المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها في ضوء تفسير سورة المائدة عند الفخر الرازي دراسة أصولية تطبيقية

برزين عبد الرحمن الجمور

صفحة ٢ من ٤

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 203 . )1(أصحابه وقد ذكر الرازي هذه المسألة في ضوء تفسيره لقوله تعالى ﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلىَ الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلىَ المَْرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ، فقال) 2(إِلىَ الْكَعْبَينِْ ﴾ وذكر أدلة الشافعي فقال)3(مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحمَِهُماَ اللهَّ: لَيْسَ كَذَلِكَ رَحمَِهُ اللهَّ بهَِذِهِ الآْيَةِ عَلىَ قَوْلِهِ مِنْ وُجُوهٍ: الأَْوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ إِذا قُمْتُمْ إِلىَ الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ يَقْتَضيِ وُجُوبَ الاِبْتِدَاءِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ لأَِنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وَإِذَا وَجَبَ الترَّْتِيبُ فيِ هَذَا الْعُضْوِ وَجَبَ فيِ غَيرِْهِ لأَِنَّهُ لاَ قَائِلَ بِالْفَرْقِ ... وَالْوَجْهُ الثَّانيِ: أَنْ نَقُولَ: وَقَعَتِ الْبَدَاءَةُ * فيِ الذِّكْرِ بِالْوَجْهِ، فَوَجَبَ أَنْ تَقَعَ الْبَدَاءَةُ بِهِ فيِ الْعَمَلِ لِقَوْلِهِ ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ هَذِهِ الأَْعْضَاءَ لاَ عَلىَ وَفْقِ الترَّْتِيبِ المُْعْتَبرَِ فيِ الحِْسِّ، وَلاَ عَلىَ وَفْقِ الترَّْتِيبِ المُْعْتَبرَِ فيِ الشرَّْعِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلىَ أَنَّ الترَّْتِيبَ وَاجِبٌ... الرَّابِعُ: أَنَّ إِيجَابَ الْوُضُوءِ غَيرُْ مَعْقُولِ . ثم ذكر أدلة )4(المَْعْنَى، وَذَلِكَ يَقْتَضيِ وُجُوبَ الإِْتْيَانِ بِهِ عَلىَ الْوَجْهِ الَّذِي وَرَدَ فيِ النَّص الاِسْتِشْكَالُ ): وهو600 / 2. وأيضا ما جاء في التحبير شرح التحرير المُْشْترَك بَين الترَّْتِيب والمعية، عِنْد الأَْئِمَّة الأَْرْبَعَة وَغَيرهم هـ)، 656 ينظر :تريج الفروع على الأصول، الزَّنْجاني، محمود بن أحمد بن محمود بن بختيار (ت )1( ، كشف الأسرار53 :1398بيروت، الطبعة الثانية،– تحقيق: د. محمد أديب صالح، مؤسسة الرسالة .338/1، الابهاج في شرح المنهاج209/2 . 6 سورة المائدة: بعض الآية)2( . 299/11 مفاتيح الغيب)3( (*) أي الابتداء .300-299 /11 مفاتيح الغيب)4(

عدد الصفحات ١٩

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 204 أبا حنيفة (رحمه الله) فقال تُوجِبُ الترَّْتِيبَ، فَكَانَتِ الآْيَةُ خَالِيَةً عَنْ إِيجَابِ الترَّْتِيبِ، فَلَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الترَّْتِيبِ كَانَ وردّ الرازي عليه بقوله )1(ذَلِكَ زِيَادَةً عَلىَ النَّصِّ، وَهُوَ نَسْخٌ وَهُوَ غَيرُْ جَائِزٍ أَنَّا بَيَّنَّا دَلاَلَةَ الآْيَةِ عَلىَ وُجُوبِ الترَّْتِيبِ مِنْ جِهَاتٍ أُخَرَ غَيرِْ التَّمَسُّكِ بِأَنَّ الْوَاوَ تُوجِبُ .)2(الترَّْتِيبَ واللهَّ أَعْلَمُ وجه الدلالة: نبينه في محورين: الأول: بيان ان حرف الواو يفيد العطف أو مطلق الجمع: وذلك في قول الشافعي والرازي (رحمهما الله): ان الترتيب شرط لصحة الوضوء، وفي قول أبي حنيفة: الترتيب ليس شرطا لصحة الوضوء. فان مجرد كلمة الترتيب تستوجب وجود أكثر من شئ واحد مشتركةفيما بينها، وهذه الاشياء هنا هي اعضاء الوضوء (الوجه والأيدي والرأس والأرجل)، وقد جمُعت بين الوجه والأيدي بحرف الواو، وهو عطف مفرد على مفرد، فدل على اشتراكهما في الحكم، ومثله بين الرأس والأرجل. وجمُعت بين غسل الوجه والأيدي وبين مسح الرأس والأرجل بحرف الواو، وهو عطف الجملة على الجملة، فدل على اشتراكهما في الثبوت. وبهذا يظهر لنابأن حرف الواو يفيد العطف سواء بالترتيب والمقارنة أو عدمهما. الثاني: بيان ان الواو توجب مطلق الجمع من غير ترتيب، وذلك في الآتي : أ) استدلال الشافعي (رحمه الله) على أن الترتيب واجب لا بموجب حرف الواو، وانما بأدلة أخرى، ذكرها الرازي ونقلناها في أعلاه . وكذلك في ردّ الرازي على أبي حنيفة في ان الترتيب وجب من جهات أُخر، وليس القول بأن الواو توجب الترتيب . وهذا يؤكد ما أشرنا اليه مسبقا من أن الشافعي لا يقول بان الواو تفيد الترتيب، وانما أوجب . 300/11 المصدر نفسه)1( المصدر نفسه)2(

عدد الصفحات ٢٠

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 205 الترتيب بين أعضاء الوضوء لأدلة أخرى، ومثله الرازي، وقد صرح بذلك في ضوء .)3(، وسورة الأنعام)2(، وسورة آل عمران)1(تفسيره لبعض آيات سورة البقرة ب) قول أبي حنيفة (رحمه الله) أن الواو لا توجب الترتيب. أما مسألة أن الواو توجب مطلق الجمع من غير مقارنة، أي من غير أن تدل على كونهما معا بالزمان، وبمعنى آخر جواز تأخير المعطوف عن المعطوف عليه، فقد ذكرها الرازي في معرض تفسيره لنفس الآية السابقة في المسألة السابعة منها فقال الْوُضُوءِ لَيْسَتْ شرَْطًا لِصِحَّتِهِ فيِ الْقَوْلِ الجَْدِيدِ لِلشَّافِعِيِّ رَحمَِهُ اللهَّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبيِ حَنِيفَةَ رَحمَِهُ اللهَّ، وَقَالَ مَالِكٌ رَحمَِهُ اللهَّ: إِنَّهُ شرَْطٌ، لَنَا أَنَّهُ تَعَالىَ أَوْجَبَ هَذِهِ الأَْعْماَلَ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ إِيجَابهََا قَدْرٌ مُشْترََكٌ بَينَْ إِيجَابهَِا عَلىَ سَبِيلِ المُْوَالاَةِ وَإِيجَابهَِا عَلىَ سَبِيلِ الترََّاخِي ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالىَ حَكَمَ فيِ آخِرِ هَذِهِ الآْيَةِ بِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ يُفِيدُ حُصُولَ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ فَثَبَتَ أَنَّ الْوُضُوءَ بِدُونِ المُْوَالاَةِ يُفِيدُ حُصُولَ الطَّهَارَةِ، فَوَجَبَ أَنْ نَقُولَ بِجَوَازِ )4(الصَّلاَةِ بهَِا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وجه الدلالة: هو في قوله ان موالاة افعال الوضوء ليست شرطا لصحة الوضوء عند الشافعي في الجديد، وعند أبي حنيفة، ومثل ذلك عند مالك - بعد أن قال ان الوجوب في افعال الوضوء قدر مشترك على سبيل الموالاة والتراخي... فثبت أن الوضوء بدون وهذا يعني ان اشتراط الموالاة ثبت بدليل آخر غير القول –الموالاة يفيد حصول الطهارة بأن الواو توجب الموالاة . وحاصل الكلام هو ان الواو لا تفيد الموالاة (المقارنة)، وإلا ، 218/8،516/6 ينظر: المصدر نفسه)1( . 319/8 ينظر: المصدر نفسه)2( . 52/13 ينظر: المصدر نفسه)3( . 301- 300/11 المصدر نفسه)4(

عدد الصفحات ٢١

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 206 كان شرطا في افعال الوضوء عند ائمة المذاهب مما سبق يتأكد لناقول العلماء في حرف الواو، من أنه يوجب مطلق الجمع من غير ترتيب أو مقارنة، وذلك في ضوء تفسير الرازي للآية أعلاه في سورة المائدة . ونضيف الى ما ذكرنا، بعض تطبيقات افادة حرف الواو للعطف، وذلك فيما يأتي: الأول: في معرض تفسيره لقوله تعالى ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ )1(اللهَِّ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ مَا لمَْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالمَِينَ ﴾ فقال وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَلَقَدْ أَخَذَ اللهَُّ مِيثاقَ بَنِي إِسرْائِيلَ *، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَخَذَ عَلَيْهِمُ المِْيثَاقَ وَذَكَّرَهُمْ مُوسَى نِعَمَ اللهَّ تَعَالىَ وَأَمَرَهُمْ بِمُحَارَبَةِ الجَْبَّارِينَ فَخَالَفُوا فيِ الْقَوْلِ فيِ المِْيثَاقِ، .)2(وَخَالَفُوهُ فيِ محَُارَبَةِ الجَْبَّارِينَ هو في قوله وجه الدلالة: مُوسى لِقَوْمِهِ وَاوُ عَطْفٍ اللهَُّ مِيثاقَ بَنِي إِسرْائِيلَ﴾ وهذا يعني اشتراكهما في الثبوت، وهو ما بينه الرازي بقوله « الثاني: في تفسير قوله تعالى ﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتيِ اللهَُّ بِقَوْمٍ يحُِبُّهُمْ وَيحُِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلىَ المُْؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلىَ الْكَافِرِينَ يجَُاهِدُونَ فيِ سَبِيلِ اللهَِّ وَلاَ حيث قال)3(يخََافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهَِّ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهَُّ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .20 سورة المائدة: آية)1( . 12 (*) سورة المائدة: آية)2( . 331/11() مفاتيح الغيب .54 سورة المائدة: آية)3(

عدد الصفحات ٢٢

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 207 تَعَالىَ: يجُاهِدُونَ فيِ سَبِيلِ اللهَِّ أَيْ لِنُصرَْةِ دِينِ اللهَّ وَلا يخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ وَفِيهِ وَجْهَانِ الثَّانيِ: أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ، وَالمَْعْنَى أَنَّ مِنْ شَأْنهِِمْ أَنْ يجَُاهِدُوا فيِ سَبِيلِ اللهَّ لاَ )1(لِغَرَضٍ آخَرَ، وَمِنْ شَأْنهِِمْ أَنهَُّمْ صِلاَبٌ فيِ نصرَْةِ الدِّينِ لاَ يُبَالُونَ بِلَوْمَةِ اللاَّئِمِينَ واضح في قولهوجه الدلالة: ﴿وَلا يخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ والعطف يقتضي الجمع بين المعطوف وهو عدم الخوف من لومة لائم، والمعطوف عليه وهو الجهاد في سبيل الله، وهذا هو مفاد قول الرازي أعلاه . قوله تعالى ﴿وَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهَِّ وَما جاءَنا مِنَ الحَْقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا الثالث: ، فقد قال الرازي) 2(رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالحِِينَ ﴾ نُؤْمِنُ عَلىَ أَنهَُّمْ أَنْكَرُوا عَلىَ أَنْفُسِهِمْ أَنهَُّمْ لاَ يُوَحِّدُونَ اللهَّ وَيَطْمَعُونَ مَعَ ذلِكَ أَنْ يَصْحَبُوا الصَّالحِِينَ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلىَ قَوْلِهِ لاَ نُؤْمِنُ عَلىَ مَعْنَى: وَمَا لَنَا نَجْمَعُ بَينَْ التَّثْلِيثِ )3(وَبَينَْ الطَّمَعِ فيِ صُحْبَةِ الصَّالحِِينَ هو في قولهوجه الدلالة: نَجْمَعُ بَينَْ التَّثْلِيثِ وَبَينَْ الطَّمَعِ فيِ صُحْبَةِ الصَّالحِِينَ العطف فهي تعني الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه . في معرض تفسيره لقوله تعالى ﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضرََ الرابع: أَحَدَكُمُ المَْوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيرِْكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضرََبْتُمْ فيِ الأَْرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ المَْوْتِ تحَْبِسُونهَُماَ مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِماَنِ بِاللهَِّ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ .382-381/12 مفاتيح الغيب)1( . 84 سورة المائدة: آية)2( . 415/12 مفاتيح الغيب)3(

عدد الصفحات ٢٣

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 208 . حيث قال)1(نَشْترَِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهَِّ إِنَّا إِذًا لمَِنَ الآْثِمِينَ ﴾ « ثَمَناً يَعْنِي أَنهَُّماَ يُقْسِماَنِ حَالَ مَا يَقُولاَنِ لاَ نَشْترَِي بِهِ ثَمَنًا وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهَّ أَيِ الشَّهَادَةَ .)2(الَّتِي أَمَرَ اللهَّ بِحِفْظِهَا وَإِظْهَارِهَا وجه الدلالة: هو في قوله على الجملة وهو يعني اشتراكهما في الثبوت كما ذكرنا، وهذا ما يؤكده قول الرازي أعلاه . ثانياً: الحال قد تكون الواو للحال، فتجمع بين الحال وذي الحال، أي تكون بمعنى (إذ)، كَماَ فيِ . )3(قَول المْولى لعَبْدِهِ أد إِليَّ ألفا وَأَنت حر فَإِن الحُْرِّيَّة تتَحَقَّق حَال الأَْدَاء ومن تطبيقاتها في سورة المائدة ما يأتي : . قوله تعالى ﴿وَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهَِّ وَما جاءَنا مِنَ الحَْقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ 1 فقال)5(، فقد نقل الرازي عن الزمخشري)4(الْقَوْمِ الصَّالحِِينَ ﴾ .106 سورة المائدة: آية)1( . 454/12 مفاتيح الغيب)2( هـ)،344 ينظر: أصول الشاشي، الشاشي، نظام الدين أبو علي أحمد بن محمد بن إسحاق (ت) 3( ، كشف الأسرار206/1، أصول السرخ51/1، البرهان189بيروت– دار الكتاب العربي ، تيسير التحرير، أمير بادشاه الحنفي، محمد أمين بن محمود 44/2، التقرير والتحب 122/2 . 73/2بيروت– هـ)، الناشر: دار الفكر 972البخاري (ت .84 سورة المائدة: آية)4( هو أَبُو القَاسِمِ محَْمُوْدُ بنُ عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي، الزمخشري النحوي، كَبِيرُْ المُعْتَزِلَةِ، )5( هـ . من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب. ولد في زمخشر (من قرى خوارزم467ولد سنة وسافر إلى مكة فجاور بها زمنا فلقب بجار الله. وتنقل في البلدان، ثم عاد إلى الجرجانية (من قرى هـ . كان معتزلي المذهب، مجاهرا، شديد الإنكار على المتصوفة، أكثر من 538خوارزم) فتوفي فيها سنة

عدد الصفحات ٢٤

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 209 ... وَالْوَاوُ فيِ قَوْلِهِ وَنَطْمَعُ وَاوُ الحَْالِ نُؤْمِنُ عَلىَ أَنهَُّمْ أَنْكَرُوا عَلىَ أَنْفُسِهِمْ أَنهَُّمْ لاَ يُوَحِّدُونَ اللهَّ وَيَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَصْحَبُوا .)1(الصَّالحِِينَ، هو في قول الرازيوجه الدلالة: يؤكد ما نقله عن الزمخشري، من ان الواو في قوله تعالى ﴿ونطمع﴾ هي واو الحال، وهي تجمع بين الحال وصاحب الحال، أما صاحب الحال فهم القسيسين والرهبان الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبهَُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ وأما الحال فهي طمعهم بأن يكونوا )2(بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنهَُّمْ لاَ يَسْتَكْبرُِونَ﴾ مع الصالحين مع عدم ايمانهم . . قوله تعالى ﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتيِ اللهَُّ بِقَوْمٍ يحُِبُّهُمْ 2 وَيحُِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلىَ المُْؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلىَ الْكافِرِينَ يجُاهِدُونَ فيِ سَبِيلِ اللهَِّ وَلا يخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ حيث يقول الرازي) 3(ذلِكَ فَضْلُ اللهَِّ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهَُّ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ يجُاهِدُونَ فيِ سَبِيلِ اللهَِّ أَيْ لِنُصرَْةِ دِينِ اللهَّ وَلا يخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ وَفِيهِ وَجْهَانِ: الأَْوَّلُ: أَنَّ التشنيع عليهم في الكشاف وغيره . أشهر كتبه (الكشاف - ط) في تفسير القرآن، و (أساس البلاغة - ط) و (المفصل - ط)، و (المقدمة - ط) معجم عربي فارسي، و (مقدمة الأدب - خ) في اللغة، و (الفائق - ط) في غريب الحديث، و (المستقصى - ط) في الأمثال ،و (القسطاس - خ) في العروض . ينظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز(ت: ، الأعلام، الزركلي، خير الدين بن 17 /15م2006هـ1427هـ)، دار الحديث- القاهرة،748 هـ)، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشر - أيار1396محمود بن محمد بن علي بن فارس (ت .178/7 م2002مايو .415/12 مفاتيح الغيب)1( . 82 سورة المائدة: آية)2( . 54 سورة المائدة)3(

عدد الصفحات ٢٥

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 210 تَكُونَ هَذِهِ الْوَاوُ لِلْحَالِ، فَإِنَّ المُْنَافِقِينَ كَانُوا يُرَاقِبُونَ الْكُفَّارَ وَيخََافُونَ لَوْمَهُمْ، فَبَينََّ ا تَعَالىَ فيِ هَذِهِ الآْيَةِ أَنَّ مَنْ كَانَ قَوِيًّا فيِ الدِّينِ فَإِنَّهُ لاَ يخََافُ فيِ نُصرَْةِ دِينِ اللهَّ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ .)1(لَوْمَةَ لاَئِمٍ هو في قولهوجه الدلالة: ﴿وَلا يخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ تحتمل معنى الحال، وهو الجمع بين الحال وصاحب الحال، أي أن القوم الذين سيأتي بهم الله حالهم هو الجهاد في سبيل الله من غير مخافة لوم لائم. . قوله تعالى ﴿وإِذا قِيلَ لهَُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللهَُّ وَإِلىَ الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا مَا وَجَدْنا 1 فقد قال الرازي) 2(عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلايهَْتَدُونَ﴾ مَعْلُومٌ وَهُوَ رَدٌّ عَلىَ أَصْحَابِ التَّقْلِيدِ وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا الْكَلاَمَ فِيهِ فيِ مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاوَ فيِ قَوْلِهِ أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ وَاوُ الحَْالِ قَدْ دخلت عليها همزة الإنكار، وتقديره .)3(أحسبهم ذلك وَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يهَْتَدُونَ هو في قوله وجه الدلالة: كما قال –ومعلوم أن واو الحال تقتضي الجمع بين صاحب الحال وهو أصحاب التقليد الرازي -، وبين الحال وهي التمسك بما كان عليه آباؤهم حتى اذا كانوا على غير شئ، والله تعالى أعلم. ثالثاً: بمعنى (مع) وتسمى واو المفعول معه، ولا خلاف انها تقتضي الجمع بصفة المعية، كقولك: استوى . 381/12 مفاتيح الغيب)1( . 104 سورة المائدة)2( . 448/12 مفاتيح الغيب)3(

عدد الصفحات ٢٦

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 211 .)1(الماء والخشبة، أي مع الخشبة، ويكون ما بعدها منصوبا ومثالها عند الرازي في ضوء تفسيره لسورة المائدة هو قوله تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ ، )2(هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللهَِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ حيث قال أَكْثَرِ الْيَهُودِ فَاسِقِينَ؟ وَالجَْوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:... وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى (مَعَ) أَيْ وَمَا تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ الإِْيماَنَ باللهَّ معَ أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، فَإِنَّ أَحَدَ الخَْصْمَينِْ إِذَا كَانَ مَوْصُوفًا بِالصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ وَاكْتَسَبَ الثَّانيِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الصِّفَاتِ الحَْمِيدَةِ كَانَ اكْتِسَابُهُ لِلصِّفَاتِ الحَْمِيدَةِ مَعَ كَوْنِ خَصْمِهِ مُكْتَسِبًا لِلصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ أَشَدَّ تَأْثِيرًا فيِ وُقُوعِ الْبُغْضِ .)3(وَالحَْسَدِ فيِ قَلْبِ الخَْصْمِ وجه الدلالة: هو في قوله ترد بمعنى (مع)، وأثر ذلك في تفسير الآية واضح لا يحتاج الى بيان . الحرف الثاني: (الفاء) ذكر الأصوليون معنيين للفاء، الأول: الجمع مع التعقيب (أي أن الثاني بعد الأول بلا مهلة، من غير تراخ)، والتعقيب هو المعنى الذي اختص به في أصل الوضع . والثاني: الجزاء، ولأن الجزاء المعلق على الشرط يجب أن يكون عقيب الشرط من غير فصل ، البحر 51/1، البرهان في أصول الفقه63/1 ينظر: الاحكام في أصول الأحكام للآمدي) 1( . 1258/3، المهذب في علم أصول الفقه المقارن150/3المحيط في أصول الفقه . 59 سورة المائدة: آية)2( . 389/12 مفاتيح الغيب)3(

عدد الصفحات ٢٧

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 212 (العلة أو)2(. وتعليق الحكم على الوصف)1((مهلة)، حسُن استعمال الفاء فيه دون الواو السبب) نوعان: أحدهما: أن يدخل على السبب والعلة ( أي يأتي لبيان العلة لكن دلالته على العلة غير ، ويكون الحكم متقدما، كما في الحديث الذي رواهابْنِ عَبَّاسٍ رَضيَِ )3(صريحة وانما ايماء اللهَُّ عَنْهُماْ عن النَّبِيُّ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿اغْسِلُوهُ بِماَءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فيِ ثَوْبَينِْ، وَلاَ .)4(تمُِسُّوهُ طِيبًا، وَلاَ تَُمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهََّ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا﴾ الثاني: أن يدخل على الحكم، وتكون العلة متقدمة، كقوله تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانيِ وما بعدها، الفصول في الأصول، الجصاص، أحمد بن علي الرازي 193 ينظر: أصول الشا) 1( ، المعتمد، 88/1هـ1405هـ)، تحقـيق د. عجيل جاسم النشمي، الطبعة الأو 370(ت سنة هـ)، تحقيق خليل الميس، (دار الكتب 436أبو الحســـــين البصري، محمد بن علي بن الطيب (ت ، البرهان 198/1، العدة في أصول الفقه251/2هـ، الطبعة الأو1403بيروت)،– العلمية ، المحصول 39/1، قواطع الأدلة في الأصول207/1، أصول السرخ51/1في أصول الفقه وما بعدها، الاحكام في أصول الحكام للآمدي: 373/1، المحصول للرازي 40لابن العر وما بعدها، شرح التلويح على 347/1، الابهاج في شرح المنهاج127/2، كشف الاسرار68/1 . 197/1التوضيح أي الجزاء المعلق على شرط.)2( لأن الأصل في الفاء هو للجمع مع التعقيب)3( وسبب الحديث أَنَّ رَجُلاً وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وكان مَعَ النَّبِيِّ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ محُْرِمٌ، فَقَالَ )4( النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث في حقه . صحيح البخاري (الجامع المسند الصحيح المخت من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه )، البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله هـ)، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية 256الجعفي(ت هـ: كتاب الجنائز، باب كيف يكفن 1422بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الأولى، .76/2 :1267المحرم، رقم الحديث

عدد الصفحات ٢٨

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 213 . )2( لأن التقدير: من زنى فاجلدوه)1(فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُماَ مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وقد وردت الفاء بكلا المعنيين في سورة المائدة، وذكرها الرازي في تفسيره لها، وكما يأتي: ) دلالة الفاء على الجمع مع التعقيب :قال تعالى ﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ 1 إِلىَ الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلىَ المَْرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلىَ ، حيث يقول الرازي في المسألة السادسة في تفسير الآية ما نصه )3(الْكَعْبَينِْ ﴾ الشَّافِعِيُّ رَحمَِهُ اللهَّ: الترَّْتِيبُ شرَْطٌ لِصِحَّةِ الْوُضُوءِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحمَِهُماَ اللهَّ: لَيْسَ كَذَلِكَ، احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رَحمَِهُ اللهَّ بهَِذِهِ الآْيَةِ عَلىَ قَوْلِهِ مِنْ وُجُوهٍ: الأَْوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ إِذا قُمْتُمْ إِلىَ الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ يَقْتَضيِ وُجُوبَ الاِبْتِدَاءِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ لأَِنَّ الْفَاءَ ثم )4(لِلتَّعْقِيبِ، وَإِذَا وَجَبَ الترَّْتِيبُ فيِ هَذَا الْعُضْوِ وَجَبَ فيِ غَيرِْهِ لأَِنَّهُ لاَ قَائِلَ بِالْفَرْقِ يستدل على صحة قول الشافعي فيقول الْفَاءَ مُلْتَصِقَةٌ بِذِكْرِ الْوَجْهِ، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْفَاءَ بِوَاسِطَةِ دُخُولهَِا عَلىَ الْوَجْهِ دَخَلَتْ عَلىَ سَائِرِ الأَْعْماَلِ، وَعَلىَ هَذَا دُخُولُ الْفَاءِ فيِ غَسْلِ الْوَجْهِ أَصْلٌ، وَدُخُولهَُا عَلىَ مجَْمُوعِ هَذِهِ الأَْفْعَالِ تَبَعٌ لِدُخُولهَِا عَلىَ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَلاَ مُنَافَاةَ بَينَْ إِيجَابِ تَقْدِيمِ غَسْلِ الْوَجْهِ وَبَينَْ إِيجَابِ مجَْمُوعِ هَذِهِ الأَْفْعَالِ، فَنَحْنُ اعْتَبرَْنَا دَلاَلَةَ هَذِهِ الْفَاءِ فيِ الأَْصْلِ وَالتَّبَعِ، وَأَنْتُمْ أَلْغَيْتُمُوهَا فيِ .)5(الأَْصْلِ وَاعْتَبرَْتمُُوهَا فيِ التَّبَعِ، فَكَانَ قَوْلُنَا أَوْلىَ .2 سورة النور: آية)1( . 120/2 ينظر: ارشاد الفحول الى تحقيق الحق من علم الأصول)2( . 6 سورة المائدة: بعض الآية)3( . 299/11 مفاتيح الغيب)4( . 300-299 /11 المصدر نفسه)5(

عدد الصفحات ٢٩

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 214 وجه الدلالة: هو في قول الرازي عن الشافعي التَّعْقِيبِ ويؤكد الرازي ذلك بقوله الفاء على التعقيب في الأصل ففي غسل الوجه، وفي التبع ففيغسل أو مسح بقية الأعضاء. وأما دلالته على الجمع ففي اشتراط الترتيب في جميع أعضاء الوضوء . ) دلالة الفاء على الجزاء (أي تعليق الحكم على الوصف بالفاء) :ومن تطبيقاته في 2 سورة المائدة أ. قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهَُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهَِّ وَاللهَُّ . وتظهر في ثلاث مسائل هي: )1(عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ المسألة الأولى: في بيان وجوه القول بالرفع في قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ فيقول الرازي ما نصه لأَِنَّ الأَْلِفَ وَاللاَّمَ فيِ قَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ يَقُومَانِ مَقَامَ سرََقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، وَعَلىَ هَذَا التَّقْدِيرِ حَسُنَ إِدْخَالُ حَرْفِ الْفَاءِ عَلىَ الخَْبرَِ لأَِنَّهُ صَارَ جَزَاءً، وَأَيْضًا النَّصْبُ إِنَّماَ يحَْسُنُ إِذَا أَرَدْتَ سَارِقًا بِعَيْنِهِ أَوْ سَارِقَةً بِعَيْنِهَا، فَأَمَّا إِذَا أَرَدْتَ تَوْجِيهَ هَذَا الجَْزَاءِ عَلىَ كُلِّ مَنْ أَتَى بهذا الفعل فالرفع أولى، وهذا القول هو الذي اخْتَارَهُ .)2(الزَّجَّاجُ وَهُوَ المُْعْتَمَدُ وجه الدلالة :هو في قوله صَارَ جَزَاءً (الوصف) هو الاتيان بالسرقة، والجزاء يعقب الشرط من غير فصل (مهلة)، فحسُن .38 سورة المائدة: آية)1( .351/11 مفاتيح الغيب)2(

عدد الصفحات ٣٠

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 215 لأنه يفيد التعقيب - على الخبر وهو قطع اليد، وبه تبين أن ما بعد الفاء– ادخال الفاء هو الجزاء . المسألة الثانية: في قول بعض المفسرين الأصوليين إن الآية أعلاه مجملة، فينقل الرازي عن المحققين قولهم في معرض الرد عليهم الأَْلِفَ وَاللاَّمَ فيِ قَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ قائم مَقَامَ لِلْجَزَاءِ، فَكَانَ التَّقْدِيرُ: الَّذِي سرََقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ تَأَكَّدَ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالىَ: جَزاءً بِما كَسَبا وَذَلِكَ الْكَسْبُ لاَ بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ المُْرَادُ بِهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهُوَ السرَِّقَةُ، فَصَارَ هَذَا دَلِيلاً عَلىَ أَنَّ مَنَاطَ الحُْكْمِ وَمُتَعَلَّقَهُ هُوَ مَاهِيَّةُ السرَِّقَةِ وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَعُمَّ الجَْزَاءُ فِيماَ حَصَلَ هَذَا ثم يؤكد صحة ما )1(الشرَّْطُ، اللَّهُمَّ إِلاَّ إِذَا قَامَ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ يَقْتَضيِ تَْصِيصَ هَذَا الْعَامِ ذهب اليه المحققون فيقول مُنْفَصِلَةٍ فيِ بَعْضِ الصُّوَرِ فَتَبْقَى حُجَّةً فِيماَ عَدَاهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَوْلىَ مِنْ قَوْلِ مَنْ .)2(قَالَ: إِنهََّا مجُْمَلَةٌ فَلاَ تُفِيدُ فَائِدَةً أَصْلاً وجه الدلالة: هو في قول المحقق في أن الفاء تأتي للجزاء، عقيب الشرط (مناط الحكم ومتعلقه)، بلا مهلة . المسألة الثالثة: في قول الشافعي (رحمه الله): الرَّجُلُ إِذَا سرََقَ أَوَّلاً قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى، وَفيِ الثَّانِيَةِ رِجْلُهُ الْيُسرَْى، وَفيِ الثَّالِثَةِ يَدُهُ الْيُسرَْى، وَفيِ الرَّابِعَةِ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، وقول أَبيُ حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: لاَ يُقْطَعُ فيِ المَْرَّةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ. حيث يقول الرازي رَحمَِهُ اللهَّ بهَِذِهِ الآْيَةِ مِنْ وَجْهَينِْ: الأَْوَّلُ: أَنَّ السرَِّقَةَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ، وَقَدْ وُجِدَتْ فيِ المَْرَّةِ الثَّالِثَةِ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ فيِ المَْرَّةِ الثَّالِثَةِ أَيْضًا، إِنَّماَ قُلْنَا: إِنَّ السرَِّقَةَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ المصدر نفسه. )1( المصدر نفسه)2(

عدد الصفحات ٣١

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 216 لِقَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهَُما وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ المَْعْنَى: الَّذِي سرََقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، وَأَيْضًا الْفَاءُ فيِ قَوْلِهِ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهَُما يَدُلُّ عَلىَ أَنَّ الْقَطْعَ وَجَبَ جَزَاءً عَلىَ تِلْكَ السرَِّقَةِ، فَالسرَِّقَةُ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ السرَِّقَةَ حَصَلَتْ فيِ المَْرَّةِ الثَّالِثَةِ، فَماَ هُوَ المُْوجِبُ لِلْقَطْعِ حَاصِلٌ فيِ المَْرَّةِ الثَّالِثَةِ، فَلاَ بُدَّ وَأَنْ يَترََتَّبَ عَلَيْهِ مُوجِبُهُ، وَلاَ يجَُوزَ أَنْ يَكُونَ مُوجِبُهُ هُوَ الْقَطْعُ فيِ المَْرَّةِ الأُْولىَ لأَِنَّ الحُْكْمَ لاَ يَسْبِقُ الْعِلَّةَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْقَطْعَ وَجَبَ بِالسرَِّقَةِ .)1(الأُْولىَ، فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ السرَِّقَةُ فيِ المَْرَّةِ الثَّالِثَةِ تُوجِبُ قَطْعًا آخَرَ وَهُوَ المَْطْلُوبُ هو في قول الرازيوجه الدلالة: الْقَطْعَ وَجَبَ جَزَاءً عَلىَ تِلْكَ السرَِّقَةِ، فَالسرَِّقَةُ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ هنا تدل على الجزاء، وهو ترتب حكم القطع في كل مرة تقع فيها السرقة . ب. قوله تعالى ﴿يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضرََ أَحَدَكُمُ المَْوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيرِْكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضرََبْتُمْ فيِ الأَْرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ المَْوْتِ تحَْبِسُونهَُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهَِّ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْترَِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذَا . فيقول الرازي في المسألة الأولى في )2(قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهَِّ إِنَّا إِذاً لمَِنَ الآْثِمِينَ﴾ قوله تعالى ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهَِّ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْترَِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى﴾ .)3(فَيُقْسِمانِ بِاللهَِّ لِلْجَزَاءِ يَعْنِي: تحَْبِسُونهَُماَ فَيُقْدِمَانِ لأَِجْلِ ذَلِكَ الحَْبْسِ عَلىَ الْقَسَمِ هو في قولهوجه الدلالة: القسم، والجزاء هو الحبس. . 355/11 مفاتيح الغيب)1( . 106 سورة المائدة: آية)2( . 453/12 مفاتيح الغيب)3(

عدد الصفحات ٣٢

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 217 الحرف الثالث: (أو وهي من حروف العطف، وهذا يعني أنها تفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، ثم إنها إذا وردت في الانشاء ففيها تفصيل: ان كان أمرا أفادت التخيير بين الشيئين أو بين الأشياء كقولك: خذ منه دينارا أو قيمته . وان كان نهيا أفادت العموم، أي حظر كل واحد منهما منفرداً، وحظرهما مجتمعين، كقولك: لا تجالس زيدا أو عمرا. واذا كقولك: جاء زيد أو عمرو، وهذا )1(وردت في الخبر أفادت الشك والابهام على السامع وخالف في ذلك كثير من الحنفية مستدلين بأن الكلام موضوع )2(مذهب جمهور العلماء . )3(لإفهام السامع، وهو منتف في الشك .)4(وتأتي بمعنى (الواو)، ومنه قوله تعالى ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ .)5(وبمعنى (بل) ومنه قوله تعالى ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِْ أَوْ أَدْنَى﴾ وبمعنى (حتى) كقولك: لألزمنك أو تقضيني حقي. وتأتي للتفصيل، ولها صور منها: التبعيض وَمِنْهُ قَوْله تَعَالىَ ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ أي قال بعضهم كونوا هودا ،وقال بعضهم كونوا نصارى. ومنها )6(نَصَارَى تهَْتَدُوا﴾ الفرق بين الشك وبين الابهام ؛ هو إن الشك لا يعلمه المتكلم والسامع، أما الإبهام فيعلمه المتكلم )1( .1294 / 3دون السامع . المهذب في علم أصول الفقه المقارن ، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، ابن الجوزي، جمال الدين أبو 66 ينظر: اللمع) 2( هـ)، تحقيق: محمد عبد الكريم كاظم الراضي، مؤسسة597الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت ، البحر المحيط في أصول 108/1م1984هـ1404الرسالة - لبنان/ بيروت، الطبعة الأولى، .69/1، الاحكام في أصول الأحكام للآمدي53/1، البرهان174/3الفقه .205/1، شرح التلويح على التوضيح213/1 ينظر: أصول السرخ)3( . 31 سورة النور: آية)4( . 9 سورة النجم: آية)5( . 135 سورة البقرة: آية)6(

عدد الصفحات ٣٣

حروف المعاني العاطفة وتطبيقاتها 218 دخول (أو) بين أشياء يتناولها الفعل في أوقات مختلفة، فيراد بالخبر افراد كل واحدة منها في وقته، كقولك: اذا قيل لك: ما كنت تأكل من الفاكهة ؟ قُلْت: آكل التين أو العنب أو .)1(الرمان، أي إفراد هذا مرة وهذا مرة وقد ذكرنا انها قد تأتي للتخيير وهي التي يمتنع فيه الجمع مثل:تزوج هنداً أو أختها، وقد تأتي للاباحة كقولك .)2(ويتبين ذلك بالقرينة وسياق الكلام (وهذا هو الفرق بين التخيير والاباحة وقد وردت (أو) في سورة المائدة لمعنيين هما: التخيير، والتفصيل، ومن تطبيقاتهما: - قوله تعالى ﴿ إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يحُارِبُونَ اللهََّ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فيِ الأَْرْضِ فَساداً 1 أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ ذلِكَ فيقول الرازي في المسألة الرابعة )3(لهَُمْ خِزْيٌ فيِ الدُّنْيا وَلهَُمْ فيِ الآْخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ من تفسير هذه الآية ما نصه وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فيِ رِوَايَةِ عَليِِّ بْنِ أَبيِ طَلْحَةَ وَقَوْلُ الحَْسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ المُْسَيَّبِ وَمجَُاهِدٍ، وَالمَْعْنَى أَنَّ الإِْمَامَ إِنْ شَاءَ قَتَّلَ وَإِنْ شَاءَ صَلَّبَ، وَإِنْ شَاءَ قَطَّعَ الأَْيْدِيَ وَالأَْرْجُلَ، وَإِنْ شَاءَ نَفَى، أَيَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَْقْسَامِ شَاءَ فَعَلَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ في رواية عطاء: كلمة أَوْ وفصل )4(هاهنا لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ، بَلْ هِيَ لِبَيَانِ أَنَّ الأَْحْكَامَ تَْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الجِْنَايَاتِ، القول الثاني فقال ، المنخول: 174/3 ،البحر المحيط في أصول الفقه213 ينظر في معاني (أو): أصول الشا) 1( ،53/1، البرهان108/1، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر66، اللمع155/1 . 69/1الاحكام في أصول الأحكام للآمدي .1294/3، المهذب في أصول الفقه المقارن175/3 ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه)2( . 33 سورة المائدة: آية)3( . 346/11 مفاتيح الغيب)4(

عدد الصفحات ٣٤