المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ قفية 1 مختصر دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ٩ من ٢٣

034 |مختصر دلائل النبوة (37) ذكرُ إعلامِ الله تعالى نبيَّه عليه السلام اليهوديَّة بإنطاقِ الشاة المسمومة له، وعصمتِه مما كادَته به 61- عن أبي هريرةَ أنه قال: لما افتُتِحت خيبرُ أُهديت لرسولِ ا ﷺ شاةٌ فيها سم، فقال رسولُ الله ﷺ: اجمعوا إليَّ من كان هاهنا من اليَهودِ، فجمعوا له فقال لهم رسول الله ﷺ: «إني سائلُكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟». قالوا: نعم يا أبا القاسم قال: «هل جعلُتم في هذه الشاةِ سماًّ؟ » قالوا: نعم فقال: «ما حملَكم على ذلك؟» قالوا: أردنا إن كنت كاذباا نستريحُ منك، وإن كنت نبيًّا لم يَضرَّك (1). 62- عن أنسٍ، أن امرأةا يهودية أتتِ النبي ﷺ بشاة مسمومةٍ، فأكل منها، فجِيءَ بها النبيَّ ﷺ فسألها عن ذلك، فقالت: أردتُ قتلك. فقال: «ما هان الله ليسل طَك على ذلك». فقالوا: أفلا تقتُلها؟ قال: «ل»(2). (1) أخرجه البخاري3039.) (2) أخرجه البخاري1307)، ومسلم1091.)

عدد الصفحات ١٣٥

مختصر دلائل النبوة‏|035 (38) ذكر خبر آخر فيما رد الله به عن نبيهﷺ كيد أبي جهل حين حلف ليطأن رقبته إن رأه ساجدًا 63- عن أبي هريرة، قال: قال أبو جهلٍ: أيعفِّرُ محمدٌ وجهَه بين أظهُركم؟ قالوا: نعم. قال: والله لئن رأيتُه يفعلُ لأطَأنَّ على رقبتِه، ولأعفِّرَنَّ وجهَه في الترابِ. قال: فأتاهُ وهو يصلِّ ليَطَأ على رقبتِه، فما عُلِمَ به إلا وهو ينكِصُ على عقبِه، ويرجعُ إلى خلفِه، ويتَّقي بيده، فقِيل له: ما لك؟ قال: رأيت بيني وبينَه خندَقاا من نار وهَوْلاا، ورأيتُ ملائكةا دون أجنحةٍ. فقال رسولُ الله ﷺ: «أما لو دنا مني لختَطَفَتهُ الملائكةُ عُضوًا عُضوًا »، وأنزلَ الله تعالى: ﴿ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ﴾ إلى قوله: ﴿ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ﴾ [3 : 03] يعني: أبا جهل،﴿ﯫ ﯬ ﯭ﴾ قومَه، ﴿ﯮ ﯯ ﯰ﴾ الملائكةَ (1). (1) أخرجه مسلم1797.)

عدد الصفحات ١٣٦

036 |مختصر دلائل النبوة (39) ذكرُ خبرٍ في دعائه ﷺ على مَشيَخةِ قُريشٍ المَقتولين يومَ بدر، فسُحبوا إلى القَليب 64- عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ قال: بينما رسولُ ا ﷺ يُصلِّ عند الكعبةِ، وجمعُ قريش ينظرون، قال قائلٌ منهم: ألا تَرَون إلى هذا المُرائي؟! أي كُم يقومُ إلى جَزورِ آل فلان، فيعمِد إلى فرثِها (1)، ودمِها، وسَلاها (2)، حتى إذا سجدَ وَضَعَه بين كتِفيه؟ وثبتَ رسولُ الله ﷺ ساجداا، وضحِكوا حتى مال بعضُهم على بعضٍ من الضحكِ، فانطلق مُنطلقٌ إلى فاطمة وهي جُويرية، فأقبلت تَسعى، وثبتَ النبي ﷺ ساجداا، حتى نَحَّتهُ عنه، فأقبلت عليهم تسب هم. فلما قَضَ النبي ﷺ صلاتَه استقبَلَ الكعبةَ، وقال: «اللهم عليكَ بقريشٍ ». ثم سماَّهم فقال «اللهمَّ عليك بعيُرِو بن هشامٍ، وشيبةَ، وا لوليدِ بن عتبة، وأُميةَ بن خلفٍ، وعقبةَ بن أبي مُعيط، وعمارةَ بن الوليد ». قال عبد الله: فوالذي توفََّ نفسه، لقد رأيتُهم صرَعى، يُسحبون إلى القَليب -قليبِ بدر - ثم قال رسول الله ﷺ: «اللهم أتْبِع أهلَ القليب لعنةً »(3). (1) (فَرثها) أي: ما في الكرش (2) (سَلاها) السَّلا: اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة وسائر الحيوان (3) أخرجه البخاري511)، ومسلم0790.)

عدد الصفحات ١٣٧

مختصر دلائل النبوة‏|037 (11) ذِكر خبر آخر فيما أنجحَ الله به أمرَ نب يه عليه السلام لما كلم أبا جهلٍ أن يوفرَ على غريمِه حقه لما تقاعدَ، فما أراه من العبر والآيات 69- عن محمدِ بن إسحاق، عن عبدِ الله بن عبدِ الملك بن سفيانَ الثقفي - وكان واعيةا - قال: قدمَ رجلٌ من إراش بإبل له مكةَ، فابتاعَها أبو جهل بن هشام، فمَطله بأثمانِِا، وأق بلَ الإراشي حتى وقف على نادٍ من قريش ورسولُ الله ﷺ جالسٌ في ناحية المسجدِ، فقال: يا معشرَ قريشٍ، من رجلٌ يؤديني على أبي الحكمِ بن هشام، فإني رجلٌ غريبٌ ابنُ سبيلٍ، وقد غلبني على حقي، قال: فقال أهلُ المجلس: ترى ذلك الرجلَ، لَرسول الله ﷺ -وهم يهَزئون به، لمِ ا يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة- اذهَب إليه فهو يؤديك عليه. فأقبلَ الإراشي حتى وقف على رسول الله ﷺ، فقال: يا عبدَ الله، إن أبا الحكمِ بن هشام غَلبني على حقٍّ لي قِبله، وأنا غريبٌ ابنُ سبيلٍ، وقد سألتُ هؤلاء القومَ عن رجل يؤديني عليه، يأخذ لي حقي منه، فأشاروا لي إليك فخُذ لي حقي منه، رحمَك الله. قال: «انطلِق إليه» وقام رسولُ ا ﷺ معه، فلما رَأوه قام معه، قالوا لرجلٍ ممن كان معهم: اتبعهم؛ انظر ماذا يصنعُ؟ قال: وخرج رسولُ الله ﷺ حتى جاءَه فضرب عليه بابَه، فقال: مَن هذا الرجل؟ فقال: «مَيُدٌ، فاخرج إل » قال: فخرجَ وما في وجهه رائحةٌ، قد انتَقع لونُه. فقال له: «أَعط هذا الرجلَ حقه » قال: نَعم، لا تبرح حتى أعطيَه الذي له، فدخلَ فخرج إليه بحقِّه فدفعه إليه، قال: ثم انصرف رسولُ الله ﷺ، وقال للإراشيِّ: «الحق شأنَك».

عدد الصفحات ١٣٨

038 |مختصر دلائل النبوة قال: فأقبلَ الإراشي حتى وقفَ على ذلك المجل سِ، فقال: جزاه الله خيراا، فقد والله أخذَ لي الذي لي، قال: وجاء الرجلُ الذي بعثوا معه، فقالوا: ويَكَ ماذا رأيتَ؟ قال: رأيتُ عجباا من العجبِ، والله إن هو إلا أن يضربَ عليه بابه، فخرج إليه وما معه رُوحه، فقال: «أعطِ هذا حقَّه » قال: نعم، لا تبرحُ حتى أُخرجَ إ ليه حقه، فدخل فخرجَ إليه بحقِّه فأعطاه إيَّاه، قال: ثم لم يَلبثوا أن جاءَ أبو جهلٍ فقالوا له: ويلَك، والله ما رأينا مثلَ ما صنعتَ. فقال: ويََكم، والله، إن هو إلا أن ضربَ علِّ بابي، وسمعتُ صوتَه فمُلئت رعباا، ثم خرجتُ إليه، وإن فوق رأسِه لفحلاا من الإبل ما ر أيتُ مثل هامتِه، ولا قَصرَته، ولا أنيابِه لفحلٍ قط، والله لو أبيتُ لأكلني (1). ‏ (1) أخرجه ابن إسحاق في السيرة (ص095- 093.)

عدد الصفحات ١٣٩

مختصر دلائل النبوة‏|039 (23) فصلفي ذِكرِ بُ دوِّ الوحيِ وكيفيةِ ترا ئي الملَ كِ له ، وإلقائِه الوحيَ إليه، وتقريرِه عندَه أنه يَأتيه من عِندِ اللهِ، وما كان فيه من شَقِّ صدرِه 66- عن عائشةَ أنِا قالت: أولُ ما بُ دِئ به رسولُ الله ﷺ من الوحيِ الرؤيا الصادقةُ في النومِ، فكان لا يرى رؤيا إلا جائَتْ مثلَ فلقِ الصبحِ، ثم حُبِّبَ إليه الخلاءُ، فكان يأتي حراءَ فيتحنَّثُ فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العددِ ويتزودُ لذلك، ثم يرجعُ إلى خديجةَ فتزودُه لمثلِها، حتى فاجأه وهو على غارِ حراءَ، فجاء الملكُ فيه فقال: يا رسولَ الله، اقرَأ، قال النبي ﷺ: فقلت: ما أنا بقارئٍ ، فأخذني فغطَّني الثانيةَ حتى بلغَ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرَأ، فقلت: ما أنا بقارئٍ ، فأخذني فغطَّني الثالثةَ حتى بلغَ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ﴾ حتى بلغ: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ﴾ [0-5]. فرجعَ بها رسولُ ا ﷺ ترجفُ بوادرُه حتى دخلَ على خديجةَ فقال: «ما ل؟!» فأخبرَها الخبرَ وقال «قد خشيتُ عل »، فقالت له: أبشرِْ، فوالله لا يخزيك الله أبداا؛ إنك لتصلُ الرحمَ، وتصدقُ الحديثَ، وتحملُ الكلَّ، وتَقرِي الضيفَ، وتعينُ على نوائبِ الحقِّ، ثم انطلقَتْ به خديجةُ حتى أتَتْ ورقةَ بنَ نوفل بن أسد بن عبد العزَّى بن قصي وهو عم خديجة أخو أبيها، وكان امرءاا تنصرََّ في الجاهلية، وكان يكتبُ الكتاب بالعربي، فكتب بالعبريةِ في الإنجيل ما شاءَ الله أن يكتبَ، وكان شيخاا كبيراا قد عمي، فقالَت له خديجةُ: ابنَ عمِّ اسمع من ابن أخيك، فقال ورقةُ: أخي ما ترى؟ فأخبرَه رسولُ الله ﷺ بما رآه، فقال ورقةُ: الناموس الذي أنزِل على موسى عليه السلام، يا ليَتني فيها جَذَعاا أكون حيًّا، حتى يخُرجَك قومُك، فقال النبي ﷺ: «أو مخُرجيَّ هم؟ »

عدد الصفحات ١٤٠

041 |مختصر دلائل النبوة قال: نعم، لم يأت أحدٌ قط بمثلِ الذي جئتَ به إلا عُودي وأوذي، وإن يُدركني يومُك، أنصرك نصراا مؤزراا، ثم لم ينشب ورقةُ أن توفي، وفتر الوحيُ فترة حتى حزنَ رسول الله ﷺ -فيما بلغَنا - حزناا غدى منه مراراا كي يتردى من شواهق الجبالِ، فكلما أوفَ بذروةِ جبل كي يُلقي نفسه، تبدَّ ا له جبريلُ عليه السلام، فقال: يا محمدُ، إنك لرسولُ الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشُه، وتقر نفسُه فيرَجع، فإذا طالت عليه فترةُ الوحي عاد لمثل ذلك، فإذا أَوفَ بذروة جبل تبدَّى له جبريلُ عليه السلام، فقال له مثلَ ذلك (1). قال الشيخُ : وفيما رَوينا من اختلاف الروايا تِ في شأن نزولِ سورة ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﴾ أن عائشةَ وغيرها رَووا أن جبريل ألقاها إلى رسول الله ﷺ في اليقظةِ، وفي رواية غيرها أن ذلك في المنامِ، احتمالُ الأمرين جميعاا، بأن أُري ذلك في النوم حتى حفظَه، وذكره بعد انتباهه ﷺ، وأُعيد الإلقاء إليه ثانياا في اليقظة، كما قال تعالى: ﴿ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﴾ [3 - 7] وقال﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭦ﴾ [013] فيكونُ هذا ضرباا من البرهانِ له عليه السلام، وتثبيتاا وتبصيراا له على صحةِ مجيء جبريلَ عليه السلام إليه، وتعليمِه له، واللهُ أعلم. 67- عن عُبيد بن عميرِ بن قَتادةَ ال ليثي قال: كان رسولُ الله ﷺ يجاورُ في حِراءَ من كل سنةٍ شهراا، أو كان ذلك مما تتحنَّثُ به قريشٌ في الجاهلية، والتحن ث: التبرر. وقد قال أبو طالب: وراقٍ ليرقى في حراءٍ ونازلِ (1) أخرجه البخاري3921.)

عدد الصفحات ١٤١

مختصر دلائل النبوة‏|040 فكان رسولُ ا ﷺ يجاورُ ذلك الشهرَ، من كل سنة يُطعمُ من جاءه من المساكين، فإذا قضََ رسولُ الله ﷺ جوارَه من شهره ذلك، كان أولُ ما يبدأُ به -إذا انصرفَ من جوارِه - الكعبةَ قبل أن يدخلَ بيته، يطوفُ بها سبعاا، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجِع إلى بيته، حتى إذا كان الشهرُ الذي أراد الله تعالى به ما أرادَ من كرامته من السَّنةِ التي بعثَه فيها، وذلك الشهرُ شهر رمضانَ، خرجَ رسول الله ﷺ إلى حراءٍ كما كان يخرج لجواره، معه أهلُه حتى إذا كانت الليلةُ التي أكرَمه الله تعالى فيها برسالَته، ورحِم العبادَ بها، جاءه جبريلُ عليهما السلام من الله تعالى. قال رسولُ الله ﷺ: «فجاءَني وأنا نائمٌ بنيُطٍ من ديباجٍ ف يه هتاب، فقال: اقرأْ ». قال«قلت: ما أقرأ؟» قال«فغتَّني حتى ظننتُ أنه الموتُ، ثم أرسلني، فقال: اقرأ ». قال«قلتُ: ما أقرأ؟ » قال«فغتَّني حتى ظننتُه الموتَ، ثم أرسلني قال: اقرأْ؟ » قال«قلت: ما أقرأُ؟» قال«فغَتَّني حتى ظننت أنه الموتُ، ثم أرسلني قال: ا قرأْ ». قال«قلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إل لأَفتَدِيَ منه أن يعودَ ل بيُثلِ ما صنعَ بي، قال: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﴾ إلى قوله: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﴾ [1 :9]»

عدد الصفحات ١٤٢

042 |مختصر دلائل النبوة قال: «فقرأتُا، ثم انتهى فانصِفَ عن ي، وهبَبتُ من نَومي، فكأنما هُتبت قلبي هتابًا». قال«ول يكن من خلق ا أحدٌ أبغضَ إلَّ من شاعرٍ أو مجنونٍ، هنت ل أُطيقُ أن أنظرَ إليهما ». قال«قلت: إن الأبعدَ، -يعني: نفسَه - لشاعرٌ أو مجنونٌ، ل تحُد ثُ بهذا قريشٌ عني أبدًا، لأعيُدنَّ إلى حالقٍ من الجبلِ (1)، ولأطَرحنَّ نفسي منه، فلأقتلَنَّها فلأستريحَنَّ ». قال«فخرجت أر يدُ ذلك، حتى إذا هنتُ في وسَطٍ من الجبلِ، سيُعتُ صوتًا من السماءِ يقولُ: يا مَيُدُ، أنت رسولُ الله، وأنا جبريلُ ». قال«فرفعتُ رأسي إلى السماءِ أنظرُ، فإذا جِبريل في صورة رجلٍ صاف قدميه في أُفق السماء، يقولُ: يا مَيُد، أنت رسولُ الله، وأنا جِبريلُ ». قال: فو قفتُ أنظرُ إليه، وشغَلني ذلك عما أردتُ، ما أتقدمُ ولا أتأخَّر، وجعلت أصرِف وجهي في آفاقِ السماءِ، ولا أنظرُ في ناحية منها إلا رأيتُه كذلك، فما زِلتُ واقفاا ما أتقدَّم أمامي ولا أرجعُ ورائي، حتى بعَثَت خديجةُ رُسلها في طلبي، فبلغوا مكةَ، ورَجَعوا إليها وأنا واقفٌ في مكاني ذلك، ثم انصرَف عني، وانصرفْت راجعاا إلى أهلِّ، حتى أتيتُ خديجة، فجلست إلى فخِذها مضيفاا، فقالت: يا أبا القاسمِ، أين كنت؟ فوالله لقد بعثتُ رسلِّ في طلبك حتى بَلَغوا مكةَ ورجَعوا إليَّ ». (1) (حَالِق): أي: من جبل عال

عدد الصفحات ١٤٣

مختصر دلائل النبوة‏|043 قال«قلت لها: إن الأبعدَ لشاعرٌ أو مجنونٌ، فقالت: أُعيذُ ك بالله من ذلك يا أبا القاسمِ، ما هان الله لِيصنَع ذلك بك، مع صدقِ حديثك، وعِظَم أمانتِك وحُسن خُلقُك، وصلتِك رحمَك. وما ذاك يا ابنَ عم؟ لقد رأيتَ شيئا؟ » قال«قلتُ: نعم، ثم حدثتُها الذي رأيت فقالت: أبْشرِ يا ابنَ عم ، واثبُت فوالذي نفسُ خد ة بيدِه، إني لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأُمة ». قال: ثم قامت فجمَعت عليها ثيابهَا، ثم انطلَقَت إلى ورقةَ بنِ نوفلَ بن أسَدٍ -وهو ابنُ عمها - وكان ورقةُ قد تنصرَّ وقرأ الكتب، وسمع من أهلِ التوراةِ وأهل الإنجيلِ، فأخبرَته بما أخبرَها به رسولُ الله ﷺ أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قُد وسٌ، قدوس، والذي نفسُ ورقةَ بيدِه، لئن كنتِ صدقتِني يا خديجةُ، لقد جاءه الناموسُ الأكبرُ، الذي كان يأتي مُوسى، وإنه لنبي هذه الأمةِ، فقولي له: فليثبُت. فرجعتْ خديجةُ إلى رسولِ الله ﷺ، فأخبرَته بقول ورقةَ، وسهَّل عليه ذلك بعضَ ما كان فيه من الهمِّ بما جاءه، فلما قَضَ رسول الله ﷺ على جِواره وانصرفَ، صنعَ فيه كما يصنَع، بدأ بالكعبَة، فطاف بها فلقِيه ورقةُ بن نَوفل وهو يطوفُ بالكعبة، فقال: يا أخي أخبرني بما رأيتَ وسمِعت، فأخبره رسولُ الله ﷺ. فقال له ورقةُ: والذي نفسِ بيدِه إنك لنبي هذه الأُمة، ولقد ج اءك الناموسُ الأكبرُ، الذي جاء موسى، ولتُكذَّبنَّ، ولتُؤذينَّ، ولتُخرَجنَّ، ولتُقاتَلن، ولئن أنا أدركتُ ذلك لأنصرنَّ الله تعالى نصراا يعلمُه، ثم أدنى رأسه فقبَّل يافوخَه، ثم انصرفَ رسولُ الله ﷺ إلى منزلِه، وقد زاده ذلك من قولِ ورقة ثباتاا، وخفَّف عنه

عدد الصفحات ١٤٤

044 |مختصر دلائل النبوة بعضَ ما كان فيه من الهمِّ (1). 68- عن أنسِ بن مالكٍ، قال: كان أبو ذرٍّ يَُدِّث أن رسولَ ا ﷺ قال: «فُرج سقفُ بيتي وأنا بيُكَّة، فنزل جِبريلُ عليه السلام، ففَرَجَ صدري حتى غسلَه من ماءِ زمزمَ، ثم جاءَ بطستٍ من ذَهب ممُتلئ حكيُةً، وإيمانًا، فأفرَغها في صدري، ثم أطبَقه»(2). 65- عن أنسٍ-وهو يَُدثُ عن ليلةِ أُسرِيَ بالنبي ﷺ- قال: بينَا رسولُ الله ﷺ نائمٌ أتاه ثلاثةُ نفرٍ قبل أن يُوحَى إليه وهو نائمٌ في المسجدِ الحرامِ، فقال أولهم: أيه م هو؟ فقال أوسَطُهم: هو خيرُهم. فقال آخرهم: خذوا خيرَهم. فلم يُكلِّموه حتى احتَمَلُوه فوضَ عُوه عند بئرِ زمزم، فتولاه منهم جِبريلُ، فشقَّ جبريلُ عليه السلام ما بين نحرِه إلى لَبَّتِه (3) حتى فرغَ من صدرِه وجوفِه، فغسلَهُ بماء زمزم حتى أنقى جوفَه، ثم أُتيَ بطستٍ من ذهب فيه تورٌ من ذهبٍ محشوًّا إيمانا وحكمةا، فحشَا به صدرَه ثم أطبَقَهُ (4). (1) أخرجه الفاكهي«أخبار مكة»0/50 (1011)، والطبري«تاريخه»1/311-311، والآجري «الشريعة»3/0032 (970)، والبيهقي «دلائل النبوة »1/002، وابن عساكر «تاريخ دمشق » 33/03. (2) أخرجه البخاري3301)، ومسلم033.) (3) (لَبَّتِه) اللَّبَّة: موضع القلادة من الصدر (4) أخرجه البخاري3571)، ومسلم031.)

عدد الصفحات ١٤٥

مختصر دلائل النبوة‏|045 (22) ذِكر إتيان جبريلَ النبيَّ صلى الله عليهما في صورته التي هي صورتُه 71- عن سليمانَ الشيبانيِّ قال: مَرَّ بنا زر بن حبيشٍ، فقمتُ إليه، فسألتُه عن قول الله: ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ﴾ [02] فقال زر : قال عبدُ ا رأى جبريلَ عليه السلام في صورته، له ست مئة جناحٍ (1). فأماهيفيةُ إلقاء الوحي إلى النبي ﷺ: 71- فعن عائشةَ، أن الحارثَ بن هشامٍ، سأل رسولَ ا ﷺ، قال: كيف يأتيك الوحيُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ: «أحيانًا يأتيني في مثلِ صلصلةِ الجرسِ، وهو أشده علَّ، فيُفصم عني، وقد وعيتُ ما قال، وأحيانًا يتيُثل ل الملكُ رجلاً، ويكليُني وأعي ما يقول» قالت عائشةُ: ولقد رأيتُه ينزل عليه الوحيُ في اليوم الشديدِ البرد، فينفصمُ عنه، وإن جبينَه ليتفصدُ عرقاا (2). فأما هيفيةُ أخذ النبي ﷺ القرآنَ عن جبريلَ عليه السلام: 72- فعن ابنِ عباسٍ، في قوله ﴿ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﴾[03 - 07] قال: كان النبي ﷺ يعالج من التنزيلِ شدةا، فكان يَركُ شفتيه. قال ابنُ عباس: إنما أُحرك شفتي، كما رأيتُ رسول الله يَرك شفتَيه، فأنزل الله: ﴿ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ﴾[03 - 07] قال (1) أخرجه البخاري3131)، ومسلم070.) (2) أخرجه البخاري1)، ومسلم1333.)

عدد الصفحات ١٤٦

046 |مختصر دلائل النبوة يجَمعه في قلبك، ثم تقرأه ﴿ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﴾ [02] يقول: استمِع، وأنصِت ﴿ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﴾ [09] قال: فكان النبي ﷺ بعد ذاك إذا انطلق جبريلُ قرأه كما أقرأه (1). قال الشيخُ : وجميعُ ما تقدَّمَ ذِكرُنا له من هذه الأخبارِ داخلٌ المعجزاتِ، وجرى الأمر فيه مرتباا، فأوله: ما كان عليه السلام يراه في منامه، كما رَوت عائشةُ أن أولَ ما بُدئ به : الرؤيا الصادقةُ، إذ الرؤيا الصادقة جزءٌ من أجزاءِ النبوة، فكانت الر ؤيا التي تجيءُ مثل فلق الصبحِ، مقدمةَ النبوة، ثم وجبَ أن يكون عليه السلام عالما بمَن يأتيه، فكان التَّخلِّ، والتوحيد في الجبال والغيران محبباا إليه، لوقوع ترائي الملك له خالياا، وليقع له عليه السلام المعرفةُ بمن يأتيه ويناديه، فأراه جبريلُ عليه السلام له نفسَه على صورةٍ مختلفة من جملتها: صورتُه التي هي صورته، لتكون صورةُ المباينةِ لصورةِ الآدميين آيةا له في صدق ما ادعاه، أنه مرسلٌ بالوحي إلى النبيِّ ﷺ، ويكون ما عدا هذه الصورةِ التي هي صور تُه تقريراا عنده لإتيانِه إليه في صورة مختلفةٍ، حتى كان أكثرُ ما كان يراه في صورة دِحية الكلبيِّ، وفيما تأول عبدُ الله بن مسعود، وعائشةُ، في قوله: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ﴾ [2] ببيان أن جبريلَ ترائى للنبي ﷺ بين السماءِ والأرضِ، في صورتِه التي عليها خُلق، وإن نظرَ ال نبي ﷺ إليه حين دنا منه متدلياا، حتى كان قربُ المجلسِ منه قابَ قوسين أو أدنى، وأنه لم يلاقِه في هذه الحالةِ، بل جلس منتبذاا عنه على سبيلِ التعظيمِ له، كالمجالس منَّا إلى سلطانه، وملكه مبايناا له مباعداا عنه، ففعل جبريلُ ذلك به ﷺ معظماا له، ثم عرَّفه حقيقةَ ما كان ناجاه به، فيُقرر بهذا (1) أخرجه البخاري5)، ومسلم002.)

عدد الصفحات ١٤٧

مختصر دلائل النبوة‏|047 عند رسولِ ا ﷺ إليه أنه ملكٌ، وهو رسولُ الله ﷺ إليه، آتاه الوحيَ من قِبَل الله، ولم يكن التدالي والد نو في ترائيه له، بل كان ذلك بعد الأولِ، ليكونَ التعريف على تدريج، إذ في المفاجأةِ غير مأمونٍ من دهشة تلحقُه، فجرى الأمرُ فيه على المعقول من الأمر الجميلِ. فأما غط جبريلَ عليه السلام غير مرةٍ، وقوله: اقرأ، فيقولُ: «ما أنا بقارئ» فيحتمل أن يكون منه على وجه التقريرِ له، لما كان عليه من الأُميَّةِ، فقرره بذلك، ثم أقرَأه، كما قرر الله موسى عليه السلام بالعصا، حين أراد أن يجعلَه ا حيةا، فقال: ﴿ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﴾ [07] ليخبرَه بحقيقةِ ما في يمينِه، حتى إذا قلبها حيةا تسعى، كان أبلغَ له في الحُجة، والتشجعِ في أداء الرسالةِ وتحملِها. ويَتمل أن يكون غط ه إياه إشارةٌ إلى ثقل الوحي، وأن وراءَ هذه القراءة وجهاا آخر، لا يظهر له فيه جبريلُ، وإنما يَعرف عليه السلام نزوله، بما يَدثُ له من الثقلِ، والغطيط، والبرَُحاءِ، وما في معناه وغير ذلك. ويَتمل أن يكون الغط تهَْيئةا لقبولِ الوحي، كما فعله في شَقِّه قلبه، وشرحِ من صدره، والله أعلم. وجميعُ ذلك من الأدلةِ والآيات، والمعجزاتِ التي يكون له ﷺ خاصةا في نفسِه، إذ الواجبُ في إثبات النبوةِ إقامةُ البرهان للرسولِ في نفسه، ليتقررَ عنده حقيقةُ رسالته، فيُؤذن له عند ذلك في الدعوة، ثم يُمد بالبراهين لأمتِه، وأهلِ دعوته، والله أعلم.

عدد الصفحات ١٤٨

048 |مختصر دلائل النبوة (21) فصل في ذكرِ حراسة السماءِ من استراقِ السمعِ، لثبوت بعثِه، وعلوِّ دعوتِه 73- عن ابنِ عباسٍ، قال: ما قرأ رسولُ الله ﷺ على الجنِّ، وما رآهم، انطلقَ رسولُ الله ﷺ في طائفةٍ من أصحابِه عامدينَ إلى سوقِ عُكاظ، وقد حِيْلَ بين الشياطين، وبين خبرِ السماءِ، وأُرسل عليهم الش هب، فرجعت الشياطينُ إلى قومِهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيلَ بيننا وبينَ ا لسماء، وأرسلت علينا الش هب. قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدثَ، فاضرِبوا مَشارقَ الأرض ومغاربهَا، فمَرَّ النفرُ الذين أخذوا نحو تهِامة، وهو بنخلٍ عامدين إلى سوقِ عُكاظ، وهو يصلِِّّ بأصحابه صلاةَ الفجرِ، فلما سمِعوا القرآنَ، استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حالَ بيننا وبين خبرِ السماءِ، فرجَعوا إلى قومِهم، فقالوا: يا قومنا ﴿ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ﴾ [0 - 1] فأوحى الله إ نبيِّه ﷺ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ...﴾ الآية [0](1). 74- عن علِِّّ بن الحسينِ، أن ابنَ عباسٍ أخبرَه عن رجلٍ من الأنصارِ، قال: بينما نحن جلوسٌ عند رسولِ الله ﷺ، إذ رُمي بنجمٍ فاستنارَ، فقال النبي ﷺ: «ما هنتُم تقولونَ لمثلِ هذا إذا رُمي؟ ». قالوا: الله ورسولُه أعلمُ، كنا نقولُ: وُلد الليلةَ رجلٌ عظيمٌ، ومات الليلةَ رجل عظيمٌ. (1) أخرجه البخاري773)، ومسلم009.)

عدد الصفحات ١٤٩

مختصر دلائل النبوة‏|049 فقال رسولُ ا ﷺ: «فإنها ل يُرمى بها لموتِ أحدٍ، ول لحياتِه، ولكن رب نا إذا قَضى أمرًا سبَّحه حمَلة العرشِ، ثم أهلُ السماءِ الذين يَلونهَم، ثم سبَّحه أهلُ السماءِ الذين يَلونهم، حتى يبلُغَ التسبيحُ أهل سماءِ الدنيا، ثم يقول الذين يَلون حمَلةَ العرشِ لحيُلة العرشِ: ماذا قال رب كم؟ فيجيبونهَم، فيستخبرُ أهلُ السيُوات بعضُهم بع ضًا، حتى يبلغَ الخبرُ هذه السماءَ الدنيا، فتخطفُ الجن السيُعَ، فيُلقونه إلى أوليائهم، فما جاؤوا به على وجهِه فهو صحيحٌ، ولكنهم يَقرِفونَ فيه ويَزيدون، فترُمى الشياطيُ بالنجومِ »(1). (1) أخرجه مسلم1119.)

عدد الصفحات ١٥٠