المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مرافئ وشرفات – بحث دائب عن الإبداع والتميز والرقي مجموعة مقالات

علي صالح طمبل

صفحة ١٢ من ١٢

مرافئ وشرفات 177 واحد.. صفر.. واحد (واحد.. صفر.. واحد) ليس نظرية معقدة في الرياضيات، ولا شفرة من الشفرات يصعب فكها، وإنما هو ببساطة برنامج غذائي معروف لدى طلاب الجامعات المقيمين بالداخليات. فقد صليت المغرب ذات يوم بمسجد لإحدى الداخليات، وبعد الصلاة التقيت بأحد الطعام، فاستغربت لأن الوقت لم يصادف وجبة من الوجبات، المعارف، فدعاني لتناول ونظرت في المطعم فإذا هو مكتظ بالطلاب، فسألته وقد غمرتني الدهشة: - هذه الوجبة التي تريد تناولها بعد صلاة المغرب: هل هي غداء أم عشاء؟! فقال لي ببساطة: - غداء وعشاء، فنحن نعمل بنظام (واحد صفر واحد). أن الرقم واحد يعني وجبة، والرقم صفر يعني أن لا وجبة؛ أي أن وفهمت منه هؤلاء الطلاب يتناولون وجبتين، فيتنازلون عن الغداء، ويتناولون العشاء مبكراً حتى ! وما ذلك إلا لضيق اليد وقلة الِيلة!والعشاء معاً يسد خانة الغداء ت )، وكانةٌ نَّ رَ وَ ةٌ نَّ (شَ وطارت بي الذاكرة إلى زمان غابر كان للطالب الجامعي فيه نجوم) كما يقولون، حتى إن أقارب الطلاب كانوا الداخليات عبارة عن فنادق (خمس ب الشراب! لذا كانت يزورونهم من حين لآخر حتى يستمتعوا بلذيذ الطعام وطيِّ جامعاتنا في مقدمة التصنيف العالمي للجامعات، بينما أصبحت اليوم لا تُذكر حتى ة الأوائل!في المائ ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٧٨

مرافئ وشرفات 178 وللأسف التحقنا بالجامعات لنجد أن المنابع قد جُفِّفت، وأن الطالب الجامعي المقيم بالداخليات، بعد أن كان جاذباً للإعجاب والاحترام، صار مثيراً للشفقة والرثاء! وهكذا اهتمت سياسة التعليم العالي بالكم، وأهملت الكيف، فبنت عشرات الجامعات والمعاهد العليا، لكنها أهملت أهم مقوِّم من مقومات العملية التعليمية يُعو ل عليه في قيادة الأمة ونهضة المجتمع: أهملت الطالب الجامعي الذي يعتبر رأس المال الِقيقي الذي لا يقدر بثمن، فما فائدة البنيان إذا أهملنا الإنسان؟! وما جدوى الكتل الخرسانية إذا أغفلنا العقول البشرية؟! الأمة التي لا تُولي عنايتها لطلاب العلم فيها، ولا توجِّه طاقاتها ومواردها للتنمية البشرية أمة لا تستحق أن تعيش إلا في ذيل الأمم، ومؤخرة التاريخ، في ركن قصيٍّ مظلم!

عدد الصفحات ١٧٩

مرافئ وشرفات 179 وظائف شاغرة أم ضمائر فارغة؟ الوظائف خهم جامعاتنا بالآلاف كل عام إعلاناتيقرأ الخريجون الذين تفرِّ الشاغرة على صفحات الصحف، فيداعبهم الأمل في شغل إحدى هذه الوظائف ومخي لتهم تنسج أحلاماً وردية عن مستقبل مشرق مفعم بالسعادة والطمأنينة. ويسارعون للوقوف في ،د هؤلاء الخريجون شهاداتهم والأوراق الثبوتية اللازمةعح ويُ ينتظر دوره ويمنيِّ نفسه بوظيفة في إحدى الشركات، ولكن صف الوظائف الطويل، وكلٌّ أغلب هؤلاء لا يدري أنه قد خسر المال الذي نسخ به شهاداته وركب به المواصلات، عه في الوقوف في الصفوف، وفي نسج الأحلام الملائكية دون كما خسر وقته الذي ضيَّ طائل! وظائف بالشركة، عن ات يوم دى الشركات أنهم أعلنوا ذحكى أحد العاملين بإح فجاءتهم مئات الطلبات للتقديم لهذه الوظائف، مع أن أمرها كان قد حسم منذ أكثر من ضيه توتقلد أصحابها مناصبهم! وعندما سئل عن السبب ذكر بأنهم يفعلون ما يق ،شهر القانون بالإعلان عن الوظائف، ولكن الاختيار أمر يخص الشركة! إلى هذه الدرجة يصل الاستخفاف بالناس؟! ما ذنب هؤلاء قلت: سبحان الله! الذين غُرِّر بهم ليصبحوا ضحية للتحايل على القوانين والمحسوبية؟! القوانين، لا على هكذا يتحايل أصحاب النفوس الضعيفة والقلوب المريضة يراعون سوى مصالِهم، ولا يأبهون لمن يروح ضحية خداعهم وغشهم، و(من غشنا ليس نا)م (1)، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. )1)رواهالبخاري برقم (101.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٨٠

مرافئ وشرفات 180 إن أزمة الضمير التي صارت عند الكثيرين أمراً معتاداً، حتى سمَ ى أصحابها التحايل ذكاءً ، والتلاعب بمصائر الناس حذقاً، هذه الأزمة تنم عن ابتعاد أصحابها عن الدين، ونسيانهم لمراقبة الخالق عزَّ وجلَّ الذي حر م الظلم على نفسه وجعله محرماً على الناس. وفوق ذلك كله، نسي هؤلاء المخادعون أن الأمور دول، وأنها ستؤول إلى غيرهم كما آلت إليهم، كما نسي هؤلاء دعوة المظلوم التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)(1)، هذه الدعوة التي تخترق الُِ جُ ب، فيستجاب لصاحبها، وإن كان كافراً ، ناهيك عن أن يكون مسلماً. والواقع المشاهد يبينِّ لنا أن كثيراً من هؤلاء الظلمة قد ابتلاهم الله بالأمراض المزمنة والمشاكل التي لا أول لها ولا آخر؛ لتذهب أموالهم التي جمعوها من غش الناس هدراً، لا يذوقون لها طعماً، ولا يجدون لها لوناً ولا رائحة. هل للمسؤولين أن يعيدوا النظر في مدى تطبيق القوانين التي تحمي حقوق الخريجين في التوظيف والمشاركة في تنمية المجتمع حتى لا تكون حبراً على ورق؟ وهل للقائمين على أمر الوظائف أن يعيدوا حساباتهم ويملؤ وا ضمائرهم الفارغة من مراقبة الخالق عزَّ وجلَّ ؛ فيُشغحلوا الوظائف الشاغرة بمن يستحقها، دون تمييز وتزييف؟! (1( رواه مسلم برقم ( 1563).

عدد الصفحات ١٨١

مرافئ وشرفات 181 الخطة (ب في أعقاب الارتفاع الجنوني للأسعار بعد انفصال الجنوب ومعه آبار البترول، ورفع الدعم عن المحروقات؛ اتصل أحد الشباب بصديقه وسأل عن حاله فأجاب: - بعد ده فكرنا في الخطة (ب). - وما هي الخطة (ب)؟! - برة. - ؟؟!! ودهش ذلك الشاب؛ لأن صاحبه -حسب علمه -يعمل في وظيفة مرموقة؛ وتساءل في نفسه: إذا كانت هذه الأوضاع الأخيرة قد دفعت أمثال هذا الشاب إلى الدخل، ي في الغربة، فماذا يفعل الشباب الذين يعملون في وظائف متدنية التفكير الجدِّ أو الذين لا يجدون عملاً؟! ولم يكن هذا الشاب بدعاً من أبناء جيله، فقد فكر كثيرون مثله في العمل خارج ا السودان وهم يرددون عبارات مألوفة مثل (البلد دي ما بتتقعد)، و(نحنا بنضيع زمنَّ ة التي ساكت)، و(أخير نكسب زمنا)، و(البلد دي بقت صعبة)، هذا غير العبارات النابي !لا يخلو بعضها من لعن وشتم وسب منذ فترة قرأنا وسمعنا عن هجرة حوالى خمسة آلاف طبيب إلى إحدى الدول الخليجية، وبين كل فينة وأخرى نسمع بهجرة عقولنا وسواعدنا إلى خارج البلاد، غير آسفين على بلد عجز عن استيعابهم وإشباع طموحاتهم. والأدهى من ذلك أن إحدى حف طالعتنا بخبر حزين: ثلاثة آلاف تأشيرة للخارج يومياً بجهاز شؤون السودانيين الص العاملين في الخارج (المغتربين)! وأوردت صحيفة (الأهرام اليوم) بتاريخ 1 مايو2013م، ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٨٢

مرافئ وشرفات 182 نقلاً عن وزيرة تنمية الموارد البشرية أن عدد المهاجرين السودانيين عام 2012م بلغ 91936شخصاً ! والسؤال الذي يرد إلى الخاطر في هذا السياق: لماذا يغيب حبُّ الوطن عن شبابنا حتى لا تكاد تجد شاباً يرفض فرصة للعمل خارج السودان براتب مغرٍ بحجة أنه يريد أن يسهم في بناء وطنه، أو لأنه يشعر أن لبلاده حقاً عليه، أو أنها تحتاج إلى فكره وجهده! فهل هو خلل في التربية الو طنية جعل البلاد تهون على شبابها الذي ن يُعوَّ ل عليه م في نهضتها؟ أم هو عجز القائمين على الأمر عن توظيف عقول وطاقات الشباب كما ينبغي. بلادنا غنية بثرواتها الطبيعة، ولكن ثروتها الِقيقة تكمن في ثروتها البشرية التي تُعد الركيزة الفعلية للتنمية والنهضة؛ وكل البلا د التي نهضت وارتقت قامت نهضتها في المقام الأول على رأس المال البشري قبل أن تقوم على الثروات الطبيعية؛ بدليل أن كثيراً منها لا يملك ثلث ما لدينا من ثروات طبيعية و زراعي ة وحيوانية. حينما سئل الأب الروحي لنهضة ماليزيا مهاتير محمد عن سر هذه النهضة التي شملت مناحي الِياة كافة، لم يُ رجح ع السبب إلى الثروات الطبيعية التي حباها الله لهذا البلد، أو الخطط الاستراتيجية التي استخدمها خبراء التنمية، بل قالها كلمة واحدة لخصت كل شيء (التشجيع)، تشجيع العقول والطاقات البشرية والمشاريع الهادفة التي هي قوام التنمية وركيزتها الفعلية. فهل يعي القائمون على الأمر ذلك، ويعمدو ن إلى إقامة المشاريع التي تعتني ببناء الإنسان وتطويره قبل بناء المشاريع التنموية والإنشائية؟ وهل يعملون على تشجيع وتفجير الطاقات والعقول البشرية قبل تفجير ثروات باطن الأرض وظاهرها؟!

عدد الصفحات ١٨٣

مرافئ وشرفات 183 !!..ريضةملابس أنيقة وابتسامات ع وقد ،كنت أرتدي ملابس أنيقة حين ولجتُ إلى سُرادق ذلك الِفل المترف خامرني شيء من الزهو وأنا أتطلع إلى ملابسي وحذائي اللامع بفعل الطلاء. وتوجهتُ بثقة إلى أهل (العريس) الجالسين في مقدمة السرادق لاستقبال الزائرين، بحرارة. وعانقني أحدهم بشدة وهو يبتسم ابتسامة فإذا بي أفاجأ بنهوضهم لمصافحتي عريضة، فقلت في نفسي وأنا أتطلع إلى وجهه في دهشة: هل هذا الرجل يعرفني؟! وحاولت جاهداً أن أتذكر متى تعرفت إليه، ولكن دون جدوى! وجلست إلى إحدى الموائد الفخمة وأنا أتطلع في إعجاب إلى السرادق الضخم وينطق كل جزء من أجزائه بالفخامة والترف، وجال نظري في الطاقم الذي تكسوه الزينة، الذي يقوم بخدمة الضيافة بنشاط وحيوية، وفي الِضور الذين يتصدرهم المسؤولون الذين يشغلون مراكز مرموقة في المجتمع.غيرهم من ورجال الأعمال، و والوجهاء، ،بالدولة جل تبدو على ملامحه أمارات الثراء، وبينما كنت أجول بنظري يمنة ويسرة، إذا بر الذين يشغلون إحدى المناصب المرموقة. استماحني عذراً وسألني منويبدو من ملابسه أنه في أسلوب مهذب: هل العربة (الكورلا) التي تقف في الخارج تخصك؟ كدت أقول له: يا ه مبتسماً في أخي أنا لا أملك سيارة (كورلا) أو غيرها، ولكنني تمالكت نفسي وقلت ل هدوء: لا إنها ليست لي! وتركني الرجل غارقاً في أمواج من الِيرة والتعجب وأنا أتساءل في نفسي: ألم يجد من بين هؤلاء الِضور كلهم من يسأله عن هذه السيارة الفخمة غيري؟! يا تُرى ماذا كان سيقول لي لو قلت له: إنني لا أملك سيارة؟! ان صاحب إحدى البقالات يباهي ببقالته الكبيرة التي وفي الِي الذي أقطنه ك تعج بشتى البضائع الراقية حتى اعترى هذا الرجل شيء من الكحبرْ والغرور، فأصبح يبيع لمن ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٨٤

مرافئ وشرفات 184 يشاء ويترك من يشاء حسب شكله، ومتى راق له ذلك، وإذا سأله أحدهم عن بعض السلع التي يعتبرها هو حقيرة يجيب عليه: شفت ليك بقالة ز ي دي بتبيع حاجة من النوع ده؟! وفي ذلك اليوم كنتُ أرتدي تلك الملابس الأنيقة حين هبطتُ من الِافلة العامة أمام البقالة لأجد صاحبها يجلس على كرسي أمام البقالة ، ففاجأته بالوقوف أمامه. واستغليت الظلام في تلك الليلة لألقي عليه السلام وأصافحه ذاكراً اسمه بصوت جاد حازم، فما كان من صاحبنا إلا أن نهض مضطرباً وهو يصافحني متطلعاً إلى ملابسي بهيبة وارتباك، ثم سارع بإحضار ما طلبته منه، وأنا لا أكاد أتمالك نفسي من الدهشة والفرح! هذان الموقفان ليسا من نسج خيالي أو وحي إلهامي ولكنهما للأسف من أرض الواقع المعاش، فهما ينم ان بوضوح عن المادية التي تدير حياة أكثر الناس الذين يقيِّ مون الناس بمظاهرهم، ويعدلون عن الجواهر إلى الصور، وإن كان الموقفان ساخرَينح، فهي سخرية مريرة وليست لاذعة، لم نرد بها أن نسيء إلى أحد، بل أملنا أن نعيد بها سوياً تقييمنا للأمور وللناس على حقائقهم ومعادنه م الأصيلة ، عملاً بقول الله تعالى: ﱡﭐﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺﱠ(1)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلو بكم، وأشار بأصابعه إلى صدره)(2). )1) [الِجرات الآية 13] ) 2) رواه مسلم برقم ( 2564).

عدد الصفحات ١٨٥

مرافئ وشرفات 185 السعر بالشكل سوق مخصص لها، فسألت الدكان الأول عن سعرها كنت أبحث عن سلعة ما في فقال لي البائع: عشرة جنيهات. فقلت له بدهشة: إن سعرها غالٍ جداً، ثم تركته دون أن أزيد إلى الدكان الثاني، فقال لي: ثماني جنيهات. ثم ذهبت إلى الثالث فقال: أربع جنيهات! هذه الدرجة، ثم تساءلت في نفسي كيف لذات السلعة أن يتباين سعرها إلى تذكرت أنني كنت أرتدي زياً رسمياً قد يوحي بالثراء والقوة الشرائية العالية، وتذكرت مقولة شهيرة لرجل لم يعبأ به أحد حين ارتدى ثياباً بسيطة، ولكنهم اهتموا به جل الاهتمام كمي قبل ح بأجمل الثياب وأغلاها، فقال حين أُحضر له الطعام الباذخ: (كل ياحين تلفَّ !فمي) وتذكرت حين كنت ألبس ذات الثياب الرسمية، فدخلت سُرادق عرس لأحد الأثرياء فاهتم بي أهل العريس غاية الاهتمام وعانقني أحدهم بقوة -ولعله ظن أنني أحد ين المسؤول-أن تقابل أو تجلس إلى جوار مسؤول فلا عتادوما أكثرهم حتى صار من الم تعرفه –م سألني حتى إن أحده -دون غيري –إن كانت السيارة الفارهة التي تسد الطريق على سيارته هي سيارتي، فاعتذرت له على الفور وقد تملكتني الدهشة لأن سيارتي الوحيدة كانت قدمي! وحين ذكرت هذه القصة لأحدهم قال لي: ما كان يجب أن تعتذر مباشرة! لوحة العربة، فإذا ذكرها لك تجيب بأنها فقلت: كيف؟! فقال: كان يمكن أن تسأله عن ليست سيارتك! ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٨٦

مرافئ وشرفات 186 حقيقة، إن أسعار السوق اليوم بحاجة إلى إعادة النظر فيها، ووضع حد لجشع بعض التجار الذين يسعون للمكسب السريع دون ضابط أو رقيب، فلا بد من إيجاد آليات تراجع وتقيِّم نوعيات السلع وجودتها وأسعارها ؛ حتى لا يقع المواطن فريسة للطمع والاحتيال.

عدد الصفحات ١٨٧

مرافئ وشرفات 187 سعر الحذاء خطأً؟! عفواً: هل كُتب حين استيأست أنا وزميلي من الأحذية الرخيصة التي لا تلبث سوى أشهر معدودة حتى يتقطب حاجباها، ويتساقط وجهها البلاستيكي اللامع (المزيف) ليحل محله (جلدية أصلية راقية)!وجه مليء بالتجاعيد.. حينها قررنا شراء أحذية دمنا من أول وهلة الراقية لنختار أحذية أفضل، حتى صُ لاتوما إن ولجنا المح ر حذاء أكثر من حين هالتنا الأسعار الفلكية! فما كنا نظن في أسوأ كوابيسنا أن يبلغ سع 500 جنيه، حتى مازحت أحد الباعة قائلاً: هل سعر الِذاء مكتوب خطأً، فكُتب من اليمين إلى الشمال بدلاً من العكس؟ ولكنني لم أجد إلى هذه المزحة سبيلاً عندما وجدنا حذاء سعره ( 585) جنيهاً؛ لأن محصلة قراءته من الاتجاهين واحدة وما كان منا حين وجدنا الأسعار على هذه الشاكلة من الغلو والبعد إلا أن بدلاً من سؤاله عن سعر أصبحنا نسأل أصحاب المحلات منذ البداية عن أرخص حذاء حذاء معين، فكانت الإجابات: 170،140؛ ولما كنتُ وصاحبي من ذوي الدخل المحدود، ما كان أمامنا سوى أن ندير ظهورنا في كل مرة ووجوهنا ترسم ملامح أمل خائب! تساءلنا حينها: هل هذه الأسعار منطقية، أم أن هذه المحلات ارتبطت بالمسؤولين وأصحاب الأموال فلم يعد فيها مكان للمواطن البسيط؟! وأدركنا يقيناً أن في الدولة بلادنا تزداد فيها الهُو ة اتساعاً بين الأغنياء والفقراء، وتتجلى فيها المفارقات بشكل مخيف، فبينما لا يتجاوز سعر أغلى حذاء في الأحياء الشعبية 70 جنيهاً، يفوق سعر الِذاء المحال الراقية 500 جنيه وبالفعل بلادنا يصدق فيها قول القائل: (ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها ع)!ضيَّ حق مُ ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٨٨

مرافئ وشرفات 188 النعمة الموفورة.. والحق المُضي ع! عندما اقترب وقت غروب الشمس في إحدى (الدلالات) بالعاصمة الخرطوم، وأوشك وقت الدلالة على الانتهاء، جأر أحدهم بالبكاء بصوت عالٍ، فاجتمع حوله الناس، وسألوه في دهشة عن سبب بكائه المفاجيء، فقال لهم والعبرات تكاد تخنقه وهو يشير إلى أبواب ونوافذ معروضة للبيع على ما يبدو: - هذه الأبواب والنوافذ هي أبواب ونوافذ بيتي، وقد نزعتها وتركت أسرتي في مهب الريح، بلا أبواب ولا نوافذ؛ لأنهم لم يذوقوا طعاماً منذ ثلاثة أيام! ثم أضاف في حزن مرير: - وبالرغم من ذلك لم يرضَ أحد أن يشتري مني شيئاً! وانتهى المشهد بأن جمع الناس له ما استطاعوا من مال وقلوبهم تكاد تحترق ألماً وحسرة على ما آل إليه حال بلادنا، حتى اضطر بعض الشرفاء لكي ينحو ا هذا المنحى تحت وطأة الفقر المفضي إلى الذل والهوان! حين سمعت هذه القصة من صديقي الذي كان شاهد عيان عليها، تذكرت القول المنسوب إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: (إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء؛ فما جاع فقير إلا بما متع به غني، وما رأيت نعمة موفورة إلا و إلى جانبها حق مُ ضيَّ ع)، وهو الذي نُسب إليه أيضاً قوله: (لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته). لعل ما تعاني منه بلادنا وكثير من دول العالم الثالث هو اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ حتى كادت الطبقة الوسطى تتلاشى في ظل الضغوط المعيشية القاهرة، ليزداد الأغنياء غنى والفقراً فقراً؛ وتبرز الفوارق الاجتماعية الواضحة، فيصبح المجتمع صنفين - ذُكرا في المقولة المنسوبة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (النعمة الموفورة) و(الِق المضيع) - ولم يعد غريباً على أحد أن تجد كثيراً من الناس يصبحون بين عشية

عدد الصفحات ١٨٩

مرافئ وشرفات 189 وضحاها في مصافِّ الأغنياء، يقطنون أفخم المنازل في أرقى الأحياء، ويقودون السيارات )؛ ورحم الله أبا بكر الصديق ؟!(من أين لك هذاالفارهة، ولا أحد يحاسب أو يسأل رضي الله عنه الذي قال حين وُليِّ الخلافة: (أيها الناس، فإني قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم، فإنْ أحسنتُ فأعينوني، وإنْ أسأتُ فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، لله، والقوي فيكم ضعيف والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقَّه إن شاء ا حتى آخذ الِقَّ منه إن شاء الله). ولعل لسان حال من رأوا ذلك الرجل الذي غلبه البكاء هو (لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته)! إن الزكاة وحدها لو أخرجت على الوجه الصحيح، دون تهرب أو تحايل، وصُرفت كفيلة بإحداث التوازن المطلوب وجلَّ زَّ ع على مصارفها الثمانية المأمور بها في كتاب الله بين الأغنياء والفقراء -وإن كان بعض العلماء يرون أن الأولى في بلادنا أن تصرف الزكاة للفقراء والمساكين -ولو كانت الزكاة في بلادنا تُصرف في أوجهها الصحيحة لما رأينا لين والسائلين.أمثال هذا الرجل، ولما اكتظت مساجدنا وشوارعنا بالمتسو وهذا الفقر المدقع الذي لا تخطئه العين في بلادنا يستدعي إعادة النظر من الدولة في مصارف الزكاة وإحكام الرقابة عليها، ومحاسبة المعتدين على المال العام؛ ويستدعي من لاً علي من شأن الأمانة والصدقة والإنفاق؛ عمالدعاة والمصلحين إذكاء روح الإيمان التي تُ : بقول الله تعالى ﭐﱡﭐﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲽﲼ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂﱠ( 1). (1([البقرة الآية 245.] ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٩٠

مرافئ وشرفات 190 الطبعة الأولى يناير 2016م رقم الإيداع 325/2015م ردمك 978-99942-3- 716-6 ISBN

عدد الصفحات ١٩١