مرافئ وشرفات 97 لا تقرأ!! اقرأ.. وأمة بالرغم من الوسائل ،ما زال الكتاب في رأيي هو السبيل الأنجع للعلم والثقافة الِديثة التي زاحمته مثل التلفاز والإنترنت. شباه أالكتاب هو الوحيد الذي يستطيع أن يحدد من هو العالم أو المثقف من فين؛ وما أكثرهم في هذا الزمان!أنصاف المثقو العلماء ية أنزلت في القرآن الكريم بدأت بقوله تعالى: (اقرأ)؛ مما يدل على أهمية وأول آ القراءة وعظم دورها في قيادة الأمم ورفعتها. يقول بأننا أقل الأمم قراءة؛ ولذلك نحن أقلها علما وحضارة؛ ولكن الواقع اليوم فإذا قرأنا الصحف فإننا نقرأ الخطوط العريضة، وإذا قرأنا الكتب نقرأ العناوين أو المحتويات ؛ وكأن شخصاً على شبكة الإنترنت نمر عليه سراعاً في أحسن الأحوال، وإذا دخلنا موقعاً تضيع الوقت في التي ات نفع وفائدة، ولكننا ندخل المواقع يطاردنا.. وليتنا ندخل مواقع ذ الِوارات الفارغة من المحتوى، والأغاني الماجنة أو الصور الخليعة، مع أن ديننا حث على تعالى: قالطلب العلم النافع والقراءة؛ ﭐﱡﭐﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳉﳈ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍﱠ(1)،و قال تعالى: ﭐﱡﭐﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠﳡ ﳢ ﳣ ﳤ ﳥﱠ(2). سيظل الكتاب كما قال المتنبي (خير جليس)، ولكن الذين يريدون العلم السهل لا يريدون أن يدركوا هذه الِقيقة؛ فالعلم والثقافة نوالثقافة المبسطة هم وحدهم الذي )1)[9.] (2)[11.] ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٩٨مرافئ وشرفات 98 يحتاجان إلى بذل اهد، والصبر، والجلد، واغتنام الأوقات التي يضيعها البعض فيما لا فائدة فيه، ثم يتعللون بأنهم لا يجدون وقتاً للقراءة! إن القراءة تحتاج بحق إلى مجاهدة النفس؛ قال تعالى: ﱡﭐﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙﱠ(1)،فنسأل الله أن يهدينا سب يل الِق والرشاد. (1) [69.]
عدد الصفحات ٩٩مرافئ وشرفات 99 اقرأ..واقرأ.. واقرأ يثير الِزن والأسف انحسار حجم القراءة إلى الِد الأدنى في مجتمعاتنا من أكثر ما الإسلامية والعربية! وإني لأتذكر عهداً قريباً، قد يراه البعض زماناً غابراً، كانت فيه القراءة تاجاً مرصعاً بالجواهر والُِلي؛ فما إن تدخل بيتاً حتى تجد الكتب والمجلات كما تجد الأثاث والزينة؛ لا تستغرب حين ترى الوالد منهمكاً في قراءة كتاب، أو الابن منسجماً مع قراءة قصة أو و مجلة، ولا تُدهش حين يحُضر الأب كتاباً أو مجلة إلى البيت له أو لأبنائه، أو حين يصحبهم لأحد معارض الكتب، ولا حين يوفر الطفل من مصروفه الخاص ليشتري كتاباً أو مجلة. تعد الكتب ذات قيمة عند الكثيرين، وتبخرت مقولة (اثنان أحمقان: أما الآن فلم فصار الأحمق هو الذي يقتني الكتاب، وبعد أن كنا نخاف على ؛معير الكتاب ومعيده) كتبنا من الإعارة والسرقة صارت هذه الكتب أهون من أن تستعار أو تُسرق، فقد تضع ستعيره أحد أو تسوِّل له نفسه سَرحقـَتَه، وأفضل كتاباً ثم تعود إليه بعد سنة كاملة، دون أن ي يتصفحه دون أن يقرأه، أو يقرأ منه صفحات قلائل في هو الذي من يأخذ الكتاب أحسن الأحوال! وأكثر من يتعللون بضيق الوقت أو عدمه لا يتورعون من الجلوس ساعات طويلة لمشاهدة من يستعد منهم، و أمام القنوات الفضائية، أو في النوادي، أو على الطرقات قبل ساعتين أو ثلاث من بداية المباراة! وهؤلاء الذين يتذرعون بالِجج كرة القدم مباريات رياضية أو الواهية التي يبررون بها قطيعتهم مع الكتاب تجد أكثرهم ثقافة من يقرأ صحيفة !والتواصل الاجتماعييدخل مواقع الدردشة ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١٠٠مرافئ وشرفات 100 انحسار القراءة في مجت معاتنا ليس ظاهرة صحية، بل أقل ما يمكن أن توصف به هو أنها ظاهرة مرضية نخرت عظام المجتمعات التي كانت القراءة ملء السمع والبصر فيها، فتلاشت أمام بريق القنوات الفضائيات والإنترنت ومباريات كرة القدم، وصارت مقولات مثل (القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والخرطوم تقرأ) ضرباً من العبث الصبياني، مثلها مثل بيت الشعر القائل: أعز مكان في الدُّنى سرج سابح وخير جليس في الزمان كتابُ قد يقول قائل: إننا نقرأ في الإنترنت مثلاً، بينما يشير واقع الأمر إلى أن أغلب الذين يدخلون الإنترنت يتصفحون مواقع الترفيه والمواقع الإباحية، بينما تدخل قلة لا تتجاوز 10% المواقع المفيدة - رغم أن المحتوى المفيد للإنترنت يشكل 90% من مجمل المحتوى - وحتى هؤلاء لا يصبر أكثرهم على القراءة؛ إما لصعوبة القراءة لفترة طويلة عبر الإنترنت، أو لنفاد الصبر والاستعجال لدخول أكبر عدد ممكن من المواقع؛ فالقراءة هنا لا تعدو أن تكون قراءة سطحية في أغلب الأحيان، لا ترقى إلى مستوى الكتاب الذي يتميز بالعمق ويسر القراءة في أي مكان. وقد بزَّنا الغربيون في أمور الدنيا حين أفردوا للقراءة حيزاً كبيراً في حياتهم، واعتنوا بأمرها، فلا غرو أن تجدهم يشغلون أوقاتهم بالقراءة عند الانتظار في محطات المترو أو على مقاعد الِافلات العامة أو في أسحرَّتهم قبل الخلود إلى النوم ! انحسار القراءة في رأيي ليس لمزاحمة القنوات الفضائية والإنترنت فحسب، وإن كانت هي من أكثر العوامل تاثيراً، لكن أيضاً لانحسار اهتمام الدولة والمؤسسات التعليمية ومؤسسات المجتمع المدني والأسرة بالكتاب، مما ألقى بظلاله على ضعف التأليف والكتابة الإبداعية؛ فالمؤلف أو الكاتب يتساءل: لماذا أكتب ما دمت لن أجد مطبعة أو دار نشر، والأهم من ذلك: من سيقرأ ما أكتب؟!
عدد الصفحات ١٠١مرافئ وشرفات 101 ت إعادة القراءة إلى رأس الأولويات يحتاج إلى تضافر الجهود بين الدولة والمؤسسا التعليمية ومؤسسات المجتمع المدني والأسرة؛ ولا بد من فك القيود المفروضة على الكتاب -إلا ما كان من قبيل الضوابط الشرعية -مثل الرسوم المفروضة على الكتب ومدخلات ، وتأسيس دُور طباعة ونشر، ومراكز بحثية والباحثين الطباعة، وتشجيع الكتاب والمبدعين ة؛ لتسهم بدورها في إقامة الفعاليات العلمية والثقافية، فضلاً عن طرح وفكرية وإبداعي مسابقات وجوائز في مختلف المجالات. ءة ليس ترفاً أو بطالة كما يرى البعض؛ ولم تنزل أول كلمة من االاهتمام بالقر التنمية القرآن بالأمر بالقراءة (اقرأ) صدفة أو اعتباطاً، وليس أدل على ذلك مما يردده رواد البشرية: أنك إذا أردت أن تنهض بذاتك فعليك بأشياء أولها: اقرأ، وثانيها: اقرأ، وثالثها: اقرأ! ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١٠٢مرافئ وشرفات 102 من لا يقرأ لا يكتب ولا يطبع كنت أتصفح بعض المدوَّ نات على أحد مواقع الإنترنت العربية، فكان أن قارنت بين السودان والدول العربية من حيث عدد المدوَّ نات. كانت حصيلة السودان لا تتجاوز 1074 مدونة في حين تجد دولاًعربية تتجاوز مدوناتها ثلاث آلاف مدوَّ نة، وهناك دولة عربية خليجية وصلت حصيلتها إلى ما يربو على ست آلاف مدوَّ نة، بل وصلت مدوَّ نات إحدى الدول العربية إلى ما يفوق الثمانية آلاف مدونة! دعاني ذلك إلى التساؤل: أين الخلل؟! هل هي أزمة في التعاطي مع التقنية؟ أم إشكال في الكتابة نفسها؛ باعتبارها لم تعد ذات جدوى ولا تجد تشجيعاً يذكر؟ أو لم تعد متنفساً لما يجيش في نفوسنا؟ أم هل هي أزمة قراءة، باعتبار أننا لم نعد نقرأ؛ فلذلك لا نكتب؟! هذه الظاهرة في رأيي لا يم كن تفسيرها بعامل واحد، وإنما هي عدة عوامل يعضد بعضها بعضاً، لكن العامل الجوهري هو انحسار القراءة في خارطة حياتنا؛ لعدة أسباب منها: أن الاطلاع لم يعد يجد حظه من التشجيع، سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع؛ فعلى مستوى الأسرة توارت القراءة خجلاً أمام المد المتنامي للفضائيات وأجهزة الاتصال الِديثة، واستبدلت الأسر في تربية أبنائها الذي هو أدنى (الفضائيات) بالذي هو خير (الكتاب). وفي الوقت نفسه، لا تجد صناعة الكتاب تسهيلات تذكر من المسؤولين؛ فما زال الغلاء يخيم على أسعار الكتب، ولا يجد الكُتَّ اب في الكتابة تشجيعاً يُذكر؛ إذ لا توجد مؤسسات تتبنى طباعة الكتب وترويجها كما هو الِال في بعض الدول العربية وكثير من
عدد الصفحات ١٠٣مرافئ وشرفات 103 دول الغرب، وتُلقى البحوث في الأضابير والأرفف، وتُطوى الكتابات الإبداعية في ذاكرة ع!النسيان! ويجد القاريء نفسه في مفاضلة بين الصحيفة والرغيفة، فيختار الأخيرة بالطب لكن ليس بالضرورة أن نكون دولة غنية حتى تزدهر عندنا ثقافة القراءة؛ بدليل أن هناك دولاً عربية تحسب على الدول الفقيرة، ولكنها تشجع ثقافة القراءة، وتجد الثقافة فيها مرتعاً خصباً. تكلفة من صناعة الكتاب، صحيح أن الإنترنت منفذ من المنافذ التي تعد أقلَّ وأننا بحاجة إلى تعاطي التقنية بشكل أفضل؛ فهي يمكن أن تخدم قضية القراءة؛ ولكنها لن من حيث المحتوى وسهولة ،تكون في يوم من الأيام بديلاً للكتاب الذي ما زال الأفضل التعاطي معه في أي مكان وزمان. مة التي لا تقرأ لا تكتب ولا تطبع، ولكنني أعود وأقول إن المسألة متكاملة؛ فالأ وبيروت ،في صحة المقولة الشهيرة: (القاهرة تكتبأجدني مضطراً اليوم للتشكيك ولذلك ، وما دامت والخرطوم تقرأ)، فلو كنا أمة قراءة حقاً لازدهرت عندنا الكتابة والطباعة ،تطبع هنالك (مدخلات)، فلا بد أن تكون هنالك (مخرجات) أيضاً. نا بحاجة لدعم ثقافة القراءة في مدارسنا وأسرنا وجامعاتنا، وتشجيع صناعة إن رج القراءة من القبر الذي وأدناها فيه وهي على قيد الِياة حتى نخُ ؛الكتب بشتى السبل إلى مشارف الرفعة وآفاق الازدهار؛ لأن الأمة التي لا تقرأ - بلا شك -تظل قابعة في م الِضاري.لَّ وفي مؤخرة السُ ،ذيل التطور ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١٠٤مرافئ وشرفات 104 القراءة والعرش القديم كاد الألم يعتصر قلبي وأنا أتطلع إلى جناح للكتاب داخل معرض للتسوق دون أن أجرؤ حتى على الاقتراب منه: ما هذا البرود الذي أصابني تجاه الكتب وأنا الذي مرَّت بي سنوات لا أنام إلا والكتاب بجواري، ولا يقع في يدي مال حتى أسارع لشراء كتاب، حتى وإن احتملت الجوع والعطش في سبيل ذلك! عاد بي طيف الذكريات حينها إلى سنوات الطفولة ومقتبل الشباب، حيث كنا نتابع مجلات وقصص لا يفوتنا منها عدد حتى نسارع لقراءته من أصدقائنا، وكتب اً لا يمرُّ أسبوع حتى نشتريها أو نستعيرها، بالرغم من ذيوع مقولة (اثنان أحمقان: معير الكتاب ومعيده) التي صارت اليوم (اثنان أحمقان: مقتني الكتاب وقارئه) ؛ حيث قال لي أحدهم منذ أيام حين ذكرت له أنني أبحث عن مكتبة لكتبي المبعثرة في كل مكان: (ده زمن قراية؟!)، فقلت له: لو لم تكن القراءة مهمة لما نزلت أول كلمة من القرآن آمرة بها (اقرأ)، فهل تظن أنها جاءت هكذا عبثاً؟ ثم أضفت: الذين يقرؤون هم الذين يتمي زون في كل مجال؛ لذا لا تستغرب أن كثيراً من الناس لا يتمي زون ولا يطوِّ رون أنفسهم! فهل مرد هذا البرود العجيب الذي تملكني حينها إلى أنني لا أملك فائض مال للكتب في ظل غلاء المعيشة مقابل الراتب المحدود، أم أن المشكلة تتعلق بفائض الوقت بدليل أنني أملك الكثير من الكتب التي لا أجد وقتاً لقراءتها، وأكتفي في أحسن الأحوال بقراءة بضع صفحات منها، هذا إذا لم أكتفح بقراءة عناوينها وأسماء مؤلفيها ونبذة عن المؤلف أو الكتاب إن أمكن! لا غرو أن يكون للوضع الاقتصادي المتدهور يد في تراجع القراءة في حياتنا ؛ حتى صارت في ذيل الاهتمامات وسط اللهاث الدائ م لتوفير لقمة العيش؛ تحقيقاً لأساسيات
عدد الصفحات ١٠٥مرافئ وشرفات 105 الِياة التي اتسعت رقعتها لتشمل كماليات الأمس، في ظل مجتمع يهرول للحاق !واقتصادياً بمجتمعات استهلاكية غزته ثقافياً وفكرياً ولكننا نعود فنستدرك: إن الوضع الاقتصادي ليس العامل الوحيد في تراجع القراءة، ولكن هنالك عوامل أخرى كالوسائل الِديثة، مثل القنوات الفضائية والإنترنت والجوالات التي زاحمت القراءة في عرشها القديم. وقد يد عي قائل أنه يقرأ من خلال نقول له بأنها ليست القراءة المعنية بهذا المقال؛ لافتقادها إلى العمق الإنترنت مثلاً، ف ؛ فكثرة المعروض يستدعي في كثير من الأحيان الاختصار في القراءة، والضبط والتركيز والاكتفاء بالخطوط العريضة؛ لذا يندر أن تجد من قرأ كتاباً عبر الإنترنت، أو على الأقل محفوظاً في جهازه. قراءة أزمة حقيقية تستدعي تضافر الجهود بين الأسرة التي تمثل حجر الزاوية أزمة ال ، ثم المدارس والجامعات ووزارات بتشجيع النشء على القراءة منذ الصغر في هذا الصدد التربية والتعليم، والتعليم العالي والبحث العلمي، والثقافة والإعلام، ومؤسسات المجتمع افة والبحث؛ حتى تعود القراءة للجلوس على عرشها القديم، ويعود المدني التي تُعنى بالثق الكتاب ليتصدر الموقف، فينعكس ذلك تطوراً وازدهاراً في كافة مناحي الِياة. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١٠٦مرافئ وشرفات 106 اثنان أحمقان: مشتري الكتاب وقارئه لا أدري كيف هانت الكتب على الناس حتى صاروا يمرُّ ون عليها وهي تباع بأتفه الأثمان، دون أن يحرك معظمهم ساكناً ، إلا من رحم. هذا ما شاهدته وأنا أمر بشارع السيد عبد الرحمن غرب صينية القندول ، حين وجدت عشرات الكتب والمجلات تباع الواحدة منها بجنيه فقط، ولا يقف عندها إلا القليلون، ولا يشتري في آخر الأمر أكثر من وقف! صعدتْ إلى ذاكرتي حينها أيام أقرب إلى الِلم، كان للكتاب فيها حضور في حياتنا، لا يقل أهمية عن أهمية الأكل والشرب، بل كان بعضنا م ستعداً لأن يتخلى عن وجبة أو وجب تين من أجل أن يشتري كتاباً أو مجلة، مؤثراً غذاء الروح على غذاء البدن؛ (فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان). كنا حينها نتبادل الكتب و المجلات مع أقراننا، فلا نعطي أحداً كتاباً أو مجلة حتى يعطينا مقابحلَهُ؛ إذ أننا نؤمن بمقولة (اثنان أحمقان: معير الكتاب ومعيده)، وقد يكون قوام الصفقة الواحدة عشرين أوثلاثين كتاباً ومجلة، وحين يرُدُّ كلٌّ من طرفي الصفقة ما عليه إلى الآخر، يراجع كلٌّ منهما كت به ومجلاته بكل دقة ليقف على حالتها؛ لأن التمزيق يعتبر إهمالاً، والفقد يـُعَ دُّ جرماً! الآن أصبحت المقولة بعد اختلاف أوضاع المجتمع وزهده في القراءة (اثنان أحمقان: مشتري الكتاب وقارئه)، وهذا بالطبع لسان حال الناس لا قولهم. يحضرني قول د. راغب السرجاني أنه يس تغرب ممن يقول بأن هوايته القراءة؛ لأن القراءة لا ينبغي أن تكون هواية، بل ينبغي أن تكون جزءاً من الِياة اليومية مثلها مثل الأكل والشرب. وقد صدق السرجاني، فلم تأتح كلمة (اقرأ) في صدارة كلام الله تعالى
عدد الصفحات ١٠٧مرافئ وشرفات 107 ر عالٍ من الأهمية والخطورة إن لم تكن على قد ،لتكون أول ما نزل من القرآن الكريم،عبثاً في حياة الناس. وقد أدرك الغرب ذلك قديماً ويدركه حديثاً، فكانت القراءة أساس نهضته، وما ومواصلاته العامة، فحُقَّ له أن ،وشوارعه ،وبيوته ،وجامعاته ،زالت حاضرة في مدارسه ز من وجود القراءة في مجتمعاته.يكون في مقدمة أمم الأرض حين عزَّ القراءة أساس كل حضارة ونهضة، وما لم تحظَ بأهميتها، وتحتل مكانتها في حياتنا؛ فسنظل في ذيل الأمم، وفي أدنى درجات الِضارة. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١٠٨مرافئ وشرفات 108 الهادي آدم ونقد المجتمع السوداني نقد المجتمع السوداني وتناول ظواهره اتجاه يمثل عصارة تجارب الشاعر الهادي آدم وخبراته في الِياة. وقد تبلور هذا الاتجاه في شعره ، خصوصاً عبر قصائد صيغت بأسلوب قصصي بديع، مما يمكن تصنيفه في إطار الشعر القصصي. ظواهر مختلفة ونهايات مفتوحة: وقد عكس الشاعر من خلال هذا الاتجاه علاقات المجتمع وظواهره المختلفة ، بكل ما فيها من تقاطع وتباين وتعقيد، وترك في أغلبها نهايات مفتوحة تتيح للقارئ آفاقاً أوسع للمشاركة في تفسير النص، وفي إيجاد حلول للقضايا التي تطرق إليها؛ فهي نهايات موحية ذات بعد عميق ، يتخطى المدلولات اللفظية القاطعة. وهذا الاتجاه تمثله عشر قصائد قصصية تقع في ثلاثة دواوين شعريـة: ديوان (كوخ الأشواق) الصادر عام 1962م، وتمثله قصيدتان: (صوت للبيع) ، و(عروس)؛ وديوان (نوافذ العدم) الذي صدر عام 1997م، وتمثله: (كون من غير خطايا، و(عصفور من الشرق) ، و(الظار..الظار)، و(حكاية الطاؤوس والِمار) ، و(هذا الجنون) ؛ أما الديوان الأخير (عفواً أيهـا المستحيل) الصادر عام 1999م فتمثله: (الفأر الأسمر، و(المصير)، و(بين الكهف والقصر). اتجاهات نقد المجتمع عند الشاعر: ويمكن تقسيم نقد المجتمع عند الهادي آدم إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية هي: الاتجاه الواقعي، والاتجاه الفلسفي، والاتجاه الرمزي. ويمثل الاتجاه الواقعي قصائد (صوت للبيع) ، و(عروس)، و(الظار..الظار)، و(هذا الجنون)، و(المصير)، و(عصفور من الشرق)، وهو الاتجاه الذي يحظى بأكبر نصيب من نقد المجتمع في شعر الشاعر. أما الاتجاه الفلسفي
عدد الصفحات ١٠٩مرافئ وشرفات 109 و(بين الكهف ،لطاؤوس والِمار)و(حكاية ا ،فتمثله قصائد (كون من غير خطايا تمثله نقد المجتمع عند الشاعر؛ إذ ظى الاتجاه الرمزي بحيز كبير منوالقصر)، بينما لا يح فالشاعر يميل بطبعه إلى قصيدة واحدة فقط هي (الفأر الأسمر). ولا غرو في ذلك؛ الرمزية في نهاية المطاف. الواقعية؛ ومن ثم تأتي الفلسفة في المرتبة الثانية، ثم أساليب نقد المجتمع: المثير للانتباه فينقد المجتمع عند الهادي آدم: ارتفاع النبرة الساخرة، التي تكون و(حكاية ،و(الظار..الظار) ،مريرة كما في (صوت للبيع)، أو لاذعةكما في (عروس) الاستعانة بها لتلعب و ،يُلاحظ تشخيص الِيوانات فضلاً عن ذلك الطاؤوس والِمار)؛ و(الفأر ،كما في (حكاية الطاؤوس والِمار) ،دوراً مهماً في مجريات القصائد القصصية و(بين الكهف والقصر). ،الأسمر) ض بها القصائد القصصية من قصيدة إلي أخرى، فقد وتتعدد الأساليب التي تُعرَ ،و(الفأر الأسمر) ،مار)كما في (حكاية الطاؤوس والِ ،يكون الأسلوب أقرب إلى الِكاية ،كما في (صوت للبيع) ،و(بين الكهف والقصر). وقد يكون أقرب إلى الأُقصوصة و(المصير)، أو أقرب إلى الرواية كما في (هذا الجنون). ،و(عصفور من الشرق) ،و(عروس) نماذج من القصائد: صوت للبيع: من حالة تنتابها التي، بالسلطة المثقف علاقة عامة بصورة القصيدة هذه تصوِّر بقوله: قصيدته مطلع الشاعر ويبدأ ،الأحيان من كثير في الثقة وانعدام التوتر قـدرٍ على يوماً نيوأتيتَ يدارح إلى تسـعى متسللاً حذرح في عنك خطوي فرددتُ يمنظارح عينيَّ عن ورفعتُ ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١١٠مرافئ وشرفات 110 وح اكتشف الشاعر الهدف الِقيقي من الزيارة، وأنها لم تكن تحمل طابع البراءة، ولم تكن وفاءً للصداقة والود القديم كما ظنَّ، وإنما كانت لمصلحة شخصية بحتة ، تسعى إلى المنصب والجاه؛ ما كان منه إلا أن طرح في خاتمة القصيدة تساؤلاً ينطوي على سخرية مريرة ذات مغزى: ولأجل ذاك ذكرتَ صحبتنَ ـا فأتيتنـي تســـــــــــــعى إلى بيـتـــــي؟! وأتى رسـولك يحم ـــــــــــــــلُ الثمنـَ ـا ومضى يساومني على صوتي؟! عروس: هذه القصيدة تصور موقفاً طريفاً ، وقع بين الراوي وصديقه الذي طلب إليه أن يختار له عروساً، فعرض عليه خيارات عدة، لم يعجبه منها شيء سوى الأولى التي كانت لسوء حظه أن خطبت لغيره. ولعل هذا لِسن حظها؛ لأن صاحبنا كان سيبحث كعادته عن أي عيب فيها، يتخذه ذريعة ليحجم بها عن الزواج. وفي ختام القصيدة يأتي الشاعر بنهاية موحية ، لا تخلو من سخرية لاذعة ، ينتقد فيها المعايير غير الواقعية التي يضعها بعض الشباب لشريكة حياتهم؛ مما هو أقر ب إلى عالم المثال منه إلى عالم الواقع: وقلت اختر إذاً عشراً حسانـاً وخذ من كل واحـدة بقـدرح وصغْ منهنَّ واحـدة وخذهـا إليك قرينـ ــــة مادمــــت تدرحي الظار.. الظار: في هذه القصيدة يدعو الشاعر لإعادة النظر في ظاهرة اجتماعية سالبة، يروِّ ج لها الدجالون والسحرة، ويكنزون بواسطتها الأموال الطائلة عن طريق البسطاء والسُ ذ ج، ويشكلون بذلك بديلاً غير شرعي للتداوي بما جاء في الشريعة الغرَّ اء والطب الِديث، حيث يقول: والشيخة ما عادت مرضاها
عدد الصفحات ١١١مرافئ وشرفات 111 تناساها والشيخ بسواها مشغولاً أصبح إذْ تتكررْ والقصة لظاها التكرار ويزيد بالشيخْ شغوفٌ والكل بالظارْ شغوفٌ والكل الظارْ على الظار.. الله.. اللهَ على اللهَ يعرض الشاعر المشكلة في النهاية بحياد تام، دون تدخل منه بإبداء رأيه وهكذا الشخصي حول الِلول الممكنة لهذه المشكلة، إلا في نطاق ضيق؛ ليتيح الباب الأكبر ليقدحوا زناد عقولهم ويشاركوا في إيجاد الِلول وعلاج الظاهرة. ؛للجميع عدلان مات: أمثال من البسطاء حساب على توغل المدنية ينتقد الشاعر في هذه القصيدة لا التي والمواكبة المدنية دعاوى سحقتهم، لكثيرين رمزاً الذي يمثل عدلان (المكوجي) الإنسانية: الجوانب تراعي الرجالح أيدي رأى لما المنازلْ جدران تهدُّ المعاولْ بأيديها ورأى منْ يُهال التراب ورأى الجنادلْ ورأى دكانه جرى أعمالٍ وحديث والمقاولْ المهندس بين وتُنشرُ تُطوى وخرائطاً ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١١٢مرافئ وشرفات 112 والعجاجَ يثور من كل الجهاتْ عرف النهايةَ قد دنتْ فطوى حبالَ غسيلهح ومتاعَ مهنتهح وفاتْ ولم يحنْ منه التفاتْ وسألتُ عنهُ فقيل: ماتْ!! ولعل (عدلان) مات كمداً؛ إذ لم يكن من الذين اعتادوا كثرة الكلام والثرثرة، بل كان من الذين يتكتمون بجَلَد وكبرياء على أوجاعهم وأحزانهم؛ فكان من الطبيعي أن يموت في صمت... خاتمة: تنوع إنتاج الهادي آدم ــــــــــ رحمه الله ــــــــــــــ في تـَ نَ اوُ لُ مختلف الظواهر والسلوكيات الاجتماعية بالنقد والتحليل يومئ بجلاء إلى أن الشاعر كان مهموماً بقضايا مجتمعه، مشاركاً من خلال شعره في إيجاد حلول لتلك القضايا؛ وهذا يؤكد دور الإبداع وأهميته في توجيه المجتمع وعكس همومه ومشكلاته. وهذا المقال لا يعدو أن يكون محاولة متواضعة لاستكشاف جانب يسير من تجربة ثرة لشاعر كبير ، ترك بصمات واضحة في خارطة الأدب العربي بوجه عام ، والأدب السوداني على وجه الخصوص؛ قد تصيب هذه المحاولة أحياناً، وقد تخطئ أحياناً أخرى، ولكنها في نهاية المطاف قد تشكل دافعاً للآخر ين لإعادة تقييم هذه التجربة الإبداعية ، وتسليط الضوء على أبعادها المختلفة.
عدد الصفحات ١١٣