المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مرافئ وشرفات – بحث دائب عن الإبداع والتميز والرقي مجموعة مقالات

علي صالح طمبل

صفحة ١١ من ١٢

مرافئ وشرفات 161 اليابان اليوم التي قامت دعائم نهضتها على التعليم، يفسر التقدم الهائل الذي وصلت إليه حيث أنفقت عليه إنفاق من لا يخشى الفقر، بالرغم مما كانت تعاني منه، من شظف العيش وضيقه.. فكان أن تحاملت على نفسها وصبرت على المدى الطويل؛ لأنها استشرفت آفاق المستقبل بعقول القائمين على أمرها ذات الأفق الواسع. أما الأستاذ أو المعلم فحدِّث عن حاله ولا حرج: تراجع موقعه ووضعه الاجتماعي، فصار لا يلجأ إلى سلك التعليم إلا من استنفد أكثر سبل الكسب الشريف، اً من التعليم، إما لعجزه عن إيجاد وظيفة أفضل، أو لضعف تأهيله الأكاديمي؛ دَّ فلم يجد بُ ز، له (شنة ورنة) كما يقولون، لم يعد يتمتع ماعي مميَّ فالأستاذ الذي كان في موقع اجت بتلك المكانة الغابرة، ولا تلك الهيبة التي عفا عليها الزمن. وهذا الأستاذ الذي اضطرته الظروف لهذه المهنة التي لم يجد نفسه فيها، سيخلو خلف أداؤه في الغالب من الإبداع وتطوير الذات، وحتى لو استطاع أن يتميز فسيلهث الدروس الخصوصية، وستكل قدماه وهو يسعى من مدرسة لمدرسة، ومن جامعة لأخرى؛ بحثاً عن لقمة عيش كريمة! أما الجامعات والمدارس، فتعاني بيئتها من الترهل والتردي في المباني والأثاثات؛ دمة على وبالتالي يفتقد الطلاب إلى التهيئة النفسية التي تمكنهم من استيعاب المواد المق النحو المطلوب. وأما مناهج الجامعات فتدرِّس تاريخ العلوم، وليس العلوم المواكبة التي يمكن أن تفضي لتقدُّم البلاد ورفعتها، ويسود التعقيد والتضارب في مناهج المدارس؛ ويغلب على س فظ، ويغيب أسلوب التدريالمناهج في الجامعات والمدارس بشكل عام طابع التلقين والِ ي في الطالب روح النقد والمشاركة في فهم المادة وتحليلها.ذْكالذي يُ من المؤمنين بنظرية المؤامرة بشكل مطلق؛ فقد أصبح الكثيرون يتخذونها لستُ ذريعة لتبرير مشكلاتهم التي عجزوا عن حلها، ولكن التقارير تشير إلى دور الماسونية في ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٦٢

مرافئ وشرفات 162 جعل التعليم في البلاد الإسلاميةوالعربية فاقداً لهويته، وغارقاً في التعقيد والتضارب عبر أذرعتها المنتشرة في المواقع القيادية من بني جلدتنا، كل هذا حتى لا تتفوق بلادنا وغيرها على الصهاينة وأتباعهم! إذا كانت أمريكا تنفق 2،8% من دخلها القومي على البحث العلمي- وهذا ما جعل المراكز العشرة الأ ولى في العالم للجامعات الأمريكية - وإسرائيل تنفق - كما جاء في تقرير اليونسكو لعام 2010م- ما بين 4،6% و4،8% من ميزانيتها على البحث العلمي، بينما الإنفاق على البحث العلمي في العالم العربي في أقل مستوى له في العالم؛ ففي الدول العربية الإفريقية لم تتجاوز نسبت ه بين 0،3 و0،4% من جملة الناتج القومي خلال السنوات ما بين 2002 و2007م، بينما وصل الإنفاق في الدول العربية الآسيوية إلى 0،1%، في الفترة نفسها، بينما وصل الإنفاق على البحث العلمي على مستوى العالم 1،7% من جملة الناتج القومي إذا كان حال التعليم والبحث العلمي كما ذكرنا، فكيف لبلادنا وغيرها من الدول العربية أن تلحق بركب الدول المتقدمة وتنهض بمجتمعاتها، ما دامت البحوث تُوضع عندنا في الأضابير والأرفف، حتى صار الأساتذة لا يدققون في مراجعتها، والطلاب لا يبذلون فيها جهداً يُذكر بحيث تأتي بالجديد النافع! فما الفائدة من بحوث تُطوى في غياهب النسيان والإهمال؛ فلا تجد من يترجمها على أرض الواقع، ولا من يطبعها وينشرها على الأقل، بحيث يستفيد منها الآخرون! ما لم نُعحد النظر في واقع التعليم في بلادنا ونحسِّن أوضاع الأساتذة والجامعات والمدارس والمناهج والبيئة الدراسي ة؛ فإن بلادنا ستظل قابعة في ذيل البلاد، وسيظل تعليمنا في مؤخرة ركب التعليم في العالم كما هو الِال اليوم بالفعل!

عدد الصفحات ١٦٣

مرافئ وشرفات 163 حين يدعو العلم للرثاء ما يثير حيرتي في بلادنا-وأكثر بلاد المسلمين -أن القضايا العلمية والتعليمية محفل بالرغم من تصريحات المسؤولين الذين يؤكدون في غير ،تأتي في ذيل قائمة الأولويات !اهتمامهم بالعلم والتعليم لا على النقد والتحليل، بل الأدهى ،ما زال التعليم في بلادنا قائماً على التلقين صبه من ذلك أنه صار تجارة، فالطالب لا يقرأ ويتعلم من أجل العلم، وإنما يضع في نُ ه فسه بها، ويتعامل مع المنهج والامتحانات تعاملاً تجارياً، يجعل تخزينالوظيفة التي يمني ن رارياً سرعان ما يزول بزوال الامتحانات والِصول على طاض للمعلومات التي يتلقاها تخزيناً !الشهادات تعليم دليلاً على التطور العلمي للبلاد، وإنما ؤسسات الليس الانتشار الكمي لم على مناهج علمية مواكبة مبنيةٍ يةٍ نوع الذي يكون مصحوباً برؤيةٍ التطور الِقيقي هو عة لِاجات المجتمع في مختلف التخصصات، لكن أن يرى البعض أن انتشار التعليم شبح ومُ على هذا النحو التجاري هو ظاهرة صحية فهو أمر يخالف الصواب، ولا يعدو أن يكون ضرباً من التعميم والتجاوز. م نفسه في هذا الصدد هو: هل قام المسؤولون عن التعليم يقدِّ والسؤال الذي بدراسة توضح ما هو الأثر الملموس الذي أحدثه في المجتمع انتشار التعليم بشقيه العام والخاص؟! والذي يريد الإجابة على هذا السؤال عليه أن ينظر إلى مآل البحوث العلمية التي لف التخصصات، حيث تقبع هذه البحوث في يجريها طلاب الدراسات العليا في مخت أضابير الأرفف، أو تبعثر نسخها الأصلية في أحسن الأحوال في أرفف مكتبات الجامعة ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٦٤

مرافئ وشرفات 164 على نحو لا يشجع على الاطلاع عليها، كما عليه أن ينظر في المستوى العلمي لطلاب المدارس والجامعات مقارنة لهم مع أكثر الدول تخلفاً في أوربا مثلاً ! والناظر في حال المعلمين والأساتذة يجد ضعف رواتبهم وسوء أحوالهم المعيشية بوجه عام، وبالتالي يكدون ليعملوا أعمالاً إضافية في أكثر من مدرسة أو جامعة. وهذا بدوره يلقي بظلاله على مستوى أدائهم لتصبح المهنة عند أكثرهم مجرد أداء واجب يفتقر إلى الإبداع والتميز! كما أن الناظر إلى حال الطلاب يجد أكثرهم يتعامل مع المنهج كعبء ثقيل يريد أن يلقي به في أقرب سلة مهملات! إنَّ دولةً مثل أمريكا لم تتطور هذا التطور الهائل في مختلف العلوم إلا لأنها تنفق ما لا يقل عن 2،8% من ميزانيتها سنوياً علىالتعليم و البحث العلمي، بينما لا نكاد نحن ننفق 03% من ميزانيتنا على هذا المجال الِيوي المهم، ويكفي أن نقول إن أوضاع المعلمين والأساتذة والباحثين في بلادنا تدعو للرثاء، وربما تجد تاجراً من أصغر التجار يفوق دخله دخل العلماء والباحثين والمعلمين الذين لم يجدوا في العلم والتعليم ما يسد رمقهم! إن التمكين الِقيقي لا يكون بالخطب الرنَّ انة ولا بالتنطع والمكابرة، كما لا يكون بالتسلح بالأسلحة التي نستجلبها من الغرب ونفاخر بها؛ بل التمكين الِقيقي يكون بإعلاء راية العلم بشقيه الديني والدنيوي ، والإنفاق عليه إنفاق من لا يخشى الفقر، فهو الكفيل بعون الله عزَّ وجلَّ أن يأخذ بأيدينا إلى مرافيء الرخاء والسؤدد والأمن. ويكفى شرفاً أن أولى الآيات التي جاء بها القرآن الكريم كانت تحض على العلم: ﭐﱡﭐﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓﱠ(1). ) 1)[العلق: الآيات1-3.]

عدد الصفحات ١٦٥

مرافئ وشرفات 165 الشارع العام أم الخاص؟ تسمية شارعنا العام ليسمى (الشارع الخاص)، أو أي في رأيي أنه ينبغي إعادة تسمية أخرى تليق بما يحدث فيه من تعدٍّ وتجاوز للحدود! تسير بسيارة في شارع الإسفلت، فكن على حذر ممن سيقطع شارعك إذا كنتَ فجأة لـ(يخطف) الشارع أو (يسرقه) كما يقولون! وإذا أخطأت في حق أحد أو أخطأ أحد في حقك، فكن على استعداد في كلتا الِالتين لتلقي الشتائم والإساءات بصدر ن الِفر التي أحدثها رحب! وإذا كنت تقود سيارتك وسط الأحياء فكن على حذر م سكب مياه (البالوعات)، ومن (المواسير) التي تغرق الشارع بالمياه الآسنة! هذا إن كنت ة من الأتربة والطوب محظوظاً فلم تجد الشارع مغلقاً بفعل سُرَادحق فرح أو عزاء، أو تلَّ والنساء ر ممن سيقطع عليك الطريق فجأة من الرجالستخدم في البناء! والأهم أن تحذَ تُ والأطفال. رك أسفل منك حتى لا تسقط في مصرف ذْ راجلاً فخذ حح تسيرُ أما إن كنتَ رك أمامك حتى لا تصدمك سيارة ذْ مفتوح الغطاء، أو حفرة في وسط الطريق؛ وخذ حح متخطية، أو قادمة عكس الاتجاه الصحيح، أو (درداقة) في السوق، أو دراجة (بخارية أو ها في تهور ودون مبالاة!هوائية) يقودها صاحب وعليك أن تكثر من غض البصر كي لا تقع عيناك من حين لآخر على نساء عن لبسها المحارم في البيوت! كما عليك الابتعاد عن أماكن يلبسن ملابس تعفُّ المشادات والمشاجرات التي صارت أمراً معتاداً، وتلافي التجمعات التي تلتف حول الدجالين الذين يروجون -جهاراً نهاراً -للسحر والشعوذة، ولا تنسى أن تتمالك نفسك لصرف الصحي في كل مكان!حتى لا تتقيأ من رؤية القمامة والأوساخ ومياه ا ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٦٦

مرافئ وشرفات 166 الشارع العام فقد هيبته واحترامه عندنا، وأُريق ماء وجهه فلم يعد يأبه له - إلا من رحم - وضاعت (عموميته) تحت وطأة الانتهاكات المتوالية! فبيوتنا أنظف منه، وتعاملنا فيها خير من تعاملنا فيه، واحترامنا لها أكبر من احترامنا له، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن حق الطريق: (غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر)(1). الشارع العام ينبغي أن يكون عنواناً للانضباط والنظام والنظافة والأدب؛ فهو مقياس لتديننا وتقدمنا الِضاري، وما دام (عاماً) وملكاً للجميع، فيجب ألا يأتي فيه أحدنا بما يؤذي مشاعر الآخر، أو يضره في جسده وماله. ويشترك في المسؤولية الِكام والمحكومون الذين يجب أن يعملوا - على السواء - لتعزيز مكانة الشارع العام ؛ ليصبح واجهة حضارية، ونموذجاً أخلاقياً رفيعاً. (1) رواه البخاري برقم 5875.)

عدد الصفحات ١٦٧

مرافئ وشرفات 167 نحن والمواصلات ل السودانيين ثلث حياته في النوم، فإن جُ إذا كان الإنسان يقضي –إلا من رحم -يقضون ما لا يقل عن عُشر حياتهم في المواصلات! تتكرر بصفة يومية، تجعل الفرد رهن ظروفها التي معاناة المواصلات في السودان و ، فقد تجد البص أوتقلباتها الكثيرة التي لا يحدها قانون ثابت، ولا يحكمها ضابط معينَّ الِافلة ببساطة ويسر في أحد الأيام، فتأتي في اليوم التالي -في ذات التوقيت -لتقف في المحطة نصف ساعة أو يزيد دون أن يفتح الله عليك بمقعد خالٍ في بص أو حافلة! لذا لا سودانياً: كم تستغرق المواصلات من وقتك يومياً؟ فقال لك: ساعتين تستغرب إذا سألتَ قال: ثلاث ساعات أو أربع! أو ثلاث، أو مشكلة المواصلات في بلادنا تتعلق في رأيي بأبعاد ثلاثة: الراكب والعربة والطريق؛ فالراكب تبدأ معاناته بالانتظار في الموقف أو المحطة –خاصة في أوقات الذروة -لوقت ن أن يجد ظلاً قد يمتد إلى ساعة أحياناً، وربما كان انتظاره تحت حرِّ الشمس ولهيبها دو !ؤهفيتي أما عربة المواصلات، فسواء كانت بصاً أو حافلة، فقد تكون في كثير من الأحيان غير مجهزة من حيث النواحي الميكانيكية، فلا تعجب إذا تعطلت، فاضطر الركاب إلى الاستعانة بعربة أخرى بعد عنت ومشقة! كما أنها غالباً لا تكون مهيأة بحيث تجلب ، أما وضيِّقة ركاب، فصار معتاداً أن ترى هيكلها متهالكاً، ومقاعدها متداعيةالراحة لل التكييف فلا يكاد يحلم به أحد! هذا غير إهمال نظافتها، إما من قبل سائق العربة، أو من الركاب الذين يأكلون المكسرات، ويرمون بها في داخلها، فإذا استنكرت على أحدهم (مساعد السائق)؟! لماذا يتقاضى أجراً؟! أليس لكي ينظف قال: وماذا يفعل الكمساري هذه العربة؟! ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٦٨

مرافئ وشرفات 168 ثم بعد كل هذه الطوام يقف البص أو الِافلة على نحو عشوائي، كيفما اتفق، ليلتقط الركاب، دون التقيد بمحطات ولا مواقف، فتصل العربة إلى محطتها الأخيرة بعد أن ينام الركاب ويستيقظوا! هذا إذا لم يتعرض لها شرطي المرور؛ لكونها غير مرخصة ، أو ليس لسائقها رخصة قيادة ؛ فيزيد التأخير تأخيراً! أما الطريق الذي تسير عليه المواصلات، فهو عبارة عن شوارع ضيِّ قة، ملأى بالِفر، والترميمات، والمطبات، والمقاطعات، تعج بالازدحام، وتضج بالتلوث الذي تخلفه عوادم السيارات، وبالضوضاء التي تحدثها أبواقها، فضلاً عن صراخ السائقين الذين يتبادلون عبارات الشتم واللعن مع بعضهم البعض، أو مع المارة، خاصة في التقاطعات وأماكن الزحام! المواصلات في البلاد المتطورة وسيلة من وسائل المتعة، والراحة، والهدوء، والنظام، والسلوك الِضاري الراقي في التعامل مع الآخرين، حتى آثر الكثيرون ترك سياراتهم الخاصة ليستخدموا المواصلات العامة؛ فكل محطة بها أماكن مريحة للانتظار، فتجد كثيراً من المنتظرين يستفيد ون من أوقاتهم في القراءة والمطالعة، وكل بص أو حافلة له موعد محدد للتحرك والوصول، وإذا وقف في محطة من المحطات، فإن الركاب يصطفون تلق ائياً في طابور منتظم، حتى يجلس كل منهم في مقعده، لا كما يحدث عندنا، إذ يتزاحم الناس - رجالاً ونساءً - من أجل الِصول على مقعد، فيحصل الأقوياء وحدهم على المقاعد، بينما يفضل البعض حجز مقاعدهم عن طريق القفز من النافذة، أو بوضع حقائبهم الخاصة على المقاعد، وقد يجلس بعضهم فرحاً بالِصول على مقعد، فيتحسس جيبه ليجد أنه قد نُشل! وفي تلك الدول المتقدمة، تكون المواصلات مزوَّ دة بوسائل الراحة ، من حيث المقاعد الوثيرة والتهوية النظيفة المناسبة، لا يسمح فيها للسائق أن يُسمح ع الركاب شيئاً عبر مذياع الِافلة أو مسجلها مراعاة لاختلاف الأذواق، وقلَّ أن تجد فيها من يضيِّ ع وقته

عدد الصفحات ١٦٩

مرافئ وشرفات 169 نت عبر طالعة كتاب أو تصفح الإنتر الناس مشغولون، إما بم في ما لا طائل من ورائه، فجل الجوال، أو غير ذلك من الهوايات المفيدة، لا كما يفعل كثير منا، ممن يضيعون أوقاتهم في الالتفات يمنة ويسرة، أو في الانشغال بالآخرين، أو التفكير في هموم الِياة التي لا تزول بمجرد التفكير فيها، ولو كنا ممن يستغل أوقاتهم استغلالاً أمثل، لكان مجموع هذه اعات التي تضيع منا يومياً سبباً في حفظ القرآن الكريم، وقراءة الكتب والمجلدات، الس !ولكنه ضعف الهمة، ووضاعة الغاياتوالِصول على أرفع الأوسمة والشهادات، والعجيب بأننا نتعذر بعد ذلك كله بقلة وقت الفرا ، مع أننا في حقيقة الأمر قيمتها وأنفقناها بسخاء في ما لا يعود علينا بنفع حُرمنا البركة في الأوقات، حين لم ندرك ولا فلاح! فكان أن سبقتنا دول غربية لا تدين بديننا، ولكن أفرادها يتصفون في جانب الصدق، والنظام، وتقييم الوقت، وترك ما لا يعني؛ بما كان أحرى بالمسلم أن يتصف به. معاناة المواصلات الِالية، نحن في حاجة لإيجاد حلول تخفف عن كاهل الناس وتجعل منها وسيلة لاستثمار الوقت والاستفادة منه؛ وذلك بإيجاد خطوط دائرية، وتوسعة الشوارع وإنارتها، ووضع ضوابط مشددة لاختيار السيارات التي تعمل في المواصلات، احة بها، ر وسائل الر تشمل جاهزيتها من النواحي الفنية، والميكانيكية، والشكلية، وتوفُّ ، وتعمل على ترقية والمارَّة وتهتم بتدريب السائقين ومساعديهم في فن التعامل مع الركاب سلوكهم، علاوة على تنويع خيارات المواصلات، بإدخال وسائل مثل المترو والترام لتسهم في رفع العبء عن الركاب. عنها أمام الله فعلى القائمين على الأمر أن يستشعروا مسؤوليتهم التي سيسألون علهم الله تعالى تحت مسؤوليتهم؛ حتى جإلى الاضطلاع بأدوارهم تجاه من تعالى، فيعمدوا تكون المواصلات مظهراً من المظاهر الِضارية، لا صورة من الصور السالبة المؤسفة. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٧٠

مرافئ وشرفات 170 مواصلاتنا: هل بقي من الكرامة شيء؟ إذا كنتَ من القلة القليلة التي تملك سيارة فاحمد الله الذي ع افاك مما ابتلى به غيرك، أما إن كنت من الذين اعتادوا ركوب المواصلات فاسأل الله أن يجيرك في مصيبتك ويبدلك خيراً منها؛ لأنك لا تملك قرارك، ولا وقتك، ولا كرامتك! المواصلات و الوقت: ما دمت تستخدم المواصلات فأنت لا تملك وقتك؛ لأنَّ تضييع الأوقات سمة بارزة في مواصلاتنا، فإن خرجت من بيتك فلا تعجب إن وقفت بالمحطة ما يقارب الساعة في انتظار المواصلات التي تشح أحياناً، أو تأتي ممتلئة، أو تنعدم، وقد يمتد انتظارك حتى يفوتك الموعد الذي تريد اللحاق به، وقد تجد مقعداً، لكن الِافلة تكثر الوقوف لترُكحب فيها من يركَب، وتُصعحد إليها من يصعَد، ليضيع من وقتك الكثير؛ حتى صار من المعتاد أن يقول أحدنا: (تأخرتُ بسبب المواصلات)! وقد تأتي الِافلة العامة، وتقف إلى جانبك، لكن صاحبها يتعذر بأنه لا يعمل؛ دون ذكر سبب، وقد يتعلل بأنه يريد أن يفطر أو يشرب الشاي، أو يصلح ما تعطل من عربته! وفي البلاد الراقية تأتي كل حافلة إلى المحطة في وقت محدد دقيق يختلف من حافلة لأخرى، وتصل كل حافلة إلى محطتها الأخيرة في وقتها المحدد له ا، ومن حق كل مواطن أن يرفع شكوى في الِافلة التي تأخرت عن موعدها، ولو دقيقة واحدة؛ فكل شيء يسير بنظام بديع متقن. المواصلات والسمع: وإذا قدِّر لك أن تجد مقعداً في المواصلات، أو مكاناً تقف فيه (شماعة) فثق أنك لا تملك سمعك؛ لأن هذا الأمر متروك لسائق الِافلة، فهو الوحيد الذي يحق له أن

عدد الصفحات ١٧١

مرافئ وشرفات 171 إن اعترضت فقد لا يأبه لك، يُسْمحعَك ما يشاء، بأي درجة من الصوت تعجبه، وح مع أن كل بلاد العالم المتحضر يسود الهدوء في مواصلاتها العامة، إذ يمُنع تشغيل أي صوت فيها احتراماً لخصوصية كل إنسان، فمن الناس من يريد أن يقرأ، ومنهم من يريد ض، أن يتأمل، أو يشاهد ما حوله من مناظر، أو يفكر في أموره الخاصة، ومنهم المري ومنهم من لا يحب الاستماع للغناء، ومنهم من يستمع ولكن لا يعجبه الفنان الذي يصر سائق الِافلة على فرضه! المواصلات والمال: فأنت لا تأمن على مالك ولا أغراضك، إذ ؛وإذا كنتَ ممن يتنقل عبر المواصلات أنك قد تفقد مالك أو جوالك أو مقتنياتك في أي لِظة، إما بالنشل ممن يستغلون الزحام من النشالين –وما أكثرهم -أو بسقوط بعض ما تملك داخل الِافلة دون إمكان العثور عليه مرة أخرى! فة، ومن عجبٍ أنك لات المكلِّ وقد تخسر مالك بكثرة الركوب والنزول من المواص إذا أردت أن تصل إلى منطقة قريبة قد تستغل عدة حافلات من أجل الوصول إليها، وكأن فكرة الخطوط الدائرية اختراع لم يصل إلينا حتى الآن! المواصلات والاستغلال: للاستغلال في كل ضٌ رَّ عَ فأنت مُ ؛وإذا كنت من المتواصلين بالمواصلات العامة ة؛ لأن سعر التذكرة في الِافلة ليس ثابتاً، وإنما يتغير من وقت لآخر، فقد تتركه بسعر لِظ في الصباح، وتعود لتجده قد زاد في المساء بحجة أن الوقت تأخر، أو في لِظات الذروة حين تقل الِافلات ويستغل السائقون زحام الناس وتصببهم عرقاً تحت لفحات الشمس وبالتالي استعدادهم لدفع ما يمُلَى عليهم! ؛ل الانتظارالمحرقة، وتعبهم من طو ر السائق بأنه سوف يرجع في رحلة كما يزيد السعر عند قلة الركاب حين يتعذَّ العودة فارغاً من الركاب، أو بعدد قليل منهم! ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٧٢

مرافئ وشرفات 172 ولا تسلم بعد ذلك كله من حرب نفسية حين يرفض السائق العمل – خاصة في أوقات الزحام - أو يضغط على دواسة الوقود ويجعلك تركض خلف الِافلة في مشهد مهين للكرامة! مما يدفع بالتساؤل: أين دور الجهات المسؤولة؟! وأين دور ما يسمى بالنقابات في ضبط هذه الفوضى؟! وإذا حصلتَ على مقعد فاحمدح الله، ولا تسَلْ بعد ذلك إن كان محطماً أو مهترئاً أو متسخاً بالأتربة أو الزيوت! المواصلات والإيثار: وفي المواصلات يعزُّ الإيثار، فالقوي يركب قبل الضعيف، والصغير قبل الكبير، والرجال لا يتيحون فرصة للنساء، ومن استطاع أن يضع حقيبته أو بعض مقتنياته عبر نافذة الِافلة، أو حتى القفز عبرها إلى الداخل بحركة بهلوانية (قردية) فقد حجز مق عداً! أما في بلاد العالم المتقدم، فالجميع ينتظمون في طابور بحسب أسبقيتهم للوصول إلى الِافلة! المواصلات والفتن: وإذا كنت من مرتادي المواصلات، فعليك بالتحكم في مشاعرك ما استطعت، وأن تغض بصرك فإنك لا تملك نفسك من الفتنة، فلا يكاد يسلم بصرك من الوقوع على مشاهد التبرج الفاضح والاحتكاك بين الرجال والنساء دون ضابط، وإن أطلقت لبصرك العنان، أو انجرفت مع الإغراءات لعدت إلى بيتك محملاً برصيد وافر من الذنوب والسيئات! ختاماً: مواصلاتنا بحاجة حقيقية لإعادة تأهيل، وضبط، وتنظيم، وتقنين؛ حتى تكون محفزة للعمل والإنتاج، لا مثبطة للهمم ومزهدة في العطاء، وهذا هو دور الجهات المسؤولة – سواء كانت حكومية أو نقابية - أمام الله تعالى قبل مسؤوليتها أمام الناس عن هذه المواصلات التي لا تحفظ لأحد كرامته، ولا تحترم وقته، ولا تقدر خصوصيته، وقد قال

عدد الصفحات ١٧٣

مرافئ وشرفات 173 رسول الله صلى الله عليه وسلم عَبْدٍ يَسْتـَرْعِيهِ الل هُ رَعِي ةً يَمُوتُ يـَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ (مَا مِنْ غَاشٌّ لِرَعِي تِهِ إِلا حَر مَ الل هُ عَلَيْهِ الْجَن ةَ) (1). ) 1) رواه مسلم برقم 142.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٧٤

مرافئ وشرفات 174 هل نحن عرب أم أفارقة؟! - (نحن لسنا عرباً، فلماذا يصر البعض على مجاراة العرب في اللغة العربية؟!) هذا السؤال سألني إياه أحدهم عقب خروجنا من احتفال أقيم لتكريم الطلاب الذين مثلوا جامعة الخرطوم فحصلوا على المرتبة الأولى في المسابقة الدولية للمناظرة باللغة العربية الذي شاركت فيه ثلاث وأربعون جامعة من مختلف أنحاء العالم في دولة قطر. وأعاد هذا السؤال إلى الذاكرة سؤالاً ممجوجاً لطالما طرحه المثقفون: هل نحن عرب أم أفارقة؟ وأعجبتني في هذا الصدد مقولة للدكتور حيدر إبراهيم - الذي أختلف معه في كثير من المرجعيات والمنطلقات؛ لكونه يسارياً، بل ماركسياً كما ذكر في إحدى الصحف! – حيث قال: (الِديث عن الهوية هو حديث العاطلين، فلو كانت هنالك تنمية حقيقية لما انشغل الناس بمثل هذه الأسئلة). وقد أصاب د. حيدر إبراهيم إلى حد كبير في ما ذهب إليه، فقد صرف المثقفون أوقاتهم وسو دوا الكتب والصحف للإجابة عن سؤال الهوية، وهل نحن عرب أم أفارقة، بل وأنشؤوا المدارس الفكرية، من داعٍ للأفريقانية، وداعٍ للعروبة، وموفِّق بين الاثنين، مثل مدرسة الغابة والصحراء التي ترى بأن السودان عربي إفريقي. والسؤال الذي يتراءى في ثنايا هذا السياق هو: ما الجدوى من الِديث عن الهوية؟ هل إذا عرفنا من نحن: سيؤدي ذلك إلى حل مشاكلنا، وتناسي خلافاتنا، والتفاتنا للبناء والتعمير والتنمية، ليسود السلام والاستقرار ربوع البلاد؟! أصاب د. حيدر في الجزئتين: أولاً حين ذكر أن حديث الهوية هو حديث العاطلين، وثانياً حين ذكر أنه لو كانت هناك تنمية حقيقية لما انشغل الناس بالِديث عن

عدد الصفحات ١٧٥

مرافئ وشرفات 175 ين الناس، وبالتالي الهوية؛ فالتنمية إذا كانت متوازنة ومستدامة، فإنها تعني تقليص الفوارق ب إزالة الغبن بين مختلف شرائح وطبقات وقبائل المجتمع. حديث الهوية لا يحتاج –في رأيي –إلى كثير كلام ولا مجادلات ومناقشات لا طائل من ورائها، ولا مدارس فكرية يُصرَف فيها الوقت والجهد والمال لتجيب عن سؤال: .هل نحن عرب أم أفارقة، أم عرب وأفارقة نحن ببساطة لسنا عرباً ولا أفارقة بل سودانيون، والسودانية هي قومية تجمع في داخلها شتى القبائل في شمال السودان وجنوبه وشرقه وغربه، نتجت من امتزاج الثقافة الأفريقية بالعربية، ومصاهرة الدماء الأفريقية للدماء العربية، لذا فالسودانيون الذين يقولون طئون، كما أن السودانيين الذين يقولون بأنهم أفارقة مخطئون.بأنهم عرب مخ الأخرى مخطئون؛ لأن اختلاف هذه اللغات ينبغي أن ون اللغاتح صُ قْ والذين يـُ يكون اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وفي المقابل يخطئ من يحاول إقصاء اللغة العربية؛ قبائل التي تعيش في السودان، فهي لغة التواصل ووسيلة التعايش التي تجمع مئات ال وتتحدث بلغات ولهجات متعددة، والأهم من ذلك أنها لغة القرآن وأداة فهمه وفهم السنة المطهرة؛ وهي بالتالي نعمة وليست نقمة، وينبغي أن تكون جسراً للحوار والتعايش كون هذا ز السودان عن غيره، بحيث يللتعدد العرقي والثقافي الذي يميِّ السلمي، ومرآةً التعدد أداة لإثراء العربية لا إفقارها. وأضيف إلى ما قاله د. حيدر أنه لو كان هناك تطبيق حقيقي وعملي لمبادئ الإسلام لما كانت هذه التعددية العرقية والثقافية عاملاً من عوامل التناحر والتباغض التآلف بين الناس، فاللهوالتفاخر، بل كانت ستُعدُّ عاملاً من عوامل الانسجام والتعارف و ل:يقو وجلَّ عزَّ ﭐﱡﭐﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱰﱯ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱶﱵ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺﱠ( 1). ) 1) [13.] ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٧٦

مرافئ وشرفات 176 ولو كان هناك استصحاب لقيم الإسلام لما كان معيار التفاضل بين الناس الجنس أو القبيلة أو السحنة أو المستوى الاجتماعي؛ وذلك للآية السابقة، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمى على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب)(1). 1) ) (رواه المذي برقم ( 3270)، وحسنه الألبا.

عدد الصفحات ١٧٧