المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مرافئ وشرفات – بحث دائب عن الإبداع والتميز والرقي مجموعة مقالات

علي صالح طمبل

صفحة ٦ من ١٢

مرافئ وشرفات 81 رى التي وعلى القائمين على أمر التعليم أن يستفيدوا من تجارب الدول الأخ سبقتنا في مجال التعليم، بحيث يختار كل طالب التخصص الذي يميل إليه حسب رغبته ولم يؤهله تحصيله هو، لا حسب تحصيله الأكاديمي، وحتى إن كان يميل إلى مجال معينَّ الأكاديمي للالتحاق به، فيمكن أن تجرى له معالجات، مثل كورسات التقوية التي يتأهل الذي يرغب فيه، وبالتالي المجال الذي يجد نفسه فيه، حتى يكون مبدعاً، بموجبها للمجال وفعالاً، وأكثر إفادة ونفعاً للمجتمع. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٨٢

مرافئ وشرفات 82 تحديد الأهداف ووضع الخطط: محاولة للبحث عن بوصلة ذكر لي أحد الأصدقاء أنه قد حقق جُلَّ أهدافه التي رسمها في عشر سنوات، منها الزواج، وبناء المنزل، وشراء السيارة، إضافة إلى إنجازات على الصعيد العملي والأكاديمي والنشاط الإبداعي، وقد حقق تلك الأهداف بنسبة كبيرة، فحتى السيارة التي اشتراها كانت من ذات النوع الذي اختاره بالتحديد! سألته عن سر هذا النجاح والتوفيق، فأخبرني أن السبب هو تحديده لأهدافه، وكتابت ه إياها، وجدولتها وفق جدول زمني. حقيقة، لفت ذلك الصديق انتباهي إلى أمر في غاية الأهمية، يفتقد إليه الكثيرون في مجتمعنا على وجه التحديد، حيث تسير الِياة بلا بوصلة ولا أهداف، (بالبركة) كما يقولون! حياتنا للأسف الشديد تفتقد إلى التخطيط، وتكاد تخلو من المبادر ات، وحتى إن وجدت هذه المبادرات فإنها تكون رد فعل للمواقف أو الأحداث، وليست مبنية على أهداف وخطط واضحة، والمحزن أن هذا الأمر ينطبق على أعلى المستويات، فحتى على مستوى الدولة تضعف الأهداف والخطط المرتبطة بفترة زمنية محددة، وح تى إن وجدت الأهداف والخطط، فقل من يعمل على تنفيذها، وحتى إن كان هناك من ينفذها، فيندر أن تجد من يتابع التنفيذ وكيفيته، فيحاسب على القصور، ويحفز على الإنجاز؛ ل ذا يستغرق المشروع الذي التزمنا بتنفيذه في سنتين خمس سنوات أو ست، وتستغرق سفلتة الشارع التي تعهدنا بتنفيذها في ستة أشهر سنتين أو ثلاث، ومن أراد أن يوقن بفشلنا في الالتزام بالأهداف والخطط، فلينظر إلى أربع مشاريع استغرق أقلها عشر سنوات، وما زال بعضها ينتظر، مع أنه لو كانت هناك خطط واضحة وأه داف محددة، ومتابعة، ومحاسبة للمنفذين لهذه المشاريع؛ لما طال بها الأمد حتى كادت تسقط من ذاكرة الناس! وهذه المشاريع هي:

عدد الصفحات ٨٣

مرافئ وشرفات 83 مشروع (واحة الخرطوم)، ومشروع (سندس) الزراعي، وطريق (الإنقاذ الغربي)، ومشروع ثر من عشر سنوات على (المدينة الرياضية)، والأخيران لم يكتملا بعد، بالرغم من مرور أك تاريخ البدء فيهما! قليلون هم الذين لديهم أهداف في هذه الِياة، وأقل منهم الذين لديهم أهداف بجدول زمني وفق خطة معينة! الذين لديهم أهداف مكتوبة مجدولةمكتوبة، وأقل منهم وأقل منهم الذين يلتزمون بتنفيذها رغم كثرة المقاطعات والخروقات. داف إذا لم تكن محددة ومجدولة بجدول زمني وخطة واقعية ممرحلة، واستفر الأه الإنسان جهده في تحقيقها، فستظل دائرة في فلك الأحلام الهائمة والأماني الزائفة! فشأنها شأن القائل: نتمــنى وفي التمني شـــــــقاءٌ ونصلي في سحـ ـــــــرِّنا للأماني غير أني وقدْ كرهتُ التمنيِّ ونناجـــي يا ليت كانوا وكنَّــــ ـــــا والأماني في الجهر يسخرْنَ محنَّا أتمــــــــــــنىَّ لو كنتُ لا أتمنـَّــــ ـــــــــى أُجريت دراسة على مجموعة من الناس يمثلون فئات مختلفة، فوُجد أن الذين النتائج التي حققها الذين لم تكن لهم لديهم أهداف محددة حققوا في حياتهم أضعاف أهداف محددة، والذين لهم أهداف محددة ومكتوبة حققوا أضعاف النتائج التي حققها الذين لهم أهداف محددة ولكنها غير مكتوبة. كتابة الأهداف وجدولتها وفق جدول زمني محدد تجعلها حاضرة في الذهن، يوم، فإن نسي أو أصابه الفتور والكسل خاصة إذا كان الشخص يطالعها ويراجعها كل نفض عنه غبارهما حين يذكر تلك الأهداف، وأنها مرتبطة بزمن قد ينفد قبل تحقيقه إياها. ومما يؤسف له أننا حين جرَّدنا حياتنا من الأهداف والخطط صارت بلا معنى ولا بادرة، لننتظر طعم، تنساق كيفما اتفق، ومتى سنحت الظروف والأحداث؛ ففقدنا زمام الم أن تمطر السماء ذهباً! ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٨٤

مرافئ وشرفات 84 يقولون: (قيمة المرء ما يحسن)، ولكنَّ قيمة المرء الِقيقية هي ما ينشد وما يهدف – كما ذكر ذلك الشيخ محمد سيد حاج رحمه الله – فأهدافنا هي التي تثمِّن حياتنا وتمنحها قيمة عالية، وخير الأهداف ما ربُط برفعة الدين وإعلاء رايته، وخير الناس – في رأيي – من جعل أهدافه الدنيوية وسيلة لتحقيق الأهداف الأخروية، لا غاية في حد ذاتها.

عدد الصفحات ٨٥

مرافئ وشرفات 85 لماذا يقل المتميِّزون فينا؟ كثيراً ما أتساءل لماذا يكاد التميز يغيب عن حياتنا، فأغلب من لاقيت لا يعدو إلا من رحم الله تعالى!أن يكون نسخة مكررة تكراراً سمجاً مملاً من غيره، لماذا يرضى الكثيرون بأن يعيدوا إنتاج تجارب غيرهم، ويقنعوا بأن يعيشوا في الظل ليمارسوا حياة روتينية ضاربة في التقليدية والسأم؟! لوجدتها غارقة في وحل السطحية ،لو سألتَ كثيراً ممن تقابل عن أهدافه في الِياة والذاتية وقصر النظر، وحتى إن كانت أهدافاً طموحة لا تجده يسعى جاداً لتحقيقها! فأكثر الناس يسير بروح القطيع، ويخوض مع الخائضين، دون أن يكلف نفسه مشقة صعود الجبال وركوب الصعاب! على نحو ملحوظ إذا قورن والسؤال الذي يؤرقني: لماذا يقل المتميزون في مجتمعنا بغيره من المجتمعات التي بلغت شأواً بعيداً في الِضارة والتقدم؟! لا شك أن هناك أسباباً !ر الشديد إلى التميزتكمن خلف هذا الافتقا أول هذه الأسباب وأعظمها -في رأيي –يكمن في ثقافتنا المجتمعية، فنحن قوم ، وأكبر دليل على ذلك أن تجد آلاف الشباب لا نعلي في أدبياتنا من قيمة العمل العاطلين عن العمل، ليس لأنهم لم يجدوا عملاً، ولكن لأنهم لم يجدوا عملاً ينسجم مع رغباتهم ويتفق مع مجال تخصصهم، مع أن كثيراً من الشعوب قد تجاوزت هذه الفلسفة ي يحمل شهادة التي لا طائل من ورائها، فصار من المعتاد أن تجد فيها سائق تاكس ماجستير، أو خريجاً جامعياً عاملاً في مطعم. أما نحن فما زلنا نعتبر ذلك عيباً وسُب ة اجتماعية عند كثير منا! لذا فضَّل الكثيرون العطالة على العمل.. فلا تستغرب إن وجدت فعاً شاباً يعتمد على أبيه أو إخوته بعد تخرجه لعدة سنوات، ويكون الفرا الذي يعانيه دا ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٨٦

مرافئ وشرفات 86 للانحراف والضياع.. وهكذا تـُهْدحر بلادنا كل يوم طاقات كان يمكن أن تسخرها في التنمية والإعمار! وحتى الذين يعملون في وظائف، لا تجدهم يقدِّرون قيمة العمل، فيهدرون الوقت، دون مراعاة للمهام الموكلة إليهم بطبيعة وظائفهم التي يتقاضون عليها أجوراً، فصار أمراً معتاداً أن تجد أغلب الموظفين قد خرجوا– بحجة المشاركة في عزاء والد زميلهم أو زميلتهم، فيفعلون المستحب ويتركون الواجب الذي تتعطل بتركه مصالح الناس، مع أن هذا العزاء يمكن أن يُقد م بعد ساعات العمل! وحتى الذي يلتزم بالدوام الرسم ي تجده يضيع الوقت في وجبة الإفطار، وشرب الشاي، وقراءة الصحف اليومية، وتجاذب أطراف الِديث مع زملائه! حتى إن بعض الدراسات تشير إلى أن متوسط عمل الموظف في اليوم لا يتجاوز نصف ساعة (كما أشار إلى ذلك الزميل جمال فقيري في عموده (إلى العلا) بصحيفة المحرر)! فيتناس ى هؤلاء أن إتقان العمل وإحسانه من صميم الدين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) (1)، وقوله عليه الصلاة والسلام(إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)(2). وحتى الوظائف – في غالبها - لا تفضي إلى تطوير مقدرات الموظفين وتفجير طاقاتهم، ولا تكسبهم مهارات تُذكر، فتكون المحصلة: موظف يؤدي مهامه بروتين قاتل وآلية رتيبة، دون إبداع أو إجادة! كما أننا شعب لا يقدر أهمية الوقت – إلا من رحم – ولا قيمة له بالنسبة إلينا؛ إذ أننا ننفقه بسخاء في ما لا طائل من ورائه، فهو أرخص شيء بالنسبة إلى كثيرين منا، )1)رواه مسلم برقم 5167.) )2)السلسلة الصحيحة برقم ( 1113.)

عدد الصفحات ٨٧

مرافئ وشرفات 87 مع أن العناية بالوقت مما حث عليه ديننا الِنيف. وبما أننا لا نهتم بالوقت وأهميته فقد في المواعيد، والِضور بعد فوات الأوان! عُرف عنا التأخير ومن الأسباب أيضاً: البيئة الاجتماعية المثبطة التي تحارب الجديد، ولا تشجع الابتكار والتميز، البيئة التي تلجأ إلى أقصر الطرق، وهو التقليد الأعمى والتكرار الممجوج! بداعات، وتنمي ومن الأسباب: افتقار البلاد إلى جهات ترعى المواهب والإ المهارات، وتشجع البحث العلمي، مع أن هذه الجهات تمثل القاعدة التي نهضت عليها كثير من الدول التي انتشرت في جميع أنحائها مراكز تتبنى الإبداعات، وتشجع المواهب، وتوظف الطاقات لخدمة الوطن، وتجزل العطاء للباحثين، حتى إن بعض الدول قد يصل بحث المفيد للمجتمع خمسين ألف دولار، فلا تتملكك الدهشة إن التقيت فيها عائد ال عدد بحوثه ثلاثة آلاف أو يزيد بلغفيها بباحث ! وإني لأتساءل: هناك آلاف من المتميزين أكاديمياً، بما فيهم أوائل الشهادة والمناسبات السودانية والموهوبين والمبدعين الذين التقينا بهم في المدارس والجامعات الاجتماعية: ما هو مصيرهم، وما هو تأثيرهم؟ لا شك أن كثيراً منهم استسلم لثقافة المجتمع، وذاب في البيئة المحبطة؛ بدليل أننا لا نلمس لهم أثراً حقيقياً على أرض الواقع! ما لم نغير من ثقافتنا التي لا تقيِّ م العمل، وبيئتنا المثبطة للإبداع والتميز، ونهت م بالبحوث والدراسات الجادة، فسنظل قابعين في ذيل الأمم وهامش الِضارات. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٨٨

مرافئ وشرفات 88 لماذا لا نكون عظماء؟ في كل يوم ما نقابل كثيراً من الناس فلا نلتفت إلى أغلبهم، ولا نتذكر منهم إلا القليل، ولا تُنقش في ذاكرتنا إلا مواقف بعينها يصنعها بعضهم، فذاكرتنا عادة ما ترتبط بالمواقف الخارجة عن المعهود وعن الروتين الذي صار سمة بارزة لِياتنا اليومية. ولكن السؤال الذي يطفو على صفحة ذاكرتي الآن هو: ما الذي يميِّز حياة أحدنا عن الآخر، ولماذا يمرُّ علينا في حياتنا ملايين الأشخاص ونحس بأن الغالبية العظمى منهم لا تعدو أن تكون نسخة مكررة وممجوجة من بعضها.. نفس الدورة الِياتية: طفولة.. شباب .. زواج.. إنجاب.. ووفاة، دون أن يخلِّف معظمهم ما يسترعي الانتباه! فهل كان للعظماء وذ وي العزم في هذه الدنيا مقدرات ت فوق مقدراتنا، أم كان لهم أعضاء تزيد عن أعضائنا؟ بالطبع الخيار الثاني لا يستقي م؛ والخيار الأول قد يكون صحيحاً، ولكن هل كلُّ من له مقدرات فائقة بالضرورة عظيم؟ هذا أيضاً لا يستقيم؛ لأن كثيراً ممن كانت له مقدرات فائقة لم يستحق أن يدرج في مصاف العظماء؛ مع العلم بأن الإنسان لا يستغل من مقدراته في أغلب الأحيان ما يزيد عن 20%. في رأيي أن م ردَّ ذلك يعود أولاً إلى توفيق الله عزَّ وجلَّ ، ثم إلى العزيمة التي تميِّز العظماء عن غيرهم. وكما قال بعض الِكماء: (لو تعلق قلب ابن آدم بالثريا لنالها)، وقال المتنبي: على قدْرح أهلح العزمح تأتي العزائمُ فتعظُمُ في عين الصَّغيرح صغارُها وتأتي على قدْرح الكرامح المكارمُ وتصغر في عين العظيمح العظائمُ وقال أيضاً: وإذا كانَتح النـ فُوسُ كحباراً تَعحبَتْ في مُرادحها الأجْسامُ

عدد الصفحات ٨٩

مرافئ وشرفات 89 وكَذا تَطْلُعُ البُدورُ عَلَيـْنَا وكَذا تـَقْلَقُ البُحورُ العحظامُ وقال: إذا غامرتَ في شرف مرومح فلا تقنع بما دون النجومح فطعم الموت في أمر حقيرٍ كطعم الموت في أمر عظيمح لكنَّ البعض كان عظيماً في الِق، وبعضهم كان عظيماً في الباطل؛ وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة). عن الدين، فهل سألت أخي نفسك يوماً: لماذا لا تكون عظيماً في الِق، تذود وتحمي حياضه بما تملك من مقدرات، في أي مجال كان؛ لتفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! لماذا ترضى أن تكون حياتك نسخة مكررة من حياة الآخرين، لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، ولا هدف لها ولا منهج ولا تخطيط؟! ولماذا تحصر نفسك في الأهداف الصغيرة، وتشغلها لأمور التي تحجبك عن عظائمها ومعاليها؟! لماذا تركن إلى الدنيا، وترضى بالفتات، بتوافه ا بدلاً من أن تعلق قلبك بالله ونصرة دينه بكل ما أوتيت من قوة ومقدرة؟! إنها خاطرة عجلى لنراجع حياتنا سوياً: إلى أين تسير؟ وبم تنشغل؟.. دعوة على الله د، ونستبدل كل ذلك بالتوكللننفض غبار التواكل والكسل والروتين والجمو والعمل والعزيمة والمثابرة؛ وما التوفيق إلا من عند الله. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٩٠

مرافئ وشرفات 90 لماذا تنطفئ كثير من النجوم في سمائنا؟! كثير من النجوم انزوت من حياتنا، وانطفأ بريقها، بعد أن سارت بذكرها الركبان، واحتفى بسطوعها المحتفون. فكم من أديب حاذق انكب الناس على إصداراته يلتهمونها التهاماً، ثم غاب عن ذاكرة الإبداع! وكم من صحافي أثارت مقالاته وتحقيقاته جدلاً واسعاً، ثم لم تعد كتاباته تجذب أحداً! وكم من سياسي بارع شدَّ الانتباه بحنكته وذكائه، ثم توارى عن الأنظار وتجاوزه مسرح السياسة ! وكم من أكاديمي حقق الدرجات العلمية المبهرة، فأثار إعجاب من حوله، ثم أصبح مغموراً، بعد أن كان محط الأنظار وموضع الاهتمام! وكم، وكم، وكم.... فالقائمة تطول، والأمثلة تستعصي على الِصر، ولكن هذه المشاهد المتكررة في كل زمان ومكان تستدعي سؤالاً منطقياً: لماذا تبرق هذه النجوم في حياتنا، ثم سرعان ما تخبو وينطفئ ضوؤها وتغيب عن المشهد، بالرغم من امتلاكها لمقدرات هائلة وإمكانيات كبيرة على المستوى الشخصي؟! مردُّ هذا – كما ذكر مالك بن نبي - يعود إلى أن كثيراً من الناس لم يجمع بين الجهد والعبقرية، وبين الإبداع والتطوير، وبين الموهبة وا لصقل؛ فكم من شخص وهبه الله عزَّ وجلَّ عبقرية أو إبداعاً أو موهبة، ولكنه اغتر بثناء الناس عليه، وخدعه انبهارهم به، وتواكل على ما أوتي من خصائص ومميزات، فلم يعمد إلى تطويرها، ولم يتعهدها بالرعاية والصقل، فتجاوزه الزمن، وعجز عن مجاراة المتغيرات والمستجدات؛ فعالم اليوم تطبعه السرعة بطابعها، ويعد ا لتجديد والتغيير معلَمين بارزَ ين في طريقه السريع، فلا يكاد فيه

عدد الصفحات ٩١

مرافئ وشرفات 91 الناس يلتقطون أنفاسهم؛ إلا من بذل من الجهد ما يوازي هذا التحديث المستمر في كل المجالات والتخصصات. قد يكون الأديب حاذقاً، ولكنه لا يجدد أساليب سرده، ولا يطور لغته، ولا يقرأ اجات المجتمع ويطور إبداعه الفني؛ فيغض القراء الطرف عن من الكتب ما يلبي احتي كتاباته التي تسقط في درك النسيان. وقد يكون الصحفي مثيراً للجدل، ولكنه يتناول ذات الموضوعات، ويبدأ كتاباته بذات المقدمات المعهودة، ويستشهد بذات المراجع؛ فلا غَرْوَ أن يتخطاه القراء ويبحثوا ن بها شغفهم إلى الجديد المفيد.عن بدائل يشبعو وقد يكون السياسي بارعاً، ولكنه يظل نمطياً في معالجاته لمسائل السياسة، لا يطلع على الجديد، ولا يطور أساليبه ولا خطابه السياسي؛ فيصبح في دنيا السياسة نسياً منسياً، بعد أن كان ملء السمع والبصر. على أعلى الدرجات العلمية، وأرفع وقد يكون الأكاديمي متميزاً، يحصل الشهادات الأكاديمية، ولكنه يرضى من الِياة بوظيفة تسجنه في نفق الروتين والتبلد، ولا ر نفسه في مجاله الأكاديمي بالبحث والدراسة، ولا يقدم لمجتمعه شيئاً؛ فتكون المحصلة يطوِّ أن يسقط نجمه من سماء الشهرة والنجومية. الفيصل بالنسبة لكل ما ذكرنا، فقد أخبرنا النبي صلى الله وثمة عامل مهم هو عليه وسلم أن كل ما ارتفع من الدنيا فهو موضوع لا محالة، حيث قال: (حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعهُ) (1). والمعروف أن الكمال محال، وأن طبيعة البشر يعتورها النقص والقصور. يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: (فكل ارتفاع يكون في الدنيا ، فإنه لا بد أن يؤول إلى انخفاض، فإن صحب هذا الارتفاع ارتفاع في النفوس، وعلو في النفوس؛ فإن الوضع إليه أسرع؛ لأن الوضع يكون عقوبة، وأما إذا لم )1) رواه البخاري برقم ( 2872). ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٩٢

مرافئ وشرفات 92 يصحبه شيء، فإنه لا بد أن يرجع ويوضع، كما قال الله تبارك وتعا ﱡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎﱠ(1). قد يقول قائل: إن هناك نجوماً تظل لامعة في سمائنا بالرغم من كونها لم تعمل للآخرة، بل كان كل ع ملها للدنيا، ومن أجل الذيوع وحظوظ النفس ؛ وقد يقول قائل: ما دام كل شيء سيقع وينخفض مهما ارتفع، فلا داعي أن نبذل جهداً ونقدم ما في وسعنا لتطوير ما نقدمه للناس، فنقول لهما: إن ما كان لله هو الذي يمكث في الأرض وينفع الناس، وهو الذي يسود ويرتفع ذكره في الِياة الدنيا، وينفع صاحبه في الآخرة، وهو المستثنى من السقوط وا لوقوع والانطفاء المذكور في الِديث، يقول الشيخ ابن العثيمين في تفسيره لذات الِديث: (وفي قوله عليه الصلاة والسلام: (من الدنيا) دليلٌ على أن ما ارتفع من أمور الآخرة فإنه لا يضعه الله، فقوله تعالى: ﭐﱡﭐﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠﳡ ﳢ ﳣ ﳤ ﳥﱠ(2( ، هؤلاء لا يضعهم الله عزَّ وجلَّ ما داموا على وصف العلم والإيمان، فإنه لا يمكن أن يضعهم الله؛ بل يرفع لهم الذكر، ويرفع درجاتهم في الآخرة). فالنجومية الِقيقية هي ما ما كانت لله وارتبطت بالآخرة، وأخذ صاحبها بأسباب الرفعة المشروعة من التطوير وبذل الجهد والمواكبة، أما ما كان سوى ذلك فهو سرعان ما يعلو ثم ينخفض، ويلمع ثم ينطفئ، وحتى لو ظل على لمعانه وبريقه؛ فسيظل لمعانه خادعاً وبريقه سراباً يحسبه الظمآن ماءً. )1)[24.] )2)[11.]

عدد الصفحات ٩٣

مرافئ وشرفات 93 ة..!!المهدر الطاقةشبابنا حينما أرى مجموعة من الشباب ينتقلون من ظل شجرة إلى أخرى، ومن رصيف راهم يقضون نهارهم في ما لا يفيد، ويسهرون ليلهم في ما لا ينفع، أوحين إلى آخر، بأن وينامون حتى تحرقهم الشمس منتصف النهار، حينها يعتصرني الألم، ويعظم يقيني هذه البلاد تهُدر طاقات لا تقدر بثمن، وتفقد ثروات أغلى من الثروات التي فقدتها بانفصال الجنوب من البترول والذهب والأراضي الزراعية.. تفقد عماد نهضتها، وأُسَّ رفعتها، ورأس مالها البشري.. رأس مالها الِقيقي الذي يفجر الثروات الكامنة، ويبعث ا العميق.الِضارات من سباته شبابنا اليوم –إلا من رحم –تتقاذفه أمواج الشبهات، وتعصف به رياح الشهوات، ويعاني من فرا روحي، ويفتقد إلى القدوات؛ فلا غرو أن تجده فاقداً للبوصلة، اً يتبع كل رويبضة ناعق، ويقتات على ثقافات وافدة، لا يفرق بين غثها وسمينها، فاقد يِّعت شخصيته!بت ثقافته، ومُ للهوية، استُل إن الواقع الذي يعيشه الشباب اليوم، من تخبط وفرا حصيلته الانحراف، وحصاده الإجرام، ومظاهره الركون إلى اليأس، والإحساس بالضياع، والثورة على القيم والأخلاق! الشباب وقودها، كل المنعطفات التاريخية والتحولات الكبرى في تاريخ البشرية كان عنى بشبابها لا تستحق البقاء، ولا تملك مقومات النهضة وركيزة انطلاقتها، وأمة لا تُ ، والبناء، وكل الدول التي قطعت شوطاً بعيداً في ركب الِضارة أولتح الشباب عناية خاصة .ليبدع، ويبتكر، ويشارك في عملية التنمية والتطوير ؛ففجرت طاقاته العقلية والجسدية شبابنا اليوم بحاجة لقدوات وقادة، يشحذون هممهم نحو العطاء الفعال، قدوات وقادة يشذبون سلوكهم ويربونهم على معالي الأمور وأشرافها، ويوجهون طاقاتهم إلى المسار ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٩٤

مرافئ وشرفات 94 السليم الذي يخدم دينهم وأمتهم.. بحاجة إلى المؤسسات والمراكز والمخيمات ال تستوعبهم، وتنمي مو اهبهم، وتعزز ثقتهم بأنهم البناة الِقيقيون لنهضة الأمة وحضارتها.

عدد الصفحات ٩٥

مرافئ وشرفات 95 مرافئ الثقافة وشرفات الإبداع ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٩٦

مرافئ وشرفات 96

عدد الصفحات ٩٧