، قالوا حدثنا: يزيـد بـن هـارون، حـدثنا العـوام بـن حوشـب، حـدثني طلحـة بـن نافع أبو سفيان، عن جابر رضي الله عنهما. المطالب العالية( 12/536ح2993). وأخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده، قال: حدثنا أبو خيثمة به بمثله 4/150ح2215.) والحديث إسناده حسن لحال طلحة بن نافع (50) المصدر السابق12/536ح2993).

عدد الصفحات ١٤

302 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م د. صالح بن نمران بن ناصر الحارثي ومن الرواة الذين ظفروا بالسماع والرواية عن جيرانهم في وقت مبكر من حياتهم: إِسحاق بن إبراهيم بن عباد الصنعاني الدَّبَري، أثنى عليه الأئمة في حديثه، فعدله مسلمة بن القاسم، والدارقطني، والحاكم، والذهبي (51)، سمع وهو صغمصنفات جاره وشيخه عبد الرزاق بن همام الصنعاني، قال ابن عدي (ت365ه:" أحضره أبوه عنده وهو صغير جداً، فكان يقول: قرأنا على عبد الرزاق، قرأ غيره، وحضر صغيراً" (52)، وكان الدَّبَري جاراً لشيخه عبد الرزاق بن همام في الديار، مما كان سبباً كثرة جلوسه إليه، وحضوره مجالس تحديثه في المسجد والبيت، مما أعطى للدَّبَري فرصة في رواية مصنفات شيخه وضبطها، مما جعل الأئمة يحتجون بسماعه لمصنف عبد الرزاق لتلك القرينة، قال الدَّبَري (ت285ه: "كان عبد الرزاق مواظباً على الخضاب، وأراه كان يجدد الخضاب كل جمعة، لأني لم أر في شعره بياضاً، وكان منزلنا ومنزله واحداً في قرية واحدة، قيل له: فما كان حال الجماعة عنده؟ ثم قال: قليل، ما أعلم أني رأيت عنده عشرين رجلاً" (53)، وكذلك من الرواة الذين سمعوا من جيرانهم في وقت مبكر من حياتهم : هشام بن حسان الأزدي الق رْد وسي البصري ، وثقه ابن معين، والعجلي (54)، قال الذهبي(ت748ه:" قد قفز القنطرة، واستقر توثيقه، واحتج به أصحاب الصحاح، وله أوهام مغمورة في سعة ما روى" (55)، وقال نعيم بن حماد، سمعت ابن عيينة يقول:" لقد أتى هشام عظيماً بروايته عن الحسن" قيل لنعيم: لمَ، قال: إنه كان صغيراً"(56). قال هشام بن حسان(ت148ه:" جاورت الحسن، أو قال: جالست الحسن عشر سنين" (57). (51 )ســـؤالات الحـــاكم للـــدارقطني(ت 62)،ســـير أعـــلام النـــبلاء(13/416ت203)، تاريـــخ الإســـلام (6/714ت135)، الثقـــات ممـــن لم يقـــع الكتب الستة(2/300ت1373 .) (52 )الكامل في ضعفاء الرجال 1/560ت177.) (53 )إكمال تهذيب الكمال(8/266ت3291.) (54) تاريخ ابن معين رواية الدارمي(ت 846)، معرفة الثقات للعجلي(2/328ت1897.) (55) سير أعلام النبلاء6/355ت154 .) (56) الجرح والتعديل 9/54ت229 .) (57) تاريخ ابن معين رواية الدوري 4/219ت4051)، الجرح والتعديل 9/54ت229 .)

عدد الصفحات ١٥

303 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، المجلد (13)، العدد1)، ص ص288- 353( محرم 1441هـ / سبتم2019م قرائن ترجيح صحة رواية الصغير للحديث النبوي فقد روى هشام بن حسان عن شيخه الحسن البصري وهو صغير، إلا أن سماعه في حال الصغر لم يقدح في روايته بسبب مجاورته لشيخه، فقد تجاورا عشر سنين، وهذه المجاورة هيأت لهشام رواية حديث شيخه وضبطه، مما جعل الأئمة يحتجون بروايته عنه. القرينة الثالثة: طول الملازمة. الملازمة يقصد بها مكث الراوي مع شيخه، وعدم الانفكاك عنه مدة من الزمن (58)، وقد اهتم رواة الحديث بملازمة شيوخهم مما كان له كبير الأثر على ضبط حديثهم وصحته، فكان بعض المحدثين يصحب شيخه سنوات عديدة، يلازمه حضراً، ويزامله سفراً، وقد اعتنى المحدثون بمسألة الملازمة، وجعلوها إحدى قرائن الترجيح بين روايات الأحاديث المختلفة، فقد نهج الحازمي وابن رجب وغيرهما من نقاد الحديث منهجاً في معرفة مراتب الرواة، فجعلوا لكل محدث مكثر خمس طبقات أو أكثر من الرواة، وجعلوا طول الملازمة وقصرها، ووجودها أو عدمها، أحد الضوابط في تقسيم الرواة على الطبقات، فج علوا الطبقة الأولى من جمعت بين العدالة والضبط مع طول الملازمة، والثانية مثل الأولى ولكنها أقل منها في طول الملازمة (59)، قال الدكتور همام سعيد:" أعطى المحدثون طول ملازمة الشيخ، وممارسة حديثه أهمية كبيرة، فرجحوا - من أجل ذلك – أسانيد كثيرة على أخرى، وأعانتهم معرفتهم بالصحبة والممارسة على تمييز كثير من الأوهام والعلل" (60)، والملازمة تعطي للراوي فرصة في سماع حديث شيخه وضبطه؛ فيسهل عليه سماع حديث شيخه مرات متكررة، مما يساعده على حفظه وضبطه، قال أحمد بن صالح المصري (ت248ه:" سمعت أحاديث يونس عن الزهري، فوجدت الحديث الواحد ربما سمعه من الزهري مراراً، وكان الزهري إذا قدم أيلة نزل على يونس، وإذا سار إلى المدينة زامله يونس" (61). وطول ملازمة الراوي لشيخه هي إحدى القرائن التي يمكن الاستدلال بها على صحة رواية الصغير، وهذه القرينة جلية الاستدلال في ضبط حديث الراوي وحفظه، فإن الراوي الصغير إذا سمع الحديث من شيخه قد يضبطه في المرة الأولى أو الثانية (58) الملازمة وأثرها على الراوي والمروي، محمود رشيد(ص 131 .) (59) شروط الأئمة الخمسة، الحازمي(ص 151)، شرح علل الترمذي لابن رجب 2/613 .) (60) مقدمة شرح علل الترمذي لابن رجب 1/113 .) (61) تاريخ ابن معين رواية الدارمي(ت 24.)

عدد الصفحات ١٦