مرافئ وشرفات 65 الوظيفة والإبداع: والعلاقة الغائبة السؤال من قبل: هل هنالك ثمة علاقة ملموسة هل طرح أحدنا على نفسه هذا في بلادنا بين الوظيفة والإبداع؟ الواقع يقول بأن الوظيفة بشكلها الِالي هي إحدى مثبطات الإبداع في بلادنا؛ فبمجرد أن يلتحق أحدنا بوظيفة ما تبدأ مواهبه وإبداعاته في التناقص، إلى أن يصبح أداؤه اً من الإبداع والابتكار والتميز! للعمل آلياً وروتينياً، خالي تعمل على تنمية أن إن الموظف يتوقع أن تهيئ له الوظيفة مناخاً إبداعياً معافى، و خبراته؛ في سبيل تجويد الأداء وتحسينه؛ لكن المؤسف أن الموظف في بلادنا صار يُضرب اتل!به المثل في ضعف الأداء وبطئه، وإفراطه في البيروقراطية والروتين الق ألم يتساءل أحدنا: لماذا لا يستطيع كثير من الموظفين استثمار أوقاتهم في عمل مفيد حين يحالون إلى التقاعد؟!.. لماذا لا يبدؤون حياة عملية جديدة في أي مضمار آخر؟! ولماذا نرى كثيراً من هؤلاء المتقاعدين قد أصيبوا بالاكتئاب والضجر، عاجزين عن ر حتى يتوفاهم الله تعالى؟!الانخراط في عمل آخ إن الوظيفة الِقيقية هي التي تعطي صاحبها مهارات متعددة في القيادة وإدارة الذات والآخرين والتعاون معهم، ومقدرة على التفكير والابتكار، علاوة على خيارات عدمتعددة يجابه بها مختلف الملابسات والظروف التي تواجهه في الِياة، بما في ذلك التقا ؛ لا كما يحدث في واقعنا العملي من قتل لروح التميز واقتحام الجديد، بما تقوم أو الفصل ووأد لروح الفريق! فالوظيفة ،وإقصاء للشورى ،عليه مؤسساتنا التقليدية من فرض للأوامر كما قال صاحبنا الساخر: تعلِّم الجبن وتقتل روح المغامرة! ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٦٦مرافئ وشرفات 66 إن الشواهد الواقعية توميء إلى تراجع الوظيفة في بلادنا في كثير من المؤسسات؛ وذلك نتيجة لتراجع أوضاع الموظفين المعيشية، وغياب المؤسسية والتخطيط! وإني لأتساءل: كيف لموظف أن يبدع وهو يُعطَى راتباً زهيداً لا يكاد يفي بمتطلباته الأساسية، وكيف له أن يبتكر وهو مشغول البال بتقسيم دخله المحدود، و دائب التفكير في همومه وأحلامه الصغيرة التي فرضها واقعه المرير؟! لذلك لا أستغرب كثيراً حين أجد موظفاً قد تحول إلى آلة صمَّاء، وفقد روح التفاعل مع الآخرين حين تكالبت عليه الهموم، إلى أن يستوي عنده الفرح والِزن! عفواً! إنها ليست دعوة للإحباط والاستسلام للأمر الواقع، ولكنها مناشدة للقائمين على الأمر في مؤسساتنا أن يحافظوا على رأس المال الِقيقي لمؤسساتهم، ألا وهو الموظف، بتهيئة مناخ ملائم للإبداع والابتكار، ينقله من التفكير في الأحلام الصغيرة والأهداف الِقيرة إلى السعي للطموحات السامية والأمور العظام. وهي همسة أيضاً في أذن الموظفين بأن يحاولوا التغلب على الصعاب، ويشعلوا في نفوسهم الهمم العالية التي لا تعرف اليأس والفتور والإحباط، مستحضرين قيم الدين الِنيف من أن الله يحب الإتقان في العمل، وكتب الإحسان على كل شيء، وأن من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل.
عدد الصفحات ٦٧مرافئ وشرفات 67 ين إشباع المتطلبات وتفجير الطاقات الوظيفة ب كان شأني مع الوظيفة منطبقاً عليه قول الشاعر إبراهيم ناجي: أعطــــــني حريتي أطل ــــــــقْ يدي ْ احتفاظي بعهود لم تصنْها إنني أعطيتُ ما استبقيتُ شي والإم الأســــر والدنيـــــــــــا لـــــديْ ؟! كان لي مع الوظيفة حرب سجال، ومناظرات، أنتصرُ فيها حيناً بمبدأ بالفعل التوكل على الله، ثم الثقة في مقدراتي؛ وأُهزم فيها بمبدأ الخوف من المجهول، ومنطق (الخوَّاف ربي عياله)! كنت أشبِّهُ الوظيفة بحياة الرقيق، بتكبيلها للطاقات ووأدها للإبداعات، فكانت ؤيديها بأن في الاستقالة مخاطرة لا تحُمد عقباها، وأن في تركها تضييعاً لمن رني بلسان متذكِّ أعول، وربما ذكروا حديث عَ مَنْ يـَقُوت(كفى بالمرء إثماً أن يُضَيِّ )(1). الوظيفة، ولكن أكثرهم كان إما كان كثير من زملائي يؤمنون بما أقول في ذم غلوباً على أمره لا يجد بديلاً، أو يخشى الفقر مكابراً جاحداً بما استيقنته نفسه، أو م ووالعوز، ﭐﱡﭐﲣ ﲤ ﲥﱠ(2)، أو مسكيناً يمنيِّ نفسه بأمانٍ ووعود يسوقها المديرون في العادة، من زيادة المرتبات والعلاوات، وتحسين المخصصات، وتوسيع الصلاحيات؛ حتى يطول الأمد على أحدهم، ويعمِّر في الوظيفة بعد أن يُفني فيها زهرة شبابه؛و تكون عاقبة الأمر أن تستحوذ على حياته، ويسري روتينها وجمودها وتبلدها في دمه، وتُبرمجحُه كما تُبرمَج الآلات! ومن ثم يعجز عن فراقها -بالرغم من بغضه لها ولنكدها (1) حسنه الألباني في صحيح أبي داود برقم 1485). )2) [سورة البقرة: الآية 268.] ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٦٨مرافئ وشرفات 68 - فيمَلُّ العطلات والإجازات؛ حتى إذا أحيل إلى المعاش تدهورت صحته، وسارع بخطى حثيثة نحو الموت، حين أصبحت حاجته للوظيفة كحاجة السمكة للبحر! كنت أتمثل في مناظراتي عن الوظيفة - بالرغم من انضوائي تحت رايتها إلى حين - بأبيات الشاعرالفلسطيني هارون هاشم يحيى التي غير تُ فيها بعض الكلمات حتى تتفق مع حالي: أنا لن أعيش موظ ـَّ ـــــــــــــــــفَ ا أنا لي غ ــــــدٌ وغداً أنا صاحب الأمل الكبيرح أنا ثورة كبرى تزمجرُ أنا لن أظ ــل (مكتـ فَا) سأزحف ثائراً متأفـِّفَا وصـــــانعٌ منه الوفَ ا بالعواصــــــــف والجفَ ــــــــــــــا وحين اتهمني بعضهم بأنني أقول ما لا أفعل الوظيفة وهجائي لها مرة، وكُوِّنت لجان تحاول إثنائي عن قرار الاستقالة، وتعدني بتحسين الأوضاع وتوفير معينات العمل؛ ولم تعدني في الِقيقة إلا تخديراً وتسويفاً وهدهدة لجراحي الغائرة. وكان أن عدت إلى مزاولة العمل تحت وقع الوعود والضغوط، ورجعت كرة ثانية لأزاول هوايتي المفضلة في نقد الوظيفة والنَّ يل منها؛ لأُفر فيها حر كبدي وأُذهب غيظ قلبي، فأنشأت أقول: أعطــــــني حريتي أطل ــــــــقْ يدي ْ ماذا يروقك في القيودح واحذر أخي مما يسمى بالوظيفةْ وأنت في أيامك الغُرِّ الوريفةْ؟! ومن عجائب توارد الخواطر أنني قرأت للشاعر محمد المهدي المجذوب خواطرَ وأبياتٍ يبث فيها تبرمه من الوظيفة وقيودها، وعجبت كيف صبر على الوظيفة قرابة ربع قرن من الزمان، بالرغم من ضيقه بها ونقده اللاذع لها! إذ يقول في أبيات له: عد يا قطارُ فلن أعود وظيفتي
عدد الصفحات ٦٩مرافئ وشرفات 69 قيدٌ عليَّ بأجره يتصدقُ ويقول أيضاً : وظيفتي لئيمة أخدمها تأكل حقي جهرةً، ألعنها تلعنني لأنني أنخس بالشعر حمارها الوقيرْ ودُهشتُ كيف صبر المجذوب طيلة هذه السنوات على قيود الوظيفة المبدعين المتمردة على الروتين القاتل والِياة الرتيبة! ولا وبيروقراطيتها، بالرغم من طبيعة سيما وأنه قد عمل محاسباً، مع أن العداء قديم بين لغة (الأرقام) ولغة (الأقلام)! ويقيني أن المجذوب قد عانى كثيراً من صراع داخلي بين دواعي الإبداع في نفسه مرغماً، وهذا ما أكده في مقدمة ديوانه ومتطلبات الِياة التي جعلته يتصالح مع الوظيفة (الشرافة والهجرة): (ولم أتمكن من الجمع بين الواقع الذي أعيش فيه والشعر، ثم غلب علي ابتغاء الأجر في طلب العيش، فأعطيت وظيفتي، وهي حق لا ريب فيه، كل وقتي ـــــادي الصديق بقولها: وتفكيري وطاقتي). وهذا ما أكدته أيضاً الأستاذة نسرين عبد الهـــــــ (ما بين عمل الشاعر كموظف في دواوين الخدمة الِكومية، وهو أقصى ما كانت تتوق إليه الذات المتعلمة في ذلك الزمان، وما بين شخصية الشاعر المث قف الذي يحمل من الفكر الكثير شقٌّ كبير، فنجد الخيبة من الوظيفة قد لازمت الشاعر، فلم يسعفه ذلك في سد متطلبات الِياةاليومية، ولم يرقَ ذلك بشعره كذلك). وهذا دفعني للتساؤل: ماذا لو انتصرت دواعي الإبداع في نفس المجذوب وانحاز لشعره وفكره فاستقال من وظيفته ضارباً بامتيازاته المزعومة عرض الِائط؟!.. في اعتقادي رقاً في معادلة الإبداع، ليس أن الاستقالة كانت ستشكل نقطة تحول تجعل منه رقماً فا ! هح تح مَّ رُ على مستوى الأدب السوداني وحده، بل على مستوى الأدب العربي بح ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٧٠مرافئ وشرفات 70 ولعل هذا ما دعاه للأسف على وظيفة أفنى فيها ريعان شبابه بالرغم من عجزها عن إشباع متطلباته المعيشية وتفجير طاقاته الإبداعية: عجبت لنفسي كيف أصبحتُ جالساً إلى مكتب أُ بلي شبابي في الجردح وأخذت أتشدق ببعض القصص لأناس خلعوا رداء الوظيفة وأداروا لها ظهورهم؛ فاحتضنهمالنجاح، وصعدوا في سُل م الرقي بخطى حثيثة واثقة، حين تخلصوا من لباس الخوف والجبن؛ حتى إن أحدهم سل م مفتاح سيارته، وأشاح بوجهه عن راتبه المغري، وبدأ يؤسس لمركز تدريب مستقل في مجال التنمية البشرية، فكان له ما أراد! وذكرت لزملائي الموظفين مقولات تذمُّ الوظيفة وتنتقدها مثل قول أحدهم: (الوظيفة أمان من الغنى، أمان من الفقر)؛ أي أن الوظيفة تجعل صاحبها في حاجة ماسة إليها، فلا هي بالتي تفقره تماماً، ولا هي بالتي تغنيه فتجعله يكتفي بها عن الاستدانة وسؤال الناس! وطفقت أُورد مقولات مثل (الوظيفة أضيق أبواب الرزق) ومقولتي (الوظيفة والإبداع يسيران في خطين متوازيين لا يتقاطعان) في إشارة مني لتكبيل الوظيفة للمبدعين وكبتها لطاقاتهم التي لا يستخدمون 20% منها على أحسن الأحوال، وما قاله المتخصصون في التنمية البشرية، مثل قولهم (إن الذي يبقى في الوظيفة أكثر من خمس سنوات فاشل!)، وإن كنت قد أدمنت الفشل بالفعل حين بقيت في الوظيفة سبع سنوات عجاف، لم تتبعهن سبع سمان! وحين شك ك بعضهم في مدى جديَّ تي في الاستقالة أعلنتها داوية، فكانت استقالتي مفاجأة لم يتوقعها أقرب الأقربين إلي ، حين ضقت ذرعاً بقيود الوظيفة، وعراقيلها، ونكدها، وضيق ذات يدها، وعجزها عن تفجير الطاقات والإبداعات الكامنة التي لم أستطع تفجيرها خارجحي؛ فخشيت أن تتفجر في دواخلي، وتقضي على ما تبقى من روح الإبداع في ، أو تحولني على الأقل إلى إنسان بلا حس ولا روح، أقرب إلى الآلة
عدد الصفحات ٧١مرافئ وشرفات 71 منه إلى عالم البشر. وقد كدت أصل بالفعل إلى هذه المرحلة حيث صرت أعاني من قسوة القلب، وبرود المشاعر، وإعادة إنتاج القديم من الإبداعات! بون تها خطوة جريئة، فحار من جرائها أصحاب القرار، ووقف المكذِّ وهكذا اتخذ أمامها مشدوهين، وأُلجمت ألسنتهم حين علموا أنني عقدت العزم بقوة وإصرار هذه المرة، وأنني لن أتراجع عن قراري قيد أُنملة، وزادهم تعجباً واستغراباً أنني لم أجد بديلاً لوظيفتي ذلك حين قررت أنني لن ألتحق بوظيفة أخرى مماثلة؛ حتى لا الِالية، بل ذهبت أبعد من يكون شأني شأن (المستجير من الرمضاء بالنار)! ولم يكن قرار الاستقالة متسرعاً، أو رد فعل لإجراءات من قبل المؤسسة التي أنتمي إليها، فقد كنت أُبيِّت النية وأتحين السانحة الملائمة، حتى حانت الفرصة، ، وكانت النتيجة مفاجأة سارة لي حين قُبلت الاستقالة هذه المرة وجلَّ عزَّ للهفاستخرت ا بأعجوبة، دون سؤال أو وساطات أو أجاويد، فغمرتني الفرحة، ولم أصدق أنني بين عشية وضحاها نزعت عن رقبتي ربقة الوظيفة، وأصبحت حراً طليقاً في أرض الله الواسعة، لعلي وسعة! أجد فيها مراغماً كثيراً وهنا انطبق بيتا إبراهيم ناجي تماماً على حالتي في تلك الأثناء؛ فقد طالبت بالِرية والاستقلال من سلطات الوظيفة، وكنت قد أفرغت ما في جعبتي من سهام في محاولات مستميتة للتطوير، حاولت بها تجاوز حواجز الإحباطات، وقلة المعينات، وكثرة لوصول لادية، وكانت الاستقالة مؤشراً وقلة المحفزات المعنوية والم الأعباء، وضعف التقييم، إلى طريق مسدود، بعد أن شعرت أنني لا أستطيع تقديم المزيد من العطاء، وأدركت زيف الوعود بتحسين الأوضاع وتذليل العقبات التي تعترض العمل؛ فما كان من داعٍ لاحتفاظي كان من باعث يحملني على التقيد بوظيفة حُق لي أن بعهود ووعود لم تصنها الوظيفة، وما أنزع قيودها التي كنت أرزح تحت وطأتها وأسرها. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٧٢مرافئ وشرفات 72 حينها جمعت شتات نفسي، وقوَّيت يقيني بأن أبواب الرزق مفتوحة؛ لأن ا– وحده - هو الرزاق ذو القوة المتين؛ فكانت الاستقالة مصداقاً لذلك، شققت بها سكون الصمت، ومزقت به ا خيوط الخوف والتوجس من مستقبل بلا وظيفة : أعطــــــني حريتي أطل ــــــــقْ يدي ْ احتفاظي بعهود لم تصنْها إنني أعطيتُ ما استبقيتُ شي والإم الأســــر والدنيـــــــــــا لـــــديْ ؟! وهكذا صرت أتنسم عبق الِرية التي قال عنها القائل: (الِرية نور ونار: من أراد نورها فليصطلح بنارها)، وصرت بعد استقالتي من الوظيفة أنظر لكل موظف شأنه من قبل بعين الغبطة قبل تعييني بها!
عدد الصفحات ٧٣مرافئ وشرفات 73 كنت موظفاً.. فاستقلت.. فاكتشفت!! وطأة وظيفة أثقلت كاهلي، وجعلتني أعيش عطالة كنت موظفاً أرزح تحت فكرية، وجموداً عقلياً، وتبلُّداً حسياً، وخوفاً من المستقبل، وجبناً من المغامرة! كنت أدور في فلك هذه الوظيفة، وأرسف في قيودها، توجهني أنى شاءت، ومتى حركتي بدوامها اليومي، وتزحم فكري باجتماعاتها التي لا تنتهي، وتقاريرها أرادت، وتشلُّ التي لا تُقرأ ولا يـُبَتُّ في أمرها، وتشغلني بخططها التي لا تكتب بواقعية، ولا تنفَّذ؛ وتحاول بقح بعد ذلك كله إقناعي براتبها الهزيل الذي لم يفقرني ولم يغنيني، فلم أقطع به أرضاً، ولم أُ ظهراً!به ومع ذلك كلِّه، أغرت غيري ممن لا يعرفونها، فكانوا يلاحقونني بنظرات الإعجاب وعبارات الثناء، وقد بهرتهْم بوجاهتها المهيبة، وزيها المهندم، ومقعدها الوثير، ومكتبها ولا الفخم، وسيارتها المريحة، ومكيفاتها الباردة، وما دروا بأنني لم أكن أشعر بهذه المظاهر، حس بطعمها حين رضيت أن أكون أسير العقل والإرادة، وأن أسلم دفة توجيهي إلى أُ غيري! الآنَ –بعد أن استقلت -افتقدت لمميِّزات عدة منحتها الوظيفة، مثل السيارة والمكتب والراتب الثابت، ولكنني كسبت راحتي النفسية، وامتلكت زمام المبادرة.. ت كامنة، وإمكانيات أكبر مما كنت أظن، فخرجت من ضيق طاقا اكتشفت أن لدي الوظيفة وأسرها، إلى سعة العطاء الفياض؛ فانطلقت أعقد علاقات تصب في تحقيق أهدافي، وأُثري تجربتي بالاستفادة من تجارب الآخرين، وألبي دعوات كنت عاجزاً عن إجابتها من قبل. عالى حق التوكل، وأحسن الظن بربه، وأخذ من توكل على الله ت اكتشفت عملياً أن بالأسباب؛ وفـَّقَهُ الله وسدد خطاه، وأن دعاوى بعضهم من وعد بالفقر، وتخويف من ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٧٤مرافئ وشرفات 74 صعوبة العيش خارج نطاق الوظيفة؛ إنما هي محض افتراءات وتخرصات، تنم عن ضعف الإيمان، وقلة الثقة بالله جل وعلا، وفي الِديث: عن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لو أنكم توكَّ لون على الله حق توكُّ له، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً)(1). حكى لي أحد زملائي السابقين في الوظيفة أن موظفاً فُصل من وظيفته، فاغتم غم اً شديداً، وأظلمت الدنيا أمام ناظريه، لكنه استعان بالله، واستجمع عزيمته، واقتحم الِياة العملية في مجال تخصصه، فكان أن أنشأ عملاً خاصاً، وأخذ يسعى جاهداً في توسيعه وتطويره، إلى أن كان له ما أراد؛ فنجح نجاحاً مبهراً، وحقق أرباحاً طائلة، فقرر في آخر الأمر أن يرسل خطاب شكر للمسؤول الذي كان سبباً في فصله من الوظيفة! فقلت لصاحبي مداعباً: هذا الرجل ما كان له - بعد توفيق الله تعالى - أن يحقق ما حققه لولا فصله من الوظيفة؛ لذا من الأولى لك أن تتخلى عن الوظيفة معزَّزاً مكرماً قبل أن تغادرها مرغماً مجبر اً. الوظيفة لا شك نعمة من نعم الله عزَّ وجلَّ ينبغي أن يحُْ مَ دَ الله عليها ابتداءً، وكثير من العاطلين يفتقدونها، وقد تكون مرحلة لا بد منها لتعلم الإدارة، والنظام، والانضباط، والعمل في فريق، ولكنها تصبح نقمة حين يركن إليها الإنسان، بالرغم من عجزها عن إشباع المتطلبات، وتحقيق الطموحات، وتفجير الطاقات، وانغم اسها في وحل ال روتين، والبيروقراطية، والتبلد، والملل! ولعل بعض الناس قد لا تصلح له إلا الوظيفة التي تناسب طبعه، وتوافق ميوله ومقدراته، لكن بعضهم قد تكون الوظيفة محجِّمة لطاقاته الإبداعية الكامنة، ومعوِّقاً لطموحاته الجامحة، فمن كان هذا شأنه لا تزيده الوظيفة إلا كبتاً وتط ويقاً و(رحم الله امرأً عرف قدر نفسه). )1)(رواه أحمد وغيره).
عدد الصفحات ٧٥مرافئ وشرفات 75 ر الإبداع الكامن في الإنسان، وتغرس فيه روح الوظيفة التي تفجِّ تح دَ جح لكن إن وُ احتياجاته، ولا تلقي بظلالها الابتكار والتجديد، وتحقق له في الوقت نفسه أهدافه، وتسدُّ ب سبحانه وتعالى، وحقوق على حياته الخاصة والِقوق الواجبة عليه (مثل حقوق الر النفس، والزوجة والأبناء، والأهل) فأهلاً بها ونعمى، وأكرم بها من وظيفة؛ وأنا أول المؤيدين لها والملتحقين بها، أما ما دون ذلك؛ فهي قناعة غير محمودة، واستسلام غير مطلوب. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٧٦مرافئ وشرفات 76 الإدارة بالأشخاص التقيت بأحد الأصدقاء الذين يتقلدون منصباً إدارياً في إحدى المؤسسات، وكان الهم مرتسماً على وجهه، كأنما جمعت هموم الدنيا فيه، فاستوضحته الأمر، فشكا إلي الإدارة ومشاكلها، فقلت له مبتسماً ابتسامة واثقة: - إنني أعرف مشكلة الإدارة لديكم، ولدى المؤسسات المماثلة لمؤسستكم. فسألني في شيء من الدهشة: - وما هي؟! قلت له بذات الابتسامة الواثقة: - إن مشكلة الإدارة لديكم هي أنك تحتاج فيها إلى التدخل المباشر حتى تسير بصورة طبيعية، فمن حين لآخر تجد نفسك مضطراً للتدخل بنفسك لإزالة العراقيل والعثرات التي تعترضها؛ فهي إدارة غير سلسة، وغير منسابة. فازدادت دهشته حينها وقال لي : - صدقت؛ فأنا أجد نفسي مضطراً بصفة يومية للمتابعة بنفسي حتى يسير العمل كما ينبغي. ***** مما يؤسف له أن تجد كثيراً من مؤسساتنا مفتقدة إلى المؤسسية، غارقة في الاضطراب والتخبط، يكاد يغيب فيها تجويد الأداء، وتختفي منها الكفاءة، وتتوارى منها الرؤى والأهداف. ومن مظاهر غياب المؤسسية أن يعترض طريق الإدارة كثير من العراقيل التي تضطر المديرين للتدخل المباشر لإزالتها، مع أن المؤسسة الناجحة هي التي تنساب فيها الإدارة
عدد الصفحات ٧٧مرافئ وشرفات 77 انسياباً سلساً، وتقل فيها مهام وتكاليف الموظفين كلما علت درجاتهم الوظيفية، أما المؤسسة الفاشلة –كثر المؤسسات الفاشلة وما أ –فهي التي تكثر فيها مهام وتكاليف الموظف كلما علت درجته الوظيفية، إلى أن تصل إلى المدير، فتجده أكثر الناس انشغالاً، قد شغلت الإدارة جُلَّ وقته أثناء الدوام اليومي، وامتدت لتشاركه في أمواله وأولاده، حتى كادت الخصوصية تنزوي من حياته! دُّ ذلك في رأيي يعود إلى جملة من الأسباب، أولها ضعف التفويض، فكثير من ومر الرؤساء جعلوا المؤسسات مرتبطة بأشخاصهم، تدور في فلكهم أينما حلوا، وتعتمد عليهم اعتماد السمك على الماء! لذا لا تجدهم يميلون إلى تفويض المرؤوسين؛ إما لأن المرؤسين ؤلاء المديرين فيهم، وهذه الصفة في الغالب قد لا يكون لها غير مؤهلين، أو لضعف ثقة ه مبرر سوى تركيبة المدير النفسية المتشككة في مقدرة الآخرين وأمانتهم، دون مسوغات موضوعية وواقعية؛ لذلك يضطر المرؤوسون للجوء إلى المدير في كل صغيرة وكبيرة؛ لأنهم لا ة، فيرجعون إليه في أدق التفاصيل وأبسط يملكون التفويض اللازم والصلاحيات الكافي التكاليف ليستشيروه ويحصلوا على موافقته. لذا لا تعجب إن وجدت الموظف يلجأ إلى المدير ليصدِّق له مبلغاً بسيطاً، أو أن تجد المدير يحضُر اجتماعاً لأقسام فرعية لا تتبع له مباشرة، ولو كانت هناك إدارة منسابة ن التقارير التي يقدمها مديرو الإدارات ستكون كافية لو عملت إإذ ؛ لما احتاج إلى ذلك المؤسسة بنظام (التفويض والمحاسبة). ثم إن مشكلة كثير من الموظفين أنهم يفتقدون إلى الدافع النفسي الذي يحفزهم على خدمة مؤسستهم، وقد يكون ذلك ناجماً عن عدم وضوح الأهداف، وغياب ف الخطط، وعدم وجود آلية لمتابعة وتقييم وتقويم الإستراتيجيات الإستراتيجيات، وضع والخطط المرسومة -إن وجدت -فضلاً عن انفصام قيادة المؤسسة عن قاعدتها، وعدم إحساسها وتفاعلها بقضاياها، واقتصار علاقتها بها على العمل الروتيني، دون أن تكون ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٧٨مرافئ وشرفات 78 هناك أبعاد إنسانية واجتماعية وعلاقات وثيقة خارج إطار العمل، وقد يكون ناتجاً عن ضعف الِوافز المعنوية والمادية في العمل، علاوة على ضعف المتابعة والمحاسبة. وقد تكمن المشكلة في ضعف تأهيل الموظفين وتدريبهم، مع أن أغلى ما تملكه المؤسسة هو كادرها البشري الذي يعتبر رأس المال الِقيقي لها، إضافة إلى قلة ال تناغم والانسجام بين هؤلاء الموظفين؛ مما يفضي إلى إضعاف روح الفريق التي تجعل العمل قائماً على التعاون المشترك لتحقيق الأهداف، هذا إلى جانب استخدام المؤسسة أنظمة ووسائل إدارية قديمة بالية، غارقة في الروتين والبيروقراطية، أنظمة ووسائل تجاوزتها الإدارة الِديثة التي تعتبر كل العاملين في المؤسسة - من مديرها إلى خفيرها - شركاء فيها، يسهمون سوياً في تطويرها وترقيتها، ويعملون بروح الفريق في انسجام تام. إن مؤسساتنا بحاجة حقيقية إلى تقييم الأساليب التي تُدار بها؛ حتى تلحق بركب المؤسسات الِديثة التي بلغت شأواً بعيداً في مضمار الإدارة الِديثة؛ لكي تكون أكثر فعالية، ومقدرة على تحقيق أهدافها وخدمة المجتمع.
عدد الصفحات ٧٩مرافئ وشرفات 79 التخصص والإبداع بين ضغوط المجتمع ورغبات الفرد كنت من الذين حضروا الاحتفال الذي أقامته جامعة الخرطوم لتكريم فريق الدولية للمناظرة باللغة العربية بدولة المناظرة الذي حاز على الجائزة الأولى في المسابقة المسابقة. هفي هذ التيشاركت قطر، ضمن ثلاث وأربعين جامعة من مختلف دول العالم وحين قد م الطلاب الذين شاركوا في تلك المسابقة نموذجاً للمناظرة كانت الدهشة ناصية حاضرة بيننا لذلك المستوى الرفيع الذي أظهره أولئك الطلاب، من امتلاك ل الِديث، وسرعة في البديهة، وقوة في الِجة والبرهان، وارتفعت مناسيب الدهشة حين علمنا أن الطلاب الأربعة الذين مثلوا الجامعة هم من طلاب الكليات العلمية، وتحديداً من الطب والهندسة! وليس من كلية الآداب، أو غيرها من الكليات الأدبية كما كان يُتوقع! سؤال إلى ثنايا السياق: ما السر في أن كثيراً من الأدباء والشعراء وهنا يدلف والكتاب الصحفيين، وغيرهم، من خريجي الكليات العلمية؟ إن السر يكمن –في رأيي –في أن كثيراً منا يلتحق بالتخصص المعين دون رغبة عاني من مشاكل صحية فيه، وإنما مجاراة للاتجاه العام السائد في المجتمع، وبما أن مجتمعنا ي متفاقمة، وبه فجوات واسعة في البناء والتعمير، فإن الهيمنة هي لتخصصَي الطب والهندسة تحديداً، وما يدور في فلكهما من تخصصات؛ فكثير منا التحق بالطب أو الهندسة بالرغم من أن ميوله تتجه لدراسة الآداب أو القانون أو التاريخ؛ وما ذلك إلا تمع الذي يُعلي من شأن هذين التخصصين ويكرِّس لهما؛ حتى أوشك عدد إرضاء للمج جهات الا يجدو أن الأطباء أن يتفوق على عدد المرضى، وحتى كاد المهندسون تستوعبهم؛ وحتى كاد من التحق بالطب أو الهندسة دون رغبة منه –بالرغم من أدائه الأكاديمي العالي -لحياة العملية، حين التحق تحت ضغط يفتقد إلى الإبداع عند ولوجه ل ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٨٠مرافئ وشرفات 80 المجتمع بمجال لم يجد نفسه فيه؛ وبالتالي تفقد البلاد كوادر كان يمكن الاستفادة منها مجالات أخرى، هي أحوج ما تكون إليهم. أعرف طلاباً التحقوا بالطب فاتجهوا لدراسة الآداب، وطلاباً التحقوا بالهندسة فلم يكملوا دراستها، وعملوا في مجالات محسوبة على تخصصات أدبية! وما ذلك إلا لأنهم انساقواً خلف رغبة المجتمع، متغاضين عن رغباتهم الِقيقية، وميولهم الإبداعية. وفي المقابل: يلتحق بالكليات الأدبية من لم يؤهله تحصيله الأكاديمي للالتحاق بالكليات العلمية، دون رغبة منه، فيكون تحصيله الأكاديمي ضعيفاً، وأداؤه العملي فيما بعد باهتاً! في الدول المتقدمة يمنح المجتمع الفرد حرية الالتحاق بالكليات التي يميل إليها، دون تدخل لفرض تخصص معين - كما يحدث عندنا – ففي مجتمعنا يقول الأب والأم لأولادهما منذ الصغر: (نريدكم أن تصبحوا أطباء أو مهندسين)، دون اعتبار لميولهم وتطلعاتهم، على النقيض من الدول المتقدمة التي تجد فيها التخصصات الإنسانية والأدبية مثل القانون والآداب والاجتماع وعلم النفس حظها من الاهتمام والتقدير، جنباً إلى جنب التخصصات العلمية. أذكر أنه بعد أن خرجنا من إحدى جلسات امتحان القيد الصحفي قال لي أح د الصحفيين، وكان يعمل بالفعل في إحدى الصحف: إن مشكلتي الوحيدة هي امتحان اللغة العربية! ولا أدري ما تبقى لصحفي لا يجيد اللغة العربية من مشاكل! الِل - في رأيي - هو أن نترك للطالب الِق في حرية اختيار التخصص الذي يراه مناسباً، وفق ميوله ورغباته، دون تدخل من الأسرة أو المجتمع، فالطبيب الذي لا يبدع في مهنته ربما كان سيكون مبدعاً لو اختار تخصص الصحافة الذي يجد نفسه فيه، والمهندس الذي يتضجر من مهنته ربما كان سيكون مبدعاً لو التحق بالقانون الذي يميل إليه.
عدد الصفحات ٨١