المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مرافئ وشرفات – بحث دائب عن الإبداع والتميز والرقي مجموعة مقالات

علي صالح طمبل

صفحة ١٠ من ١٢

مرافئ وشرفات 145 الثاء والسين، ولا يفرق في النطق والكتابة بين الذال والزاي، فما زلنا نكتب (رزاز) مع أن لك من الأخطاء التي تتفتت لها الأكباد الصحيح (رذاذ) و(نفاز) بدلاً من (نفاذ)، وغير ذ وصفحات الإنترنت. ،ولافتات المحلات ،والمركبات ،في وسائل الإعلام ونظراً لكثرة الأخطاء التي عاجت بها لغتنا العربية وماجت؛ توصلت إلى فكرة (محكمة السلامة اللغوية) على غرار (محكمة الملكية الفكرية) لِماية اللغة مفادها إنشاء لعربية من الانتهاكات المستمرة، ومحاكمة كل من يكتب كتابة خاطئة في الشارع العام، ا سواء في حافلة أو لافتة أو صحيفة بدفع غرامة معتبرة عن كل خطأ يرتكبه. وليس هذا إلا إذا كانت ترجمة غريباً فبعض الدول الغربية تمنع الكتابة بغير لغتها في الشارع العام، ، وبعض مواطنيها يمتنعون عن الِديث معك إذا تحدثت بغير لغتهم مصاحبة للغتها، للغة التي تتحدث بها؛ وكل ذلك حفاظاً على اللغة والثقافة والهوية، إجادتهم من رغمبال فمن باب أولى أن نحافظ على لغة القرآن الكريم والهوية الإسلامية، فهي أشرف اللغات وأكثرها ثراءً. (مخارج الِروف) في مرحلة الأساس لتحسين مستوى كما أقترح إضافة مادة ، إضافة إلى مادة (الخط العربي) لتحسين مستوى الخط ءالنطق بالِروف العربية لدى النش حتى يكونوا في مستوى ؛ورسم الِروف بالطريقة الصحيحة، إضافة إلى تأهيل الأساتذة ريسها؛ حتى يقبل عليها ، وتطوير مناهج اللغة العربية وطرق تدتدريس اللغة العربية الدارسون والباحثون، فيستخرجوا دررها وكنوزها الثمينة. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٤٦

مرافئ وشرفات 146

عدد الصفحات ١٤٧

مرافئ وشرفات 147 مرافئ الحياة وشرفات التميز ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٤٨

مرافئ وشرفات 148

عدد الصفحات ١٤٩

مرافئ وشرفات 149 دجالون في شوارع الخرطوم اتصل بي أحدهم وقال لي: - أنا الشيخ فلان. فرحبت به، فقال دون مقدمات: - لقد رأيتك في المنام، وأنت رجل مبروك! - أهه! - عليك أن تقرأ سورة الإخلاص خمس عشرة مرة. - ولماذا خمس عشرة مرة تحديداً؟! - فقط اقرأها واتصل بي بعد ذلك؟ - هل لديك دليل على هذا العدد؟ - لا، فقط اقرأها واتصل بي. - إذا لم يكن لديك دليل، فهذا يعني أن هذا العمل بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، كما قال رسول صلى الله عليه وسلم. انقطع الاتصال... سجلت الرقم، وكتبت عليه (الدجال)! ذكرني ذلك الموقف بموقف مماثل حدث لاثنتين من أقربائي، ولكن نتيجته كانت عى أحدهم أنه تلميذ لأحد المشايخ المعروفين، وذكر أنه رأى إحداهما في مختلفة، إذ ادَّ في جواله، ومن ثم عليها فقط فتح دولاب المنام، وطلب منها تحويل قيمة مبلغ مالي الملابس، وحينها ستجد ما يسرها! وهكذا أخبرتْ قريبتها في سرور بذاك الاتصال الذي سيجلب لهما الخير، واتفقتا على تحويل قيمة المبلغ المطلوب إلى جوال ذلك الرجل. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٥٠

مرافئ وشرفات 150 وبالفعل حو لت الفتاتان المبلغ وانتظرتا النتيجة والآمال تتقاذفهما بحياة هانئة وعيش رغيد! ومن ثم سارعت كلتاهما لفتح الدولاب وإلقاء نظرة ملؤها اللهفة عليه، فلم تجدا شيئاً جديداً يذكر مما وعد به ذلك الرجل! فانتظرتا لعل البُ شرى تتأخر قليلاً، ولكن طال انتظارهما؛ لتدركا أخيراً أنهما وقعتا فريسة سهلة لأحد الدجاجلة المح ترفين، بالرغم من كونهما خريجتين لجامعتين عريقتين! و(القلم ما بزيل بـَلَمْ) كما يقولون! وذكرتُ أيضاً أن أحدهم كان يوزع ورقة يدَّعي شخص فيها أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره بأن يخبر بذلك كل من وجده، ويطلب منه أن ينسخ هذه الورقة عشر نسخ، فمن فعل ذلك و جد ما يسره، ومن امتنع فسيصيبه مرض خطير! فطويت الورقة ولم أكترث بما فيها، وأخبرت من كان يقف بجواري أن هذا الأمر لا يعدو أن يكون دجلاً وهرطقة! وتحمل الصحف أنباءً عن ظهور طفل صغير رأى رؤيا منامية، تخبره بأن بإمكانه مداواة جميع الأمراض، فصدقه الناس، وذاع صيته بينهم، وحسبوه من الأول ياء الصالِين، فأخذ المرضى يت قاطر ون على منزله من كل حدب وصوب، حتى خُصِّصَت مواصلات تنقل القادمين إليه من جميع أصقاع البلاد! وأخذ الناس يزورونه، ويطلبون العلاج عنده، فطفق يصف الأدوية كما يحلو له؛ ليصاب البعض بمضاعفات، ويكاد البعض يفقد حياته، فانفض الناس عنه، حين أدركوا - بعد فوات الأوان - أن لا علاقة له بالولاية الصالِة، ولا بالطب! هذه الِوادث المتكررة أثبتت لي كيف أن الدجل والشعوذة يجدان موطئ قدم راسخة في مجتمع تسود فيه الخزعبلات، ويتلقى دينه الذي أكمل النبي صلى الله عليه وسلم رسالته، يتلقاه من الرؤى المنامية والبدع والافتراءات، ويكفي كما قال الشيخ محمد سيد حاج رحمه الله أن يخرج (دجيجيل) – وليس دجالاً – فيتبعه الناس!

عدد الصفحات ١٥١

مرافئ وشرفات 151 هؤلاء الدجالين والمشعوذين ما كان لهم أن يعيثوا فساداً في مجتمعنا لو لم يجدوا إن يِّهم لو لم يجدوا من تنطلي عليه حيلهم من من يشجعهم، وما كان لهم أن يتمادوا في غ البسطاء والسذج، لو لم يجدوا المجتمع جاهلاً بعقيدته وأبجديات دينه التي تؤكد أن الوحي توقف بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الرؤى المنامية لا يمكن أن تشكل تشريعاً لدين اكتملت أركانه ودعائمه. عالى الذي لا يتوكل، ولا يخشى، ولا يخشع، ولا يستغيث، إن الفرد الموحِّد لله ت ولا ينادي، ولا يدعو إلا الله جل وعلا، لا تنطلي عليه مثل هذه الِيل الواهية، أما المجتمع بالعبودية وإفراد النبي وجلَّ عزَّ الذي لا يعرف دينه ويجهل عقيدته القائمة على إفراد الله فإنه صلى الله عليه وسلم بالاتباع، –وإن نال أرفع الدرجات العلمية وحصل على أعلى الشهادات الأكاديمية -يصدِّق كل ما يُقال له في أمر الدين، ويخاف من كل شيء، حتى من ظله! ختاماً، نأمل من الدعاة والمصلحين أن يكثفوا جهودهم في نشر العلم الشرعي، هم من الدجل والشعوذة، كما نرجو وتصحيح العقيدة، وتوعية الناس بأمور دينهم، وتحذير من الجهات المسؤولة حماية المجتمع من أمثال هؤلاء الدجاجلة، وتوقيع أقصى العقوبات عليهم؛ حتى يُزجروا عن استغلال البسطاء وابتزازهم، ويكونوا عبرة لغيرهم من ضعفاء النفوس. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٥٢

مرافئ وشرفات 152 كاد (المورينجا) أن يكون طبيباً في أحد مواقف المواصلات المزدحمة وقع نظري على سيارة (أمجاد) ألصق صاحبها على جانبيها ملصقات كادت تحجب السيارة من كثرتها، وينبعث من داخلها - عبر مكبر للصوت - صوت دعائي مسجَّل، فاقتربت من تلك السيارة وأخذت أقرأ في القائمة الطويلة من الأمراض المكتوبة، تلك القائمة التي لم تدعْ مرضاً أعرفه ولا أعرفه إلا أوردته! وحين استبنتُ الأمر عرفت أن المعنيَّ بهذه القائمة الطويلة هو (المورينجا) الذي يرى من ألصق الملصقات أنه يعالج كل الأمراض المذكورة! حينها تساءلت في نفسي: إذا كان نبات (المورينجا) الذي جاء في موسوعة ويكيبيديا أنه هو (البان، و الاسم العلمي له Moringa) جنس نباتي يتبع الفصيلة البانية من رتبة الكرنبيات )، إذا كان هذا النبات يعالج كل هذه الأمراض، فما الداعي لوجود الأطباء والصيادلة ، وهذا الزخم من المستشفيات، والعيادات، والصيدليات، وكليات الطب والصيدلة؛ ما دام (المورينجا) يغني عن جميع هؤلاء؟! وذكرني هذا الموقف بمقال طريف كنتُ قد نشرته عام 2009م في مجلة (الِياة العلمية) بعنوان (وداعاً أيها الأطباء!)، يتحدث عن اختراع يسمى (نظام الخبراء)، وهو عبارة عن برنامج للكمبيوتر به حوالي 800 رقم يمكن للمرضى الاتصال بها ليتحدثوا إ جهاز الكمبيوتر الذي يأخذ التاريخ المرضي والأعراض، وما إلى ذلك، ثم يصف علاجاً منزلياً ، مثل الغرغرة بمحلول الملح أو تناول قرص إسبرين، وغير ذلك؛ فتساءلت حينها: هل هذا الاختراع بداية للاستغناء عن الأطباء؟ وأذكر أننا استكتبنا فضيلة الشيخ الدكتور حسن أحمد الهواري لمجلة (صحتك)، فكتب لنا مقالاً ماتعاً جمع بين الغرابة والجاذبية، عنوانه: (شقاطيث ولا مأمون لها)، وقد أثار عنوان المقال وموضوعه جدلاً واسعاً وسط قراء المجلة، فقد كان يتحدث عن فوضى

عدد الصفحات ١٥٣

مرافئ وشرفات 153 ا لا تقوم على أسس علمية صحيحة، بدليل القصة التي كانت العلاج بالأعشاب، وأ ائيين ذكر للخليفة المأمون أن آفة الكيمياء: يمناسبة عنوان المقال، وهي أن أحد الكيم ابين)؛ لأنهم يدَّعون علاج كل الأمراض الصيادلة (وهو الاسم الذي كان يطلق على العشَّ ا، وجاء بفكرة مبتكرة، وهي أن يقترح كل حتى لو لم يعرفوها أو لم يكن عندهم دواء له واحد حرفاً ويجمعوا الِروف ليكوِّنوا منها كلمة، فكان حاصل جمع الِروف كلمة اب من العشابين فسأله (شقاطيث)، ثم ذهب كل واحد من الذين جمعوا الِروف إلى عشَّ رض، ولم عن دواء لمرض (شقاطيث)، فكانت المفاجأة أن أكَّد كلُّ عشاب بأنه يعرف الم يكتفح بذلك بل قدم كل منهم دواءً لهذا المرض، مختلفاً عن الآخر! وحين رأى الخليفة المأمون ذلك أيقن بفداحة الأمر وخطورته، فأصدر مرسوماً بإيقاف مزاولة هذه المهنة (غير الشريفة)، وبعدم السماح لأحد بمزاولتها إلا بعد خضوعه عياء.لامتحان يُعرف فيه الخبراء من الأد يقول الشيخ د. حسن الهواري في المقال المشار إليه آنفاً: (هذا في عصر المأمون في القرن الثاني الهجري، فكم في عصرنا من شقاطيث ولا مأمون لها. وقد انفصل علم هو من الصيادلة في هذا العصر عن العشابين، خاصة في البلاد العربية، فصار الصيدليُّ رج في كلياتها، أما العشاب فهو من يدَّعي المعرفة بالأعشاب ويعالج درس علم الصيدلة وتخ بها، والغالب في هؤلاء أن ينتحلوا هذا الفن من غير علم ولا دراية ولا أستاذ يتخرجون على يديه)(1) . ومما يذكر أنني كنت أعاني من آلام في البطن، فشكوت ذلك لأحد العشاب (السوق العربي) وأزقته وأسواقه، فسرعان ما أعطاني عشباً الذين ينتشرون في شوارع مسحوناً أخضر اللون، لا أعرف اسمه، ووصف لي طريقة استعماله ومواقيته، وبالفعل تناولته، فلم يجدح نفعاً بالطبع، ولكني حمدت الله تعالى أنه لم يزد بطني ألماً على ألم! ) 1) (مجلة (صحتك–العدد 11 –ص40.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٥٤

مرافئ وشرفات 154 ولم أرد بما سبق إنكار أهمية العلاج بالأعشا ب أو ما يعرف بـ(الطب البديل)، فهو علم من العلوم التي بلغت شأواً بعيداً، وصار له أصوله وعلماؤه ومتخصصوه وكلياته ومعاهده، ولكنني قصدت التنبيه إلى خطورة ترك الِبل على الغارب للدخلاء على هذا العلم والمرتزقين من ورائه ليمارسوا هذه المهنة دون علم؛ فيضروا بصحة ال ناس، ويبتزوا أموالهم دون مقابل. وهذا يعظِّم دور القائمين على أمر الصحة في البلاد، ويقضي بأن يسنُّ وا القوانين التي تحمي المواطن من استغلاله تحت ستار العلاج بالأعشاب، كما لا بد من تفعيل هذه القوانين لتصبح سارية ونافذة تطبق على كل مخالف دون تمييز، فكثير من ال قوانين سُنت، لكنها لم تُفعَّل، أو حصل في تطبيقها تهاون، فأصبحت حبراً على ورق! وعلى الناس أن يأخذوا ححذرهم من هؤلاء الدجالين، فلا يلجؤوا إذا ألمَّ بهم مرض إلا إلى الثحقات أولي الخبرة والدراية.

عدد الصفحات ١٥٥

مرافئ وشرفات 155 ل في الخرطوم: مهنة من لا مهنة له..!!التسو (أنا ماشي الخرطوم يا شاحد يا مشحود) هذه العبارة كانت تعليقاً على ل التي استشرت في الخرطوم على نحو مزعج.كاريكاتير يعالج ظاهرة التسوُّ (التسول مهنة من لا مهنة له)، هذه العبارة أبلغ وصف -في رأيي -لظاهرة وطلب الرزق؛ ليرضوا بمهنة التسول التي اتخذها الكثيرون مهنة تغنيهم عن مشقة العمل أقل ما توصف به أنها مهنة هامشية، لا تدفع عجلة الإنتاج، ولا تدعم مسيرة التنمية، غير ما فيها من إراقة ماء الوجه، وسؤال من يعطون أو يمنعون! كثير من القصص والأخبار تُروى وتقرأ على صفحات الصحف عن متسولين لجنيهات المكنوزة في غياهب الِفر، وتحت ركام البيوت وشحاذين ماتوا وبحوزتهم ملايين ا المهجورة؛ فلا هم استفادوا منها، ولا استفاد منها غيرهم! والمشكلة أن كثرة المتسولين والشحاذين قد ثبطت همم الكثيرين من الصدقة؛ فصاروا ينظرون إلى من يسألون الناس في المساجد والطرقات بكثير من الريبة والتشكك؛ ت الرجل الذي يطلب المساعدة في المسجد قد تصادفه في عدة مساجد يطرح ذات فذا و كان صادقاً لكفاه مسجد أو المشكلة التي طاف من أجلها كثيراً من المساجد، ول ن، وذات المرأة التي تحمل طفلها أو طفلتها الباكية أمام المسجد، قد تدرك فيما امسجد لطلب الرزق عقب الصلوات الخمس بشكل يومي! ل وسيلةبعد أنها اتخذت من التسوُّ وذات الرجل أو المرأة التي تقابلك وهي تحمل في يدها روشتة دواء، قد تجدها في ذات المكان وتحمل ذات الروشتة في اليوم التالي لتبحث عمن يمد إليها يد العون! والشخص تفت إليه بعد الذي يقول لك أحتاج فقط إلى جنيه واحد للمواصلات، تعطيه ثم تل لِظات فتفاجأ به يقول نفس الكلام لشخص آخر! ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٥٦

مرافئ وشرفات 156 وهكذا صار البعض يتفننون في استدرار العطف من القلوب، و من ثم استخراج الأموال من الجيوب؛ فمنْ رجلٍ يسبق مسألته بموعظة تتخللها آيات لا يحسن قراءتها، وأحاديث نبوية لا يدري مدى صحتها، ومن آخر يعقب مسألته ب البكاء، أو بتلاوة القرآن، أو بالدعاء للمسلمين والمسلمات! ولا يعني هذا بالطبع أن كلَّ من يسأل الناس بالضرورة يسألهم إلِافاً، فقد يضطر كثيرون تحت وطأة الِاجة والفقر المدقع الذي يخيِّ م على أجزاء واسعة من بلادنا إلى سؤال الناس. ولعلَّ أكثر ما يثير الانتباه ظاهرة توزيع المتسولين على إشارات المرور على نحو يوحي بوجود تنظيم يحرِّك هؤلاء المتسولين الذين يبدؤ ون عملهم يومياً منذ الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، يوقظون شفقة الناس بأطفال محمولين على الظهور، أو بإعاقة حركية، أو أطراف مبتورة! والسؤال الذي يكشف عن نفسه هو: أين هو دور الجهات الِكومية المسؤولة من وزارات الرعاية الاجتماعية والإرشاد والأوقاف وغيرها، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني ذات الصلة؟ ولماذا لا تُعالج هذه الظواهر السالبة بإيجاد مؤسسات تتبنى المتسولين والمتشردين الذين اكتظت بهم شوارع الخرطوم، فتستوعبهم لت عيد تدريبهم وتأ هيلهم وتغيير سلوكهم؛ بحيث يصبحو ن أعضاء فاعلين ومنتجين في المجتمع؟! ظاهرة انتشار المتسولين والمشردين أصبحت بالفعل ظاهرة مزعجة، بل وتبعث على الِزن والاستياء من مجتمع يعجز عن استيعاب أبنائه، بل ويلفظهم إلى أتون الِاجة والسؤال، وتومئ في الوقت نفسه إلى الأمراض الاجتماعية التي نخرت عظام مجتمعنا الذي انحسرت فيه معاني التراحم والتكافل؛ فاضطر الكثيرون إلى سؤال من يعرفون ومن لا يعرفون؛ كما تشير إلى اتساع البون بين طبقات المجتمع الذي ازداد فيه الأغنياء غنىً، والفقراء فقراً، بينما كادت الطبقة الوسطى فيه أن تتلاشى!

عدد الصفحات ١٥٧

مرافئ وشرفات 157 وأخيراً، لا أنسى أن أبعث برسالة أخيرة إلى من يسألون الناس أن يتقوا الله و يسألوا دون حاجة، وأذكرهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: (لَيْسَ لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ الْمِسْكِينُ ال ذِي تـَرُدُّهُ الأُْكْلَةَ وَالأُْكْلَتَانِ وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ ال ذِي لاَ يَسْأَلُ الن اسَ إِلْحَافًا) 1 وقوله صلى الله عليه وسلم(لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبـْلَهُ، فـَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فـَيَبِيعَهَا، فـَيَكُف الل هُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيـْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ الن اسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنـَعُوهُ) (2). ( 1) رواه البخاري برقم (1388.) (2)رواه البخاري برقم ( 1384). ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٥٨

مرافئ وشرفات 158 السكن في أطراف العاصمة: بحث عن الريف المفقود عندما اقترح والدي رحمه الله شراء تلك القطعة السكنية بأحد أحياء الخرطوم ، استنكر كثير من الأقارب هذا المسلك ، وعد وه إهداراً للأموال في ما لا طائل من ورائه، خاصة وأن الأرض تقع في منطقة غير مأهولة بالسكان، إلا من بضع بيوت متفرقة هنا وهناك، تفتقر إلى أبسط الخدمات التي يتطلبها أقل حيٍّ سكني متمدن. ولكن والدي لم يأبه لتلك المزاعم، وأصرَّ على شراء القطعة السكنية، بل سارع إلى نقل الأسرة للسكن في المنزل الجديد الذي شيَّ ده، بالرغم من الصعوبات والمخاطر التي قد تواجه الأسرة في هذا الِي الذي يكاد يكون خالياً من السكان! ولكن ما هي إلا سنوات قليلة حتى قفز الِي قفزات كبيرة من حيث المباني والخدمات، فاستطالت فيه العمارات الفخمة ، وانتصبت فيه البيوت الراقية، وشقت الطرق المعبدة شوارعه طولاً وعرضاً ! ورويداً رويداً ، صار الِي قبلة للسكان من المهاجرين إلى العاصمة من الولايات أو الذين قضوا سنوات عمرهم في الاغتراب، وارتفعت أسعار القطع السكنية فيه لتبلغ أرقاماً فلكية، وسط دهشة السكان الذين كانوا يرون في كل يوم عمارة تُشيَّد، أو طريقاً يُعبَّد ، أو مؤسسة تحط رحالها. وصار الذين كرهوا شراء القطع السكنية بالأمس القريب يعضون على أيديهم من الِسرة والأسف! ولكن كان الثمن الذي قدَّ مه سكان الِي مقابل الِياة المدنية أن يتخلوا عن معالم الريف التي كانت تميِّ ز هذا الِي وكثيراً من أحياء العاصمة الخرطوم. ما ز لت أذكر تربية الأ غنام والدجاج والِمام في المنازل ، وأذكر التداخل الشديد بين الجيران حتى أنك تجد جارك أقرب من قريبك عند المحن والمُ لح مَّ ات، فتتبادل معه الطعام

عدد الصفحات ١٥٩

مرافئ وشرفات 159 والأدوات والمعدات المنزلية، وتلجأ إليه في الأفراح والأتراح، كما يقول المثل: (جارك القريب مك البعيد).أد لولا و غزت الِياة المدنية أحياء الخرطوم، وتساقطت أشياء الريف الجميلة ،وشيئاً فشيئاً أمام المدنية الطاغية، فاختفت تربية الِيوانات المنزلية عندما استعاض السكان عن منتجاتها بالمنتجات المصنعة المعروضة في البقالات الِديثة، وسكن الِي سكان جدد بثوا ثقافة إذا التقيت بأحدهم وسألته عن سبب اختفائه تعلل بأنه ف ؛ستقلال عن الآخرينالا مشغول! والواقع أن كثيراً من الجيران استقلوا عن الآخرين حين توفرت لهم وسائل الراحة والترفيه في منازلهم، من مكيفات وفضائيات وأجهزة حديثة؛ فاستغنوا بها عن الجيران، لتي كانت تجمع السكان بشكل يومي، بل صارت عند بعضهم وصارت بديلاً للملتقيات ا بديلاً للصلاة في المسجد! ـ عياذاً بالله ـ الكثيرون إلى حياة الريف، وأن يبحثوا عن أشيائه التي ولم يكن غريباً أن يحنَّ اللذين طغيا على فاءلبساطة الخالية من التكلف والجتذكرهم بسنوات الطفولة وذكريات ا بحثاً عما ؛دينة.. لم يكن غريباً أن يفضل الكثيرون السكن في أطراف العاصمةحياة الم فقدوه في وسطها، لما تتميز به تلك الأنحاء من احتفاظ بملامح الريف التي لم يفقدها سكانها بعد. إنها ليست دعوة مناوئة للمدنية والتقدم، ولكنها دعوة لنعيش الريف في نفوسنا في أحيائنا.. بكل بساطته وشفافيته.. دعوة لنبذ التكلف إن لم نستطع أن نعيشه :والتبذل؛ فهما ليسا من الدين في شيء، قال تعالىﭐﱡﭐ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘﱠ(1). (1) [86.] ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٦٠

مرافئ وشرفات 160 التعليم في بلادنا: واقع الحال يغني عن السؤال مما يؤسف له أن التعليم يقع في ذيل أولويات الدول الإسلامية والعربية، بما فيها بلادنا بالطبع، حيث تتذمر وزارات التعليم من شح الدعم، ويعاني الأساتذة والمعلمون من ضعف التأهيل وضعف العائد المادي، وتئن الجامعات والمدارس من تردي البيئة الجامعية و المدرسية ، وتشكو ا لمناهج والمراجع من التضارب والتعقيد والندرة وضعف المواكبة للمستجدات. وزارة التعليم في بلادنا ليست من الوزارات السيادية ذات الأهمية الا ستراتيجية، مثل وزارة المالية والداخلية والخارجية والدفاع، وإنما تعد الأموال التي تنفق عليها عبئاً ثقيلاً على ميزانية الدو لة، مع أن هذه الميزانية من أضعف الميزانيات إذا ما قورنت بميزانية الوزارات السيادية، فالصرف على قطاعي التعليم والصحة مج تمعين لا يتجاوز 3% من جملة الميز انية العامة في أحسن الاحوال! مع أن المعايير الدولية تؤكد أن تخصيص ثلث الميز انية للقطاعين يوفر الِد الأدني من تقديم الخدمة! ووفقاً لتقرير التنمية البشرية الصادر في 2011م عن برنامج الأمم المتحده الإنمائي جاء السودان متذيلاً قائمة الدول ال تصرف على التنمية البشرية، حيث كان ترتيبه رقم ( 169)! ولا غرو في ذلك؛ فالتعليم يأتي في المرتبة رقم ( 50) في استراتيجية القومية الشاملة! جاء في مجلة (العربي) العدد 626: (بين العام1906 و1911م كان التعليم يستهلك ما يصل إلى 43% من ميزانية المدن والقرى اليابانية بشكل عام. وبالوصول للعام 1906م وجد ضباط التجنيد بالجيش أنه كان من الصعب أن تجد أي مجند جديد جاهلاً بالقراءة والكتابة. و في عام 1913م، على الرغم من أن اليابان كانت ا قتصادياً لا تزال فقيرة جداً ومتأخرة، فإنها أصبحت واحدة من أكثر منتجي الكتب في العالم، تنشر كتباً أكثر مما كانت بريطانياً تنتجه، وضح عْ ف ما تنتجه الولايات المتحدة آنذاك!)؛ وهذا ما

عدد الصفحات ١٦١