المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مرافئ وشرفات – بحث دائب عن الإبداع والتميز والرقي مجموعة مقالات

علي صالح طمبل

صفحة ٨ من ١٢

مرافئ وشرفات 113 ومات الشاعر المعلم ولكننا نقابل موتهم ببعض الأسف، أو بلا أسف ،يموت الكثيرون في كل يوم ،مؤسسة أثرت بنشاطها شتى مناحي الِياة عتبريذكر أحياناً، ولكن عندما يموت شخص ي ، وترتسم إنجازاته في نا، وتقفز أياديه البيضاء إلى سطح مخيلتحينها طويلاً توقف ن نافإن ؛ لترسخ فيها بقدر رسوخ أعماله الضاربة بجذورها في حياة الناس.الذاكرة فإن ،وعندما يتعلق الأمر بالمربي الهرم، والتعليمي، والشاعر الفذ؛ الهادي آدم حياة رجل أثرى ساحة عن امعة مانعة يل التعبير بعبارات جالكلمات قد تلهث في سب التعليم في السودان بخلاصة خبراته وتجاربه، ورفد الساحة الإبداعية السودانية والعربية .ومضموناً بإنتاجه المتميز شكلاً كان لقائي الأول به عام 2000م في المركز الثقافي العراقي، وكانت فرحتي عظيمة برؤية شاعر كبير في قامته.. كنت أصطحب أبياته التي أحفظها منذ طفولتي في قصيدته (الأم) التي درسناها في المرحلة المتوسطة. من كان يسقيني ومن ذا يطعمُ من ذا يترجم صرختي ويحيلها أمي ويا لفؤادها من جنةٍ وأنا على مهدي أصم أبكمُ معنى فيدرك ما أقول ويفهمُ كم ذا نعمتُ بها وكمْ ذا أنعمُ وعندما زرته في منزله بحي المزاد بالخرطوم بحري استقبلني بتواضعه الجم، وحفاوته البالغة، وكنت في غاية السعادة وأنا أستمع إلى رؤاه الثاقبة في الأدب والِياة، وينتابني الفخر وهو يستمع إلى أعمالي المتواضعة ويبدي رأيه حولها.. وكانت فرحتي غامرة حين بخط يديه.. أورثني الثقة بنفسي التي كدت إهداءلشعرية الكاملة؛ يزينها أهداني مجموعته ا !ابَه بهما المبدعون في بلادناأفقدها في ظل التجاهل والإهمال اللذَين يجُ ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١١٤

مرافئ وشرفات 114 ورحت مشدوها أطالع أعمال الهادي آدم وأنا مبهور بهذا الزخم الإبداعي المتنوع في دواوينه: (كوخ الأشواق)، و(نوافذ العدم)، و(عفوا.. أيها المستحيل).. وشدتني تلك النظرة النافذة إلى الِياة في شعره، والفلسفة الاجتماعية التي سكب فيها عصارة تجاربه في الِياة، ووجدتني في آخر الأمر أقرر إجراء دراسة عن شعره؛ عل ها تسهم - ولو بقدر يسير - في تسليط الضوء على هذا الإنتاج الثر ؛ الذي لم يجد في بلادنا عُ شر ما يستحقه من الِفاوة والتقدير؛ فكانت النتيجة دراسة بعنوان ( نقد المجتمع في شعر الهادي آدم: القصيدة القصة نموذجاً ). ألا رحم الله الأستاذ الهادي آدم الذي ظل طيلة حياته منارة للإبداع، ومربياً للأجيال بعمله قرابة نصف قرن في مجال التدريس . كما نرجو أن يهتم الباحثون، والجهات المعنية بدراسة م ؤلفاته، والاستفادة من تجاربه ال ز اخرة؛ حتى تستنير بها الأجيال القادمة، وتسترشد بإرثه الِافل وخبراته ال ثرَّ ة.

عدد الصفحات ١١٥

مرافئ وشرفات 115 شعراؤنا وغياب النقد أُصبت بحسرة فادحة عندما علمت أن شاعراً كبيراً بقامة الهادي آدم لم تكتب اول تتن ،نقدية واحدة تُذكر سوى بعض متفرقات عابرة في الصحف والدوريات عنه دراسة لا تلج إلى العمق ولا تغوص في الجوهر! ،إبداع الشاعر مجملاً وكان حقاً للتجاني أن يقول قبل أكثر من ثمانين عاماً: يا أديباً مضيعاً من بني الدنيا أدبٌ ملؤه الِيــاة وشعـرٌ ضاع، ويح الذي يغارُ على بحسب الأديب محَْ ضُ انتجاعح هْ مفعـمٌ بالسمـو في أوض ــــاعح ـهْ الشعرح وويحَ الأديبح يومَ ضياعح هْ ! يغيبان في رحمهما الله وها هما الشاعران الكبيران محيي الدين فارس ومصطفى سند وطعم خاص، لكن زمميَّ فان وراءهما رصيداً إبداعياً ومدرسة أدبية ذات لونصمت ويخلِّ كل ذلك -مما يؤسف له -لم يجد حظه من النقد والاحتفال! لاستخراج كوامنه والوقوف على مظاهر القوة فيه ؛إننا بحاجة لنقد إنتاجنا الأدبي م للأجيال المتلاحقة أدباً يرقى إلى مستوى الطموحات، وينهض بالأمة من والضعف؛ لنقدِّ سباتها الطويل. م للأمة شعراً يعالج قضاياها الاجتماعية والسياسية، الهادي آدم قدَّ إن شاعراً مثل من قرنلتعليم الذي امتهنه قرابة نصف في ا عصارة تجاربه في الِياة وخبراته سكب فيه لا سيما الثراء و الزمان؛ لِريٌّ بأن يلقى الاحتفاء الكافي من النقاد والأوساط الأدبية، ذين قدمهما من خلال ديوانيه: (نوافذ العدم) و(عفواً أيها لالفكري والإبداع الأدبي ال المستحيل). ولا أنسى أن أشير إلى جزالة الألفاظ وعمق الأفكار اللذين امتاز بهما شاعرانا ومصطفى سند صاحب ،صاحب (الطين والأظافر) و(أنا لن أحيد) ،محيي الدين فارس ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١١٦

مرافئ وشرفات 116 (البحر القديم) و(ملامح من الوجه القديم)، إضا فة إلى دورهما في تفعيل الِركة الثقافية والأدبية، من خلال مشاركاتهما في المنتديات الثقافية والأدبية داخل السودان وخارجه، وما نشراه في الصحف والدوريات. في الغرب قد تجد ناقداً متخصصاً في شاعر واحد فقط، يتناوله من النواحي النفسية والاجتماعية والأدبيةكافة، فيُ خرح جُ للقراء نقداً متعمقاً ومتجذراً في تجربة الشاعر؛ ولكننا نقول: إن كان مثل هذا النقد غير متاح في الوقت الراهن، فإننا نطمح على الأقل في نقد يوازي الإبداع الأدبي المتدفق، لا في نقد يتقاصر عن حركة الثقافة والأدب. قد نختلف مع شعرائنا ، وقد نتفق معهم في توجها تهم، ولكن النقد الأدبي البناء هو وحده الكفيل بأن يميِّ ز بين الجيد والرديء ، والصالح والطالح؛ ولذلك فحاجتنا ماسَّ ة لكل إسهام نقدي من شأنه أن يطوِّ ر إنتاجنا الثقافي والأدبي ويدفع بإبداعات الأمة؛ لتشارك بحضور وفعالية في قضاياها وتحدياتها الماثلة على مختلف الأص عدة.

عدد الصفحات ١١٧

مرافئ وشرفات 117 أزمة الأدب العربي الحداثي: ما البديل؟ الأدب العربي في رأيي يعاني من أزمة حقيقية تحتاج إلى إنقاذ وانتشال من الوهدة السحيقة التي ترد ى فيها. عندما ترك الأدباء العرب تراثهم الأدبي الزاخر، وتنكروا لثقافتهم، واتبعوا كل ما ز بين غث وسمين، كانت النتيجة أن لا تميِّ ،بانبهار وتبعية عمياءهم الأدب الغربي يلعيمليه غرق أدبنا في وحل الذاتية والمجردات والمطلقات التي لا تمت للحياة بصلة، حين حاول لا يمثلون إلا ،مجاراة مدرسة الِداثة التي وضع أسسها وقواعدها أدباء ومفكرون غربيون ية، وعصف بها التفكك الاجتماعي والنفسي، حين درك الماد فيمجتمعاتهم التي انحطت بعدت عن القيم والمباديء التي جاءت بها الرسالات السماوية كافة، وعمدت إلى إقصاء إلى التحرر من قيود الدين والمجتمع، تالدين وإصباغه صبغة شخصية محضة، بل عمد ورفع القداسة عن المسلمات والثوابت الدينية. س خطى الِداثة الغربية المزعومة من أدباء العرب تلمُّ -الذين نالوا من الشهرة ما لم ينلها غيرهم ممن هو أحق بها منهم -كان هو السبب وراء صدود الناس وعزوفهم عن حين لم يجدوا فيه إشباعاً حقيقياً لِاجاتهم؛ فعندما يقرأ المتلقي أو يستمع ،الأدب الِداثي يلمس فيها معالجة حقيقية لقضاياه، ولا يحس فيها عكساً لما يدور إلى قصيدة مثلاً، لا للتجربة الغربية في واقعه المعاش؛ لأنها تمثل بتقمصها لثوب الِداثة المهتريء مسخاً مشو هاً ها المعاصر لواقع مجتمعاتنا العربية المسلمة.رح تطوُّ و التاريخي سياقها المغايرة في لى نفسه: ما البديل للأدب العربي الذي يدَّعي والسؤال الذي يلقي الضوء ع ره أدونيس يقول في الِداثة، حتى كاد يفقد هويته واستقلاله، إلى الِد الذي جعل منظِّ حوار أجرته معه صحيفة (القدس العربي) إنه يستحي من الانتماء للثقافة العربية! ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١١٨

مرافئ وشرفات 118 الإجابة في رأيي دون تردد: البديل هو (الأدب الإسلامي)، لأن ه أدب بنائي فاعل، ينأى عن الذاتية والتخبط اللذين يعاني منهما الأدب العربي الِداثي؛ فهو يدعو إلى تنقية العقيدة أولاً من الشوائب، وتجده في مواقع الجهاد والقتال حاضراً، وفي مواقع التزكية والمجاهدة والتربية ماثلاً. آن لأدباء الإسلام أن ينفضوا عنهم غبار التردد والإحباط، ويعلموا أنَّ بإمكانهم أن يقوموا بالكثير لتقديم بديل يسهم في نهضة الأمة ويعلي من شأنها. ويقيني لا يخامره شك في أنهم سينجحون في ذلك، بل أراهن على نجاحهم بإذن الله تعالى؛ فقط عليهم أن يتوكلوا أولاً على الله عزَّ وجلَّ ، ثم يعملوا على استغلال الوسائل الإعلامية التي تسهم في نقل أدبهم إلى أبعد مدى يمكنهم الوصول إليه، ولا ينسوا أن يقدموا أدباً يُعنى بالقيم والأخلاق، كما يُعنى بالمعايير الفنية ويعمد إلى تطويرها. أراهن على نجاح الأدب الإسلامي الذي يملك من الخصائص والموروثات ما لا يملكه غيره، فهو الأدب المنتصر، وأدباؤه هم الغالبون إن شاء الله؛ فعليهم أن يشمروا عن ساعد الجد للمعركة التي سيخوضو نها، ليميز الله الخبيث من الطيب، قال تعالى: ﭐﱡﭐﲾ ﲿ ﳀ ﳁﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎﱠ(1) ) 1) [17.]

عدد الصفحات ١١٩

مرافئ وشرفات 119 الأدب الباقي زها عن غيرها من ما أتساءل عن سر بقاء كثير من النصوص الأدبية، وتميُّ كثيراً هذا الكم الهائل من الإنتاج البشري في شتى صنوف الأدب. يكتبون الشعر، وهناك مليارات الأعمال الأدبية، ولكن التي ممن هناك الملايين تكاد تصل إلى ب لها الخلود والانتشار لا كتَ يُ 1% من هذا الإنتاج الكب بعض الأدباء، بينما توفيقهل للأسباب المادية دور في ذلك؟ وهل حالف الف خذل البعض الآخر؟ على المؤثرةقد تكون هذه بعض الأسباب، ولكنها في رأيي ليست الأسباب حين.. وكثير ن الأدب الِاذق القوي يستطيع أن يثبت وجوده؛ ولو بعد إأرض الواقع؛ إذ .تهمن الأدباء ذاع صيت أعماله، وكتب لها البقاء بعد وفا من النصوص الأدبية، وحاولت أن أعرف سر هذا البقاء؛ حتى تأملت كثيراً ؛ ووجدت أن هذه الأعمال جميعها كانت أو مخطئاً مصيباً توصلت إلى تخمين قد يكون عمق والتلقائية)؛ فالأديب حين تجمع بين ثلاثة عناصر مهمة لكل عمل أدبي (الصدق وال في التعبير في الزاوية التي يتناول بها موضوعه، وتلقائياً يصدق في تجربته، ويكون عميقاً عنها؛ فإنه ينفذ مباشرة ودون وسائط إلى وجدان المتلقي، ويخاطب عقله دون حواجز. ها الفوائد روا لنا تجاربهم، ويستخلصوا منإنها دعوة لكل الأدباء المبدعين ليصوِّ والعبر؛ مراعين في ذلك الصدق والعمق والتلقائية، ومولين اهتمامهم للمعايير الفنية التي الشعور من ز الأدب عن غيره من الفنون؛ دون التفات لدعاوى الِداثة التي سلبت تميِّ لذا عن واقع الناس ومعاناتهم؛ في الغرابة والطلاسم، وبعيداً ، ومغرقاً ؛ وجعلته باهتاً الأدب أن يتركه الناس حين افتقد الروح، وعجز عن إشباع رغباتهم. لم يكن غريباً ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٢٠

مرافئ وشرفات 120 هل أصبحت الثقافة ترفاً؟ مررت بإحدى اللافتات التي تدعو الجمهور لِضور إحدى الفعاليات الثقافية، فوثبت لذاكرتي أيام خلت كنا نلاحق فيها الندوات الثقافية والمنتديات الأدبية أينما كانت، تتملكنا لهفة عارمة وشوق لا ينفد لما يطفيء ظمأنا ويشبع تعطشنا للثقافة والأدب. حينها عجبت لأمري: هل انطفأت هذه الجذوة في ظل لهاث الِياة وإيقاعها المتسارع؟! لماذا أصبحنا نمرُّ على إعلانات الندوات والمنتديات دون أن تحرِّ ك فينا ساكناً، ودون أن نجد ما يدفعنا إلى حضور تلك الفعاليات؟ على أرفف المكتبات ، و في شوارعنا ، تتكدس عشرات الكتب في مختلف المجالات ، وتشكو قلة المشترين والقراء، ومرتادو الإنترنت - ولا سيما من الشباب - يهدرون أوقاتهم في المواقع الإباحية ومواقع الغناء والموسيقى، ولا همَّ للأطفال سوى المسلسلات وكرة القدم وألعاب الفيديو؛ في الوقت الذي نجد فيه أن صحف التسالي والكاريكاتير والصحف الرياضية هي الأكثر رواجاً ، بينما تشكو الصحف والمجلات الثقافية البوار والهزال من قلة المقبلين عليها! كل ذلك دعاني لأتساءل: هل أصبحت الثقافة ترفاً في ظل المعادلة الصعبة التي ترجِّح فيها كفةُ الرغيفة كفةَ الصحيفة، أم أننا أصبحنا نطبق سياسة الهروب ودفن الرأس في الرمال أمام ما يواجهنا من عثرات وهموم؟! وهل أصبحنا كالآلات بلا أحاسيس ولا مشاعر تدفعنا لننهل من معين الأدب الراقي والثقافة الرفيعة، فنضفي على حياتنا رقة وعذوبة لا نجدهما في وهج العمل والجري وراء الِياة؟! إن حياتنا بحاجة ماسة لكسر روتينها القاتل، وتجديد دمائها بنفحات من الأدب، وشذرات من الإبداع الإنساني العذب.. بحاجة للترويح عن النفوس بالرقائق ، والِكم،

عدد الصفحات ١٢١

مرافئ وشرفات 121 كوت والقصص التي نستوحي منها الدروس والعحبرَ، وتدعونا للتفكر في مل ،والأشعار وحكمته البالغة؛ فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، ولا تستقيم الِياة وجلَّ عزَّ الخالق بالآلية والجمود. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٢٢

مرافئ وشرفات 122 الكُت اب والسياسة: بين مسايرة الأحداث والهروب من الواقع ماذا يفعل الكاتب والأديب والمفكر أمام طوفان السياسة ومدِّ ها الذي صار طاغياً على مناحي الِياة الأخرى، وفرض نفسه بعد التحولات الكبيرة على الصعيد السياسي التي أوشكت أن تغير مجرى التاريخ ؟! هل يجاري الكاتب هذا الطوفان السياسي، فينجرف ليكتب في السياسة ، ويتلافى الخوض في جوانب الإيجاب وكوامن القصور في مناحي الِياة الأخ رى؛ أم يتناسى ما هو كائن في السياسة، وينطلق ليعبرِّ عما يريده هو، دون مراعاة للأحداث التي تدور من حوله؟! الِقيقة، لا بد من موازنة بين ما يريده الكاتب وما يحتاج إليه الناس، فالكاتب أو الأديب أو المفكر لا ينبغي أن يعيش في برج عاجي بمعزل عن قضايا الناس؛ لأن منهجه الإصلاحي مستمد من واقع المجتمع، وهو في الوقت ذاته لا يجوز له أن ينجرف خلف كل ما يميل إليه المجتمع من حوله؛ فيصبح منساقاً خلف مناسبات وقتية، دون أن يمحص وينتقي ما يعرض له من القضايا والأحداث. الكُ تَّ اب والأدباء والمفكرون الِقيقيون يحملون بين جنوبهم ر سالة ومنهجاً ، لا ينبغي لهم أن يحيدوا عنهما لأي طاريء، وإلا أصبحوا فاقدين للبوصلة، يسيرون بغير هدى، يتبعون كل ناعق، وينجرفون وراء كل صوت نشاز. وهذه الرسالة وهذا المنهج ينبغي أن يُستمدا من واقع الأمة وقضاياها المعاصرة وتحدياتها الماثلة على الأصعدة كافة، وليس على الصعيد السياسي فحسب. صحيح أن السياسة في السنوات الأخيرة صارت واقعاً مفروضاً يشكِّ ل كثيراً من الأحداث الجسيمة - خاصة في واقع الأمة الإسلامية - لكن ردَّ الأمور جميعها إلى

عدد الصفحات ١٢٣

مرافئ وشرفات 123 السياسة وتفسير الظواهر بالرؤية السياسية وحدها هو تفسير أحادي ناقص، يفتقر إ وعية والدقة. الموض أذكر أن الكاتب الصحفي الساخر جعفر عباس ذكر في إحدى اللقاءات أنه تحدث ذات مرة عن السياسة بصورة مباشرة، وخرج عن الخط الذي اختطه لنفسه، فكانت النتيجة أن أرسل عدد من القراء خطابات احتجاج إلى الصحيفة منددين بهذا الصحيفة وقراءتها!المسلك، ومهددين بالتوقف عن شراء الكاتب الذي يتخلى عن رسالته ومنهجه وأسلوبه من أجل مسايرة الأحداث ف إرثاً يمكن أن يؤثر في الواقع ويُكتب في سجل يفقد احترامه لدى الناس، ولا يخلِّ ثم اختفت كغيرها؛ لأنه ،زاً من الزمانالتاريخ، فهو لا يعدو أن يكون ظاهرة أخذت حيِّ ن منهجه وفقد بوصلة الهدف.ببساطة تخلى ع ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٢٤

مرافئ وشرفات 124 الإبداع والحنين إلى حياة الطلاب قلت لبعض الأصدقاء المهتمين بكتابة الشعر: يبدو أنني يجب أن أعود لِياة الطلاب حتى أكتب الشعر! فضحك بعضهم، وابتسم البعض ابتسامات موحية. كان هذا القول الذي تمنَّ يت فيه العودة لِياة الطلاب في معرض حديثي عن ضعف كتابة الشعر الذي أعانيه، منذ تخرجي والتحاقي بالوظيفة، وانشغالي بالِياة الزوجية وتربية الأولاد، حتى صرت أش ارك بقصائد مضى على كتابتها تسع أو عشر سنوات، ولم أزد على ما كتبت في فترة الجامعة سوى قصائد قليلة، تـُ عَ دُّ على أصابع اليدين، لم تتعدَّ الِديث عن الإخوانيات، وشيئاً من الرثاء، وبعض المواقف الطريفة! إن أكثر ما كان يميِّ ز الفترة الجامعية، ويثير الِنين إليها ثراؤها بالنشاط الإبداعي، كما أن بها من الفرا ما أتاح لنا الاطلاع على الكثير من الكتب والوقوف على التجارب الإبداعية وحضور المنتديات وال فعاليات الثقافية المختلفة. تذكرتُ حينها عندما كنت في أوج نشاطي الإبداعي، وكيف أنني كنت أستغرب من قول البعض أنهم كانوا يقرضون الشعر في شبابهم، وأحتار كيف تنكروا للإبداع وأداروا ظهورهم إليه، بينما ألتمس لهم العذر اليوم؛ إذ أجدني أسلك مرغماً ذات الطريق الذي سلكوه! فهل المشكلة هي أن الإبداع لا يمثل قضية محورية بالنسبة إلي ؛ لذا أستطيع أن أتنازل عنه في أي لِظة؟ أم أنني لم أجد البيئة الملائمة التي يستطيع الإبداع أن ينمو ويزدهر فيها وسط التزامات المعيشة ومتطلبات الِياة الأسرية؟! أم أن الأمر يعود إلى الوظيفة بما فيها من روتين يقتل الإبداع ويشلُّ المواهب؟! أم أن المناخ العام في البلاد لا يشجع على الإبداع في ظل ندرة الجهات التي تتبنى الإبداع والمبدعين؛ أم أن ذلك يرجع إلى تدني الذائقة الثقافية والِس النقدي البناء؟! أم أن الأمر شيء من كل ما ذكرت؟!

عدد الصفحات ١٢٥

مرافئ وشرفات 125 الروتين، والوظيفة إذا كانت خالية من التجديد، غارقة لا شك أن الإبداع يكره في مستنقع البيروقراطية والملل؛ فإنها تعطل الإبداع وتبلد المشاعر! وكذا الِياة الأسرية إذا فقدت روح الجديد، وغرقت في وحل التقليد؛ فستصبح خصماً على الإبداع والمبدعين؛ ثم الذائقة الثقافية، مما يومئ إلى تراجع الإبداع في إن قلة الجهات الراعية للمبدعين، وضعف بلادنا. ولكنني بالرغم من ذلك أؤكد تفاؤلي؛ فقد وقفت على تجارب إبداعية طموحة وناضجة لشباب تبشر تجاربهم المتميزة بإبداع متألق، وتبعث التفاؤل بغد أفضل، وتؤكد أن بالأدب الذي يخدم دينه ومجتمعه.بلى بالإبداع والمبدعين، وحافلة هذه الأمة ما زالت حُ وأهم ما يميز هؤلاء المبدعين أنهم في مقتبل الشباب؛ أي أنهم ما زالوا طلاباً بالجامعات، فهل أنا محق في حنيني إلى الِياة الطلابية؟! ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٢٦

مرافئ وشرفات 126 التعاطي مع الإنترنت: أزمة وفجوة..!! إن واقع علاقتنا مع الإنترنت يشكل أزمة حقيقية في التعاطي مع هذه التقنية المتطورة، إما بسوء الاستخدام، أو القطيعة التي تجعل المرء عدو ما يجهل. ولعل المرء يقف مبهوتاً حين يجد سفارات عربي ة لم تجدد مو اقعها على شبكة الإنترنت منذ عدة سنوات.. سفارات يتوقع مواطنوها أن تضطلع بدور كبير في الدبلوماسية، وأن تكون سفيرة تمثل بلادها خير تمثيل في كل محفل وكل منبر! ويُصدَ م المرء حين يجد جامعات عربي ة لم تجُ دد موقعها على الشبكة منذ ست أو خمس سنوات؛ وهي التي يفترض أن تكون رائدة في مجال نشر التقانة الهادفة في المجتمع! ولكن فاقد الشيء لا يعطيه! وتلج إلى المدونات فتجد كاتباً واحداً - على سبيل المثال - ينشر سبعين مقالاً أو يزيد، فلا يتلقى سوى ردود لا تتجاوز عشرين رداً، مع أن إحصاءات المدونة تشير إلى أن العدد الذي اطلع عليها يتجاوز العشرة آلاف شخص! وليت الردود التي كُتبت ذات قيمة موضوعية، بل الغالب الأعم لا يعدو أن يكون من قبيل المجاملات و النقد المعمم السطحي الذي لا يلج إلى لُ بِّ الموضوع، ولا يقدم ملاحظة بناءة تفيد الكاتب! وتدخل مقهى للإنترنت ، فتجد أغلب الموجودين يضيِّ عون أوقاتهم في مواقع الأغاني الهابطة والأفلام الماجنة والِوارات الجوفاء التي لا تغني ولا تفيد! هذا يدفعنا للتساؤل: هل هي أزم ة تعاطٍ مع الإنترنت ، ناتجة عن قلة الإمكانيات، أم أُمية تقنية، أم أزمة قراءة، أم أزمة انشغال جعلت الكثيرين يمرُّ ون على صفحات الإنترنت على عجل! الِقيقة أنها أزمة تشكلها - في رأيي - كل العوامل سالفة الذكر، وهي عوامل متداخلة يعضد بعضها بعضاً؛ فأزمة التعاطي مع الإنترنت واقع؛ بدليل أن الكثيرين لا

عدد الصفحات ١٢٧

مرافئ وشرفات 127 يتصفحونه لعدة أشهر، وربما أكثرهم لم يستفد من الخدمات التي يقدمها مثل البريد ، وتحميل المواد والواتساب والتويتر بوكالإلكتروني، والاتصال عبر الإسكايبي أو الفيس لعيش عن تصفح الإنترنت المصورة والمقروءة والمسموعة؛ ربما لانشغالهم باللهاث وراء لقمة ا والقراءة التي قد تستغرق وقتاً طويلاً. والأمية التقنية واقع لا يمكن إنكاره؛ بدليل أن الكثيرين -بالرغم من حصولهم على قدر من التعليم -لم يستطيعوا أن يتصالِوا مع تقنية الإنترنت، ربما لِواجز نفسية ضعف ، أو ربما لمن ورائهأنه مضيعة للوقت فيما لا طائل تجعلهم يتهيبونه ويرون ، أو م الإنترنت واستخدامه فيما بعد بشكل منتظمول دون تعلُّ يح ذيإمكانياتهم المادية ال .ربما لجهلهم بفوائده وإمكانياته الهائلة إنها فجوة وأزمة معرفية حقيقية في التعاطي مع الإنترنت، هذه الشبكة التي لو ستخدامها لأتت بخير عميم.. وهنا تزداد الِاجة الماسة لدور المسؤولين في نشر أحسن ا ا التقانة وتخفيض أسعارها لتكون متاحة للجميع، كما يعظم دور المربين في تعليم الأجيال ووسيلة لنهضة الأمة ورفعتها. ،التعاطي الإيجابي مع الإنترنت؛ حتى يكون أداة للرقي ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٢٨

مرافئ وشرفات 128 الإيجابية فيالإنترنت: عجز الثقة وجلد الفاجر..!! كثيراً ما ألتقي ببعض الأصدقاء والمعارف فيذكرون رأيهم في أحد المقالات التي أرسلها عادة بالبريد الإلكتروني، أو أنشرها على المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي والمدونات، فأقول: لماذا لم تذكروا هذا الرأي حين قرأتم المقال؟! فيتعذرون بضيق الوقت، وكثرة المشغوليات! فأسأل بعضهم: هل قرأت المقال؟! فيجيب: نعم – وبعضهم يقول إنني أقرأ لك منذ سنوات - فأعود لأسأله: كم استغرقت منك قراءة المقال؟! فيقول: خمس أو عشر دقائق. فأقول له: إذا لم تستطع التعليق على المقال لانشغالك، فلا أقل من أن تدعو لكاتب المقال بالخير، بأن تكتب (جزاك الله خيراً) إن أعجبك الموضوع، أو تكتب (اتق الله) إن لم يعجبك، ألا تعلم أن من قال لأخيه جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء، كما في الِديث الشريف؟! وأن الله عزَّ وجلَّ أمر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بتقوى الله جل وعلا؟! إن قراءة المقال الواحد تستغرق خمس أو عشر دقائق - كما ذكرت - وكتابة (جزاك الله خيراً) أو (اتق الله) لا تستغرقان سوى عشر ثوانٍ أو خمس عشر ة ثانية على الأكثر! حقيقة، كثير من الناس يدخلون مواقع الإنترنت المختلفة، ويطالعون البريد الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي، ولكنهم يفتقدون إلى الإيجابية في تعاطيهم مع هذه المواقع المختلفة. إن الإيجابية في الإنترنت تعضد الفعل الِسن، بالشد من أزره؛ وتقلل من الفعل السلبي، بتثبيطه والِد من انتشاره.. الإيجابية في الإنترنت تعني النصح والإرشاد عند رؤية ما يسئ إلى الدين أو الأخلاق، كما تعني الشكر والدعاء لمن كتب أو نشر ما ينفع الناس

عدد الصفحات ١٢٩