المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مرافئ وشرفات – بحث دائب عن الإبداع والتميز والرقي مجموعة مقالات

علي صالح طمبل

صفحة ٩ من ١٢

مرافئ وشرفات 129 في دينهم ودنياهم.. تعني تكثير الردود والتعليقات على المواقع المفيدة النافعة، كما تع المطالبة بإغلاق المواقع الإباحية، والتبليغ عن الصور الخليعة والممارسات التي تخدش الِياء. د نجد أن المواقع الإسلامية العربية هي الأقل من حيث التفاعل للأسف الشدي الإيجابي إذا ما قورنت بغيرها، وما ذلك إلا للسلبية الموغلة التي تلجم الكثيرين عن التعاطي الإيجابي مع المنشور في الإنترنت، بالرغم من قراءتهم له واطلاعهم على محتواه؛ إذ تجد ، هذا تعليقاً معمماً في الغالب ، ولا يعلق عليه إلا القليلونالموضوع الواحد يدخله الآلاف إن لم يبق دون تعليق! وهكذا يعجز البعض عن الدعاء بالخير، أو حتى عن قول كلمة (مشكور) كحد أدنى، و(لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناس) (1)، كما يعجزون عن قول (اتق الله) كما أسلفنا. أكثر التفاعل في الإنترنت منصب على المواقع الفارغة من ومما يحزُّ في النفس أن التي تعرض الصور الخليعة ومقاطع الفيديو الفاضحة والموضوعات المحتوى، والمواقع الإباحية ، في الوقت الذي تعاني فيه المواقع المفيدة النافعة من الإهمال والتجاهل، كيف لا التافهة ! وما هذا إلا لبعد الكثيرين عن استشعار القيم ؟لةومرتادوها غارقون في سلبيتهم الخام د وجل والمبادئ الإسلامية، واستصحابها في تعاطيهم مع الإنترنت! فـ(عجبت لعجز الثقة الفاجر). إن الإيجابية في الإنترنت تعني مزيداً من العطاء النافع المثمر الذي يرسخ للمعروف د الباطل، وانتشار المنكر في ظل الغفلة والتجاهل، ويقلل من المنكر، بينما تعني السلبية تمد وصمت أهل الخير! )1) [ أحمد والبخاري في الأدب المفرد ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٣٠

مرافئ وشرفات 130 حتى لا تسود الغثائية في إعلامنا الأحداث المتتالية في الدول العربية التي شهدت تحولات كبيرة في مشهدها السياسي أثبتت الدور المتعاظم للإعلام في توجيه الرأي العام وتغيير المفاهيم. تعلمنا في الصحافة أنْ ليس هنالك وجود لما يسمى بالإعلام المحايد، فالخبر الواحد يصا حسب توجه كاتبه أو السياسة التحريرية ل لجهة التي يتبع لها، على سبيل المثال قد تجد خبراً مفاده: (لقي ثلاثة من جنود الكيان الصهيوني مصرعهم نتيجة لهجمات قام بها استشهاديون من جنو د المقاومة الفلسطينية)، وقد تجد ذات الخبر يُصا بطريقة أخرى: (لقي ثلاثة من الجنود الإسرائليين مصرعهم نتيجة لهجمات قام بها انتحاريون فلسطينيون). ليس هناك إعلام محايد بالفعل، بل ليس هنالك إعلام مستقل أو حرٌّ بالمعنى المطلق، فكل إعلام لديه أهداف وخطوط حمراء لا يمكنه تجاوزها، ولديه عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية تحد من استقلاليته الكاملة وحريته التامة. الإعلام بلا شك سلاح في غاية الخطورة، يمكن استخدامه في البناء أو الهدم، والإعلام الموضوعي الهادف - في رأيي - هو الذي ينطلق من منهج واضح، وفكر ثاقب، وأهداف محددة؛ فيدلو بدلوه في بناء الأمم وتطويرها، وينقل صورة موضوعية للأوضاع الراهنة، مسهماً في تقديم حلول لها؛ وفي ذات الوقت يعكس رؤى وآمالاً لما يجب أن يكون عليه المستقبل؛ باختصار: هو الذي يساهم في نهضة المجتمع، وليس الذي يجاري المجتمع، ويقدم كل ما يطلبه، دون تمحيص وانتقاء، محاولاً إرضاء الناس، ومن أرضى الناس في سخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، كما في الِديث. أما الإعلام الهدام فهو إعلام ينطلق من مصلحته الخاصة، إعلام بلا مبدأ ولا منهج راسخ، لا يعدو أن يكون بُوقاً يجري خلف كل داعم وناعق، ودوننا تجربة بعض

عدد الصفحات ١٣١

مرافئ وشرفات 131 هزة الإعلامية المصرية التي تحوَّل كثير منها في منهجه الأج 180 درجة، فأصبح من كان يثني عليهم من منسوبي نظام مبارك بالأمس هم أعداء اليوم! ما أردت أن ألفت إليه الانتباه هو أهمية العناية بإعلامنا وتطويره، بما يشمل ذلك ل، وتوجيه الإعلام نحو إصلاح من تدريب وتأهيل للإعلاميين، وتوفير لمعينات العم المجتمع، وترسيخ القيم الفاضلة، ومحاربة الفساد والظواهر السالبة، علاوة على تقويم الإعلام، ومحاربة الاتجاهات النفعية فيه، وإبعاده عن الابتذال والإثارة الرخيصة، ودعمه وال.بحيث لا يتعرض لضغوط من قبل الشركات المعلنة، وغيرها من أصحاب الأم ن واقع الإعلام في بلادنا وغيرها من البلاد العربية والإسلامية إويؤسفني القول محزن، ويبعث على الاستياء، فمن النادر أن تجد إعلاماً إصلاحياً هادفاً ينطلق من ثوابت واضحة وقواعد راسخة مستمدة من ديننا الِنيف؛ فالإعلام الهادف في بلادنا يتعثر في ويصطدم بمفاهيم المانحين القاصرة على بناء المساجد والمدارس وحفر الآبار عوائق التمويل، والإغاثة الطبية والغذائية، تلك المفاهيم التي ما زالت حتى الآن ترى - بالرغم من دور الإعلام المتعاظم في توجيه الرأي العام العالمي - أن إنشاء صحيفة أو قناة فضائية ضرب من الترف والرفاهية، مع أن نفع الإعلام متعدٍّ، قد يؤثر على ملايين البشر ! وفي مقابل غياب الإعلام الهادف يسود إعلام المصالح، إعلام الغثائية والزبد الذي يذهب جُفاءً، الإعلام الذي يعمد إلى جذب الناس بكل الوسائل المشروعة وغير نشر للهو والمجون، ، ومناء مبني على قلة التثبت من الخبرالمشروعة، من كذب وافتر وابتذال لصور النساء المتبرجات، بل والعاريات، على نحو ما نشاهد في كثير من القنوات الفضائية والصحف والمجلات التافهة وصفحات الإنترنت المبتذلة، ومن إدخال الخرافات والمخالفات العقدية، كإتاحة الفرصة للدجالين والمشعوذين، ونشر أبراج الِظ، وما بهها، مما يقدح في عقيدة الأمة، ويهز ثوابتها.شا ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٣٢

مرافئ وشرفات 132 إننا بحاجة إلى تشجيع الإعلام الهادف بالوسائل المتاحة كافة، لنبني إعلاماً بديلاً لكثير من الغثاء الذي يملأ الفضائيات والإذاعات وصفحات الصحف والمجلات والإنترنت؛ بحاجة ماسة لإيجاد تجارب جديدة للإعلام المسؤول، وتدعي م التجارب القائمة من الإعلام البنَّاء؛ حتى تقوى على منافسة هذه الغثائية التي آذت أسماعنا وأبصارنا، وأصابت قلوبنا ومشاعرنا بالغثيان!

عدد الصفحات ١٣٣

مرافئ وشرفات 133 الصحافة السودانية: إلى أين؟ صحف تنسلخ من صحف، وصحف تخرج من عباءة صحف، وصحف تعلن مسم ى؛ مشهد أقل ما يوصف به أنه توقفها وإفلاسها، وصحف تُغلَق إلى أجل غير مشهد مضطرب تسوده الفوضى، وتكاد تنعدم فيه الرؤية من فرط الضباب! الصحافة السودانية ذات التاريخ العريق والإرث المديد تقف اليوم في منعطف محيرِّ، وتنتابها حالة أقرب ما تكون إلى الفوضى، فهي تضطرب وتترنح، في حالة مرَضيَّة فضي بها إلى غرفة الإنعاش، تلك الِالة المرَضيَّة التي تتجلى في أربعة أعراض: توشك أن ت التقليد، والإسفاف، والضعف، والفوضى. أن تجد ويتجلى التقليد في استنساخ الصحف لذات التجارب بحذافيرها، وقلَّ صحيفة متميزة من حيث أسلوب الطرح واللغة الصحفية والإخراج الفني، ولو جئت من أغلب الصحف، وقصصت شريط العنوان، ثم عرضتها على قارئ متابع لما بصفحة استطاع التفريق بينها! وكثير من الصحف السودانية تعاني من الإسفاف في المحتوى؛ إذ تغلب عليها الإثارة المفتعلة -والرخيصة أحياناً -فتحاول جذب أكبر عدد من القراء عن طريق لمحتوى الهابط، دون مراعاة للضوابط الشرعية والمعايير المهنية!الموضوعات الانصرافية ذات ا كما تعاني صحف عدة من ضعف الأداء المهني؛ لقلة تأهيل كثير من منسوبيها، وينعكس ذلك سلباً على الموضوعات المطروحة عبرها، من حيث العمق والفائدة والمهنية سوى موضوع أو موضوعين، بينما ، فالقارئ قد يشتري صحيفة فلا يشده فيهاوالمصداقية يكتفي بقراءة العناوين الرئيسية في معظم الموضوعات، حتى عزف الكثيرون عن قراءة الصحف؛ باعتبارها لا تضيف كثيراً إلى وعي الفرد ومعرفته! ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٣٤

مرافئ وشرفات 134 وتتضح الفوضى في كثرة عدد الصحف الذي حقق ارتفاعاً كمياً لم يصحبه ارتفاع كيفي، بل على العكس كان ال توسع الكمي على حساب جودة المحتوى وعمق المضمون؛ حتى صارت الصحف تتساقط، وتعلن إفلاسها وتوقفها بذات السرعة التي بدأت بها، حتى قال بعضهم معلِّقاً: (ينبغي أن تحدِّد الصحيفة مع مواعيد صدورها المواعيد التي ستتوقف فيها!)، ولو جمُعت هذه الصحف التي بلغ عددها عام 2012م59 صحيفة، منها 38 صحيفة سياسية، و 11 رياضية، و 17 اجتماعية، لو جمُعت جميعاً في بضع صحف لكان أجدى من حيث ضمان استمراريتها، وتطوير أدائها، وترشيد منصرفاتها، وتوفير وضع أفضل كرامة لمنسوبيها. وأذكر أننا حين جلسنا لامتحانات القيد الصحفي عام 2004م قال لي صحفي جلس لذات الامتحان ات: (مشكلتي الوحيدة هي مادة اللغة العربية!) ولا أدري ماذا تبقت له من مشكلات إذا كانت مشكلته الوحيدة اللغة التي يتواصل بها مع القراء، مع العلم بأنه صحفي يعمل بالصحافة منذ عدة سنوات! ولا عجب؛ فالمستوى اللغوي الركيك الذي تظهر به كثير من الصحف هو نتيجة حتمية لالتحاق أمثال هؤلاء بها. والمتتبع لامتحانات القيد الصحفي يجد تدنياً ملحوظاً في نسب النجاح التي لا تتجاوز في أغلب الأحيان بضعاً وثلاثين في المائة (في عام 2011م مثلاً بلغت نسبة النجاح في القيد الصحفي %37 فقط)، وهذه النسب المتدنية التي يحرزها الجالسون للامتحان تشكل برهاناً على تعدي الكثيرين على هذه المهنة، ممن لا يملكون الموهبة ولا المؤهل الأكاديمي، فالتحقوا بالصحافة حين لم يجدوا مجالاً آخر يؤهلهم إليه تحصيلُهم الأكاديمي المتدني، أو اضطروا إليها حين أَ وصدت المهن الأخرى أبوابها في وجوههم، والدليل على ذلك أن نسبة نجاح الجالسين لامتحان القيد الصحفي من الكليات غير الإعلامية عام 2011م بلغت 58%، مقارنة بنجاح طلاب الإعلام الذين لم تتجاوز نسبة نجاحهم 36% كما ذكرنا ؛ مما يدلل على أن كثيراً من الصحفيين يلتحقون يهذه

عدد الصفحات ١٣٥

مرافئ وشرفات 135 المهنة دون رغبة منهم، والواقع يؤكد أن كثيراً من الصحفيين الذين برزوا اليوم ليسوا من خريجي كليات الإعلام. وفي رأيي أنه لكي تخرج الصحافة السودانية من سردابها المظلم لا بد للقائمين ة، فالصحيفة لا بد أن على أمرها من وضع ضوابط لإصدار الصحف والالتحاق بالمهن تستوفي الشروط المهنية حتى تصدر، كما أن الصحفي لا بد أن يحقق الِد الأدنى من التأهيل الذي يتيح له مزاولة المهنة، ويجب ألا تصدر الصحيفة ما لم تتوفر لها الإمكانات أن يتطور المادية الكافية للصدور؛ فإنتاج الإعلام القوي يحتاج إلى مال؛ ولا يمكن للإعلام الوسائل والمعينات اللازمة.يأ له ويثبت وجوده ما لم تهُ وحبذا لو حددت الجهات المسؤولة حداً أدنى للأجور بالنسبة للصحفيين يكفل لهم الِياة الكريمة، ويجعل مهنة الصحافة مهنة جاذبة؛ حتى يلتحق الطلاب بكليات الإعلام عن رغبة، ويختار الذين يلتحقون بمهنة الصحافة هذا المجال عن قناعة، لا كما هو حافة الِال، حيث لا يلجأ للعمل بالص- في أغلب الأحيان -إلا من اضطر إليها حين لم يجد مجالاً آخر يلتحق به! لو نجحنا في تحقيق تلك الإجراءات، فسيلتحق بالصحافة المتفوقون والموهبون الراغبون بها فعلاً؛ ويرتفع مستوى الصحف ارتفاعاً نوعياً؛ فتكون المحصلة تطوير المهنة حافة تضطلع بدورها في نهضة الأمة وبناء المجتمع.والرقي بها إلى آفاق تجعل الص ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٣٦

مرافئ وشرفات 136 معهد اللغة العربية للناطقين بها إن النَّ اظر في حال اللغة العربية اليوم يوقن أن هذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، وشكلت وعاء لثقافة الأمة وسمة من سمات وجودها وكينونتها في طريقها إلى التهافت والتميع، إن لم نقل الزوال والتلاشي. حين ترثي اللغة نفسها: المعروف أن اللغة تشكل أحد أكبر مكونات الثقافة- إن لم تكن أكبرها - وملمحاً أساسياً من ملامح الهوية، ولكن التراجع الذي تشهده اللغة العربية على مستوياتها كافة، سواء كان على مستوى المؤسسات التعليمية، أو أجهزة الإعلام، أو الإنترنت، يستدعي اتخاذ إجراءات وتحوطات تعيد للغة هيبتها، وللأمة هويتها وثقافتها. ولا أجد وصفاً أبلغ لِال اللغة العربية اليوم من أبيات الشاعر حافظ إبراهيم: رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابح وليتَني وَلَدتُ ولمَّا لم أجحدْ لعرائسي وسحعتُ كحتابَ اللهح لَفظاً وغايةً فكيف أضحيقُ اليومَ عن وَصفح آلةٍ عَقحمتُ فلم أجزَعْ لقَولح عحداتي رحجالاً وأَكفاءً وَأَدْتُ بناتيح وما ضحقْتُ عن آيٍ به وعحظاتح وتـَنْسحيقح أسماءٍ لمُخْترَعاتح لغة التعليم: تراجع اللغة العربية تشهد له المناهج التي تُدرَّس في مؤسساتنا التعليمية، فهذه المناهج تعاني من التخبط والتعقيد وغياب الأهداف الواضحة، كما أنها لم تتجاوز الوسائل التقليدية في التدريس، متغاضية عن استصحاب الوسائل الِديثة التي تجعل من عملية التعلُّ م عملية تفاعلية جاذبة، يشارك فيها المعلم والمتعلم على السواء، لا مجرد عملية تلقينية، تُشعر المتعلم بصعوبة اللغة، ومشقة التعاطي معها.

عدد الصفحات ١٣٧

مرافئ وشرفات 137 وفي مقابل تراجع مستويات الطلاب في مادة اللغة العربية في المدارس، نجد ازدياداً في إقبال أولياء الأمور على إلِاق أبنائهم بالمدارس الإنجليزية، بينما تشهد الجامعات زهداً ية كمادة للتخصص إذا قورنت باللغات الأخرى التي تجد سوقاً في اختيار اللغة العرب رائجة. لغة الإعلام: تشهد لغة الإعلام اليوم -سواء كان مقروءاً أو مسموعاً أو مرئياً -بما وصلت إليه اللغة العربية من تراجع وانحطاط، فالأجهزة الإعلامية تعج بالأخطاء النحوية والإملائية إلى أخطاء الأسلوب والصياغة؛ مما يعني انصراف هذه الأجهزة عن والمطبعية، إضافة ز الأجهزة الإعلامية الاهتمام بمستوى اللغة العربية الذي كان من أهم السمات التي تميِّ الرصينة. والواقع الإعلامي اليوم يوميء بوضوح إلى غياب دور التأهيل والتطوير لمقدرات لم يعد شرطاً أساسياً ة، ويوضح أن إجادة اللغة العربيةالإعلاميين في مجال اللغة العربي للمتقدمين لشغل الوظائف الإعلامية. ر على قطاعات واسعة في المجتمع، فإن واقعها وما دامت الأجهزة الإعلامية تؤثِّ يؤكد ما ذهبنا إليه من التراجع العام في مستويات اللغة العربية. لغة الإنترنت: المتداولة في كثير من مواقع الإنترنت والمنتديات وغرف الِوار، يجد المتأمل في اللغة إما تمييعاً للغة العربية، أو محاولة لإيجاد لغة بديلة لها. فمع ما يعج به الإنترنت من أخطاء لغوية يصعب حصرها وضبطها -لما يتمتع به من حرية في النشر والتعبير لا توجد في أجهزة الإعلام -اماً مفرطاً للغة نجد استخد الدارجة، مما يجعل التواصل أمراً عسيراً بين منسوبي الدول العربية الذين تعتبر اللغة الفصيحة لغة التواصل بينهم؛ مما يفضي إلى خلق لغة موغلة في المحلية. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٣٨

مرافئ وشرفات 138 كما تطفو على السطح لغة جديدة- خاصة في مواقع الِوار - تستعيض عن حروف اللغة العربية بالأرقا م والرموز الإنجليزية؛ وهذا يعني إضعاف التواصل مع اللغة العربية وتنصلاً من الاعتداد بها. الدول المتقدمة واللغات: ما من دولة متقدمة إلا وهي تعتزُّ بلغتها، وتعمل على المحافظة عليها وتطويرها لتواكب مستجدات العلوم ومستلزمات العصر، كما تصرُّ على التدريس بلغتها في مدارسها وجامعاتها؛ وتنشط في المقابل في ترجمة ما استجدَّ من العلوم والآداب، وتُ نفق الأموال الطائلة لتعليم هذه اللغة للشعوب الأخرى؛ لأن تعلم لغتها يعني التأثر بثقافتها، والتعاطف مع توجهاتها، وفتح الأسواق لسلعها ومنتجاتها. بل إنَّ بعض هذه الدول يلزم أصحاب ا لشركات والمحلات التجارية بكتابة اللافتات بلغتها الرسمية، لا كما نجد في بلادنا من خلو لافتات بعض المؤسسات والمحلات التجارية من اللغة العربية. وفي بعض هذه الدول لا يجيبك المواطنُ إذا تحدثت إليه بلغة أجنبية، رغم علمه بها، أما في بلادنا فنجد من يجاري الآخرين في لغتهم، وإذا تحدث بالعربية فَاخَرَ بإدخال كلمات أجنبية وسطها، حتى وإن لم يستدعها السياق، ولم يتطلبها التوضيح! الاستلاب الثقافي والتبعية للآخر: في مقابل اعتزاز الشعوب الأخرى بلغتها ومحافظتها عليها وسعيها إلى تطويرها، نجد عزوفاً عن تعلُّ م اللغة العربية من الناطقين بها، وإقبالاً على تعلُّ م اللغات الأخرى، ليس لتُتَّ خذ وسيلة للعلم والمعرفة، ولكن باعتبارها غاية في حد ذاتها. وهنا يبرز دور الاستلاب الثقافي والتبعية للآخر الناجمين عن إحساس بالدونية وفقدان للهوية. ولعل أكبر مظاهر الاستلاب والتبعية: الإقبال على تعلُّ م العلوم بلغات أجنبية، على نحو ما نجده في كثير من الجامعات والمدارس في بلادنا؛ إذ أن هناك فرقاً بين تعلم

عدد الصفحات ١٣٩

مرافئ وشرفات 139 م العلوم بلغة اللغات الأخرى كوعاء للتعرف على ثقافة الآخرين والتواصل معهم، وبين تعل الأم ويمسخ الهوية!أجنبية؛ فالأول يضيف إلى اللغة الأم والهوية، والثاني يضعف اللغة مجهود رسمي وشعبي: هناك جامعات أثبتت نجاحها على مستوى العالم، ونافس طلابها غيرهم في التميز الأكاديمي، بالرغم من تدريسها للعلوم باللغة العربية؛ وهذا يؤكد أن العيب لا يكمن في اللغة بقدر ما يكمن في التعاطي معها. والعلاج –في رأينا -بذل مجهود رسمي وشعبي للمحافظة على اللغة، يكمن في وتطويرها، وتعزيز ثقة المواطن بها، باعتبارها من أكثر اللغات ثراءً وسعة؛ وذلك بإنشاء معاهد ومراكز بحثية وتدريبية لتقوية مهارات التخاطب والكتابة باللغة العربية تستهدف يز دور المجامع اللغوية، ودعمها حتى الإعلاميين والموظفين والطلاب وغيرهم، إضافة إلى تعز ر اللغة وتجعلها مواكبة للمستجدات العصرية، فضلاً عن دعم مراكز الترجمة لتضطلع تطوِّ بدورها في ترجمة العلوم والمعارف والآداب المفيدة إلى اللغة العربية. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٤٠

مرافئ وشرفات 140 حين ترثي اللغةنفسها..!! قال لي أحدهم متفلسفاً ومتحذلقاً: - دايرك تعمل لي تصحيح لَغوي (بفتح التاء). فأجبته مبتسماً: - ياخي كلمة لَ غوي دي ذاتها محتاجة لتصحيح؛ لأن الصحيح لُغوي (بضم اللام) وليس (لَغوي) بفتحها. ولكن كبريائي في ذلك اليوم اهتز حين التقيت بأحد المتخصصين في اللغة العربية (دكتوراة في اللغة العربية) فأخطأ ت في كلمة، فكان أن قال لي في استنكار - وقد كان يعرف اهتماماتي اللغوية -: - يا زول؟! فقلت له معتذراً: - معليش (زحلة) لسان (بكسر الزاي). فقال لي باستنكار أشد: - زحلة لسان ولا (زَلة) لسان؟! فكان أن بهُحتُّ ولم أحر جواباً! والِق يقال إن كثرة الأخطاء اللغوية التي تواجهنا في حياتنا اليومية تجعل أعتى جهابذة اللغة العربية يزهد في تصحيح الآخرين من كثرة ما يجد من أخطاء في وسائل الإعلام المختلفة، وعلى لافتات المؤسسات والمحلات التجارية، وعلى ظهر المركبات العامة والخاصة؛ مما يوميء، بما لايدع مج الاً للشك، بأن لغتنا تعيش غربة حقيقة بين أبنائها؛ لذا لم يكن مستغرباً أن ترثي أبناءها الذين وأدوها حي ة ـ- كما قال حافظ إبراهيم في قصيدته المشهورة التي تصوِّ ر حالة العزلة التي تعيشها لغتنا بين ظهرانينا!

عدد الصفحات ١٤١

مرافئ وشرفات 141 في القواعد يشيب لها الولدان، أخطاء في مخارج الِروف، وأخطاء إملائية، وأخطاء ولو رأى أساطين اللغة العربية من أمثال سيبويه والخليل بن أحمد الفراهيدي وابن منظور ما وصلت إليه لغتنا لأصيبوا بالغثيان، وقدموا استقالتهم من الاشتغال بفنون اللغة والبيان! ملصقاً كُتب عليه: صار من الطبيعي أن ترى صاحب حافلة يعلِّق على ظهرها (تحزير: وقوف متكرر) بالزاي وليس الذال، وأن تقرأ لافتة لصاحب محل كتب عليها: (رزاز) بالزاي وليس بالذال! ولم نعد نستغرب أن نسمع مذيعاً أو مذيعة تعيث في اللغة فساداً، فتنصب الفاعل غير ذلك من جمع (التفطيس) وتكسر (عنق) المفعول به، وتفتح (النار) على المجرور! إلى و(التهريس)! ومما يثير الامتعاض والألم حقاً أن أحد الذين كتبوا عن الأخطاء اللغوية في الصحف طُبع مقاله حافلاً بالأخطاء اللغوية، فكان دليلاً دامغاً على حجم المأساة التي تعيشها لغتنا! عيداً كان للغة نصيب وافر من اهتماماتها، كل الأمم التي بلغت من الِضارة شأواً ب فتجدها قد سعت لإنشاء مراكز البحوث والترجمة والمجامع اللغوية والكليات والمعاهد التي تعمل على المحافظة على كيان اللغة وتطويرها لتواكب المستجدات العلمية والثقافية؛ أما ن ثقافياً بالعجز عن مواكبة و اؤها المستلبا أبنين حين رماهرَّ نحن فاللغة في بلادنا تعاني الأمَ ر واستيعاب الجديد! التطوُّ الأمة التي لا تعتني بلغتها أمة فاقدة لهويتها، مُسخت ثقافياً، وفقدت بوصلة الانتماء حين أدارت ظهرها لموروثاتها والدرر الثمينة التي تكتنزها لغتها التي يكفيها شرفاً من بين سائر اللغات لتكون وعاءً لكلامه وقرآنه الكريم؛ فهي أمة ا اصطفاهوتيهاً أن الله لم تتقن لغتها، ولا هي أجادت لغة الآخرين! والله المستعان. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٤٢

مرافئ وشرفات 142 أخطاء في مقال عن الأخطاء..!! وأنا أطالع عمودي في صحيفة (المحرر) - كعادتي حيث أقف على سلامة ما جاء فيه وموافقته لما كتبته - فوجئت بوجود خطأ لغوي، ولكن هذا الخطأ كان فادحاً بكل المقاييس؛ لأنه ببساطة ورد في موضوع ينتقد الأخطاء اللغوية وتراجع مستوى اللغة العربية في بلادنا! ولكن ما زاد الطين بل ة أن اتصل بي أحد القراء الضليعين في مجال اللغة العربية ليلفت انتباهي إلى خطأ آخر وقع سهواً، فكان أن شعرت حينها بالِرج الشديد؛ لوقوع خطأين لغويين في موضوع لا يحتمل الأخطاء اللغوية؛ ولذلك كان لا بد من الاعتذار إلى القراء. ولكنني أحمِّل أخي الأستاذ حسام الدين صالح مدير تحرير صحيفة المحرر بعض المسؤولية؛ لاستعجاله لنا أحياناً لكتابة الأعمدة؛ مما يجعلني أسرع في كتابته، وبالتالي تزيد نسبة وقوع الأخطاء، حتى وإن كانت هذه الأخطاء في موضوع يتحدث عن الأخطاء في اللغة العربية! وبالرغم من أنني أطبع مقالاتي بنفسي على الِاسب الآلي فقد سارعت إلى النسخة المحفوظة في جهازي لأقارن بينها وبين ما جاء في الصحيفة، وأنا أم نيِّ نفسي بأن يكون الخطأ صادراً من مصحح الصحيفة، ولكن هيهات! فلم يكن هنالك بُ دٌّ من الاعتراف بالمسؤولية الكاملة عن الخطأين اللذين وقعا في غمرة الاستعجال للحاق بالتصميم قبل فوات الأوان، كما يقول بذلك دائماً الأخ مدير التحرير. ولكن لِسن حظي أنني لم أبريء نف سي في المقال من الأخطاء اللغوية، بدليل أنني أوردت قصتي مع أحد المتخصصين في اللغة العربية، وكيف أنني أخطأت خطأً

عدد الصفحات ١٤٣

مرافئ وشرفات 143 فاستنكره، فقلت له: زحلة لسان (بالكسر)، فقال لي: زَلة لسان (بالفتح) وليس زحلة لسان فكان تصحيحه تصحيحاً لتصحيحي! بمقالي السابق الأخطاء اللغوية التي تقع سهواً، ولكنني أعود فأقول: إنني لم أعنح سيما إن كانت ولا بل عنيت به الأخطاء التي تقع عن جهل فاضح أو استهتار باللغة، هذه الأخطاء تُكتب على الملأ، سواء على المركبات أو واجهة المحلات، من أمثال الخلط أجهزة الإعلام من أخطاء بين حرفي الذال والزاي مثل (تحزير) و(رزاز)، أو ما يرد في فادحة على لسان إعلاميين يُفترض فيهم الإلمام بأبسط قواعد اللغة العربية. وأضيف لما ورد في المقال السابق أن مما يثير الامتعاض أن يتجه أصحاب المؤسسات والمحلات إلى اختيار أسماء أجنبية لا تمت لثقافتنا وواقعنا بصلة، بينما نجد أن المواطن بلغته في دول الغرب وصل إلى أن يرفض التحدث إليك بلغة غير لغته، وإن اعتزاز ه بها! بينما تمنع بعض الدول الكتابة على المؤسسات والمحلات كان يفهم اللغة التي خاطبتَ !، إلا أن تكون ترجمة للغة الرسميةبغير اللغة الرسمية للبلاد وأن ننزلها منزلتها من الإكرام الذي ،غتناوختاماً، نحن أولى من غيرنا أن نحتفي بل خصها به الله سبحانه وتعالى من بين سائر اللغات. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٤٤

مرافئ وشرفات 144 محكمة السلامة اللغوية أُصبتُ بالإحراج حين علَّق أحد الإخوة العرب على كتابتي لِرف الفاء في نهاية الكلمة، حيث ذكر لي أن كتابته بهذه الطريقة خطأ، فسألته في دهشة تلقائية: - وهل هناك فرق في كتابة الفاء والقاف غير النقطة؟! - بالطبع الفاء تكتب هكذا (ف) والقاف هكذا (ق). وأخذ يوضح لي الفرق بين الِرفين في بعض المطبوعات، حتى أيقنت أنه على حق؛ فحرف الفاء يمَُد إلى اليسار مباشرة بمجرد رسم دائرته بخط شبه مستقيم (ف)، أما القاف فترسم دائرتها ثم يخرج منها خط ليشكل ما يشبه نصف الدائرة (ق). وزاد حرجي حين قال لي صاحبي مستنكراً: - أنت مهتم بالثقافة والأدب، فكيف لا تعرف الفرق بين كتابة الفاء والقاف؟! فأجبته في استحياء: - ماذا أفعل؟! لم أدَرَّسْ في المدارس هذا الفرق، ولم يخبرني أحد به! وما زال كلام ذلك الصديق عالقاً في ذهني حتى قررت أن أختبر الناس في الفرق بين الِرفين، فسألت أحد زملائي الموظفين، ثم موظفاً آخر، ثم زوجتي، و...و...و....، وكان انطباع الجميع واحداً (الدهشة)، بل كابر بعضهم وأنكر بشدة أن يكون هناك فرق بين الفاء والقاف سوى النقطة، حتى أثبتُ له من خلال كتاب أو صحيفة صدق ما ذهبت إليه! إذاً الخطأ لم يكن في أستاذ اللغة العربية كما ظننت، أو في المدرسة، بل في نظام تعليم اللغة العربية بأكمله؛ وليس هذا الإشكال قاصراً على الفرق بين القاف والفاء في الكتابة فحسب؛ فما زال أغلبنا حتى اليوم لا يفرق في النطق بين القاف والغين، وبين

عدد الصفحات ١٤٥