مرافئ وشرفات 17 يلين إذا قوَّمــــــــــــــته الخشـــــبُ إنَّ الغصـــــون إذا قوَّمــــــــــتها اعتدلتْ و كثير من الآباء لا يؤثرون على أبنائهم؛ لأنهم يضعون حواجز غير مبررة مع أو الرئيس بمرؤوسيه، أو قد لا تكون ،أبنائهم، تجعل العلاقة بينهم كعلاقة المدير بموظفيه ، بحيث إذا حضر الأب هنالك علاقة تذكر؛ فقد يكون طابع هذه العلاقة الإرهاب والقهر كفَّ اللاعب، وسكت الناطق. وقد تكون علاقة ضعيفة لا تسودها رقابة ولا يتخللها تقييم أو تقويم، وفي كلا الِالتين (الإرهاب والتهاون) يكون التأثير سلبياً؟؛ فيحاول الأبناء رط البحث عن دور الأب المفقود في غيره ممن لا يؤمن جانبهم، وكثير من الأسر انف !راف الأخلاقي والفشل الاجتماعيعقدها حين فقدت دور الأب، واتجهت نحو الانح إن الأب الِصيف هو الذي يستغل كل مرحلة من المراحل العمرية لأبنائه، فيعمد إلى التعامل معها بما تقتضيه، فمرحلة الطفولة تتطلب معاملة تختلف عن مرحلة المراهقة عمد إلى إزالة الفجوات والِواجز الموجودة في العلاقة مع والشباب والرجولة. وهو الذي ي الأبناء بالدرجة التي تقتضيها كل مرحلة، من غير إفراط ولا تفريط، وكما يقولون: في مرحلة قد يكون الابن أميراً، وفي ثانية قد يكون أسيراً، وفي ثالثة قد يكون وزيراً. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ١٨مرافئ وشرفات 18 فجوات وحواجز في تربية الأبناء..!! الواقع التربوي الذي تعيشه الأسرة السودانية أقل ما يمكن أن يقال عنه في رأيي أنه(واقع شديد المرارة)! ويعود إليه السبب في كثير من المشاكل التي يعاني منها مجتمعنا المعاصر. إذا تأملنا في واقع أسرتنا السودانية نجد أنها تمثل مجموعة من الفجوات: فجوة بين الزوج والزوجة، فجوة بين الأب والأبناء، فجوة بين الأم والأبناء، فجوة بين الأبناء،... إلى آخر تلك الفجوات التي تكوِّ ن في نهاية المطاف ما يسمى عندنا اصطلاحا بـ(الأسرة )! وتعريف الفجوة - في مفهومي - أنها مجموعة من الِواجز النفسية الموروثة التي يضعها أفراد الأسرة فيما بينهم، وهذه الِواجز هي التي تمنع انسياب المشاعر بين الأفراد ، وتصيب الأحاسيس بالبرود والتبلد - إن لم نقل الجمود والجفاء - وتجعل العلاقة المتبادلة أقرب إلى الرسمية والآلية ، أكثر من قربها من الود والصفاء والصراحة . وأكبر خطأ يقع فيه الوالدان أن يقصرا مفه وم التربية على الطعام والشراب والملبس والصحة والتعليم، وغيرها من الاحتياجات المادية، متغافلين تماماً عن الناحية الروحية التي تفوق الناحية المادية من حيث الأهمية. عندما يواجه الابن أو الابنة مشكلة ما فإنهما يبحثان عمن يعينهما على حلها، وفي الغالب يسعيان إلى حلها بطريقتهما الخاصة ، أو باللجوء إلى شخص خارج العائلة عندما لا يجدان آذاناً صاغية في الأسرة ، أو عندما ينعدم جو الصراحة داخل الأسرة ؛ وتكون النتيجة في كثير من الأحيان وخيمة ! الأبناء والبنات يمرون بمراحل عمرية مختلفة ، وكل مرحلة تحتاج إلى رعاية خاصة ، ومتابعة تختلف عن غيرها من المراحل، لكن الواقع المشاهد يشي بأن أفراد الأسرة جميعهم – إلا من رحم - يعيشون في حالة من العزلة ؛ فالأب في وادٍ ، والأولاد في وادٍ آخر،
عدد الصفحات ١٩مرافئ وشرفات 19 وكل تلك الِواجز سببها انعدام الصراحة والوضوح !آخر وزوجته في وادٍ ،والزوج في وادٍ والأريحية . وخير شاهد على ما ذهبنا إليه أننا نصاب بالدهشة والاستغراب حين نرى أباً يصادق ابنه، ويتحدث إليه دون حواجز، أو شقيقين لا يفترقان أو يتشاكسان، أو شقيقاً يعامل شقيقته بلطف، وتصارحه بكل صغيرة وكبيرة ! هذا الواقع الأسري الهش ، إن لم نعمد إلى تغييره، وتمتين أواصره ، وتغيير المفهوم التقليدي للتربية القائم على المادة دون الروح، وعلى الظاهر دون الباطن، فإننا سنجد أنفسنا في خاتمة المطاف أمام مجتمع متفكك ومهزوز، تتقاذفه أمواج الغزو الثقافي الذي بدأ ينهش جسده بالفعل، وتعصف به رياح العولمة التي أخذت تحتل مكانها عبر الظواهر الاجتماعية والممارسات الدخيلة على مجتمعنا . ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٢٠مرافئ وشرفات 20 هل كنت حقًّا طفلاً صغيرًا؟! حين أرى طفلاً أو طفلة بصحبة أمِّه أو أبيه، تتردَّد في ذهني تساؤلات عدَّة، مبعثُها العجب والدهشة من هذه العلاقة الِميمة التي تجمع الأبوين بأبنائهما وبناتهما! حينها أتساءل هل كنتُ حقًّا طفلاً صغيراً ذات يوم، أرتمي في وداعة وسكون واستسلام في أحضان أمي، وأرضع من ثَدْيها، وأُكثحر من البكاء لأتفهح الأسباب! أتعثَّر في المشي، أَعجحز حتى عن إطعام نفسي، وقضاء حاجتي، وارتداء ملابسي، وعن زيارة كثير من الأماكن إلا إذا اصطحباني إليها؟! بل أعجزُ حتى عن النطق والتعبير عن حاجتي ومشاعري، حتى تعلَّمتُ على يدي أبويَّ النطقَ، وحفظتُ من ألفاظ اللغة الشيءَ الكثير؟! وحين أرى ابنيح أو ابنتيح أتساءلُ :هل كان أبي وأمي يَسهَرانح لمرَضحي كما أسهرُ لمرض ابني أو ابنتي، ويحَمحلانيح إلى الطبيب كما أحمل ابني أو ابن تي؟!يا ترى كم أَنفَق أبي على طعامي وشرابي ومداواتي حتى صرتُ شابًّا قويًّا، كم أَنفَق عليَّ من الملابس والأحذية، واشترَى لي من اللُّعب والهدايا والأدوات المدرسية؟! وكم دفع من رسومح الدراسة، وأعطاني من المال، واصطحبني إلى شتىَّ الأماكن مفاخرًا بي؟! كم مددتُ يدي إليه وطلبتُ من مصاريف؟ ! هل كنت طفلاً قاصراً ضعيف البنية، لا أقوى على الدفاعح عن نفسي، كما هو حال ابني وابنتي؟ وهل كان أبواي يفرحانح لفرحي، ويحزنانح لِزني، ويُفرحغَانح وُسْعَهما في توفير الِماية والطمأنينة لي، ويـَعُدَّانح الأيامَ والشهورَ والأعوامَ لير يانيح قد صرتُ رجلاً قويًّا يَعتَمحد على نفسه، ويؤدِّي حق الله وحق العباد؟!
عدد الصفحات ٢١مرافئ وشرفات 21 هل كنتُ عاجزًا عن فهم كثير من تعقيداتح الِياة، وتغيب عني كثيرٌ من حقائق العالمَ من حولي، حتى عَرَفتُ على يدي أبي وأمي الكثير، وتعلَّمت الكثير، ووعيتُ ما لم أكن أَعي من قبل؟ ! الآن فهمتُ لماذا كان يَصحيح بي أبي ويَزجُرني أحيانًا -وهذا ما أفعله أحيانًا بابني أو ابنتي -نعم؛ لأنه يحبني؛ وهو محثْل الطبيب الذي يجُرحي عملية جراحية مؤلحمة للمريض، لكنه يَعلَم أنها بالرغم من ألَمحها فإن فيها شفاءه وبـُرْأه وسلامته، زحدْ على ذلك أنني كنتُ كب أرت -بقصد أو بدون قصد -كثيراً من الأخطاءح والِماقات التي تحتاج إلى تربية وتأديب وتوجيه . الآن عَرَفتُ سببَ انفعال أبي أو أمي وعصبيَّتحهما في بعض الأحيان، فعَذَرتهُما حين دخلتُ مُعْتـَرَك الِياة، وجرَّبتُ ضغوطها وتعقيداتها، وتزوَّجتُ وأنجبتُ؛ حينها أدركتُ أنني -مثلهما -بشرٌ لا يخلو من الانفعال أو الِدَّة في الطبع حين يجَُابَه بالمشاكل والضغوط! حقًّا ما أضعفَ الإنسانَ، وما أعظمَ رحمةَ الله تعالى الذي سخَّر له الأبوين بحنانهحما وعطفحهما ورعايتهما؛ ليَجْبرُا كسرَه، ويرحما ضعفَه! إنها نعمة ينبغي أن تُقابَل الشكرح والعرفان لله ب -تعالى -أولاً، ثم بالإحسان إلى الوالدين في حياتهحما، والدعاء لهما بعد موتهما؛ لأنهما كانا بعد الله -تعالى -سببًا في وجودنا على ظهر هذه البسيطة، وهما : تعالىاللذانح رعيانا في كَنَفحهما حتى نشأْنا وتـَرَعْرَعنا وشَبَبْنا عن الطَّوْقح، قال الله ﭐﱡﭐﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶﱠ(1)، وقال الله تعا:ﱡﭐﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ )1( [14] ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٢٢مرافئ وشرفات 22 ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮﱠ(1). ) 1) [سورة الإسراء: الآيتان 23 – 24].
عدد الصفحات ٢٣مرافئ وشرفات 23 !.!أسرة سودانية في بريطانيا بناته الثلاث أدمن ذكر لي صديقي المهندس المقيم مع أسرته في بريطانيا كيف أن القراءة، لدرجة أنه كان يضطر أحياناً إلى استخدام صلاحياته، فيأمرهن بالنوم مبكراً؛ حتى لا يسهرن إلى وقت متأخر من الليل، فيكون ذلك خصماً على يومهن الدراسي! ذات يوم دخل على غرفتهن ، فوجد كل واحدة منهن مستغرقة في القراءة، وبما أن متأخراً من الليل أمرهن بأن يخلدن إلى النوم؛ حتى لا يتأخرن عن المدرسة في الوقت كان ثم ذهب إلى غرفته. ،الصباح الباكر، فأظهرن الانصياع لأمره، فأطفأ مصباح الغرفة ولكنه عاد إلى غرفتهن ليطمئن قلبه على مثولهن لأمره، فإذا به يراهن وقد وضعت ل رأسي، وأخذت تمرر الكتاب على الأخرى في شككل واحدة منهن الكتاب على رأس تلتهم صفحات الكتاب في نهم طفقت الضوء المنبعث من باب الغرفة الموارب، و شريط عجيب! ثلاثة كتب، وفي طريقه إلى المنزل قرأت نني بقصة أخرى، وهي أنه اشترى لهوأخبر قرأت الكتب الثلاثة، كل واحدة منهن كتاباً، وحين انتهى ذلك اليوم كانت كلٌّ منهن قد فاحتج بأنه لا يستطيع بهذه الكيفية أن يواكب نهمهن للقراءة؛ لأن الكتاب الواحد يكلف مبلغاً معتبراً ! ذكر لي ذلك المهندس هاتين القصتين في سياق حديثنا عن دور الأبوين في التربية، وأخبرني كيف نشأ في أسرة تحب القراءة وتشجع طلب العلم، فمنذ نعوم ة أظفاره وجد كتب والده من حوله، ورأى كيف يقضي والده الساعات الطوال، يقرأ ويبحث ويكتب، وكيف غرس فيه مبادئ الدين وقيمه الفاضلة لينشأ عليها ويحافظ عليها، هو وأسرته، حتى وهو يقيم في قلب أوربا حيث الانفتاح والعولمة والِريات، وكان أن ربى بناته على حب القراءة وال تفوق في الناحية الأكاديمية حتى صرن يحصلن على المرتبة الأولى في ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٢٤مرافئ وشرفات 24 التحصيل الأكاديمي كل عام، وأغرمن بالقراءة حتى لم تعد الواحدة منهن تعبأ بالألعاب التي أحضرها والداها، ولم يعد لها وقت للتلفاز، فلجأ الوالد للتخلص منه، إذ لا أحد يبالي به! حقيقة هذه القصة تعد حجة على كل من فر ط في تربية أبنائه وتذرع بحجج واهية، وألقى باللائمة على الشارع والمدرسة وأصدقاء السوء، وغيرها من التبريرات العجفاء التي لا تغني من مسؤوليته أمام الله شيئاً، وتؤكد تفريطه في دوره كراعٍ ومسؤول أولٍ عن رعيته، فها هي أسرة تقيم في بريطانيا وتحافظ على القيم، فتربي أفرادها على الأخلاق، وتغرس فيهم حب العلم والمطالعة. كثير من الآباء والأمهات فرَّطوا أو عطلوا دورهم في تربية الأبناء والبنات، مع أنه الدور المؤثر والعامل الرئيسي، وما سواه لا يعدو أن يكون مجرد أدوار وعوامل ثانوية؛ بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبـَوَاهُ يـُهَوِّدَانِهِ أَوْ يـُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تـُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تـَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ) (1). أبناؤنا في صغرهم مثل العجين يمكن أن تشك له كيف تشاء، وقديماً قيل: (ال علم في الصغر كالنقش في الِجر)، فالذكاء مثلاً - كما أثبتت بعض الأبحاث - 90% منه مكتسب، و10% فقط فطري موروث، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعط ه، ومن يتوق الشر يوقه)(2). كل هذه أدلة على أهمية المكتسب في حياة الإنسان، وأن بوسعه أن يكتسب كثيراً من نافع العلوم وطيب الأخلاق إذا كان له استعداد نفسي لذلك، ووجد بيئة تعينه على اكتساب كل صالح ومفيد، أما أصحاب العزائم الواهنة والأعذار الجوفاء فلا مجال لهم في هذه العملية التربوية القاصدة التي تبتغي وجه الله تعالى بولد صالح يدعو لوالده بعد (1) رواه البخاري برقم 1385) (2) السلسلة الصحيحة برقم 342.)
عدد الصفحات ٢٥مرافئ وشرفات 25 مه من خير في ميزان حسناته؛ لأنه دعا إلى هدى، ومن موته، فينفعه دعاؤه ويكون ما عل ، ئاً شي مدعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجوره وسلم.أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه اكم ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٢٦مرافئ وشرفات 26 التلفاز وتقاعد الأبوين عن التربية مما يؤسف له أن كثيراً من الآباء والأمهات تقاعدوا مبكراً عن وظيفة التربية، وتنازلوا عنها – طائعين - للشارع والأصدقاء والتلفاز! لينال الأخير النصيب المُعلَّى من أوقات أبنائنا وبناتنا. ولا يكمن الخطر في مجرد مشاهدة الأبناء للتلفاز، بل في طبيعة الأشياء التي يشاهدونها، وفي إدمانهم – خاصة الأطفال – لهذه المشاهدة التي تصل إلى حد التسمر لساعات طويلة أمام هذه الشاشة البلورية، دون رقابة أو متابعة من الوالدين! وأدلُّ دليل على أن كثيراً من الأطفال قد وصلوا في مشاهدتهم للتلفاز حداً أقرب إلى الإدمان ما توصلت إليه إحدى الدراسات الأمريكية التي بيَّنت أن الطفل يشاهد التلفاز في العادة بمعدل 23 ساعة في الأسبوع الواحد، بينما خلصت دراسة مصرية إ أن أطفال مدينة القاهرة يشاهدون التلفاز بمعدل 28 ساعة في الأسبوع الواحد! وقس على ذلك حال أطفالنا! كثير من الآباء والأمهات يفرحون بانشغال أبنائهم بالتلفاز، ويظنون أنهم بذلك يستريحون من خروجهم المتكرر خارج المنزل، ويتخلصون من شغبهم وضجيجهم، ويتحاشون شجارهم مع بعضهم البعض، ولا يدرون بأنهم بتسليم القياد للتلفاز إنمايعرضون أبناءهم لمخاطر جمة، قد تؤثر سلباً على حياتهم المستقبلية! من الخطأ، بل من السذاجة أن يظن الوالدان أن البرامج التي تُبث في القنوات الفضائية لا تحمل سوى أهداف نبيلة، الغرض منها لا يعدو التسلية المفيدة، ويفتخر بعضهم بأن أبناءهم صاروا يتحدثون باللغة العربية الفص يحة من فرط مكوثهم وتسمرهم أمام شاشة التلفاز! وهذا إما أنه دليل على جهل بطبيعة هذه البرامج، أو تغافل عن محتواها الذي لا يخلو في معظمه من سموم مبثوثة، تديرها أغراض لا تخلو من خبث،
عدد الصفحات ٢٧مرافئ وشرفات 27 ة؛ تسعى لغزو المجتمعات ثقافياً، والنيل من عقيدتها، وتدمير بنيتها الاجتماعية المتماسك ليصبح الفرد غارقاً في مستنقع الشبهات والذاتية والتفسخ الأخلاقي، أسوة بنظيره الغربي! وقد أثبتت دراسة أن حوالي 75% من البرامج التلفزيونية التي تُعرض في الدول العربية والإسلامية هي ذات إنتاج أجنبي، وأن حكومات هذه الدول لا تسيطر إلا على 25% من المعلومات والبرامج الموضوعة والمعروضة لمواطنيها؛ مما ينم عن حجم الاستهداف الغربي لمجتمعنا. كما لا يهتم كثير من الآباء والأمهات بما إذا كانت هذه البرامج تناسب أعمار أبنائهم أم لا، مع أن الغرب الذي أنتج هذه البرامج يحدد في كل منتج عمر الطفل الذي ر أحد والديه أم لا، خاصة إذا كان الأمر يتعلق ببرامج يشاهده، وهل يشاهده في حضو تحتاج مزيداً من الشرح والتفسير والتوجيه من أحد الوالدين. ومن سلبيات هذه البرامج التلفزيونية أن كثيراً منها يحض على العنف، ويعرض كس مشاهد تحرض الأبناء على الأفعال الخشنة القاسية التي لا تناسب أعمارهم؛ مما ينع واضحاً فيما بعد في سلوكهم تجاه غيرهم من الأطفال، حين يفتعلون الشجار، ويستخدمون القوة الجسمانية في أبسط الأشياء، هذا غير محاولتهم محاكاة ما يرون في هذه البرامج؛ مما يعرضهم للخطر، كمحاولة السقوط من الأماكن العالية، أو القفز لمسافات نحو ما يفعل طرزان أو الرجل الوطواط أو السوبرمان، وغيرهم من بعيدة، أو الطيران، على الأبطال الوهميين. وكثير من هذه البرامج يجعل الأبناء يعيشون في عالم غير واقعي، غارقٍ في الخيال والفنتازيا، فيبعدون بذلك عن محيطهم الاجتماعي، ويميلون للانطواء والانعزال عن المجتمع، لد الذهني التي تصيبهم من فرط مشاهدة التلفاز؛ مما يلقي بظلاله هذا غير حالة التب السالبة على تحصيلهم الأكاديمي ومستوى ذكائهم. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٢٨مرافئ وشرفات 28 ويسهم إدمان مشاهدة التلفاز في إذكاء العقوق لدى الأبناء، بشدِّه لانتباههم للدرجة التي لا يريدون معها ححولاً عنه، فإذا ناداهم أحد الأبوين لِاجته لم يُلق وا له بالاً! ليكون هذا الامتناع فيما بعد إيذاناً بالتمرد والعقوق، وإرهاصاً باتساع حجم الفجوة التي تفصل بين الطفل وأبويه. لقد أثبتت الدراسات أن التلفاز هو أحد وسائل انتشار الجريمة، حيث يتعرف الطفل على أساليب الجريمة من خلال متابعته للشخصيات الشريرة التي است حدثت وسائل وأساليب متنوعة للإضرار بالآخرين! فيدفعه إعجابه بهذه الشخصيات إلى تقليدها في كل شيء، بما في ذلك الجريمة وما يرتبط بها من سلوكيات منحرفة، كالتدخين وتعاطي المخدرات وشرب الخمور. وتسهم كثير من برامج التلفاز في إضعاف خُلق الِياء لدى الطفل، باعتياده عل ى مناظر العُري لدى أبطال البرامج التلفزيونية، ومتابعته للعلاقات العاطفية، وما يصحبها من ممارسات غير مشروعة؛ فيقرُّ ما يراه باعتباره أمراً مباحاً لا عيب فيه ؛ ويزيد الوضع سوءاً أن بعض الآباء يتركون أطفالهم يشاهدون إلى جوارهم مسلسلات الكبار التي لا تخلو من مش اهد تخدش الِياء، دون توجيه أو إنكار، وكأنهم يتعاملون مع جمادات أو آلات صماء، لا إحساس لها ولا تفكير! إن هذا الوقت الثمين الذي قد يمتد إلى أربع ساعات في اليوم، تهُدر في مشاهدة التلفاز، كان يمكن أن يوظف توظيفاً أمثل في تنمية مقدرات الطفل ومهاراته، وصقل إبداع اته وملكاته، كالِفظ والقراءة والرسم، وبناء شخصيته وتشكيلها، بحيث تصبح فيما بعد شخصية فاعلة، تسهم بدورها في ترقية المجتمع والنهوض به. ختاماً، نرجو أن يكون في ما ذكرنا ما يلفت انتباه الآباء والأمهات إلى خطورة ترك الِبل على الغارب في علاقة أبنائهم بالتلفاز، و أن يضطلعوا بمسؤوليتهم التي استرعاهم الله إياها تجاه أبنائهم، بدلاً من إيثارهم التقاعد المبكر؛ ليشغر التلفاز وظيفتهم، فيكون المربي والمعلم والموجه!
عدد الصفحات ٢٩مرافئ وشرفات 29 الأبناء في مجتمعاتنا: تنشئة مدللة على فراش الكسل..!! السهل أن تعرف العلاقة إذا رأيت رجلاً يمشي مع امرأة، أو شاباً مع شابة، فمن بينهما؛ فإذا كان الرجل -أو الشاب –خشن، أو مقطِّبَ الوجه، يتحدث بصوت عالٍ يمشي على بعد مسافة لا تقل عن المتر بينه وبين المرأة –أو الشابة –فاعلم أنه إما زوجها، وإما شقيقها! وإذا كان الرجل –أو الشاب –بصوت وضاح الوجه، باسم الثغر، يتحدث رقيق هامس، فاعلم أن المرأة –أو الشابة –إما أن تكون خطيبته أو محبوبته، ولو أحسنت الظن بهما لقلت إنهما حديثا عهد بالزواج. وللأسف الشديد: هذه هي القاعدة العامة في مجتمعنا، إلا من رحم الله، فإنه يشذُّ عن هذه القاعدة! ***** والخمول، فلا يغسل ملابسه، ولا ينظف غرفته، في أسرنا ينشأ الولد على الكسل ولا يرتب فراشه الذي نام عليه، ويُترك نائماً حتى يصحو بعد أن تشرق الشمس ليجد الإفطار معداً، بينما أخته هي التي تغسل ملابسه، وتنظف غرفته، وتعيد ترتيبها، وتعد له طعامه، وتهيئ له حتى فراشه الذي ينام عليه! المدللة للولد، والتي تسهم فيها للأسف الأمهات بقدر كبير بأمرهن وهذه التنشئة لبناتهن بخدمة أبنائهن في كل صغيرة وكبيرة، هذه التنشئة هي إحدى الأسباب التي تجعل ،الابن ينظر إلى أخته أو زوجته نظرة دونية، تجعله يتحدث معها بخشونة، أو يعاملها بجفاء شيه، كما جاء في مقدمة الموضوع؛ مما يفضي إلى فشل لدرجة أنه يبتعد عنها حتى في م ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٣٠مرافئ وشرفات 30 الِياة الزوجية لكثير من هؤلاء الأبناء؛ لأنهم رُبُّوا على أن يخُدموا ويُطاعوا دون نقاش أو تفاهم، وهذا الوضع إن نجح مع الأخت التي تقبله على مضض، فلن ينجح مع الزوجة التي ترفضه في أغلب الأحيان. ***** إذا أردنا معرفة الأثر السالب لهذه التنشئة الخاطئة على حياة الولد مستقبلاً: لحنـَزُرْ غرفة للطلاب في أي داخلية، ونقارنها بغرفة الطالبات، حتماً سنجد الفارق شاسعاً! إذ أن غرفة الطلاب تسودها الفوضى، ويغيب فيها التناغم؛ فالملابس والأحذية والكتب والصحف مبعثرة في كل مكان، في الأسحرَّة، والنوافذ، وعلى الأرض، أما أرضية الغرفة فجدرانها لا تُنظف إلا لماماً، وتفتقد الفُرُش التي يُنام عليها إلى النظافة والترتيب، بينما تنبعث من الغرفة روائح منفرة! وعلى النقيض من ذلك غرف الطالبات التي يزينها الترتيب والنظافة والنظام، وتفو ح منها الروائح العطرة الطيبة! وإذا انتقدتَ مجموعة من الشباب يسكنون منزلاً من المنازل أو غرفة من غرف الداخليات على إهمالهم وقلة اكتراثهم بنظافة المنزل وترتيبه، لقالوا لك ببساطة متناهية: (ده بيت عزابة!)، وكأن العزوبية مبرر منطقي لكسلهم وتقصيرهم! ***** والسؤال المتوقع هنا: لماذا لا يُعوَّد أبناؤنا منذ الصغر على الاعتماد على أنفسهم؛ حتى يشبوا على تحمل المسؤولية تجاه أنفسهم وغيرهم، بعيداً عن الكسل والخمول؛ فما المانع مثلاً في أن يغسل الابن ملابسه، ويرتب غرفته، ويعد طعامه بنفسه، خاصة إذا جاء متأخراً، بل ما المانع أن يتعلم شيئاً من الطبخ ويساعد أمه أو أخته أحياناً في غسل الأواني؛ حتى إذا سكن ذات يوم وحده أو تزوج لم يشق عليه ذلك؟!
عدد الصفحات ٣١مرافئ وشرفات 31 وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خير البشر، يعين زوجاته في عمل ففي البيت، فكان في مهنة أهله؛ أي خدمتهم، كما كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله؛ الِديث: (سألتُ عائشة رضي الله عنها ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله، قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة) (1)، وفي رواية للإمام أحمد: (كان يخيط ثوبه ويخصف نعله، قالت: وكان يعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم) ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحسن معاملة النساء ويوصي بهن خيراً، حيث قال: (استوصوا بالنساء خيراً)(2) . د فالأحرى بنا أن نقتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ونقتفي أثره، فنعو على الاعتماد على أنفسهم في أمورهم الخاصة، وأن يساعدوا أمهاتهم أبناءنا منذ الصغر وأخواتهم، وزوجاتهم فيما بعد، ويحسنوا التعامل مع النساء بوجه عام؛ فإن هديه عليه الصلاة والسلام هو أكمل هدي، وسنته هي خير السنن. )1)رواه البخاري برقم 5692.) (2) متفق عليه ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t
عدد الصفحات ٣٢مرافئ وشرفات 32 قصص الأطفال بين الرعب والإثارة (الغول)، (البعاتي)، (ود أم بعلو)، (السح ار): أبطال خرافيون لقصص كنا نسمعها من أفواه الِبوبات (الجد ات)، فتبث فينا الأخيلة المخيفة التي ترتعد لها فرائصنا خوفاً ورعباً ! هذه القصص العجيبة، أو (الأحاجي) - كما نسميها - التي كانت تحكيها الِبوبات لنا، فنجتمع حولهن في شغف ولهفة، قد ساهمت ك ثيراً في تشكيل شخصياتنا في مرحلة الطفولة، فلا تعجب إن رأيتنا نخاف من الظلام بعد سماعنا لهذه القصص، خاصة وأن الكبار كانوا يخيفوننا بأبطال هذه القصص إن لم ننصاع لأوامرهم، فيقولون: (سأكلم لك البعاتي إذا لم تسمع الكلام) أو (إذا خرجت إلى الشارع ستجد السحَّار في انتظارك)! وهكذا يخرج هؤلاء الأبطال المرعبون من عالم الخيال والِكايات ليشاركونا في عالم الواقع المعاش؛ إمعاناً في إرهابنا وبث الرعب في قلوبنا! وحين كبرنا، وجدنا أمامنا قصص الخيال الذي لا يخلو من رعب وإثارة، مثل قصص (المكتبة الخضراء)، فقرأنا عن (الساحرة ال شريرة)، و(أليس في بلاد العجائب)، و(عروس البحر)، و(أميرة القصر الذهبي)، و(الِصان الطيار)، وغيرها من القصص الموغلة في الخيال. ثم انتقلنا إلى مرحلة أخرى تعتمد على الإثارة والِركة، فقرأنا (الشياطين الـ 13 ) و(رجل المستحيل) و(المكتب رقم 19)، وما شابهها من روايات وأتذكر في هذه المناسبة قصة طريفة كتبها الأستاذ إبراهيم الأزرق بموقع الألوكة تحت عنوان (حتى لا تكون وغداً يوماً ما!)، تحكي عن والد اشترى لابنه جملة من القصص المثيرة ليعوِّده على القراءة، وحسب تعبير الكاتب فقد فهمتُ أن المعني بعذه القصص سلسلة (رجل المستحيل ) التي كان يكتبها منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي د.
عدد الصفحات ٣٣