المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مرافئ وشرفات – بحث دائب عن الإبداع والتميز والرقي مجموعة مقالات

علي صالح طمبل

صفحة ٤ من ١٢

مرافئ وشرفات 49 الهمم..!!حين تغيب الأهداف وتتقاصر استحييت من نفسي حين قرأت سيرة الدكتور راغب السرجاني المشرف العام على موقع قصة الإسلام على الإنترنت ( www.islamstory.com)، وسخرت بمرارة من مقولة الكثيرين: (زمن ما في)! الدكتور راغب السرجاني: من مواليد عام 1964م بمصر، وتخرَّج في كلية الطب جامعة القاهرة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف عام 1988م، أتمَّ حفظ القرآن الكريم عام 1991م، ثم نال درجة الماجستير عام 1992م من جامعة القاهرة بتقدير امتياز، الدكتوراه بإشراف مشترك بين مصر وأمريكا عام 1998م (في جراحة المسالك البولية والكلى). وبالرغم من عمله أستاذاً بكلية الطب جامعة القاهرة، ورئيساً لمجلس إدارة مركز الِضارة للدراسات التاريخية بالقاهرة، ومشرفاً عاماً لموقع قصة الإسلام الذي يعد أكبر موقع للتاريخ الإسلامي على الإنترنت؛ بالرغم من ذلك كله استطاع أن يؤلف أكثر من 50 كتاباً في مختلف المواضيع التي تتناول تاريخ المسلمين وواقعهم بأسلوب بديع وتحليل عميق ممتع! وليس هذا نهاية المطاف، فالدكتور راغب السرجاني يقدم عدة برامج وحوارات على الفضائيات والإذاعات المختلفة؛ منها: اقرأ، الرسالة، الِوار، الناس، القدس، لجزيرة، الجزيرة مباشر، والسودان، وإذاعة أم القوين، وإذاعات القرآن المستقبل، العربية، ا الكريم بفلسطين والأردن ولبنان والسودان والإمارات، وغيرها، وله مئات المحاضرات والأشرطة الإسلامية؛ يتحدث فيها عن السيرة النبوية والصحابة، وتاريخ الأندلس، وقصة التتار، وغير ذلك. ن أنفسنا، ونستحي حين نردد هذه المقولة الممجوجة (زمن ينبغي أن نخجل م مافي)!، هذه المقولة التي منعتنا من اكتشاف إبداعاتنا وتفجير الطاقات الكامنة في ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٥٠

مرافئ وشرفات 50 نفوسنا، فليست المشكلة في قلة الوقت بل قلة البركة؛ لأن الأوقات تهُدر فيما لا فائدة فيه ولا طائل من ورائه؛ والزمن متاح بما يكفي، ولكن المحك هو: كيف يُنفق، وفيمَ يُنفق. إذا التقيت بأحد الأصدقاء فدعوته إلى محاضرة أو درس أو قراءة كتاب، أو سألته عن السبب في عدم مواصلته للدراسة العليا، أو غيرها من الأسئلة التي تدور في فلك الاستفادة من الزمن، يجيب بأن لا زمن، أو يتعذر بالانشغال بالمعايش؛ وهي في مجملها إجابات تدل على دُ نـُ وِّ الهمة وفقدان بوصلة الأهداف في صحراء الِياة! وإذا نظرت في حياة هؤلاء الذين يتحججون بضيق الوقت، تجد أوقاتاً تضيع في المواصلات دون قراءة كتاب أو الاستماع إلى مادة مفيدة، أو تهُدر في المجاملات المفرطة ومجالس الغيبة والنميمة والإكثار من المباحات؛ حتى ابتدع بعضنا عبارة (تكسير الزمن!)؛ ليدل على مدى الفرا ، وانحطاط الهمم، وغياب الأهداف في حياتنا! والناظر في السيرة الذاتية للدكتور السرجاني وكثير ممن حققوا نتائج مبهرة في عمر قصير، بل وتنوع عطاؤهم في مجالات متعددة نراها نحن أحيان اً مجالات متناقضة - كما في حالة السرجاني الذي تنوع عطاؤه بين التاريخ الإسلامي والطب - كثير من هؤلاء ما كان لهم أن يحققوا هذه النتائج المذهلة لولا حسن استخدامهم واستغلالهم للوقت، فضلاً عن همتهم العالية التي ترفعت عن توافه الأمور إلى عظائمها ومعاليها. أما حياتنا فيغلب عليها التخبط، وعدم التنظيم والتخطيط سمة بارزة في تعاطينا مع الوقت؛ فأمورنا تسير كيفما اتفق، أو (بالبركة) كما يقولون! وفي المقابل ضرب سلفنا رضوان الله عليم أروع الأمثلة في العناية بالوقت والِرص على استغلاله أمثل استغلال في طاعة الله والاستزادة م ن الِسنات؛ فكانوا يعدُّون الوقت ثروة لا تقدر بثمن، وكما قال الِسن البصري رحمه الله: (يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك). ولله درُّ القائل: إنا لنفـــــــــرح بالأيــــــــــــــام نقطعهـــــــــــا و كلُّ يومٍ مضى يُدني من الأجل

عدد الصفحات ٥١

مرافئ وشرفات 51 نفسك قبل الموت مجتهداً فإنما الربح والخسران في العملح فاعمل ل وقد أثبتت دراسة أن النتائج التي يحصل عليها الذين يخططون لِياتهم تفوق أضعاف ما يحصل عليه الذين يعيشون حياتهم دون تخطيط، بينما يحصل الذين يخططون لِياتهم دون كتابة؛ لأن من لِياتهم بخطط مكتوبة أضعاف ما يحصل عليه الذين يخططون يخطط لِياته بخطة مكتوبة يتمثل الأهداف التي يودُّ تحقيقها في فترة زمنية محددة، ويستصحب الرؤية والرسالة والوسائل التي يطلع عليها من حين لآخر. وفي ذات الوقت، حين يغيب علو الهمة تتعلق النفوس بالماديات واللهث خلف نحصل على هذه الدنيا التي تُشابه همحَّتنا الدني ة، يقول النبي صلى الله الدنيا الفانية، وليتنا عليه وسلم: (مَنْ كَانَ هَمُّهُ الآخِرَةَ، جَمَعَ الل هُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قـَلْبِهِ، وَأَتـَتْهُ الدُّنـْيَا ل هُ عَلَيْهِ ضَيـْعَتَهُ، وَجَعَلَ فـَقْرَهُ بـَيْنَ عَيـْنـَيْهِ، وَلَمْ وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِي تُهُ الدُّنـْيَا، فـَر قَ ال يَأْتِهِ مِنَ الدُّنـْيَا إِلا مَا كُتِبَ لَهُ) (1). من يقرأ سيرة الدكتور راغب السرجاني وغيره من الذين نقشوا أسماءهم بأحرف الثريا بهمتها العالية بارزة في تاريخ الإنسانية يجد نفسه أمام قامات سامقة، ناطحت وحسن استغلالها للعمر القصير الزائل، وآثرت أن تكون أداة فاعلة للتغيير الإيجابي في ستوي حياتهم ومماتهم، بل قد يكون موتهم تمة، بدلاً من أن تكون من الذين تاريخ الأ قول الشاعر: حد تخفيفاً ورحمة على ةْ ـــــــووصمَ قِّ منقصَةٌ ـــــحكيمح الِ ىــــــــادل الملكح المُرَجَّ ــــــــــوموتُ الع مَةْ ـــــــنَس لامح ــــــــــــرآهُ للإســــــففي مَ رضيِّ نقصٌ ــالح المـــــــــــــوموتُ الص عَزْمَة فكم شُهحدتْ له في النَّصرح وموتُ الفارسح الضِّرغامح ضَعفٌ ةْ ــــــــــونحعمَ بٌ ـــــــاءهُ خحصـــــــفإنَّ بق لٌ ــــــــودح محَْ ـــــــــــوموتُ فتىً كثيرح الج ةْ ــــــــــوَرَحمَ الغيرح تخفيفٌ وتُ ــــــوم ة تبكي عليهمْ ــــفحسبُك خمس (1)رواه أحمد برقم (5 /183) وصححه الألبا في السلسلة الصحيحة برقم ( 404). ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٥٢

مرافئ وشرفات 52 أوقاتنا بين معالي الأمور وسفسافها من خلال معرفتي بكثير من الناس وخبرتي بهم ، أيقنت أن علو الهمة وعزائم الأمور سلعة نادرة، قل أن يمتلكها الكثيرون، إلا من رحم ربي. وقد شاركت في برنامج امتد إلى عدة سنوات، فكان يمرُّ علينا فيه مئات الشباب، ولكنَّ أغلبهم كان يستمر أسابيع قليلة أو أشهر معدودة، ثم يغيب؛ فتلتقي به فيتعذر لك عن غيابه بمختلف الِجج والأعذار الواهية، ولعله يذكر كل شيء عدا ضعف همته وقلة عزيمته. وفيهم شباب نحسبهم من الأخيار، ولكنهم في مضمار علو الهمة أصفار، ولكنها أصفار لا تضاف إلى أعداد، بل تظل على حالها أصفاراً لا قيمة لها، أو أرقاماً صغيرة على أقل تقدير! وكان أن ثبت في هذا ا لبرنامج حتى أكمله قلة من الشباب، لا تتعدى أصابع اليدين، حين أعلوا من هممهم، وأدركوا قيمة الوقت وأهميته! وذكرتني هذه التجربة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (إِن مَا الن اسُ كَالإِْبِلِ الْمِائَةِ، لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً) (1) .قَالَ النـَّوَوحيُّ فيح شَرْحح مُسْلحمٍ: (قَالُوا الرَّاححلَةُ هحيَ الْبَعحيرُ الْكَامحلُ الأَْوْصَافح الَِْسَنُ الْمَنْظَرح، الْقَوحيُّ عَلَى الأَْحمَْالح وَالأَْسْفَارح، سمُِّ يَتْ رَاححلَةً؛ لأحَنـَّهَا الطَّوَلُ ؛ أَيْ يجُْعَلُ عَلَيـْهَا الرَّحْلُ ، فَهحيَ فَاعحلَةٌ بمحَعْنىَ مَفْعُولَةٍ ، كَعحيشَةٍ رَاضحيَةٍ ؛ أَيْ مَرْضحيَّةٍ وَنَظَائحرحه، وَالْمَعْنىَ: الْمَرْضحيُّ الأَْحْوَالح محنْ النَّاسح الْكَامحلُ الأَْوْصَافح قَلحيلٌ فحيهحمْ جحدًّ ا كَقحلَّةح الرَّاححلَةح فيح الإْحبحلح). وهذا واقع مشاهد، فقلة من الناس هي التي يُعتمد عليها في معالي الأمور، حتى لا تكاد تجد في كل م ائة مَنْ يكون أهلاً لتحمل المسؤولية والتصدي للمهام الصعبة، مثلما يصعب أن تجد في مائة من الإبل ما تحمل عليه متاعك. )1) رواه البخاري برقم (6498)، ومسلم برقم (2547).

عدد الصفحات ٥٣

مرافئ وشرفات 53 وضعف العزيمة هو الذي يجعل كثيراً من الناس يضيعون أوقاتهم في ما لا طائل من زعماً بأنهم يقتلون الوقت ويملؤون أوقات الفرا ، وما دروا بأنهم يقتلون أنفسهم ورائه، بقتلهم الوقت الذي يعد رأسمالهم الِقيقي في هذه الِياة الدنيا، فإذا فقدوا رأس المال فقد بارت تجارتهم، وفقدوا بذلك رصيدهم في الدنيا والآخرة، عياذاً بالله تعالى! ضوان الله عليهم أضن الناس بأوقاتهم، ويكرهون إضاعة وقد كان سلفنا الصالح ر الوقت والفرا ، حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا سألت عنه فقيل لا حرفة له، سقط من عيني)، وقال أيضًا: (إني لأكره أن أرى أحدكم خرة)، وقال عبد الله بن مسعود سبهللاً (أي فارغًا) لا في عمل دنيا، ولا في عمل الآ رضي الله عنه: (إني لأبغض الرجل أن أراه فارغًا، ليس في شيء من عمل الدنيا، ولا عمل الآخرة). وقال بعض السلف: (من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه، أو فرض ظلم يومه و أداه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه أو علم اقتبسه؛ فقد عقَّ نفسه)، وقال آخر: ( المؤمن إذا فر غفل)؛ أي: إذا أصبح المؤمن فارغاً صار غافلاً. ومما يحز في النفس أن الفرا والكسل وضعف الهمة والركون للإحباط واليأس د الذات صارت سمات بارزة في مجتمعاتنا، فشوارعنا وبيوتنا ملأى بالمتعطلين والمتبطلين وجل م في سفاسف الأمور، في أحاديث وأسمار وألعاب لا نفع فيها، وفي الذين يزهقون أوقاته مشاهدة ما لا يغني ولا يضيف إليهم شيئاً، ولا أدل على ذلك من انتشار ظاهرة (ستات الشاي)، وما يصحبها من إضاعة الشباب للساعات الطوال بشكل يومي وهم يجلسون ي والقهوة، ويتجاذبون أطراف زرافات ووحداناً أمام بائعات الشاي، يرتشفون الشا الِديث الفار ! وتمر بأمثال هؤلاء فيحضرك قول الشاعر محمد سعيد العباسي: ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٥٤

مرافئ وشرفات 54 فما بي ظمأٌ لهذي الكؤوسح على نفرٍ ما أرى همهم طلبتُ الِياة كما أشتهي شروا بالهوان وعيش الأذل فباتوا يجرُّون ضافي الدحمقس فطــوفي بغيري يا س ـــاقيه كهمي ولا شأنهم شانيه وهم لبسوها على ماهيه ما استمر ؤ وا من يدح الطاهيه وبحتُّ أُجَرْجحرُ أسمـــاليه س وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهمية الوقت وغفلة كثير من الناس عن إدراك هذه الأهمية القصوى، حيث قال: (نعمتانِ مغْبُونٌ فيهما كثيرٌ من الناس : الصِّح ة والفراغ )(1). وفي المقابل قلَّ من يشتغل بالأمور المهمة: كالقراءة في الموضوعات المفيدة، والانخراط في العمل الدعوي والخيري والمهن المجدية، وإنجاز وتطوير المشروعات والبرامج التي تعلي مكانة الأمة في سلم الِضارة والرقي. والدين الإسلامي يريد لنا أن نشت غل بمعالي الأمور، ويشحذ هممنا نحو السمو والرفعة، ويحذرنا من الاشتغال بالتوافه والسفاسف، وفي ذلك يقول رَسُولُ اللَّهح صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهح وَسَلَّمَ: (إِن الل هَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وأَشْرَافـَهَا، وَيَكْرَهُ سَفَاسِفَهَا) (2). إذا كان الوقت رأسمال الإنسان كما أسلفنا، فإن العاقل الكيِّس هو من يتألم إذا أضاع لِظة واحدة دون أن تكون في طاعة الله جلَّ وعلا، فإن جميع من في الأرض لا يستطيعون إعادة عقارب الساعة إلى الوراء واسترجاع دقيقة واحدة راحت هدراً! )1(رواه البخاري برقم (6412.) ) 2)رواه الطبرا برقم (3/214)، وصححه الألبا

عدد الصفحات ٥٥

مرافئ وشرفات 55 وتبغـي بعد ذاك لِحــاقِي؟ الأفاضل: هناك أمران إذا سلم منهما الإنسان فإنه يستطيع أن قال أحد المشايخ يحقق كل أهدافه: الكسل والفوضى. كثير من الناس –رحم ربي نإلا م –يدور بين فلكي الكسل والفوضى اللذين يعتبران أكبر مهددين للوقت ومهدرين له، مع كونه من أعز ما يملكه الإنسان و(إذا مضى وقتك فقد مضى بعضك) كما قال الِسن البصري رحمه الله تعالى. قد تجد إنساناً طموحاً، وله مقدرات فائقة ومهارات متعددة، وفوق ذلك كله همة عالية، ولكنه يفتقد إلى تنظيم وقته، وترتيب أولوياته، فيبذل جهوداً مضنية، ومع ذلك يحقق نتائج واهية، حين ضربت الفوضى بأطنابها في حياته! وفي المقابل تجد من ينظم وقته، ويرتب أولوياته وفق خطط وبرامج معينة، ولكنه ه حبيس الأدراج والأضابير، ابتُلي بالكسل والتواكل والإحباط، فيظل ما خططه لنفس ومجرد حبر على ورق! أما من جمع بين الشرين: الكسل والفوضى، فلا يرجى منه شيء؛ إذ لا معنى لِياته؛ لأن قيمة المرء تقدر بما يحسنه وما يطلبه، وما دام غارقاً في الكسل والفوضى، فهو اً غير التخبط والفشل، لن يحسن بكسله شيئاً سوى النوم والراحة، ولن يحقق بفوضاه أمر وسيظل أسير الأماني العذبة والأحلام الوردية! ليكون شأنه شأن من قال فيه الشاعر: نتمنىَّ وفي التمنيِّ شقاءُ ونصلِّ ي في سرنا للأماني غير أني وقد كرهتُ التمنيِّ ونناجي يا ليت كانـــــوا وكنَّا والأماني في الجهر يسخرْنَ منَّا أتمنىَّ لو ك نتُ لا أتمنى ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٥٦

مرافئ وشرفات 56 الهمة العالية وتنظيم الوقت وفق أهداف معينة تظل دائماً في دائرة الاهتمام، هما الفيصل في وضع الفوارق ورسم الفواصل بين الناس، وبمرور الزمن تبدأ تلك الفوارق والفواصل في التشكل والاتساع. وإذا أردت مثالاً حياً فانظر إلى أبناء الدفعة الواحدة بعد عشر سنوات من إكمالهم المرحلة الثانوية: ستجد البون شاسعاً بينهم، فقد تجد من تخرج في جامعة عريقة والتحق بوظيفة مرموقة في مقابل من ترك الدراسة وعمل في مهنة هامشية، وقد تجد الفارق كبيراً بين من تميز في تخصصه وصار رقماً لا يمكن تجاوزه، وبين من خلا تخصصه من الإبداع والتميز والتطوير، وظل أسير الروتين والجمود والتبلد. وحتى على نطاق الِياة الاجتماعية تتضح الفوارق بين من تزوج في سن مبكرة ، وبين من ظل عازباً حتى سن متأخرة، ونحو ذلك من الفوارق الكثيرة. فرق شاسع بين من يصل الليل بالنهار لتحقيق أه دافه المحددة، ويطوِّر نفسه، فيقرأ ويثابر في مجاله وفق جدول زمني محدد وخطة عملية مدروسة، وبين من يظل حبيس الكسل والخمول والأماني الكاذبة والفوضى. (الكسول مخذول)، و(النائم هائم)، و(من استراح راح)، و(من كد وجد)، (ولكل مجتهد نصيب)، و(على قدر أهل العزم تأتي الع زائم)، كلها حكم وأمثال نحفظها عن ظهر قلب، ولكن الذين يعملون بمقتضاها قلة نادرة. العظماء المعروفون على مدى التاريخ الإنساني في كل المجالات ما كانوا أهل راحة ولا دعة ولا نوم، بل كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون؛ في قلق دائم وحساسية عالية، يروضون أنفسهم ويملكو ن زمامها، ويبذلون قصارى جهدهم وفق منهاج محدد وطريق معلوم، وإذا نظرت في سيرهم لوجدت أن عدد الساعات التي ينامونها لا تتجاوز أربع ساعات أو خمس. ولله درُّ من قال: كُلَّ يـَوْمٍ لكَ احْتحمالٌ جَديدٌ ومَسيرٌ للمَجْدح فيهح مُقامُ

عدد الصفحات ٥٧

مرافئ وشرفات 57 وإذا كانَتح النـ فُوسُ كحباراً وكَذا تَطْلُعُ البُدورُ عَلَيـْنَا تَعحبَتْ في مُرادحها الأجْسامُ وكَذا تـَقْلَقُ البُحورُ العحظامُ ودون تخطيط أو ،وينال مبتغاه براحة الجسد ،الذي يظن أنه سيحقق أهدافه هو بلا شك واهم حالم، فشتان بين من ينام ويسهر، ومن يقرأ ولا يقرأ، ومن ؛تنظيم ومن يتعامل بردود الأفعال كيفما اتفق. وتعجبني أبيات منسوبة إلى الإمام ،ينظم وقته الشافعي رحمه الله تعالى تقول: سهري لتنقيـح العلـوم ألـذ لي وتمايلي طرباً لِ ـــــل عويصــةٍ أأبيـتُ سهــران الدجى وتبيـتــُ ه من وصل غـانيـةٍ وطيب عنــاقح في الدرس أشهى من مدامـة سـاقح نومـاً وتبغـي بعد ذاك لِحــاقحي؟! ومما يدعو للأسف أن تجد الإنسان الثقة صاحب الغايات الكبرى أسير الكسل والخمول والإحباط، ولله در الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قال: د الفاجر).وجل (عجبت لعجز الثقة ديد أهدافنا، كما أننا بحاجة إلى نحن بحاجة لإعادة النظر في تنظيم أوقاتنا وتح شحذ هممنا وتوجيهها نحو المعالي والغايات المنشودة؛ حتى تضفي على حياتنا معنى وقيمة. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٥٨

مرافئ وشرفات 58 ثقافة الذروة..!! الطلاب عندنا يقر ؤ ون عندما توشك الامتحانات أن تدخل من الأبواب، ويقول البعض إن رمضان - أو العيد - قد فاجأنا؛ ولا يبدأ كثير منا في الاستعداد للصلاة إلا عند سماع الإقامة! ويقول البعض (زمن ا فارق)؛ أي أننا مفطورون على التأخير الذي لا مناص منه، وهذا القول بالطبع لا يغني من الِق شيئاً؛ لأن هذا التبرير مجرد (شم اعة) يعلق عليها البعض تقصيرهم وعدم جديتهم، فالله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهداه النجدين، فعر فه الخير والشر، وترك له حرية الاختيار بين الهدى والضلال. مما يؤسف له أننا لا ننتبه لكثير من الأشياء إلا بعد فوات الأوان.. حين يبلغ الأمر ذروته. ويحضرني في هذا الصدد القول المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إذا حان وقت الشيء فقد فات أوانه)؛ أي إذا فُعل الشيء في وقته فليست هنالك وسيلة لتدارك الأخطاء، فمن يتحرك للامتحان مثلاً بحجة أن يصل في الوقت المحدد بالضبط، فقد يتعرض لطاريء يؤخره، فلا يستطيع تدارك الأمر؛ وبذا يكون الامتحان قد فاته؛ ومن يذهب إلى الطبيب بعد استفحال المرض فقد لا يجدي معه العلاج. مشكلتنا هي أننا في كل قضايانا المهمة والِساسة نتعامل (بثقافة الذروة) - أو سمِّها (أدب الزنقة) إذا شئت - إن كان للزنقة أد ب؛ فنحن لا نتدخل إلا حين تكاد الأمور تفلت من أيدينا، وكذلك قس على ذلك كل قضايانا المعاصرة؛ فدارفور لا يأبه بها أولو الأمر حتى تصبح قضية كبرى وتُدوَّل على أكبر نطاق؛ ولا نعير بوادر التمرد اهتماماً حتى تصبح حركات تحمل السلاح لتنتزع حقوقها بمنطق القوة؛ ولا ننتبه للأمراض مثل

عدد الصفحات ٥٩

مرافئ وشرفات 59 حتى يسقط الآلاف فريسة لها؛ ولا الإيدز والملاريا والسحائي والإسهال المائي (الكوليرا نستعد لفصل الخريف حتى تكون الشوارع قد غرقت في الأوحال والمستنقعات! حتى تقع ،وعندما تظهر بادرة مشكلة ما نتلذذ بإضاعة الوقت والتواكل والكسل وتذهب أنفسنا حسرات على ما أضعناه من وقت ثمين ،فنعض أيدينا من الندم ؛المصائب إذا مضى يومك فقد مضى بعضك). وقل أن تجد لأحدنا خطة يعالج بها لا يعود؛ و( مشكلاته على المدى القريب أو البعيد؛ والتخبط والتردد يغمر كل حياتنا التي لا تخضع لنظام واضح أو قانون ثابت! قياساً بما تواجهنا من مشكلات.. ،إنه نداء مشفق لنا لنراجع مواقفنا من الزمن وإعادة ترتيب أرفف حياتنا المبعثرة؛ لننعم بحياة مطمئنة ،ف أكثر جديةدعوة لاتخاذ مواق هادئة، ونكون قد قمنا بواجبنا على الأقل؛ فيكون لنا العذر إذالم نوفق؛لأن التوفيق من ، بدلاً من تطبيق (ثقافة الذروة). وجلَّ عزَّ الله ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٦٠

مرافئ وشرفات 60 (زنقة) من نوع آخر (الزنقة) التي أعنيها هنا ليست (زنقة القذافي) التي كانت مثاراً للتندر والسخرية، ولكن (الزنقة) التي نعني بها في عاميتنا السودانية الضغط والانشغال الاضطراري الذي ينجم عن الاستعداد لِدث مهم في حياتنا أوشك أوانه، مثل الاستعداد للأعياد والمناسبات والامتحانات، هي باختصار يمكن أن نطلق عليها (حالة طوارئ). حقيقةً - وعن تجربة - تظهر للإنسان طاقات عجيبة في هذه (الزنقات)، ويبذل فيها جهوداً خرافية، مضاعفة عما كان يبذله في الأيام العادية، فيصل الليل بالنهار، ويستفر وسعه في تحقيق المهام الموكلة إليه قبل حلول الموعد المقرر. في وقف ة عيدي الفطر والأضحي - على سبيل المثال - يساهر الناس حتى الصباح في صيانة المنازل وشراء مستلزماتهم، وحين تقترب مناسبة زواج للأسرة تقف الأسرة كلها على قلب واحد وساق واحدة، وتتصاعد أنفاسهم وهم يعدون العُدَّة دون كلل أو ملل! وقبل الامتحانات وأثنائها قد يقرأ ا لطالب مئات الصفحات في فترة وجيزة جداً لا تتجاوز الشهر، حتى يحار في نفسه بعد انقضاء تلك الفترة: كيف قرأ كل هذه الصفحات؟! ومن أين واتته العزيمة التي لا تلين ! الفرق بيننا وبين العظماء والعباقرة أن كل أيامهم (زنقات) ، تتفجر فيها طاقاتهم الكامنة، بينما نحن لا نعرف (الزنقات) إلا في المناسبات والأعياد وحالات الطوارئ، هم عظماء وعباقرة؛ لأنهم اكتشفوا طاقاتهم الكامنة، أما نحن فـ(عاديون) لم نكتشف ذواتنا بعد، ولم نستغل من طاقاتنا أكثر من 20% كما تشير بعض البحوث والدراسات، مع العلم بأن العبقرية تسعة أعشارها مكتسب وعُشْر واحد فقط منها يمثل الجانب الموروث!

عدد الصفحات ٦١

مرافئ وشرفات 61 إننا حقاً بحاجة إلى أن نكتشف ذاتنا ونفجر طاقاتنا الكامنة، بكل أنواعها، سواء كانت طاقة معنوية كالعزيمة والإصرار، وسواء كانت طاقة حسية كالعمل والمثابرة، أو طاقة ني والتفكر.فكرية كالعصف الذه علينا أن نختار بين أن نكون مؤثرين في تاريخ أمتنا، وبين أن نكون ضمن الغثاء الذي تنبأ به النبي صلى الله عليه وسلم في الِديث: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير؛ وليقذفن الله في ،اء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكمولكنكم غث قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) (1) . : (علينا أن نختار بين يقول فيها وأعجبتني مقالة للشيخ كمال الزنادي حفظه ا تعالى، وبين أن تحمل الدعوة همنا).أن نحمل هم الدعوة إلى الله وصدق المتنبي حين قال: على قدْرح أهلح العزمح تأتي العزائمُ فتعظُمُ في عين الصَّغيرح صغارُها وتأتي على قدْرح الكرامح المكارمُ وتصغر في عين العظيمح العظائمُ وحين قال: وإذا كانَتح النـ فُوسُ كحباراً وكَذا تَطْلُعُ البُدورُ عَلَيـْنَا تَعحبَتْ في مُرادحها الأجْسامُ وكَذا تـَقْلَقُ البُحورُ العحظامُ (1) (السلسلة الصحيحة: رقم 958.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٦٢

مرافئ وشرفات 62 العزاء وتناول الإفطار في مؤسساتنا لو كنت رئيساً للسودان لأوقفت العزاء أثناء ساعات العمل الرسمية، ولمنعت تناول وجبة الإفطار أثناء الدوام الرسمي ! أكثر ما يستغرق وقت أعمالنا اليوم ويعطل مصالح العباد هو الذهاب إلى المآتم وتناول وجبة الإفطار، ويليهما شرب الشاي وقراءة الصحف اليومية وعيادة المرضى، وهذا مشاهد في مؤسساتنا، ولا سيما الِكومية منها ! ولا غرو أن تزور مؤسسة ما فتجد معظم العاملين ق د خرجوا زرافات ووحداناً – رؤساء ومرؤوسين – للعزاء في وفاة والد أو والدة زميلهم أو زميلتهم، فلا تملك سوى أن تكظم غيظك، لتعاود اليوم الثاني فتجد الموظفين قد ذهبوا لتناول وجبة الإفطار التي قد تستغرق ساعة أو ساعتين؛ إذ يتخللها تجاذب أطراف الِديث مع الزملاء وال زميلات في السياسة والأدب والفن وكرة القدم، ثم الشاي وقراءة الصحف، ثم التجشؤ ومط الظهر والاتكاء قليلاً، ثم العودة إلى المكتب بخطوات متثاقلة! لا أحد يمانع من تعزية المسلم لأخيه المسلم أو عيادته للمريض؛ فكلها من أعمال الخير التي حض عليها ديننا الِنيف، ولا يعترض على تناول الموظف للإفطار، أو شربه للشاي، أو حديثه مع زملائه في ما دعت إليه الِاجة، ولكن هذه الأعمال جميعاً تُعد مستحبات ومباحات إذا ما قورنت بالعمل الذي نتقاضى عليه أجراً و(من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل). لديَّ شقيق يعمل في إحدى المنظمات الإقليمية التي تعينِّ مديراً عربياً كل عدة سنوات، وحين جاء دور أحد المديرين من إحدى الدول العربية، كان شأنه مغايراً لمن سبقوه، وأحدث إجراءات كانت هي الأولى من نوعها؛ بغية تجويد العمل وزيادة الإنتاج، ولكنها قوبلت بسخط الموظفين وتذمرهم، بطبيعة المقاومة التي تجُابه كل ت غيير وتجديد،

عدد الصفحات ٦٣

مرافئ وشرفات 63 ولكنهم بالطبع لم يعلنوا ضجرهم صراحة؛ خوفاً على مناصبهم من بطش ذلك المدير الصارم ! أول مافعله ذلك المدير الجديد أن أوقف الخروج أثناء ساعات العمل الرسمية، ومنع الزيارات للموظفين داخل المكاتب، باستثناء زيارات العمل، كما قام بإغلاق الموظفين بين الإفطار في بيوتهم قبل بداية الدوام وبين إحضار الكافتيريا، وخير سندوتشات يتناولونها أثناء أدائهم لمهامهم الوظيفية! وكان مبرر ذلك المدير أن الموظف يستغرق أحياناً عدة ساعات للمشاركة في عزاء ياً ساعة أو أحد المتوفَّين، مع أن بإمكانه أن يزوره بعد ساعات الدوام، كما يستغرق يوم يزيد في تناول وجبة الإفطار ! ، وجد أنهم يشكلون عطالة مقنعة صل ذلك المدير بعض الموظفين حينومن ثم ف لا حاجة للمنظمة إليهم، إلا من حيث زيادة العدد وأن ! ورغم حنقي على ذلك المدير؛ لأن شقيقي لم يستطع حضور عملية جراحية حرم غيري من الأهل والمعارف من زيارة شقيقي أجريت لأمي ذات صباح، ولأنه حرمني و الذي كنا نزوره فننعم بالمكيفات الباردة والعصائر المنعشة، بالرغم من ذلك فقد أكبرت تلك الإجراءات التي شكلت مرارتها دواء لداء التسيب والخمول ! للأسف الشديد نحن شعب لا نعرف قيمة العمل –إلا من رحم –ولا أدل نرى من مظاهر التسيب والبطء الذي تحسدنا عليه السلاحف، وأكبر على ذلك مما طوله بضع كيلومترات قد شاهد على ذلك سفلتة الشوارع، إذ أن شارعاً واحداً لا يتجاوز ستغرق سفلتته عدة سنوات، فالمهندس اليوم مريض، وغداً العامل توفيت خالته، وبعد ت وبعدها يتوقف العمل بدعوى توقف التمويل، غد يشارك الجميع في عزاء والد زميلهم، وهكذا دواليك.. ولا أحد يعزِّي العمل في فقده الجلل ! ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٦٤

مرافئ وشرفات 64 وهكذا حُق لكثير من أصحاب العمل أن يستعيضوا عن العمالة المحلية بالعمالة الأجنبية التي تقيِّم العمل وتقل لديها الأعذار، وتنجز العمل الذي تنجزه العمالة المحلية في سنة، تنجزه في شهرين أو ثلاثة فقط . وفي المقابل يلجأ كثير منا إلى خارج البلاد، حيث يعملون بنشاط وحيوية يفتقدون إليها في بلادهم التي لم يفعِّل القائمون على أمر المؤسسات فيها النظم واللوائح التي تفجر طاقات موظفيهم، على نحو ما فعلت بعض المؤسسات الخاصة، فنجحت في ذلك أيما نجاح، فالإنسان هو الإنسان أينما وجد أنظمة محفزة صارمة تكيَّ ف معها، وأينما وجد أنظمة متهالكة متسيبة جاراها في التسيب والكسل . نحن بحاجة ماسة لإعلاء شأن العمل واستشعار مسؤوليته أمام الله تعالى أولاً، وأنه أمانة سنسأل عنها يوم القيامة، ثم بحاجة لقادة وقدوات يجعلون العمل قيمة تمشي بين الناس، ويطبِّ قون الالتزام به على أنفسهم قبل غيرهم، وينشرون ثقافته حتى تصبح واقعاً معاشاً، ويضعون لذلك النظم واللوائح الفاعلة التي توازن بين الترغيب والترهيب.

عدد الصفحات ٦٥